العِقْدُ في الهَواء

 

يَنقَطِعُ الخَيطُ مِن جِهَةِ المِشبَك، فتَتَسَلَّلُ اللآلِئُ مِن الكَفِّ أرتالاً. تَبلُغُ أُولاهُنَّ الحِجْرَ وما زالَتِ الأُخرى بَين الأنامِل، وفي لَمحَةِ بَصَر، يَغدو العِقْدُ على حالَتَينِ في آن: شَطرٌ مَنظومٌ وشَطرٌ مَنثور، تَتَخَلَّلُهُما مَسافَةٌ مِن الهَواء. ولِتِلك المَسافَةِ مُدَّة، ولها مِقدارٌ يَسَعُ المَرءَ قِياسَهُ لو كانَ بِيَدِهِ مِقياس، وما هي بِمِلكٍ لِأحَد. فالكَفُّ قَد أرسَلَت، والحِجْرُ لَمّا يَقبِضْ، وما تَفعَلُهُ اللآلِئُ بَينَهُما لا تَفعَلُهُ لِأجْلِ أحَد.

وقد نَزَّلَ أبو حَيّان التَّوحيديّ، في القَرنِ الرّابِعِ لِلهِجرَة، تِلك المَسافَةَ الهَوائيَّةَ مَنزِلَةَ التَّعريف؛ فَيَقولُ في تَقاييدِهِ الَّتي وَسَمَها بِـ«البَصائِر والذَّخائِر» مُعَرِّفاً البَلاغَة:

البَلاغَةُ هي الكَلامُ المُتَحَدِّرُ عَن الغَريزَةِ على رِسلٍ، تَحَدُّرَ الدُّرِّ سَقَطَ مِن عِقْدٍ أسْلَمَتهُ كَفُّ جارِيَةٍ إلى حِجْرِها، لا يُحمَلُ فيهِ اللِّسانُ على غَيرِ مَذهَبِ السَّجِيَّة، فَيَظهَرَ فيه قُبحُ التَّكَلُّف.

وَمَا يَعْنيه بِهذا أنَّ: الكَلامُ النّازِلُ عَن غَريزَةٍ في تُؤدَة، كَنُزولِ الدُّرَّةِ حين تَتَمَلَّصُ مِن عِقْدٍ أسْلَمَتهُ كَفُّ فَتاةٍ إلى حِجْرِها. ولا يُساقُ اللِّسانُ في طَريقٍ سِوى سَبيلِ طَبعِه، فلا يَجِدُ قُبحُ التَّكَلُّفِ مَكاناً يَظهَرُ فيه. وقد أدرَجَ مَن صَنَّفَ سيرَتَهُ هَذِه العِبارَةَ في بابِ «الطَّبع»، أي الفِطرَةُ والمَوهِبَةُ وما يُولَدُ الأَديبُ مَجبولاً عَلَيه، وتَصنيفُهُم صائِب. وتَرى الباحِثَةُ السُّورِيَّةُ وَضْحى أحمَد يُونُس في بَحثٍ حَديثٍ لَها أنَّ هَذا النَّصَّ مِعيارٌ لِمِقدارِ العَفوِيَّةِ الَّذي كانَ التَّوحيديُّ يَطلُبُهُ مِن الأَديب، ومَبلَغِ تَشَدُّدِهِ إن عُدِمَت. وجَميعُ القِراءاتِ لِهَذِه العِبارَة، بِما فيها قِراءَتُها، تُقَسِّمُها إلى المَقاماتِ الثَّلاثَةِ ذاتِها (الكَفُّ تُمَثِّلُ الغَريزَة، والدُّرَّةُ تُمَثِّلُ القَصيدَة، والحِجْرُ يُمَثِّلُ المُتَلَقّي)، ثُمَّ تَتَجادَلُ أيُّ مَقامٍ مِنها يَستَحِقُّ الفَضل. والحالُ أنَّ العِبارَةَ لا تَمنَحُ فَضلاً لِأحَد، وبِناؤُها النَّحويُّ غَريبٌ؛ فالدُّرَّةُ هي الفاعِلُ والسُّقوطُ هُوَ الفِعل، وتَظهَرُ كَفُّ الجارِيَةِ في صِلَةِ مَوصولٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالعِقْد، كَما يَلوحُ السَّبَبُ في ذاكِرَةِ مَن كانَ يَنظُرُ إلى وِجهَةٍ أُخرى.

