طارِقاً الأرضَ بِعَصاه
لا أَخالُ الرُّزْءَ كانَ أعظَمَ حِينَ
ابتُلِيَ قَومُ "أجينة" كافَّةً بالمَرَض،
يَومَ استَحالَ الهَواءُ وَباءً خَبيثاً،
حَتّى تَهالَكَتِ الدَّوابُّ عَن بَكْرَةِ أبيها،
وحَتّى الدّودُ الدَّقيق، ثُمَّ بَعدَ ذلِكَ،
وكَما يَجْزِمُ الشُّعراء، بُعِثَتِ الأُمَمُ الغابِرَةُ مِن بَذْرِ النَّمل.
دانْتِي ألِيغْييري، «الجَحيم، النَّشيدُ التّاسِعُ والعِشرون».
يُسْبَرُ غَورُ الرُّزْءِ في الدَّرْكِ العاشِرِ بِمِعيارِ جَزيرة. انحَدَرَ «دانتي» بَينَ زُمرَةِ المُزَيِّفينَ، المُكَدَّسينَ كالأكوامِ، يَخْمِشونَ قُشورَ جُلودِهِم بِأظافِرِهِم، ولِكَي يُصَوِّرَ لَنا مَبلَغَ البُؤسِ الماثِلِ لِلعَيانِ، تَناوَلَ مِقياساً، وكانَ ذلِكَ المِقياسُ طاعُوناً. الكُلُّ مَرضى، والهَواءُ غَدا وَباءً، والدَّوابُّ تَتَساقَطُ حَسَبَ أحجامِها حَتّى لا يَبقى قائِماً سِوى الدّودَة، ثُمَّ تَهوي الدّودَةُ كَذَلِك.
كانَ لِـ«دانتي» في جَوفِ الثَّرى بِـ«رافِنّا» سَبعَةٌ وعِشرونَ عاماً حينَ حَلَّ المِقياسُ الحَقّ. هَلَكَ عامَ ١٣٢١ في طَريقِ عَودَتِهِ مِن سِفارَةٍ إلى البُندُقيَّةِ بِحُمّى ألمَّت بِه، مُخَلِّفاً وراءَهُ مُستَنقَعاتِ دِلتا «البو». وقَد أتمَّ هَواءُ عام ١٣٤٨ ما بَدأهُ هَواءُ عام ١٣٢١. وما يَستَوقِفُني في أبياتِهِ السَّبعَةِ هُوَ وِجهَةُ مَسارِها. فَهوَ يَستَحضِرُ الطّاعونَ لِيُفَسِّرَ الجَحيم. أمّا كُلُّ مَن يَكتُبُ بَعدَ عامِ ١٣٤٨ فسيَستَحضِرُ الجَحيمَ لِيُفَسِّرَ الطّاعون، والأداةُ قابعَةٌ على الرَّفِّ، مَضبوطَةٌ، بِلُغَةِ العَوامِّ، مِقياسٌ يَنتَظِرُ الشَّيءَ الَّذي سَيَكيلُه.
الشَّطْرُ الَّذي يَغفُلُ عَنْهُ الجَميعُ هُوَ الشَّطْرُ الأخير. تَخلو الجَزيرَةُ مِن سُكّانِها، كَما يَقولُ الشُّعراء، ثُمَّ تَغُصُّ بِهِم ثانِيَةً مِن حَشَراتِ النَّمل. كانَ «دانتي» يُوجِزُ «أوفيد»، الَّذي يَنسِبُ القِصَّةَ إلى المَلِكِ «أياكوس»، الرَّجُلِ الوَحيدِ في «أجينة» الَّذي ما زالَ قادِراً على النُّطق. يَرمُقُ المَلِكُ شَجَرَةَ بَلّوطٍ يَسيلُ النَّمْلُ على جِذعِها، ويَسأَلُ «جوبيتَر» أن يَهَبَهُ مِنَ الرَّعِيَّةِ بِعَدَدِ النَّمْلِ الدّابِّ عَلَيها. وفي اللَّيلِ يَرى في مَنامِهِ النَّملَ يَتَساقَطُ مِنَ الأغصانِ ويَنتَصِبُ رِجالاً. وفي الصَّباحِ يَجِدُ الرِّجالَ يَملَؤونَ السِّكَك. ويُضيفُ «أوفيد» تَفصيلاً صَغيراً غَريباً عَن طِباعِهِم: لَقَد بَقُوا عَلى ما كانُوا عَلَيه. أو كَما أُتَرجِمُها أنا: نَسْلٌ مُقتَصِدٌ، صَبورٌ على الكَدِّ، عَنيدٌ في التَّشَبُّثِ بِما كَسَب، وحَريصٌ على حِفظِ ما جَنى.
تأمَّل هَذا التَّفصيلَ مَليّاً. لِكُلِّ سِجلٍّ مِن سِجلّاتِ الطّاعونِ مُؤَلِّفٌ، والمُؤَلِّفُ بِطَبيعَتِهِ هُوَ أحَدُ النّاجينَ المُستَعادين. فالمَوتى لا يُقَيِّدونَ التَّقارير. أرشيفُ الطّاعونِ صَحائِفُ خَطَّتها أيدي مَن أخطَأتْهُمُ الحُمّى، وعادَةً ما يُطوى هَذا النِّسيانُ عِندَ الفِقرَةِ الثّانيَةِ تَقرِيباً، فَتُقرَأُ الكِتابَةُ وكَأنَّها شَهادَةٌ عَنِ الجَميعِ، في حِينِ أنَّها شَهادَةٌ مِن بَقيَّةٍ باقِيَة. وشَطْرُ «دانتي» هُوَ الوَحيدُ في الأدَبِ كُلِّهِ الَّذي يُفصِحُ عَن هُوِيَّةِ المُتَحَدِّث. نَمْلٌ، نَهَضَ مِنَ اللِّحاء، مُقتَصِدٌ، عَنيدٌ في التَّشَبُّثِ بِما كَسَب. وهُناكَ أربَعَةُ كُتّابٍ يَوشِكونَ أن يُدَوِّنوا سِجلّاتِهِم.
