النَّجمُ الَّذي حَسِبتُهُ نَفسي
مَن لَم يَبنِ بَيتاً بَعدُ فَلَن يَبنِيَه، ومَن كانَ وَحيداً سَيَبقى وَحيداً».
راينر ماريا ريلكه، «يَومٌ خَريفيّ».
ثَمَّةَ مَكرٌ خَفيٌّ في تَساقُطِ الأَوراق. فَمِن بَعيدٍ، تَبدو الشَّجَرَةُ وكَأنَّها تُسلِمُ جَسَدَها لِلأرضِ، ناثِرَةً بَيِّنَةَ صَيفِها، ومُتَخَلِّيَةً عَن راياتِها الخَضراءِ الصَّغيرَةِ الَّتي كُنّا نَعرِفُها بِها. أمّا عَن كَثَبٍ، فَتَتَجَلّى لِلرّائي أغصانُها، وتَنبَثِقُ المَسافاتُ بَينَها؛ فَتَغدو هَندسَةُ امتِدادِها، وما اتَّخَذَتهُ مِن سُبُلٍ مُلتَويَةٍ في سالِفِ السِّنين، ومَواضِعُ تَخَلّي غُصنٍ عَن آخَر، مَرئيَّةً لِلعِيان. وما كانَت تَحجُبُهُ وُفرَةُ الأَوراقِ يَكتَسِبُ دِقَّةً مُخيفَة.
ولَطالَما جالَ في خاطِري: هَل تُشبِهُ النَّفسُ الشَّجَرَةَ في هَذا الشَّأن؟ وهَل ما نَدعوهُ اكتِشافاً لِلذّاتِ ما هُوَ إلّا ذَلِكَ المَسعى الطَّويلُ الشّاقُّ لِفُقدانِ ما كانَ يَجعَلُنا مَعروفين؟
وفي هَذا القَولِ قَسوَةٌ بالِغَة. فَقَد نُشِّئنا عَلى اقتِفاءِ أثَرِ الهُويَّةِ كَكَنزٍ دَفينٍ، يَقَرُّ تَحتَ رُكامِ آراءِ الآخَرين، مُرتَقِباً مَوسِمَ استِخراجِه. وكَثيراً ما نُدعَى لِتَخَيُّلِ الذّاتِ الحَقَّةِ مَلِكاً دَفيناً يَتَحَلّى بِالصَّبر، غافِياً تَحتَ غِطاءِ العادات، ورِداءِ الخَجَل، وما أسبَغَهُ عَلَينا الأَهلُ والعاشِقونَ وسُلُطاتُ الدُّنيا المَجهولَةُ مِن أسماء؛ لِيَنهَضَ يَوماً سَليماً مُعافى، قَد صَقَلَتهُ ظُلمَةُ الأيّام، حامِلاً بَصمَةً لا تُخطِئُها العَين.
وإنّي لَأَرتابُ في هَذا الخَيالِ الأَثَريّ؛ لِأَنَّهُ يُضفي عَلى النَّفسِ قِدَماً مُفرِطاً، ويُعفيها مِنَ المَسؤوليَّة، مُفتَرِضاً أنَّ كُلَّ ما غارَ في الأَعماقِ يَقومُ دَليلاً قاطِعاً عَلينا؛ وكَأنَّ العُمقَ مَزيَّةٌ أخلاقيَّة، أو كَأنَّ الشَّيءَ الدَّفينَ ظَلَّ يَنتَظِرُ في طُهرٍ بَريءٍ بَينَما كانَ المَرءُ الحَيُّ يَقتَرِفُ خَطاياهُ مِن فَوقِه. فَجُذورُ الشَّجَرَة، في نِهايَةِ المَطاف، قَد تُغَذّي سُمّاً زُعافاً. وقَد يَكونُ الدّافِعُ ضارِباً في القِدَم، مَعَ استِحقاقِهِ أن يُنبَذ. وقَد تَحيا رَغبَةُ الطُّفولَةِ حَتّى المَشيبِ بِمُجَرَّدِ التِّكرار، فَتُحسَبُ قَدَراً مَحتوماً، حَتّى لَتُبنى حَياةٌ فَنِّيَّةٌ بِرُمَّتِها عَلى رِعايَةِ جُرحٍ قَديم، يَغدو عِندَ صاحِبِهِ أَعظَمَ شَأناً مِنَ الحَياةِ الَّتي أورَثَتهُ إيّاه.