وكانَ الرَّجُلُ الَّذي خَطَّ هَذا يَأكُلُ مِن كَدِّ يَمينِه. كانَ نَسّاخاً «وَرّاقاً»، يُجري جُمَلَ غَيرِهِ على يَدِهِ بِأجْر، فَتُفارِقُ مَخطوطاً لِتَدخُلَ آخَرَ مُروراً بِمِعصَمِه. وأكثَرُ ما بَقِيَ مِن سيرَتِهِ شَكوى طَويلَةٌ مِن الرُّعاةِ والمُتَنَفِّذين. وقَد نَعَتَهُ ياقوتٌ الحَمَويّ، جامِعُ سِيَرِ الأُدَباء، بشَيخِ الصُّوفيَّةِ وفَيلَسوفِ الأُدَباء، وما في أيٍّ مِن اللَّقَبَينِ إشارَةٌ إلى المالِ الَّذي لَطالَما نَشَدَه.

والوَرّاقُ أدرى النّاسِ بِتِلك المَسافَةِ الهَوائيَّةِ بِحُكمِ صَنعَتِه؛ فالسَّطرُ يُفارِقُ الصَّفحَةَ الَّتي أمامَهُ لِيَحُلَّ في الصَّفحَةِ الَّتي تَحتَ قَصَبَتِه، وما دامَت القَصَبَةُ تَقطَعُ المَسافَة، فإنَّ السَّطرَ يَحيا فيه، مُتَجَرِّداً عَن كِلا الكِتابَين. ولَمّا يَصِفُ التَّوحيديُّ الإنشاء، فإنَّهُ يَرسُمُ المَسارَ نَفسَهُ في مَقاماتٍ ثَلاثَة:

الإنشاءُ صِناعَةٌ مَبدَؤُها مِن العَقلِ ومَمَرُّها على اللَّفظِ وقَرارُها في الخَطِّ.

فالكِتابَةُ صِناعَةٌ يَنبَثِقُ أصلُها مِن العَقل، ويَجري عُبورُها على الكَلِمَة، ويَستَقِرُّ مَثواها في الخَطّ. والمَقامُ الأَخيرُ هُوَ حِرفَتُه. فَما تَكادُ الجُملَةُ تُفارِقُ الذِّهنَ حَتّى تَستَوي على السَّطر، في المَوضِعِ الوَحيدِ الَّذي تَنالُهُ يَدُ النَّسّاخ. دُرَّةٌ، وجُملَةٌ، ورَجُلٌ بِيَدِهِ قَصَبَة: ثَلاثَةُ أشياءَ في حالِ عُبور، وما الرَّجُلُ إلّا الواسِطَةُ بَينَها.

وفي اللَّيلَةِ الخامِسَةِ والعِشرين مِن «الإمتاعِ والمُؤانَسَة»، يُلقي الوَزيرُ أبو عَبدِ اللهِ العارِضُ مَسائِلَهُ على التَّوحيديِّ في نَفَسٍ واحِد:

إلى أيِّ حَدٍّ يَنتَهِيان، وعلى أيِّ شَكلٍ يَتَّفِقان، وأيُّهُما أجمَعُ لِلفائِدَة، وأرجَعُ بالعائِدَة، وأدخَلُ في الصِّناعَة، وأولى بالبَراعَة؟

يَتَساءَلُ عَن مَداهُما، وصورَةِ اتِّفاقِهِما، وأيُّهُما أعظَمُ نَفعاً وأكثَرُ ريعاً، وأيُّهُما أرسَخُ في الصِّناعَةِ وأحَقُّ بالإتقان. ويَقصِدُ بِهِما الشِّعرَ والنَّثر. وهي مُفرَداتٌ تَليقُ بِدَفاتِرِ الحِساب؛ فَوَزيرٌ يَسألُ عَن الأَدَبِ كَما يَسألُ عَن غَلَّةِ حَصاد، فَيُجيبُهُ التَّوحيديّ، الَّذي كانَ مَرهوناً في لَياليهِ لِأمْثالِ هؤلاءِ الرِّجال، باستِحْضارِ الشُّهودِ وإعلانِ أنَّ كُلَّ ما سَيَرويهِ سَيَكون:

مَنسوباً إلَيهِم ومَحسوباً عَلَيهِم.