يَكتُبُ «بوكاتشيو»: «يُعتَقَدُ يَقيناً أنَّ أكثَرَ مِن مِئَةِ ألْفِ نَفْسٍ بَشَريَّةٍ قَد أُزهِقَت أَرواحُهُم داخِلَ أسوارِ مَدينَةِ فِلورَنسا» بَينَ شَهرَي مارِس ويُوليو مِن عامِ ١٣٤٨. صِيغَتِ العِبارَةُ لِتُصَدَّق. إنَّها تَحوي كَلِمَةَ «يَقيناً»، غَيرَ مُستَعارَةٍ مِن أحَد.
كانَ «جيوفاني فيلاني»، عِندَ إحصائِهِ كِميّاتِ الخُبزِ في ثلاثينيّاتِ القَرنِ الرّابِعِ عَشَر، قَد بَلَغَ رَقْماً يُقارِبُ التِّسعينَ ألفَ فَمٍ لِلمَدينَةِ بِأسرِها. ومَوتى «بوكاتشيو» يَفوقونَ عَدَدَ الأحياءِ الَّذينَ سَكَنوا تِلكَ الدِّيارَ يَوماً. لَم يَكُن هُناكَ كاتِبٌ في «فِلورَنسا» يُحصي الأعدادَ في رَبيعِ عامِ ١٣٤٨ لِيَخرُجَ بِهَذا الرَّقَم. الرَّقَمُ مُجَرَّدُ زَفرَة. إنَّهُ يَصدُرُ عَن كاتِبٍ يَقِفُ وَسطَ جُموعٍ تَناقَصَت بَغتَةً، مُحاوِلاً وَصفَ شِدَّةِ هَذا النُّقصان، فَتَنهارُ حِساباتُهُ مِن تَحتِهِ لأنَّ عِلمَ الحِسابِ صُنِعَ لِعالَمٍ يَتَطابَقُ فيهِ التِّعدادُ مَعَ الجُثَث.
يُفتَتَحُ كِتابُهُ قَبلَ ذلِكَ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ، بِمُلاحَظَةٍ حَولَ الجِنسِ البَشَريّ: «إنَّهُ لَمِنَ الشِّيَمِ الإنسانيَّةِ الرَّأفَةُ بالمَكروبين». يَبدَأُ كِتابُ «الديكاميرون» بِالزَّعمِ أنَّ ما سَيَتلوهُ خَصيصَةٌ تَجمَعُنا كُلَّنا، وهُوَ زَعمٌ لا يَصمُدُ إلى الفِقرَةِ التّاليَة، لِأنَّهُ بَعدَ ذِكرِ التّاريخِ (عامَ التَّجَسُّد، ألفٌ وثَلاثُمائَةٍ وثَمانِيَةٌ وأربَعون) يَصِفُ أُناساً انتَفَت فيهِم هَذِه الشِّيمَةُ الإنسانيَّة. إخوَةٌ يَنبِذونَ إخوَتَهُم، وزَوجاتٌ يَترُكنَ أزواجَهُنّ، وما يُسَمّيهِ الأمرَ الأعظَمَ الَّذي يَكادُ لا يُصَدَّق، آباءٌ وأُمَّهاتٌ تَهَرَّبوا مِن عِيادَةِ أبنائِهِم وتَمريضِهِم وكَأنَّهُم أبناءُ غَيرِهِم.
ثُمَّ يَأتي دَورُ السُّلَّم. المَنازِل، كَما يَكتُب، القُصورُ المُنيفَة، والمَساكِنُ الحِسَانُ الَّتي كانَت تَغُصُّ بالسّادَةِ والسَّيِّداتِ «حَتّى أدنَى خادِمٍ»، أضحَت خاوِيَة. اقرَأ هَذا إلى جانِبِ شَطْرِ الدَّرْكِ العاشِر. الدَّوابُّ تَهالَكَت «حَتّى الدّودَةِ الدَّقيقَة»؛ والمَنازِلُ أُفرِغَت «حَتّى أدنَى خادِم». كانَ «بوكاتشيو» يَنزِلُ دَرَجاتِ سُلَّمِ «دانتي» مِرقاةً مِرقاة، مِنَ العُظَماءِ إلى الصِّغار، فَيَحُلُّ أصغَرُ أهلِ البَيتِ مَحَلَّ أصغَرِ الدَّوابّ. هَذا الصَّدى يَعني أنَّهُ كانَ يَقرَأُ «الكوميديا»، وأَنَّ العِباراتِ كانَت مُهَيَّأةً في ذِهنِهِ حينَ حَلَّ الطّاعونُ الحَقّ.
هُنا يَتَّخِذُ المَنحى شَكلاً غَريباً. المَنازِلُ الخاوِيَةُ هِيَ الفِكرَةُ المِحوَرِيَّةُ لِلكِتاب. عَشَرَةُ شَبابٍ في كَنيسَةِ «سانتا ماريا نوفيلا» يَعزِمونَ على هَجرِ المَدينَة، سَبعُ نِساءٍ وثَلاثَةُ رِجال، مَعَ خَدَمِهِم، فَيَخرُجونَ إلى تِلالٍ تَكتَظُّ بِضِياعٍ ماتَ مُلّاكُها أو فَرّوا. لَقَد أورَثَ الطّاعونُ أملاكاً بِلا مُلّاك. دارُ الرّيفِ الَّتي يَستَقِرّونَ بِها مُتاحَةٌ هَكَذا بِبَساطَة، بِفِنائِها وقَبْوِها وحَدائِقِها، هِبَةُ الفَراغ. يُمكِنُكَ أن تَقرَأَ كِتابَ «الديكاميرون» بِرُمَّتِهِ كَمَقالَةٍ تُعالِجُ ما يَصنَعُهُ النّاسُ بِمَكانٍ أُودِعَ مُلّاكُهُ في جَوفِ الحُفَر.