ولَعَلَّ النَّفسَ أقرَبُ إلى نَسَقِ الأَغصانِ مِنها إلى الشَّيءِ المَخبوء؛ وقَد تَتَجَلّى حَقيقَتُها في النِّظام، وفي العَلاقاتِ الغَريبَةِ بَينَ أُمورٍ لا تُفَسِّرُ شَيئاً إن نُظِرَ إلَيها مُتَفَرِّقَة. قَد يَحمِلُ المَرءُ رَغَباتٍ مُتَناقِضَةً ويَبقى هُوَ هُوَ؛ رَقيقاً في مَجلِسٍ، شَديداً قاسيًا في آخَر، يَجودُ عَلى الغُرَباءِ بِعَطاءٍ عَجيب، ويَسِفُّ سَفافَةً غَريبَةً مَعَ أقرَبِ النّاسِ إلَيه. وَما الوَحدَةُ الَّتي نُسبِغُها عَلَيهِ إلّا إنجازٌ بِأَثَرٍ رَجعيّ، وخَطٌّ يُرسَمُ فَوقَ السُّلوكِ بَعدَ انقِضائِه.
ويَستَهويني الخَريفُ لِأَنَّهُ يَجلُو هَذِهِ المُعضِلَةَ دونَ أن يَأتيَ لَها بِحَلّ. تَنفُضُ الشَّجَرَةُ وَرَقَها فَيَسهُلُ قِراءَتُها، غَيرَ أنَّ أغصانَها العاريَةَ لا تُفصِحُ قَطعاً عَمّا سَتُنبِتُهُ في أَبرِيل؛ فَشَكلُها أثَرٌ لِتاريخٍ مَضى، لا نُبوءَةٌ تُحيطُ بِما هُوَ آت. وأحسَبُ أنَّ مُلهِمَةَ الشِّعرِ (رَبَّةَ الفَنّ) تَسكُنُ في مَطاوِي هَذا الفَرق. عادَةً ما يُجعَلُ لَها مَقامٌ ألطَف؛ تُصَوَّرُ بِمُحاذاةِ نافِذَة، وفي حِجرِها كِتاب، تَحُفُّ بِها أوراقٌ نُحاسيَّةُ اللَّون، وتَزورُ الشّاعِرَ حينَ تَشتَدُّ كآبَةُ الحَياةِ لِتَحتَمِلَ المَجاز، فَتَضَعُ يَدَها عَلى كَتِفِه، لِتَبدَأَ القَصيدَة. ولَم أقتَنِع يَوماً بِهَذِهِ المَرأَة؛ فَهيَ أطيَعُ مِن أن يَكونَ لَها شَأنٌ خَطيرٌ في الأَدَب. أمّا المُلهِمَةُ الَّتي تَستَرعي انتِباهي، فَهِيَ شَحيحَةُ العَون، تَسلُبُ الصّورَةَ السَّهلَة، والصِّفَةَ الأولى، والجُملَةَ الَّتي أراحَتِ الكاتِبَ بِرَونَقِها مِن مَشَقَّةِ التَّفكير. تَدَعُ الأَوراقَ تَتَساقَطُ مِنَ العِبارَةِ حَتّى يَنكَشِفَ هَيكَلُها، ثُمَّ تَسأَلُها إن كانَت تَقوى عَلى حَملِ نَفسِها.