يَحضُرُ الشُّهود؛ فَيَقولُ الكَرخيُّ إنَّ النَّثرَ هُوَ الأصلُ والشِّعرَ فَرعُه، والأصلُ يَفضُلُ الفَرع. ويَستَدِلُّ ابنُ طَرارَةَ بنَصِّ الكِتاب، تِلك الآيَةِ الَّتي وُصِفَ فيها وِلدانُ الجَنَّةِ باللُّؤلُؤ، مُشيراً إلى لَفظَةٍ بِعَينِها:

إذا رَأيتَهُم حَسِبتَهُم لُؤلُؤاً مَنثوراً.

يَقولُ: لُؤلُؤاً مَنثوراً، مَعَ أنَّ النَّصَّ كانَ يَحتَمِلُ «مَنظوماً»، واللهُ أعلَمُ بالفَرق. أمّا أبو سُلَيمانَ المَنطِقيّ فَيَأتي بِجَوابِهِ مِن السَّماءِ قائِلاً:

ونُجومُ السَّماءِ مُنتَثِرَةٌ على نِظام، إلّا أنَّ نِظامَها في حَدِّ العَقل، وانتِثارَها في حَدِّ الحِسِّ.

سَماءٌ واحِدَةٌ وحُكمان؛ فالعَينُ تُبصِرُ لآلِئَ مَنثورَة، والعَقلُ يُصِرُّ على وُجودِ خَيطٍ لَم يَرَهُ قَطّ.

والكَلِمَتانِ المَقصودَتانِ هُنا تَنْتَمِيان إلى عُرْفِ الصَّنْعَة؛ فـ«النَّظمُ» هُوَ فِعلُ نَظمِ الخَرَز، و«النَّثرُ» هُوَ فِعلُ نَثرِه. وإنَّ أقدَمَ سِجالٍ في النَّقدِ العَرَبيّ، والَّذي لا تَفتَأ اللَّيلَةُ الخامِسَةُ والعِشرونَ تُعيدُ إخراجَهُ في حُلَّةٍ جَديدَةٍ لِكُلِّ ضَيف، لَهُوَ سِجالٌ بَين عِقْدٍ وقَبضَةٍ مِن اللآلِئِ المَنثورَة. وكُلُّ فَريقٍ يَحْتَالُ في حُجَّتِهِ على مَذهَبِه؛ فَأصحابُ العِقْدِ يُباهونَ بالشَّكل، حَيثُ يَقولُ السَّلاميُّ إنَّ لِلشِّعرِ صورَةً تَبقى ولِلنَّثرِ صورَةً تَضيع:

وإنَّ صورَةَ المَنظومِ مَحفوظَةٌ وصورَةَ المَنثورِ ضائِعَة.

ويُشيرُ أصحابُ القَبضَةِ المَنثورَةِ إلى السَّماء، حَيثُ اللآلِئُ مُتَناثِرَةٌ بِصُنعِ الله. ولا أحَدَ يَذكُرُ الخَيط، مَعَ أنَّهُ العُنصُرُ الوَحيدُ الَّذي لا يُلتَفَتُ إلَيهِ في الحالَتَين؛ فَفي العِقْدِ يَتَوارى خَلفَ الدُّرّ، وفي الكُومَةِ يَتَدَلّى مِن القَبضَةِ بالِياً خاوِياً.

أمّا حُكمُ أبي سُلَيمان فَيَأتي مُتَأخِّراً، ويَبدو في ظاهِرِهِ حَلّاً وَسَطاً ما لَم يُقرَأْ على ضَوءِ المَشهَدِ الافتِتاحيّ:

وأحسَنُ الكَلامِ ما قامَت صورَتُهُ بَينَ نَظمٍ كَأنَّهُ نَثرٌ، وبَينَ نَثرٍ كَأنَّهُ نَظم.