يَبتَدِعونَ نِظامَ حُكم. في كُلِّ يَومٍ يُتَوَّجُ أحَدُهُم مَلِكاً أو مَلِكَة، بِيَدِهِ سُلطَةُ تَحديدِ المَوضوعِ وتَرتيبِ المُتَحَدِّثين، وتَنتَقِلُ التّاجُ عِندَ المَغيب. جُمهوريَّةٌ مِن عَشَرَةِ أفراد، ودُستورٌ بِوِلايَةٍ مُدَّتُها يَومٌ واحِد، خَطَّهُ أُناسٌ يَقِفونَ في مَشْهَدٍ فَرُغَت فيهِ لَتَوِّها كُلُّ المَناصِبِ في النِّظامِ القَديم. تُجادِلُ «بامبينيا»، صاحِبَةُ فِكرَةِ الرَّحيل، بِأنَّ أحَداً لا يَثْرِبُ عَلَيهِم حِفظَهُم لأرواحِهِم، وهِيَ حُجَّةٌ فِقهيَّةٌ مَصوغَةٌ في مَنظورِ الحَقِّ الطَّبيعيّ. تَبدو كَمُحامٍ يُبَرِّئُ مُوَكِّلَهُ مِنَ الذَّنب. ويُظَنُّ أنَّ والِدَ «بوكاتشيو»، وهُوَ تاجِرٌ، قَد هَلَكَ في الطّاعون، فَيَكتَسي الإطارُ العامُّ نَكهَةَ عائِلَةٍ تُقَسِّمُ تَرِكَةً: لِمَن تَؤولُ الدّار؟ وما الغايَةُ مِنها؟ وماذا يَدينُ النّاجونَ لِهَذا الخَواء؟
القِصَّةُ الأُولى هِيَ الَّتي تَكشِفُ السِّرّ. يَروي «بانفيلو»، الرّاوي الأوَّل، حِكايَةَ «سير تشيابليتو»، وهُوَ كاتِبُ عَدْلٍ مِن «براتو»، ويُعَدُّ في رِوايَتِهِ أسوأَ رَجُلٍ وُلِدَ على وَجهِ البَسيطَة. يُزَوِّرُ الوَثائِقَ لِلَذَّةٍ في نَفسِه، ويَحلِفُ الأَيمانَ الغَموس، ويَزرَعُ الشِّقاقَ بَينَ الخِلّان. كاتِبُ عَدْلٍ: رَجُلٌ حِرفَتُهُ صِناعَةُ أوراقٍ تُطابِقُ بَعضُها بَعضاً. وعِندَما حَضَرَهُ المَوتُ في «بُرغُنديا»، في مَنزِلِ مُرابِيَينِ اثنَينِ يَبتَغيانِ مَوتَهُ بِلا فَضيحَة، يَدلي بِاعتِرافِ المَوتِ بِبَراعَةٍ مُذهِلَة، وبِسَخاءٍ في اختِلاقِ الخَطايا الصَّغيرَة، حَتّى إنَّ الرّاهِبَ الَّذي سَمِعَ اعتِرافَهُ يُعلِنُهُ قِدّيساً. فَيُدفَنُ في كَنيسَة. ويَتَوافَدُ المُؤمِنونَ لِلتَّبَرُّكِ بِنَعشِه، وتُتَداوَلُ أنباءُ كَراماتِه.
الكِتابُ الَّذي يُفتَتَحُ عَلى أبوابِ طاعونٍ، يَفتَتِحُ حِكايَتَهُ الأُولى في دَرْكِ «دانتي» العاشِر. «تشيابليتو» مُزَيِّفٌ، واحِدٌ مِن زُمرَةِ الجَربى الَّذينَ يَخْمِشونَ جُلودَهُم في الهَجير، ويَمنَحُهُ «بوكاتشيو» كَرامَة. يَستَمِعُ العَشَرَةُ، ويَضحَكون. إنَّ المَوتى، في أوَّلِ ما يَطْرُقُ أسماعَهُم، يُساسُونَ بِكِذبَةٍ مُتقَنَة، وتُفلِحُ الكِذبَة، وتَغُصُّ الكَنيسَةُ بِرَعِيَّةٍ تَشعُرُ بِطُمَأنينَةٍ أكبَر. ومَهما كانَ مَغزى هَذا، فَقَد تَوافَقَ الرُّواةُ لَتَوِّهِم، في السّاعَةِ الأُولى، على نَوعِ الكِتابِ الَّذي سَيَحْيَونَ بَينَ دَفَّتَيه.
ثُمَّ العُنوان، بِاسمِهِ الثّاني. «المُلَقَّبُ بالأميرِ غاليوتو». «غاليوتو» هُوَ الوَسيطُ في قِصَّةِ «لانسلوت» و«غوينيفير»، هُوَ مَن يُهَيِّئُ القُبلَة، وقَد دَخَلَ هَذا الاسْمُ عِندَ «بوكاتشيو» عَن طَريقِ «فرانشيسكا» في كِتابِ «دانتي»، في الدّائِرَةِ الثّانيَةِ مِنَ الجَحيم، حَيثُ تَقولُ عَنِ الكِتابِ الَّذي كانَت تَقرَؤُهُ مَعَ «باولو» حينَ انقَطَعا عَنِ القِراءَة: «غاليوتو كانَ الكِتابُ، ومَن خَطَّهُ». كِتابٌ وَسيطٌ لِلهَوى. يَأخُذُ «بوكاتشيو» هَذا الوَسيطَ ويَضَعُهُ على غِلافِ كِتابِه، فَوقَ مِئَةِ حِكايَةٍ تُسْرَدُ في دارٍ هَجَرَها المَوتى. أوقَعَ كِتابُ «فرانشيسكا» شَخصَينِ في العاصِفَة. أمّا كِتابُهُ هَذا فسيَعبُرُ بِعَشَرَةِ أشخاصٍ خِلالَ الصَّيف.
يُفصِحُ في مُقَدِّمَتِهِ عَنِ الفِئَةِ الَّتي صَنَّفَ الكِتابَ لَها، إنَّهُ لِنِساءٍ عاشِقاتٍ لا قُدرَةَ لَهُنَّ على الحَرَكَة، نِساءٍ يَقضينَ ساعاتِهِنَّ حَبيساتِ الحُجُراتِ، لا أنيسَ لَهُنَّ سِوى أفكارِهِنّ. كِتابٌ عَنِ الطّاعونِ مُهدىً لِمَن أطالَ الطّاعونُ حَبْسَهُنَّ في البُيوت. النّاجونَ الأقَلُّ صَوتاً في العالَم، يُصغون.