كثيراً ما يُوصَفُ مَطلَعُ الكِتابَةِ بالبَحثِ عَنِ «الصَّوتِ الخّاص»، وكَأنَّهُ مِزمارٌ مَخبوءٌ في الجَسَد يَنتَظِرُ مَن يَكتَشِفُه... وأُفَضِّلُ أن أرى هَذا الصَّوتَ بَقِيَّةً لِسِلسِلَةٍ مِنَ الرُّفوضات: الكَلِمَةُ الَّتي أطوي عَنها صَفحاً، والصّورَةُ المَألوفَةُ الَّتي أعرِضُ عَنها، والخاتِمَةُ الجَليلَةُ الَّتي أترُكُها مُعَلَّقَة... والنُّسخَةُ مِن نَفسي الَّتي أَكُفُّ عَنِ الدِّفاعِ عَنها. وما يَتَبَقّى بَعدَ هَذا الرَّفضِ قَد يُشبِهُ صَوتَ المُتَحَدِّث. وَيَكمُنُ الفَخُّ في أن يَصنَعَ الكاتِبُ شَخصيَّةً أدَبيَّةً مِن نَفسِه، ثُمَّ يَغدو مُلزَماً بِإبقائِها عَلى قَيدِ الحَياةِ، فَيُجَدِّدُ حُزناً قَديماً لِأَنَّهُ أثمَرَ يَوماً نَصّاً بَديعاً. أمّا وَرَقَةُ الخَريف، فَتَسقُطُ حُرَّةً لا تَدري أنَّها صارَت رَمزاً، مُتَحَرِّرَةً مِن عِبءِ التَّأويل. وأَوَدُّ لَو أكتُبُ بِشَيءٍ مِن تِلكَ الحُرِّيَّة، وإن كُنتُ أعلَمُ أنَّ الرَّغبَةَ في التَّخَلُّصِ مِنَ الهُويَّةِ الأَدَبيَّةِ قَد تَستَحالُ هُويَّةً أُخرى بِنَفسِها. فَلا خَلاصَ نِهائِيّاً مِن رَغبَةِ المَرءِ في أن يَكونَ شَيئاً مَذكوراً، وإنَّما السَّبيلُ إلى عَلاقَةٍ أصدَقَ مَعَ هَذِهِ الرَّغبَة.
وقَد قارَبَ «جُون كِيتْس» وَصفاً مُقلِقاً لِلَهُوِيَّةِ الفَنِّيَّة، حينَ ذَهَبَ إلى أنَّ الشَّخصِيَّةَ الشّاعِريَّةَ «لا ذاتَ لَها، هِيَ كُلُّ شَيءٍ ولا شَيء، لا شيمَةَ لَها». فَالشّاعِرُ عِندَهُ يَتَقَمَّصُ طِباعاً شَتّى، فَيَدخُلُ بَواطِنَ الشَّخصيّاتِ دونَ أن تُشابِهَه. ولَطالَما بَدا لي هَذا النَّوعُ مِن مَعرِفَةِ النَّفسِ أَشَقَّ مِن مُحاسَبَتِها وتَأمُّلِها. فَالتَّأمُّلُ قَد يَغدو حُجرَةً مُغلَقَةً تُؤَكِّدُ فيها كُلُّ قِطعَةٍ صَوابَ تَرتيبِ الأَثاث؛ أمّا الخَيالُ فَيَكسِرُ هَذا التَّرتيب. إنَّ تَخَيُّلَ الآخَرينَ بِصِدقٍ يَعني أن نَمنَحَ الواقِعَ مَقاماً خارِجَ ذَواتِنا، وأن نُقِرَّ بِأنَّ وَعياً آخَرَ قَد يُنَظِّمُ التَّجرِبَةَ عَلى أُسُسٍ نَراها مُحالَةً أو سَخيفَة. فَالآخَرُ قَد يُحِبُّ ما نَمقُت.