وإذا قُرِئَت العِبارَةُ على مُهْل، وَجَدتَها تَصِفُ حَدَثاً، تَصِفُ عِقْداً في مُنتَصَفِ سُقوطِه؛ حَيثُ لا تَزالُ اللآلِئُ مُحافِظَةً على تَقَوُّسِ الخَيطِ في حين أنَّها قَد أذعَنَت لِلأرض. فَالِاتِّجاهُ غَيرُ مَقطوعٍ بِه؛ أشِعرٌ هُوَ يَتَحَوَّلُ إلى نَثر، أم نَثرٌ أُمسِكَ بِهِ لَحظَةً قَبل أن يَجمُدَ فَيَصيرَ شِعراً؟ وهَذِه الحَيرَةُ هي مَناطُ المَدح. لَقَد طَلَبَ الوَزيرُ غالِباً، فَمَنَحَهُ المَنطِقيُّ لَحظَة.

والَّذي يَحفَظُ لِهَذِه اللَّحظَةِ تَماسُكَها هُوَ الصَّنْعَة، والصَّنْعَةُ في مَدائِحِ التَّوحيديِّ تَبدو وكَأنَّها تَتَلاشى. وهاكَ وَصفَهُ لِكِتابَةِ الجاحِظ، أحَبِّ الكُتّابِ إلى قَلبِه:

ومَتى رأيتَ ديباجَةَ كَلامِه رأيتَ حَوكاً كَثيرَ الوَشْيِ قَليلَ الصَّنعَةِ بَعيدَ التَّكَلُّف.

وما الوَشْيُ إلّا صَنعَةٌ بِكُلِّ مِقدارٍ يُمكِنُ تَصَوُّرُه. ولَكِنَّهُ يَعني الصَّنْعَةَ الَّتي غارَت في الباطِنِ وتَوارَت خَلفَ السُّطور، كَما يَتَوارى الخَيطُ تَحت الدُّرّ. فالإنجازُ الَّذي يُثني عَلَيهِ هاهُنا إنَّما هُوَ التَّخَفّي. ويَزيدُهُ مَدحاً آخَرَ هُوَ بِمَنزِلَةِ الجَردِ والحَصر؛ فَحين يُعَلِّلُ عَجزَ ابنِ العَميدِ عَن مُحاكاةِ الأُستاذ، يَقولُ إنَّ طَريقَةَ الجاحِظِ تُسَيِّرُها عَشْرُ خِصالٍ نادِراً ما تَجتَمِعُ في مَرءٍ واحِد:

بالطَّبعِ والمَنشَأِ والعِلمِ والأُصولِ والعادَةِ والعُمُرِ والفَراغِ والعِشقِ والمُنافَسَةِ والبُلوغ.

ثُمَّ يُتبِعُها في النَّفَسِ ذاتِهِ قائِلاً:

وهذِهِ مَفاتيحُ قَلَّ ما يَملِكُها واحِد، وسِواها مَغالِقُ قَلَّ ما يَنفَكُّ مِنها واحِد.

تَأمَّلْ هَذِه القائِمَةَ كَما يَتَأمَّلُها النَّسّاخُ الَّذي يَتقاضى أجرَهُ بالصَّفحَة؛ سَتَجِدُ الفَراغَ هُوَ الخَصلَةَ الَّتي يَجهَلُها أيمَا جَهل، أمّا العِشقُ والمُنافَسَةُ فَهُما الصِّفتان اللَّتان تَلقَيان أقَلَّ قَدرٍ مِن التَّرحيبِ على مَوائِدِ الرُّعاة. ومِن بَين العَشَرَة، يَنفَرِدُ «الطَّبعُ» وَحدَهُ بِمَعنى الفِطرَةِ المَحصور. أمّا التِّسعَةُ الأُخرى فَهي حَصيلَةُ ما يَجري لِلمَرءِ عَبرَ السِّنين: مَكانُ نَشأتِه، ومُدَّةُ مُجالَسَتِهِ لِلكُتُب، ومَن أحَبّ، ومَن رامَ التَّفَوُّقَ عَلَيه. وعَلَيه، فإنَّ الدُّرَّةَ الَّتي تَسقُطُ بِلا عَناءٍ لَها تاريخٌ سالِفٌ مُؤَلَّفٌ مِن عَشْرِ حالات، وهَذا السُّقوطُ اليَسيرُ قَد كَدَحَت لِأجْلِهِ حَياةٌ بِرُمَّتِها، مُتَمَثِّلَةً في أن تَكون شَخصاً بِعَينِهِ يَنشَأُ في دارٍ بِعَينِها.