ثَمَّةَ قَيدٌ في مَخطوطَةٍ لِـ«فِرجيل» يُقرَأُ كَرِسالَةِ عِشقٍ، والأجْدَرُ أن يُقرَأَ كَدَفتَرِ حِسابات.
كانَ لَدى «بِترارك» مُجَلَّدٌ لِـ«فِرجيل»، حَمَلَهُ مَعَهُ عُقوداً وحَشّى هَوامِشَهُ، وعَلى صَفحَةِ الغِلافِ الدّاخِليَّةِ دَوَّنَ، باللّاتينيَّة، تاريخَ حَدَثَين. «لورا»، كَما يَقول، بَهِيَّةٌ بِفَضائِلِها، والَّتي طالَما تَغَنَّت بِها أشعاري، بَدَت لِعَيْنَيَّ أوَّلَ مَرَّةٍ في عامِ ١٣٢٧، في السّادِسِ مِن أبريل، في كَنيسَةِ «سانتا كيارا» بِـ«أفينيون»، في السّاعَةِ الأُولى مِنَ الصَّباح. ثُمَّ التّاريخُ الثّاني: في نَفسِ المَدينَة، ونَفسِ الشَّهر، ونَفسِ اليَومِ السّادِس، ونَفسِ السّاعَةِ الأُولى مِنَ الصَّباح، في عامِ ١٣٤٨، «سُلِبَ ذَلِكَ النُّورُ مِنَ النُّور». وبَلَغَهُ النَّبَأُ في «فيرونا» في التّاسِعَ عَشَرَ مِن ماي، في رِسالَةٍ، وَقتَ الصَّباح.
تأمَّلِ البُنيَة. القَيدُ يَقَعُ حَيثُ كانَ تُجّارُ فِلورَنسا يَحتَفِظونَ بِـ«يَومِيّاتِهِم»، تِلكَ السِّجلّاتُ العائِلِيَّةُ الَّتي كانَ الآباءُ يُقَيِّدونَ فيها مِيلادَ ابنٍ، أو مَهرَ ابنَةٍ، أو وَفاةَ أخٍ، بِنَفسِ الخَطِّ ونَفسِ المِدادِ الَّذي يُسَجِّلونَ بِهِ ثَمَنَ الصّوف. دَوَّنَ «بِترارك» وَفاةً بِلُغَةِ الحِسابات. قَيدانِ، مُتَطابِقانِ في السّاعَة، كَما يُوازِنُ كاتِبُ الحِساباتِ عَمودَين، والتَّناظُرُ تامٌّ حَتّى ظَنَّ القُرّاءُ أنَّهُ قَد رَتَّبَهُ عَمداً. وهَل فَعَلَ ذَلِكَ أم لا، فَهَذِهِ مَسألَةٌ يَفصِلُ فيها عُلَماءُ اللُّغَة. أمّا الحَقيقَةُ الماثِلَةُ على الوَرَقَةِ فَهِيَ رَجُلٌ يَطوي يَومِيّاتِهِ بِغَريزَةِ القَيدِ المُزدَوِجِ لِلعَصرِ الَّذي عاشَ فيه، وتَحتَ طَيّاتِ الحُزنِ تَكمُنُ هَيكَلَةٌ دَقيقَةٌ لِشَخصٍ يَعرِفُ كَيفَ تَبدو المَواريث.
وماذا خَلَّفَت لَهُ وَفاةُ لورا؟ مِئَتَي وقُصاباتٍ مِنَ القَصائِدِ كَما يَتَبَيَّن. يَنقَسِمُ كِتابُ «الأغاني» إلى شَطرٍ كُتِبَ في حَياتِها وشَطرٍ كُتِبَ بَعدَ رَحيلِها، وفي الشَّطرِ الثّاني تَتَعَلَّمُ قَصيدَةُ «السونيت» أن تَأتيَ بِأشياءَ لَم تَكُن تَأتي بِها. تُخاطِبُ القَصيدَةُ الافتِتاحِيَّةُ مُستَمِعي «القَوافي المُتَناثِرَة»، صَدى التَّنَهُّداتِ الَّتي غَذّى بِها قَلبَهُ في ضَلالِهِ الأوَّل. «مُتَناثِرَة»: مَنثورَة، مَذْرورَة، مَبذورَة. إنَّهُ رَجُلٌ يَنثُرُ البَذْرَ في حَقل، ويَدعوها شَظايا، والعُنوانُ اللّاتينيُّ الَّذي أطلَقَهُ عَلى الكِتابِ يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ: «شَظايا مِن أُمورٍ عامِّيَّة». وتَظَلُّ الشَّظايا تُفرِخُ بَقيَّةَ حَياتِه. تَسألُ القَصيدَةُ رقم ٢٦٨ الرّوحَ عَمّا تَفعَل، وفيما تُفَكِّر، ولِماذا تُديمُ النَّظَرَ إلى الوَراءِ نَحوَ زَمَنٍ لَن يَعودَ أبَداً. فَتُديمُ الرّوحُ النَّظَرَ إلى الوَراءِ لِمِئَةِ بَيتٍ أُخرى وتَبني مِن ذلِكَ صَرحاً.
لا تُوجَدُ طَريقَةٌ لَطيفَةٌ لِقَولِ هَذا وتَكونُ دَقيقَةً في آنٍ مَعاً، لِذا دَعني أقولُها بِصَراحَةٍ وأدَعُها مُنَفِّرَة: الحُزنُ، بَينَ يَدَيِ الشّاعِر، يَدُرُّ أرباحاً. كانَ «بِترارك» لِيَستَهجِنَ العِبارَة، ولَكِنَّهُ كانَ لِيُدرِكَ أيضاً أنَّها صَحَّت في حالَتِه، وقَد تَعايَشَ مَعَ هَذا المَضَضِ سِتّاً وعِشرينَ سَنَةً أُخرى. المَحبوبَةُ الرّاحِلَةُ هِيَ الأصلُ الأكثَرُ إدراراً لِلرِّبحِ في الشِّعرِ الأُوروبي، وقَد أدرَكَ «دانتي» ذلِكَ أوَّلاً، ووَرِثَ «بِترارك» هَذِهِ المَعرِفَةَ عَن رَجُلٍ زَعَمَ أنَّهُ لَم يَقرَأْهُ قَطّ.