بَيدَ أنَّ رَأيَ «كيتْس» يَنطَوي عَلى خَطَرٍ يَجِبُ تَدارُكُه؛ فَالتَّعاطُفُ قَد يَنقَلِبُ إلى شَلَلٍ أنيق، وإلى نَزعَةٍ لِلنَّظَرِ في جَميعِ المَواقِفِ بِعَينِ الِاهتِمامِ المُتَّسِع، حَتّى لا يُطالَبَ مَوقِفٌ مِنها بِتَبريرِ نَفسِه. وعَلى الخَيالِ الخَريفيِّ أن يُغالِبَ هَذا الخَطَر؛ فَقَد تَغدو الحَديقَةُ المُحتَضِرَةُ مِنَ الفِتنَةِ بِحَيثُ تُعفي النّاظِرَ مِن سُؤالِ: ما الَّذي ماتَ حَقّاً؟ إنَّ الجَمالَ قَد يَحفَظُ الجُرحَ دَهراً بَعدَ أن يَنقَضي مَأرَبُه. ومِن هُنا كانَ رَيبِي في فِكرَةِ وَفاءِ الفَنّانِ لِذاتِه. فَالأَمانَةُ الجَديرَةُ بِالِاهتِمامِ هِيَ أمانَةُ الرُّؤيَة. فَإِذا غَيَّرَ العالَمُ مَن يَنظُرُ إلَيه، وَجَبَ عَلى النّاظِرِ أن يَأذَنَ لِهَذا التَّغييرِ بِالنَّفاذِ إلى عَمَلِه. وإن استَحالَ اعتِقادٌ قَديم، وَجَبَ إجلالُ زَوالِهِ كَحَدَثٍ حَقيقيّ. وقَد يَعجِزُ الكاتِبُ الصّادِقُ عَن إتمامِ جُملَةٍ حَسناء، لِأَنَّها بُنِيَت يوماً عَلى يَقينٍ لَم يَعُد يَسكُنُه؛ فَيَرتَضي أن يَكونَ أقلَّ بَهاءً لِحين، أو يَبغي بَهاءً مِن صِنفٍ آخَر.
ولَن يَبينَ الفَرقُ بَينَ التَّحَوُّلِ الصّادِقِ والتَّظاهُرِ بِهِ إلّا فيما يَستَعِدُّ المَرءُ لِفُقدانِه. ولَعَلَّ الإلهامَ أشبَهُ بِتَنحِيَةٍ مُؤَقَّتَة؛ فَتُرخي النَّفسُ المَألوفَةُ قَبضَتَها، ويَتَهَيَّأُ العالَمُ لِصِياغَةٍ جَديدَة، وتَكُفُّ الأَشياءُ عَن وظائِفِها المُعتادَة. وصَحيحٌ أنَّ إرساءَ طَريقٍ مَأمونٍ لِلعَودَةِ إلى هَذِهِ الحالَةِ هُوَ إنجازٌ فَنِّيٌّ مَكين؛ إلّا أنَّني أرى الإنجازَ الأَعمَقَ في إدراكِ التَّفاوُتِ بَينَ العَودَةِ إلى حالَةٍ ذِهنيَّةٍ مُعَيَّنَة، والعَودَةِ إلى «الشَّخصِ» الَّذي كُنّاهُ حينَ حَلَّت تِلكَ الحالَةُ أوَّلَ مَرَّة. فَقَد يَحوي نَصٌّ كُتِبَ في التّاسِعَةِ عَشَرَةَ ما لا يَسَعُ الكاتِبَ ابنَ الأَربَعينَ أن يُؤمِنَ بِه. يُريدُ استِعادَةَ العُنفُوانِ القَديمِ والنَّظَرَ بِتِلكَ الأَعيُنِ الأولى. لَكِنْ لَعَلَّ تِلكَ الأَعيُنَ أَبصَرَت ما أبصَرَت لِأَنَّها لَم تَذُق عَواقِبَهُ بَعد. ومِن حَقِّ المَرءِ أن يَجِدَ سَبيلاً آخَرَ لِلرُّؤيَة.
وهُنا لا يَعقِدُ الخَريفُ لِواءَهُ كَمَجازٍ لِلاستِسلام، بَقَدرِ ما يَطوي مُعضِلَةً في زَمَنِ الفَنّ. فَلا تَستَطيعُ الشَّجَرَةُ أن تَستَرِدَّ صَيفاً وَلّى بِإعادَةِ تَرتيبِ أوراقِها. وكُلُّ ما سَيَعود، إنَّما يَعودُ مِن خِلالِ عَواقِبِ ما عِيشَ وسَلَف. ويُخَيَّلُ إلَيَّ أحياناً أنَّ النُّضجَ هُوَ أن تَسمَحَ لِنُسَخِكَ السّابِقَةِ أن تَبقى صادِقَةً في تاريخِها، دونَ أن تُمَكِّنَ لَها سِيادَةَ الحاضِر. الفَتى الَّذي ظَنَّ أنَّ الجَميعَ سَيَفهَمُهُ كانَ مُخطِئاً، وإن كانَت رَغبَتُهُ في أن يُفهَمَ صادِقَة... كُلُّ هَؤُلاءِ باقونَ في الأَغصان، غَيرَ أنَّهُ لا يَنبَغي أن يُسَلَّمَ أيٌّ مِنهُمُ المِنجَل.