وأمّا ابنُ العَميد، في ضَوءِ ذَلِك، فَقَد كان يَمْلِكُ الخَيط، دَرَسَ إيقاعاتِ أُستاذِهِ، و:

ظَنَّ أنَّهُ إن تَبِعَهُ لَحِقَه، وإن تَلاهُ أدرَكَهُ، فَوَقَع بَعيداً مِن الجاحِظ.

فَتَخَيَّلْهُ يَعقِدُ العُقَدَ في الهَواءِ عَن ثِقَةٍ مُحكَمَة، رَجُلاً بِيَدِهِ خَيطٌ مَتينٌ خاوٍ مِمّا يُنظَمُ فيه. ومُصابُ الصّاحِبِ بن عَبّاد كان أعظَمَ في حِسبانِ التَّوحيديّ؛ إذ كان أوَّلُ ما بَلاهُ فِقدانُ الطَّبعِ الَّذي هُوَ «العَمود»، وما عَساهُ يَكونُ الخَيطُ بِلا لآلِئَ سِوى عَمودٍ بِلا سَقفٍ يَرفَعُه.

«الحِجْرُ» هُوَ الرُّكنُ الثّالِث، وحَظُّهُ مِن الدِّراسَةِ هُوَ الأَقلّ. وكُلُّ نِزاعٍ مَضى كان مَدارُهُ الكَفَّ والخَيطَ والدُّرَّة، حَتّى بَدا الحِجْرُ وكَأنَّهُ آخِرُ اسمٍ في العِبارَةِ يَلي الكَفَّ مُباشَرَةً، ولَم يَتَساءَل أحَدٌ عَن عَمَلِه. ولَكِنَّ التَّوحيديَّ تَساءَلَ في «الهَوامِلِ والشَّوامِل» على لِسانِ مِسكَوَيه، الَّذي رامَ مَعرِفَةَ السِّرِّ وَراءَ انقِيادِ المَرءِ بِكُلِّيَّتِهِ لِلصورَةِ الحَسَنَة، حَداقَةً وسُهاداً ووَجَعاً. ويَصِفُ الجَوابُ في لُبِّهِ الحِجْرَ:

اشتاقَت إلى الِاتِّحادِ بِها، فَنَزَعَتها مِن المادَّةِ واستَثبَتَتها في ذاتِها وصارَت إيّاها.

فالنَّفسُ تَتوقُ إلى الِاتِّحادِ بالصورَة، فَتَنتَزِعُها مِن مادَّتِها، وتُثَبِّتُها في ذاتِها وتَصيرُ هي إيّاها. والحِجْرُ يُؤَدّي الفِعلَ نَفسَه؛ فَيَتَلَقّى الدُّرَّةَ مِن سُقوطِها ويَهَبُها مُستَقَرّاً. وهَذا يَعني أنَّ تِلك المَسافَةَ الهَوائيَّةَ كانَت أبَداً حَدَثاً لَهُ غايَةٌ لا تَملِكُ الدُّرَّةُ إدراكَها، إذ لا خِيارَ لَها في السُّقوط، فَكان لابُدَّ لِشَيءٍ آخَرَ أن يُهَيِّئَ المَكانَ الَّذي يَنتَهي إلَيهِ هَذا السُّقوط. وأفعالُ التَّوحيديِّ الَّتي يَصِفُ بِها مُآلَ الكَلامِ المُحكَمِ إذا ما بَلَغَ مَسامِعَ الجُمهورِ أفعالٌ غَريبَة؛ فَيَقولُ إنَّ النَّصَّ إذا ما نَفَضَ عَن نَفسِهِ غُبارَ التَّكَلُّفِ يَصيرُ:

بَليغاً مَقبولاً رائِعاً حُلواً تَحتَضِنُهُ الصُّدورُ وتَختَلِسُهُ الآذان، وتَنتَهِبُهُ المَجالِسُ، ويَتَنافَسُ فيهِ المُنافِسُ بَعدَ المُنافِس.