ولِهَذا الزَّعمِ سِجلُّهُ الوَرَقيّ. في عامِ ١٣٥٩ بَعَثَ «بوكاتشيو» إلى «بِترارك» بِنُسخَةٍ مِنَ «الكوميديا»، نَسَخَها بِيَدِه، ومُرفَقَةٍ بِقَصيدَةِ مَديحٍ لِـ«دانتي». ورَدُّ «بِترارك»، في رَسائِلِهِ المُسَمّاة «المَألوفَة»، يُصِرُّ فيهِ على أنَّهُ لا يَكِنُّ حَسَداً لِـ«دانتي»، وأنَّهُ تَجَنَّبَ نَظْمَ الشّاعِرِ الفِلورَنسِيِّ في حَداثَةِ سِنِّهِ لِيَحفَظَ لِصَوتِهِ صَفاءَهُ لا غَير، وأنَّهُ لَم يَكَد يُلقِ لَهُ بالاً مُنذُ ذَلِك الحين. تَستَرسِلُ الرِّسالَة، مُدافِعَةً عَن نَفسِها، مُتَجاوِزَةً بِكَثيرٍ الحَدَّ الَّذي كانَ سَيَقِفُ عِندَهُ رَجُلٌ لا شَيءَ لَدَيهِ يُدافِعُ عَنه. لَقَد حَلَّت قَصيدَةُ الشّاعِرِ الرّاحِلِ على مَكتَبِهِ كَما تَحُلُّ التَّرِكَة، بِيَدِ مُنَفِّذِ وَصِيَّة، وها هُوَ يَرُدُّ رافِضاً الميراث، مَعَ احتِفاظِهِ بالمُغَلَّف.
وثَمَّةَ «بِترارك» آخَر، في رَسائِلِ عامَي ١٣٤٨ و١٣٤٩، كَتَبَ ما لَم يَكتُبْهُ غَيرُه، بِقَدرِ ما تُبَيِّنُهُ السِّجلّاتُ الباقيَة: كَتَبَ يَتَساءَلُ عَمّا إذا كانَ أحَدٌ سيُصَدِّقُه. في رِسالَةٍ إلى صَديقِهِ «سُقراط»، يُخاطِبُ الأجيالَ القادِمَة، ويَتَخَيَّلُهُم يَقرأونَ أنباءَ المُدُنِ الخاوِيَةِ والمَوتى الَّذينَ لَم يُدفَنوا، ويَتَصَوَّرُهُم يَتَلَقَّونَ شَهادَتَهُ على أنَّها خُرافَة. إنَّهُ يَكتُبُ لِقارِئٍ سيَجِدُ الدَّليلَ مُحالاً. يَكادُ لا يُوجَدُ كاتِبُ طاعونٍ آخَرُ يَتَوَقَّعُ تَكذيبَ قارِئِه. أمّا «بِترارك» فَيَسمَعُ هَذا التَّكذيبَ مِن مَوقِعِه، عَبْرَ سِتَّةِ قُرون، في صَوتِ القارِئِ الَّذي يُطالِعُ السِّجلَّ ويَقول: لا يُمكِنُ أن يَكونَ هَذا قَد حَدَث.
وفي الرَّسائِلِ يَقُصُّ الحِكايَة، الَّتي أُورِدُها هُنا كَما ترويها المَصادِر، حِكايَةَ أخيِه «غيراردو»، الرّاهِبِ الكارثوزي، الَّذي فَقَدَ دَيرُهُ في «مونتريو» رُهبانَهُ واحِداً تِلوَ الآخَرِ حَتّى لَم يَبقَ سِوى «غيراردو»، ومَعَهُ كَلبُه، يُواري المَوتى في الصَّقيع. رَجُلٌ، وكَلبٌ، ومَقبَرَة. وهِيَ النَّملَةُ، بِتَعبيرِ «دانتي»، بِلا مَأوى. تَحمِلُ الرِّسالَةُ تِلكَ الصّورَة، وكِتابَةُ الرِّسالَةِ تَصنَعُ بِها شَيئاً. لَم يَكُن «بِترارك» هُناك. كانَ يَكتُبُ مِنَ الخارِج، يَصوغُ عُزلَةَ أخيهِ بِلُغَةٍ لاتينيَّةٍ رَصينَةٍ لِيَحفَظَها أحَدُهُم.
ولَدى «دانتي» نَملَةٌ في مَوضِعٍ آخَر، في كِتابِ «المَطهَر»، في طَبَقَةِ الشَّهوانيّين، حَيثُ تَلتَقي مَجموعَتانِ مِنَ الأرواحِ تَركُضانِ في اتِّجاهَينِ مُتَعاكِسَينِ لِتَتَوقَّفا وتَتَبادَلا القُبَلَ عابِرَةً. يُشَبِّهُهُم بِنَمْلٍ يَتَلاقى في رَتْلِهِ الدّاكِن، كُلٌّ يُلامِسُ خِطامَ الآخَر، «لَعَلَّهُم يَستَطلِعونَ طَريقَهُم وطالِعَهُم». لَعَلَّهُ أبلَغُ وَصفٍ لِماهِيَّةِ الرَّسائِلِ عامَ ١٣٤٨. النّاجونَ تَلامَسَت ثُغورُهُم، يَسألُ بَعضُهُم بَعضاً: أيُّ دَربٍ سالِك، ومَن لا يَزالُ على قَيدِ الحَياة. مُراسَلاتُ سَنَواتِ الطّاعونِ هِيَ نَملٌ يَلتَقي في دَرْب، فَيَتَبادَلُ في إيماءاتٍ يَسيرَةٍ الخَبَرَينِ الوَحيدَينِ اللَّذَينِ لَهُما قيمَة.