ثَمَّةَ ريبَةٌ تَحومُ حَولَ صِلَةِ الخَريفِ بِالوِحدَة. فَقَد أُعطِيَ هَذا الفَصلُ قُدرَةً عَجيبَةً عَلى إظهارِ العُزلَةِ وكَأنَّها غايَةٌ مَقصودَة. وفي قَصيدَةِ ريلكه قَسوَةٌ مَكينَة؛ فَمَن لا بَيتَ لَهُ سَيَبقى كَذَلِك، ومَن كانَ وَحيداً سَيَدومُ وَحيداً. وإنَّ الناظِرَ في ظاهِرِ القَولِ لَيَحسَبُهُ لَعنَة. ومِن طَبعِ الوِحدَةِ أن تَجعَلَ مِنَ الحاضِرِ حُكماً مُبرَماً، حَتّى يَتَوَهَّمَ المَرءُ أنَّ غِيابَ الآخَرينَ عِندَهُ ناموسٌ جبلِّيّ. وقَد تُصاغُ هَذِهِ الكآبَةُ بِعِباراتٍ خَلّابَةٍ تَجعَلُ الجُرحَ مُستَساغاً، فَيَأوِي الكاتِبُ إلى حُزنِهِ صَوناً لِهذا الجَمال. ويُسفِرُ الخَريفُ عَن هَذا الِالتِباسِ بِسَخاء، غَيرَ أنَّ وَرَقَةَ الخَريفِ السَّاقِطَةَ تَبقى كَياناً مادِّيّاً مَرَدُّهُ التُّراب. وهُنا يَجِبُ أن يَقِفَ النَّظَرُ الجَماليُّ حَدَّه، فَيَدَعَ المادَّةَ مادَّة.
وأحسَبُ أنَّ النَّجمَ الَّذي يَنشُدُهُ النّاسُ عِندَ بَحثِهِم عَن ذَواتِهِم هُوَ في شِقٍّ مِنهُ رَغبَةٌ في الفِرارِ مِن هَذا الِاضطِراب. يَبتَغونَ نُقطَةً في الظَّلامِ تَجعَلُ بَقِيَّةَ عُمُرِهِم مَفهومَة. وتَنشَأُ المُعضِلَةُ حينَ يُخلَطُ بَينَ الِاستِدلالِ وبَينَ التَّفسير. ولَعَلَّ نَجمَ الشَّمالِ يَزيدُ الرَّغبَةَ في الدَّليلِ الدّاخِليِّ تَعقيداً نافِعاً. فَنَجمُ القُطبِ يَحظى بِمَكانَةٍ تَفوقُ بَريقَه، لا لِأَنَّهُ الأَسطَع، وإنَّما لِقُربِهِ مِن مِحوَرِ الأَرض. ولَطالَما ارْتَبتُ في خِطابِ القَدَرِ الِاستِثنائِيّ، والوَعدِ بِأنَّ جَوهَراً فَريداً يَكمُنُ في كُلِّ امرِئٍ يَنتَظِرُ مَن يَكتَشِفُه. عِلمُ الفَلَكِ لا يُحابي أحَداً هُنا؛ فَنَجمُ الشَّمالِ يُؤَدّي غَرَضَهُ بِفَضلِ عَلاقَةٍ بَينَ مَوقِعِهِ واتِّجاهِ الأَرض. لا يُلقي أوامِرَ ولا يَختَارُ وِجهَة، وإنَّما تِبيانُهُ مَنوطٌ بِالعَلاقَة.