الفِعلُ الأَوَّلُ مِن شَأنِ الحِجْر، وأمّا الثّاني والثّالِثُ فَمِن شِيمَةِ اللُّصوص، إذِ «الاختِلاسُ» خَطفُ شَيءٍ مِن يَدٍ لا تَزالُ قابِضَةً عَلَيه، و«الانتِهابُ» سَلب. وهُوَ يُورِدُها مَورِدَ المَدح؛ فَأفضَلُ الجُمَلِ في تَقْديرِهِ هي الَّتي لا يَملِكُ النّاسُ أنفُسَهُم عَن سَلبِها. فالدُّرَّةُ المُعَلَّقَةُ في الهَواءِ غَنيمَةٌ قَيدَ التَّكْوين، وتِلك المَسافَةُ الهَوائيَّةُ الفاصِلَةُ بَين انفِلاتِ الخَيطِ وأوَّلِ كَفٍّ تُطبِقُ على أوَّلِ دُرَّة، هي البُرهَةُ الوَحيدَةُ في وُجودِها الَّتي تَكونُ فيها طَليقَةً حُرَّة.

ولَم تَكُن «الحُجورُ» المُتاحَةُ لَهُ سِوى حُجورِ الوُزَراء؛ فالرَّجُلُ الَّذي خَطَّ أدَقَّ خَريطَةٍ لِلحِجْرِ في النَّقدِ العَرَبيّ كان، بِشَهادَتِهِ على نَفسِه، سَيِّئَ الحَظِّ مَعَ الحُجورِ الحَقيقيَّة. وفي «المُقابَساتِ» خَبَرُ صَبِيٍّ يُغَنّي في مَكانٍ ما، لَم يُدَوِّن أحَدٌ أين هُوَ، ولا ما اسمُه، يَستَرِقُ التَّوحيديُّ السَّمعَ إلَيهِ فَيَقول:

لَو كانَ لِهذا الصَّبِيِّ مَن يُخَرِّجُهُ ويُعنى بِه ويَأخُذُهُ بالطَّرائِقِ المُؤَلَّفَةِ والألحانِ المُختَلِفَة لَكانَ يَظهَرُ أنَّهُ آيَةٌ ويَصيرُ فِتنَة.

كَلِمَةٌ تَجمَعُ بَين السِّحرِ والِاضطِرابِ في لَفظَةٍ واحِدَة. فالصَّبِيُّ دُرَّةٌ كامِلَة، كُلُّهُ فِطرَةٌ وطَبع، والحُكمُ الصّادِرُ بِحَقِّهِ مَشروطٌ بـ«لَو كان». فَلا خَيطَ يَنظِمُه، ولا حِجْرَ يَتَلَقّاه، وغَريبٌ رابِضٌ في طَرَفِ الغُرفَةِ يَرسُمُ مُستَقبَلَهُ في صِيغَةِ الشَّرطِ والاحتِمال.

لِنَعُد إلى ابنِ طَرارَةَ ولآلِئِهِ المَنثورَة. إنَّ الآيَةَ الَّتي يَستَشهِدُ بِها تَتَحَدَّثُ عَن وِلدانٍ يَطوفون بَين المُنعَمين في الجَنَّة، مِن نَضارَتِهِم وكَثرَتِهِم يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ إلَيهِم كَأنَّهُم لُؤلُؤٌ مُبَدَّدٌ على البِساط. وقَد استَعارَ النُّقّادُ التَّشبيهَ لِلنَّثر، والمَقصودُ الأَوَّلُ مِنهُ هُوَ الصَّبِيّ. فالحُجَّةُ المُستَمَدَّةُ مِن النَّصِّ المُقَدَّسِ على شَرَفِ النَّثرِ تَنطَوي في جَوفِها على طِفل، وعلى بُعدِ إحدى عَشْرَةَ صَفحَةً مِن تِلك الحُجَّة، يَقِفُ نَسّاخٌ أمامَ طِفلٍ آخَرَ وَيَدعوهُ «آيَة». وإنَّ نَبرَةَ الشَّرطِ في صَوتِهِ لَتَقَعُ في أُذُني وَقْعَ رَجُلٍ يَتَحَدَّثُ عَن صَبِيّ، ولَكِنَّهُ يَعني أُناساً آخَرين. ولَستُ أدري أيَّهُم يَقصِد.