كانَ «تشوسر» طِفلاً صَغيراً في عامِ ١٣٤٨، إذا وَقَعَ تاريخُ مِيلادِه، وهُوَ غَيرُ مُؤَكَّد، حَيثُ يَضَعُهُ الباحِثونَ عادَةً، في أوائِلِ أربَعينيّاتِ القَرنِ الرّابِعِ عَشَر. لِذَلِكَ، يَقْبَعُ الطّاعونُ في أدَبِهِ كَما يَقبَعُ المُناخُ في ذِهنِ مَن نَشَأ فيه. إنَّهُ لا يَصِفُهُ أبَداً. تَظهَرُ كَلِمَةُ «الوَباء» في «حِكاياتِ كانتربري» مَرّاتٍ مَعدودَة، مَدسوسَةً في ثَنايا وَصفِ أشياءَ أُخرى.
يُبَيِّنُ الطَّبيبُ في «المُقَدِّمَةِ العامَّة» ما أَعنيه. إنَّهُ رَجُلٌ مُتَبَحِّرٌ في العِلم، غائِصٌ في كُتُبِ «غالينوس» و«ابنِ سينا»، خَبيرٌ بالتَّوقيتِ التَّنجيميِّ لِلعِلاجات، ثُمَّ، في ثَلاثَةِ أشطُر، يَأتي الشَّيءُ الَّذي يُريدُ الشّاعِرُ حَقّاً أن تَعرِفَهُ عَنه: «وقَد حَفِظَ ما كَسَبَهُ في أيّامِ الوَباء. فَالذَّهَبُ في الطِّبِّ مُنعِشٌ لِلقَلب، ولِذا أحَبَّ الذَّهَبَ حُبّاً جَمّاً». حَفِظَ ما كَسَبَهُ في أيّامِ الوَباء. كانَ الذَّهَب، كَما تَقولُ كُتُبُ الطِّبِّ القَديمَة، «دَواءً مُنعِشاً»، مُقَوِّياً لِلقَلب، ولِذا أحَبَّهُ فَوقَ كُلِّ شَيء.
الطَّبيبُ نَملَة. مُقتَصِد، عَنيدٌ في التَّشَبُّثِ بِما كَسَب، حَريصٌ على حِفظِ ما جَنى. لَقَد وَضَعَ «تشوسر» وَصفَ «أوفيد» في شَكلِ دُعابَةٍ، وانطَوى هَيكَلُ الرِّبحِ بِرُمَّتِهِ في زَمَنِ الطّاعونِ في تَوريَةٍ لَفظيَّةٍ لِكَلِمَةِ «مُنعِش».
حِكايَةُ «صاكِكِ الغُفران»، الَّتي يَعُدُّها كَثيرٌ مِنَ القُرّاءِ أكثَرَ أعْمالِ «تشوسر» اللّاهوتيَّةِ تَماسُكاً، هِيَ حِكايَةُ طاعونٍ لا تَستَخدِمُ كَلِمَةَ «الطّاعون» قَطُّ كَمَوضوعٍ لَها. ثَلاثَةُ شُبّان، يَحتَسونَ الخَمْرَ في حانَةٍ بِـ«فلاندرز»، يَسمَعونَ رَنينَ جَرَسٍ أمامَ جُثَّةٍ تُحمَلُ إلى مَثواها. يُخبِرُهُم صَبِيُّ الحانَةِ بِهُويَّةِ المَيِّت: رَفيقٌ قَديمٌ لَهُم، كانَ جالِساً سَكرانَ عَلى مَقعَدِه، صَرَعَهُ لِصٌّ خَفِيٌّ يُدعى «المَوت»، «يَحصُدُ أرواحَ كُلِّ النّاسِ في هَذا البَلَد». ثُمَّ تَأتي الجُملَةُ الَّتي تَحوي العَدَد، عَلى لِسانِ الصَّبِيّ، كَنَوعٍ مِنَ التَّفسير: «لَقَد صَرَعَ ألفاً في هَذا الوَباء». يُقسِمُ الثَّلاثَةُ على العُثورِ عَلى «المَوتِ» وقَتلِه. ويَنطَلِقونَ كَسِرْبِ نَمل، بِغايَةٍ مَرسومَة، في رَتْلٍ واحِد.
يَستَوقِفُهُم رَجُلٌ هَرِمٌ في الطَّريق. يَسألُونَهُ لِمَ هُوَ طاعِنٌ في السِّنِّ هَكَذا؛ فَيُجيبُهُنَّ أنَّهُ لا يَجِدُ أحَداً، في أيِّ مَدينَةٍ أو قَريَة، يَرضى أن يُقايِضَ شَبابَهُ بِهَرَمِه، ولِذا عَلَيهِ أن يَحتَفِظَ بِه. «وهَكَذا أمشي، كَشَقِيٍّ لا يَعْرِفُ قَراراً»، يَمشي، ويَقرَعُ بِعَصاهُ عَلى الأرضِ الَّتي يَدعوها بابَ أُمِّه، ويَقول: «أُمّاهُ الرَّؤوم، دَعيني أدخُل». ولَكِنَّ الأرضَ لا تَنشَقُّ لَهُ. المَوتُ، الَّذي كانَ في الحانَةِ لِصّاً يُنوِّمُ ألفَ إنسان، يأبى أن يَأخُذَ مَن يَطلُبُه.
يَدُلُّهُم عَلى مَكانِ «المَوت»: في أعلَى الدَّربِ المُلتَوي، في حُرجٍ، تَحتَ شَجَرَة. يَركُضون. وتَحتَ الشَّجَرَةِ يَجِدونَ ثَمانِيَةَ مَكاييل، أو ما يُقارِبُها، مِن «دَنانيرِ فِلورَنسا الذَّهَبيَّةِ الخالِصَةِ المَضروبَةِ شَكلاً مُستَديراً». دَنانير، عُملَةُ مَدينَةِ «بوكاتشيو»، ضُرِبَت في «فِلورَنسا»، مُلقاةً في حُرجٍ فِلَمَنْكيّ. يَنْسَونَ أمرَ المَوتِ في لَحظَتِها. يُرسَلُ أحَدُهُم إلى البَلدَةِ لابتِياعِ الخُبزِ والنَّبيذِ بَينَما يُدَبِّرُ الآخَرانِ مَكيدَةً لِقَتلِهِ حِينَ عَودَتِه، بَينَما يَشتَري هُوَ في البَلدَةِ سُمّاً لِيَقتُلَهُما. ويَهْلِكُ الثَّلاثَةُ بَسبَبِ الذَّهَب. لا حاجَةَ إلى مَوعِظَة. فَصاكِكُ الغُفرانِ يُعَلِّقُ النَّصَّ عَلى صَدرِهِ: «الجَشَعُ أصلُ كُلِّ الشُّرور»، ويُرَدِّدُهُ كَلازِمَةٍ لِحِرفَتِه.