ولَعَلَّ المَرءَ لا يُفهَمُ إلّا مِن خِلالِ عَلاقاتِ مَنازِعِه، والمَسافاتِ الَّتي يَحفَظُها بَينَ ما يَبتَغي وما يَسمَحُ لِنَفسِهِ بِالسَّعيِ إلَيه. وإنَّ الكَوكَبَةَ «تَجَمُّعَ النُّجوم» لَخَيرُ مَثَلٍ عَلى ذَلِك؛ فالنُّجومُ قائِمَةٌ بِذاتِها، بَيدَ أنَّ النَّسَقَ يَتَجَلّى بِوَصلِها بَعضِها بِبَعض. النُّجومُ ثابِتَة، والشَّكلُ الَّذي يَمنَحُها المَعنى يَتَبَدَّل. وأحداثُ الحَياةِ حَقائِقُ واقِعَة، وعَواقِبُها ثابِتَة، غَيرَ أنَّ مَغزاها يُصاغُ مِن عِلاقاتٍ يَختَلِفُ فَهمُها بِتَغَيُّرِ المَرء. ومِن مُتَطَلَّباتِ حُرِّيَّةِ الذّاكِرَةِ أن نُعيدَ النَّظَرَ في النَّسَقِ دونَ أن نُكَذِّبَ النُّجوم. وقَد يَشوبُ ذَلِكَ خَجَلٌ، وهُوَ خَجَلٌ مَحمود؛ إذ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاظِرَ إلى ماضيهِ قَد حازَ بَصيرَةً لَم تَكُن عِندَ الشَّخصِ الَّذي يُتَذَكَّر. ولَكَم أُوثِرُ أن أمنَحَ نُسَخي السَّالِفَةَ كَرامَةَ أن تَكونَ قَد أخطَأَت في زَمانِها.
ومِمّا يَزيدُ الأَمرَ تَعقيداً أنَّ نَجمَ الشَّمالِ نَفسَهُ لَم يَكُن دائِماً في مَوقِعِهِ الحُرّ؛ فَتَرَجُّحُ مِحوَرِ الأَرضِ يَدفَعُ بِنُجومٍ أُخرى إلى مَقامِ القُطبِ عَلى مَرِّ العُصور... فَلِبَوصَلَةِ السَّماءِ تاريخ. ولَعَلَّ النَّفسَ الَّتي نَطلُبُها قادِرَةٌ كَذَلِكَ عَلى تَبديلِ مَقامِها. فَالصِّفَةُ الَّتي تُرشِدُ في الصِّبا قَد تَقصُرُ في الكِبَر؛ وَقَد يَبدَأُ الِاستِقلالُ هَرَبًا مَحمودًا، ثُمَّ يُمسي ذَريعَةً لِرَفضِ القُرب.
وتَفتَتِحُ «إيمِيلي ديكنسُون» قَصيدَتَها بِتَبَدُّلٍ طَفيفٍ يَكادُ يَخفى، حَيثُ يَضغَطُ ضَوءُ شِتاءٍ أصيلٍ عَلى العَقل، مُحدِثاً ما دَعَتهُ بِـ«فَرقٍ داخِليٍّ» أو «حَيثُ تَكمُنُ المَعاني». يَحِلُّ الضَّوءُ فَيَتَبَدَّلُ الرّائي. وأحسَبُ أنَّ هَذا أقرَبُ إلى مَناغِصِ الشِّعرِ مِن حِكايَةِ الإلهامِ المَألوفَة. فالمُهِمَّةُ الأَشَقُّ هِيَ الِانتِظارُ دونَ تَسليمِ الشُّعورِ لِأَوَّلِ تَفسيرٍ يَطرُقُ الباب. وعَلى الشّاعِرِ أحياناً أن يَصبِرَ عَلى تَجَشُّمِ الأَثَرِ قَبلَ أن يُدرِكَ ماهيَّةَ ما واجَهَه. وأَتَخَيَّلُ مُلهِمَةَ الخَريفِ كَتِلكَ الفَجوَةِ بَينَ وُصولِ الضَّوءِ وانعِقادِ العِبارَةِ حَولَه.
ولَعَلَّ الكِتابَةَ أَن تَكونَ عَلى صِلَةٍ أُخرى بِالِاكتِشاف، وأن تَأذَنَ لِلعالَمِ بِقَطعِ السَّردِيَّةِ الَّتي يَنسِجُها المَرءُ عَن نَفسِه. قَد تَحُلُّ صُورَةٌ لا نَفعَ مِنها مِن فَورِها، أو يَتَعَصّى حَدَثٌ عَلى التَّأويل. وفي تِلكَ اللَّحَظاتِ، تَقِلُّ سَطوَةُ الكاتِبِ عَلى عَمَلِه، ويَغدو العَمَلُ أقدَرَ عَلى التَّجَلّي والمُكاشَفَة. ويَغدو النَّصُّ مَيداناً تَلقى فيهِ النَّفسُ مُقاوَمَةً.