تَبدَأُ الدُّرَّةُ مِن حَبَّةِ رَمل، أو شَيءٍ لا شَأنَ لَهُ بِجَوفِ المَحارَة. ولَمّا كان الحَيَوانُ قاصِراً عَن لَفظِها، فإنَّهُ يَكسو هَذا الدَّخيلَ عَبرَ السِّنين في ظُلمَةِ الأعماق، طَبَقَةً إثرَ طَبَقَة، مِن المادَّةِ المَلْساءِ ذاتِها. حَتّى إذا ما غَلُظَت الطَّبَقاتُ واستَغلَظَت، استَحالَت الحَصاةُ أرَقَّ شَيءٍ في البَحرِ وألطَفَه. فَما الدُّرَّةُ إلّا جُرحٌ خَضَعَ لِلتَّنقيحِ حَتّى أشرَقَ وسَطَع. وإن شَقَقتَها، تَكَشَّفَت لَكَ مُسَوَّداتُها.

وقَدِ اختارَ التَّوحيديُّ هَذا الرَّمزَ لِيُعَبِّرَ بِهِ عَن الفِطرَةِ الَّتي لا كَدحَ فيها. فَنِظامُهُ النَّقديُّ بِرُمَّتِهِ يُقَدِّمُ الطَّبعَ على الصَّنْعَة، ويُفصِحُ عَن ذَلِك مُسْتَعيراً صورَةَ النَّسيجِ قائِلاً:

إذا كانَ ظُهورُ القُطنِ بالطَّبيعَةِ وظُهورُ الثَّوبِ بالصِّناعَة فَلَيسَ لِهذِهِ أن تَعرِضَ لِهذِه.

فالتَّراتُبِيَّةُ جَلِيَّة؛ ولَمّا رامَ التِماسَ رَمزٍ لِيُسرِ الطَّبع، انْتَقى الجَوهَرَةَ الفَريدَةَ الَّتي يَصنَعُها كائِنٌ حَيٌّ في حين تَكمُنُ أُخرَياتُها في الصَّخرِ تَنتَظِرُ مَن يَستَخرِجُها. جَوهَرَةٌ تُصنَعُ على مُهْل، حَول مَوضِعِ ألَمٍ واغتِياب، بِعَمَلِيَّةٍ كانَت مُفرَداتُ صَنعَتِهِ المَنطِقيَّةِ سَتُدرِجُها حَتماً تَحت مُسَمّى «كَدِّ الرَّوِيَّة» وألَمِ التَّفَكُّر. وهَذِه العِبارَةُ شَطرٌ مِن ثُلاثِيَّةِ أبي سُلَيمان المَشهورَة:

فَضيلَةُ عَفْوِ البَديهَةِ أنَّهُ يَكونُ أصفى، وفَضيلَةُ كَدِّ الرَّوِيَّة أنَّهُ يَكونُ أشفى، وفَضيلَةُ المُرَكَّبِ مِنهُما أنَّهُ يَكونُ أوفى.

والدُّرَّةُ هي المَقامُ الثّالِث؛ فَبُطءُ المَحارَةِ هُوَ كَدُّ الرَّوِيَّة، والبَريقُ الَّذي يَتَجَلّى بَهجَةً ونِعمَةً هُوَ عَفوُ البَديهَة. ومَعاجمُ اللُّغَةِ تَجعَلُ كَلِمَةَ «العَفوِ» حَمّالَةً لِمَعنَيَينِ في آنٍ واحِد: الصَّفحُ والمُسامَحَة، والزِّيادَةُ الَّتي تَأتي عَن غَيرِ مَسألَة. وبِهَذا التَّأويل، تَغدو عِبارَةُ «عَفوِ البَديهَةِ» بِمَثابَةِ عَفْوٍ عامّ؛ وما يُتَجاوَزُ عَنْهُ ويُغتَفَرُ إنَّما هُوَ أثَرُ المَشَقَّةِ والافتِعال.