عُدْ إلى الرَّجُلِ الهَرِم. يَقضي اللُّصوصُ الثَّلاثَةُ الحِكايَةَ كُلَّها في البَحثِ عَنِ الشَّيءِ الَّذي يَقتُل، فَيَتَبَيَّنُ أنَّ الشَّيءَ الَّذي يَقتُلُ هُوَ ذاتُ الشَّيءِ الَّذي يُترَكُ وَراءَ الظُّهور. الطّاعونُ يُخَلِّفُ ذَهَباً مُهمَلاً لا مالِكَ لَه. في «فِلورَنسا» «بوكاتشيو» كانَ الفيلات، وفي «أفينيون» «بِترارك» كانَ مَخطوطَةَ «فِرجيل»، وتَحتَ شَجَرَةِ «تشوسر» هُوَ كَومَةٌ مِنَ العُمُلاتِ الَّتي لا يَسَعُ وَرَثَةَ أحَدٍ اقتِسامُها. الرَّجُلُ الهَرِم، الشَّخصُ الوَحيدُ عَلى الدَّربِ الَّذي لا يَنْتَمي إلى أيِّ إرث، الَّذي لا يُمكِنُ أن يَموتَ ولا يُمكِنُ استِبدالُهُ ولا يُمكِنُ بَذْرُهُ مِن أيِّ شَيء، هُوَ الوَحيدُ في القِصَّةِ الَّذي يُبصِرُ بِجَلاءٍ ما تَحويهِ الشَّجَرَة.
لَقَد مَنَحَ الطّاعونُ إنجِلترا شَيئاً آخَر، وحُجّاجُ «تشوسر» هُمُ الدَّليل. بَعدَ زَوالِ نَحْوِ ثُلُثِ الأيدي العامِلَةِ (وهُوَ تَقديرٌ حَديثٌ وتَقريبيّ)، صارَ بِوُسْعِ النّاجينَ أن يَطلُبوا المَزيد. فَأجابَ البَرلَمانُ في عامِ ١٣٥١ بِـ«قانونِ العُمّال»، الَّذي حاوَلَ تَجميدَ الأُجورِ عِندَ مُستَوَياتِ ما قَبلَ الطّاعون، وأخفَقَ القانونُ كَما تُخفِقُ القَوانينُ أمامَ حَقائِقِ الحِساب. مالِكُ عَقار، وطَحّان، وبائِعُ خُرداواتٍ، ونَسّاجٌ، ونَجّارٌ، وصَبّاغ، وامرَأةٌ تَحيكُ الثِّياب: زُمرَةُ «تشوسر» هِيَ مَعرِضٌ لِلنّاسِ الَّذينَ ارتَقى بِهِم الخَواءُ. وتَبدَأُ «زَوجَةُ باث»، الَّتي عاشَت بَعدَ خَمسَةِ أزواج، مُقَدِّمَتَها بالزَّعمِ أنَّ التَّجرِبَة، حَتّى وإن بَطَلَت سُلطَتُها في هَذا العالَم، تَكفيها لِتَتَحَدَّثَ عَن وَيْلاتِ الزَّواج، وتُقرَأُ زيجاتُها الخَمسُ عِندَ بابِ الكَنيسَة، مِن بَينِ جُملَةِ أشياء، كَخَمسِ عَمَليّاتِ نَقلِ مُلكيَّة. كُلُّ وَفاةِ زَوجٍ هِيَ وديعَة.
كانَ «تشوسر» يَعرِفُ نَسَبَ كِتابِه. يَبدأُ كاتِبُ «أُكسفورد» حِكايَةَ «غريزيلدا» بِالقَولِ إنَّهُ تَلَقّاها في «بادوفا» عَن عالِمٍ جَليل، «فرانسيس بِترارك، الشّاعِر المُكَلَّل بالغار»، الَّذي أضاءَ بِعُذوبَةِ بَيانِهِ إيطاليا كُلَّها بِالشِّعر. والقِصَّةُ هِيَ الحِكايَةُ الأخيرَةُ مِن «الديكاميرون» (اليَومُ العاشِر، الحِكايَةُ العاشِرَة)، الَّتي تَرجمَها «بِترارك» إلى اللّاتينيَّةِ عام ١٣٧٣، والَّتي تَلقّاها الكاتِبُ ونَقَلَها. بَذْرَة. قاطَعَت حِكايَةُ «بوكاتشيو» الأخيرَةُ جِبالَ الألْبِ في لاتينيَّةِ «بِترارك» واستَقَرَّت في فَمِ كاتِبٍ إنجليزيّ. لَم يُسَمِّ «تشوسر» «بوكاتشيو» قَطّ، بِقَدرِ ما استَطاعَ أحَدٌ أن يَتَبَيَّن، واقتَبَسَ مِنهُ بِغَزارَة؛ الدَّينُ يَنتَقِلُ بِلا إمضاء. أمّا «دانتي» فَيُسَمّيه. تَقولُ زَوجَةُ «باث»، مُستَشهِدَةً بِحُجَّةٍ في النُّبل، إنَّ شاعِرَ فِلورَنسا الحَكيم، الَّذي يُدعى «دانت»، قَد تَكَلَّمَ في هَذا الشَّأن. «دانتي»، الرَّجُلُ الَّذي خَطَّ المِقياس، يَدخُلُ كِتابَ «تشوسر» كَاقتِباسٍ مَجهولٍ لِحِكمَةِ شَخصٍ آخَر.
والنَّمل، في النِّهايَة، كانَ يَرغَبُ في أشياء. في يونِيُو مِن عامِ ١٣٨١، زَحَفَ عَوامُّ «كينت» و«إسيكس» نَحوَ لندن، وكانَ «تشوسر»، الَّذي يَملِكُ داراً فَوقَ «ألدغيت» ومَنصِباً في الجَمارِك، رَجُلاً لَدَيهِ ما يَخشى فُقدانَه. إشارَتُهُ المُباشِرَةُ الوَحيدَةُ كانَت في حِكايَةِ «كاهِنِ الرّاهِبَة»، حَيثُ يَخطَفُ ثَعلَبٌ دِيكاً وتُطارِدُهُ حَظيرَةُ الدَّواجِنِ بِأكمَلِها، ويَقولُ الرّاوي إنَّ «جاك سترو» ورِجالَهُ لَم يُطلِقوا قَطُّ صَيحاتٍ تَبلُغُ نِصفَ حِدَّةِ صَخَبِ الدَّجاجِ والأوَزِّ في ذَلِكَ اليَومِ حِينَ خَرَجوا لِقَتلِ فِلَمَنْكيّ. تَظهَرُ الثَّورَةُ كَمَهزَلَةٍ عَنِ الدَّواجِن. العامِلُ الَّذي نَبَتَ مِن بَذْرِ النَّملِ بَدأَ يَصرُخ، والشّاعِرُ لا يَسَعُهُ أن يَسمَعَ ذَلِكَ إلّا كَضَجيجٍ في حَظيرَة.
وفي نِهايَةِ المَطافِ مِن «حِكاياتِ كانتربري» تَأتي صَفحَةٌ نَسَخَها النُّسّاخُ واختَصَمَ فيها النُّقّاد. يَستَرِدُّ «تشوسر» القَلَم. ويَسألُ القُرّاءَ الَّذينَ سَمِعوا الكِتابَ أن يَحمَدوا المَسيحَ عَلى أيِّ شَيءٍ فيهِ رَضوه، وأن يَرُدّوا أيَّ زَلَّةٍ إلى قُصورِ بَراعَتِه، ثُمَّ يَتَبَرَّأُ، بالاسْم، مِن حِكاياتِ كانتربري، «تِلكَ الَّتي تَحُضُّ عَلى الخَطيئَة». ويَسرُدُ الأشياءَ الأُخرى الَّتي نَدِمَ عَلَيها. يُدرَجُ كِتابُ «الدوقَة» في القائِمَة، إلى جانِبِ «ترويلوس»، و«بَيتِ الشُّهرَة»، و«أساطيرِ النِّساءِ الصّالِحات». أُغلِقَ السِّجلُّ وتُنوزِلَ عَنِ التَّرِكَة. الرَّجُلُ الَّذي أمضى سِنينَ عَلى مَكتَبِ الكِتابَةِ يُحَوِّلُ المَوتى، حَديثي العَهدِ بِالمَوتِ ومَن طالَ رُقادُهُم، إلى أدَبٍ صَنَعَهُ أُناسٌ ضاحِكون، مُقتَصِدون، عَنيدون؛ يَقِفُ عَلى بابِ دَفتَرِ الحِساباتِ ويَرفُضُ ما جاءَ فيه.
لا أحَدَ يَتَّفِقُ عَلى تَأويلِ هَذا. يَقرأُهُ البَعضُ كَعُرفٍ، كَالصّيغَةِ الَّتي كانَ المُؤَلِّفونَ في القُرونِ الوُسطى يَختِمونَ بِها الكُتُب. ويَأخُذُهُ آخَرونَ عَلى أنَّهُ الذُّعرُ الحَقيقيُّ لِرَجُلٍ شاخ. أمّا أنا، فَأجِدُ أنَّني أستَطيعُ الاحتِفاظَ بِكِلا التَّأويلَينِ، ولا بِأيٍّ مِنهُما، وأظَلُّ أبصِرُ الشَّيءَ الآخَر، ألا وهُوَ التَّواؤُمُ الصّامِتُ مَعَ الرَّجُلِ الهَرِمِ في حِكايَةِ صاكِكِ الغُفران. شَخصٌ لا يُمكِنُ السَّماحُ لَهُ بالدُّخول. شَخصٌ قَطَعَ الدَّربَ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ لِيَصِلَ إلى الحُرجِ بِكيسٍ خاوٍ، طارِقاً الباب.
والشُّعراء، كَما يَقولُ «دانتي»، يَجْزِمُونَ بِذلِك. مُؤَكَّدٌ وثابِت، الكَلِمَةُ هِيَ (fermo)، ذاتُ الكَلِمَةِ الَّتي سيَستَخدِمُها مُجَدَّداً، في النَّشيدِ الأخيرِ مِنَ الفِردَوس، لِلبُرهَةِ الَّتي يَجِبُ أن تَتَوَقَّفَ عِندَها القَصيدَةُ في العَقل. ما يَجْزِمونَ بِهِ هُوَ أنَّ الجَزيرَةَ امْتَلَأت مِن جَديدٍ بِأصغَرِ الحَشَرات، وأنَّ الأُناسَ الَّذي أَنبَتَتْهُم كانَت لَهُم طِباعُ أسلافِهِم: مُدَّخِرون، مُكَدِّسون، مُتَشَبِّثونَ بِما حَصَدوا. أربَعَةُ كُتّابٍ، وُلِدوا وبَينَهُم جيل، عِندَ مُنعَطَفٍ في تاريخِ أُوروبا، وَضَعوا أقلامَهُم في غُبارِ حَدَثٍ مَهَّدَ لَهُمُ الأرض، ولَم يَنطِقْ بِها أحَدٌ مِنهُم صَراحَةً. كانَت دَفاتِرُ الحِساباتِ مُنتَظِمَة. والفيلا دافِئَة. والمِدادُ صالِحاً.
وَحدَهُ الرَّجُلُ الهَرِمُ ما زالَ
واقِفاً في الخارِجِ عَلى الطَّريق، يَقرَعُ الأرضَ بِعَصاه، والأرضُ الَّتي
انشَقَّت يَوماً لِدُعاءِ مَلِكٍ وأخرَجَت أُناساً مِن جُذورِ شَجَرَةِ بَلّوط،
لَم تُجِبه. وفي مَكانٍ ما تَحتَ العَصا، في العَتَمَة، يَمضي الصِّغارُ في
سَعيِهِم، يَحمِلونَ عَبرَ التُّرابِ شَيئاً يَكبُرُهُم حَجْماً.