وأظُنُّ أحياناً أنَّ تَوَقَ المَرءِ لِلعُثورِ عَلى نَجمِهِ لا يَمُتُّ لِلهُويَّةِ بِصِلَةٍ بَقَدرِ ما يَمُتُّ لِلرُّعبِ مِنَ التِّيهِ اللّامُتَناهي. فَالنَّجمُ يَعِدُ بِالِانضِباطِ، ويَمنَحُ الرَّجاءَ في وِجهَةٍ تَصمُدُ في وَجهِ تَقَلُّباتِ الرَّغائِب. لَكِن لَعَلَّ أَقوَمَ صِلَةٍ بِالسَّماءِ تَبدَأُ حينَ نُقِرُّ بِأنَّ الوِجهَةَ والهُويَّةَ تُجيبانِ عَن سُؤالَينِ مُختَلِفَين؛ فَالنَّجمُ يَدُلُّ عَلى طَريق، وتَبقى التَّبِعَةُ عَلى المَرءِ في ما يَصنَعُ بِه، وفي التَّفَطُّنِ للأَوانِ الَّذي يَتَحَتَّمُ فيهِ تَغييرُ المَسار. فَالإرشادُ حَقٌّ، ولا يَلزَمُ أن يَكونَ قَدَراً مَحتوماً. ولِهَذا أجِدُ مَجازَ «المُلهِمَةِ» أروَعَ مِن مَجازِ القَدَر. فَمُلهِمَةُ الخَريفِ صُورَةٌ مِن صُوَرِ الضِّيافَةِ الإبداعيَّة؛ تُفسِحُ مَجالاً لِما عَزَّ إدراكُهُ في أزِمنَةِ الرَّخاء، وتَدَعُ الكاتِبَ يُعايِنُ عَواقِبَ نُمُوِّه، بِما فيها ما وُوريَ مِن خَسائِر.
وأُجيلُ النَّظَرَ ثانِيَةً في النُّجوم، وفي نَجمِ القُطبِ القابِعِ في ثَباتِهِ الشِّبهِ مُطلَق... ولَعَلَّ هَذا حَسبُ النَّفسِ أن تَكونَهُ: نَسَقاً مُؤَقَّتاً قادِراً عَلى التَّوجيه، وتَرتيباً تَغدو بِهِ التَّجارِبُ قابِلَةً لِلمُضِيِّ، وعَلاقاتٍ تَصدُقُ وإن لَم تَخلُد. ولَعَلَّ النَّجمَ الأَوَّلَ لا يَبزُغُ إلّا بَعدَ ذَلِكَ الإدراك؛ حينَ تَكُفُّ العَينُ عَن مُطالَبَةِ كُلِّ ما تَراهُ بِعَكسِ صُورَةٍ لَها. ولَعَلَّ ما أسماهُ المَرءُ «اكتِشافَ الذّات» لَم يَكُن سِوى الِاكتِشافِ المُتَدَرِّجِ بِأنَّهُ يَسَعُهُ لِقاءُ العالَمِ دونَ أن يَجعَلَ كُلَّ لِقاءٍ مِنهُ تَصديقاً لِفَهمٍ سابِقٍ لِماهِيَّتِه.
وتَمتَدُّ السَّماءُ إلى ما وراءِ المَجاز. وتَبقى الشَّجَرَةُ بَعدَ انقِضاءِ الفَصل. وفي مَكانٍ ما، تَستَلقي وَرَقَةٌ عَلى الرَّصيف، لا تَزالُ عُروقُها تَلعَجُ تَحتَ غِلالَةٍ رَقيقَةٍ مِن مَطَر، وتَبدَأُ أولى النُّجومِ في الظُّهورِ فَوقَ الأسطُح، غَيرَ عابِئَةٍ بِالأقاصيصِ الَّتي فُسِّرَ بِها النَّهار.
لَعَلَّ إحداها أن تَكونَ دَليلاً.
وتَبقى الأُخرَياتُ تُشِعُّ وتُضيء.