ولا شَكَّ أنَّ تِلك الحَصاةَ لابُدَّ أن تأتِيَ مِن مَكانٍ ما، وعِند التَّوحيديِّ تَترَبَّعُ الخِصالُ المُرَشَّحَةُ على تِلك القائِمَةِ العُشارِيَّة: العِشقُ والمُنافَسَة. وإنَّ لِدِفاعِهِ عَن «الطَّبعِ» حَرارَةً، وتِلك الحَرارَةُ تَرتَفِعُ كُلَّما دارَ الحَديثُ عَن ذَوي الجاهِ مِمَّن لا حَظَّ لَهُم مِن المَوهِبَة. وتَسْمَعُ يُونُس، وهي تَقرَأُ الصَّفَحاتِ ذاتَها، دِفاعاً ثانِياً يَسري تَحت الأَوَّل؛ فَما يَبدو في ظاهِرِهِ ذَوداً عَن «الطَّبع»، على حَدِّ تَعْبيرِها، إنَّما هُوَ في الجَوهَرِ حِمايَةٌ لِهُوِيَّة، ودِفاعٌ عَن اللِّسانِ العَرَبيِّ ضِدَّ الأَعاجِمِ الَّذين تَعَلَّموا مُحاكاتَه. فَثَمَّةَ طَبَقاتٌ فَوقَ طَبَقات: نَظَرِيَّةٌ عَن الخُلوِّ مِن الصَّنْعَةِ أُسِّسَت على غُصَّةٍ ومَظلَمَة، ومَظلَمَةٌ بُنِيَت على كِيان، وكِيانٌ قَرَّ في النِّهايَةِ فَوقَ شَيءٍ غَيرِ مُدَوَّنٍ في المَركَز، بُنِيَ كُلُّ ما سِواهُ لِيُداريَه. ولَيسَ لِأحَدٍ أن يَشُقَّهُ لِيَنظُرَ ما فيه، فالحِجْرُ يَتَلَقّى الظّاهِرَ وَحدَه، والظّاهِرُ حَسَنٌ بَديع.

ويُضيفُ كُتّابُ السِّيَرِ القُدامى تَفصيلَةً أخيرَة؛ إذ يَقولون إنَّهُ في أواخِرِ أيّامِهِ أحرَقَ كُتُبَه، ودافَعَ عَن صَنيعِهِ هَذا في رِسالَةٍ خَلَّدَها التُّراثُ مَنسوبَةً إلَيه. والكِتابُ المَطروحُ في النّارِ يَفعَلُ فِعلَ العِقْدِ إيّاه، غَيرَ أنَّ وِجهَتَهُ صُعوداً لا نُزولاً، وإيقاعَهُ أسرَع، ولا حِجْرَ يَنتَظِرُهُ في أيِّ مَكان. فَالَّذين يَجمَعون نَظَرِيَّتَهُ في الجَمالِ إنَّما يَلتَقِطونَها مِن الأَرض، دُرَّةً دُرَّة، مِن غُرَفِ ثَمانيَةِ كُتُب. ويَصِفُ أحَدُهُم هَذا العَمَلَ مِن حَيثُ لا يَقصِد؛ إذ يَقولُ عِزَّت السَّيِّد أحمَد إنَّ التَّوحيديَّ نَثَرَ نَظَرِيَّتَهُ في الفَنِّ عَبْرَ كُتُبِهِ كَمَن:

نَثَرَ اللُّؤلُؤَ بَينَ حَبّاتِ العِقْد.

بَين حَبّاتِ العِقْد. تِلك صورَةٌ لِلآلِئَ مَنثورَةٍ قَد تَخَلَّلَت أُخرى مَنظومَة، لِعِقْدٍ قَد تَسَمَّرَ لِلأَبَدِ في مُنتَصَفِ سُقوطِه، في دارٍ فُرِشَت أرضُها بالجَواهِر، وما بَرِحَت كَفُّ الجارِيَةِ مُعَلَّقَةً فَوقَ حِجْرِها، مَقبوضَةً شَيئاً يَسيراً، مُمسِكَةً بِقِطعَةٍ مِن خَيطٍ عارٍ تَطَرَّفَتْهُ عُقدَةٌ رَخْوَة. وهَذِه العُقدَةُ هي الجُزءُ الوَحيدُ في العِقْدِ بِأسرِهِ الَّذي عَقَدَهُ أحَدُهُم عَمداً وقَصداً، فَلِذا كان الجُزءَ الوَحيدَ المُعَرَّضَ لِلإخفاق. فَإذا ما تَرَاخَت العُقدَةُ وانفَلَت الخَيط، بَدا كُلُّ شَيءٍ بَعدَ ذَلِك وكَأنَّهُ مِن صُنعِ الطَّبيعَةِ المَحض.

ولابُدَّ لِأحَدٍ أن يَجثُوَ على رُكبَتَيهِ لِيُحصِيَ ما سَقَط، ومُحالٌ أن يَعلَمَ أحَدٌ كَم دُرَّةً كانَت نِظاماً في الخَيطِ حين انقَطَع.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق