الأيدي التي يَصِيرُ إلَيها الكِتاب
الشبقيَّةُ إقبالٌ على الحَياةِ حتَّى مَشارِفِ المَوت.
جورج باتاي، «الشبقيَّة» (١٩٥٧).
الكِتابُ المُجَلَّدُ يُطلِقُ يَداً ويَشغَلُ أُخرى؛ إذ يَستَقِرُّ على رُكبَةٍ أو مِنضَدَة، فَيَحفَظُ الإبهامُ المَوضِع، وتَمضِي اليَدُ الأُخرى لِتَطوِيَ صَفحَة، أو تَسكُبَ كَأساً، أو تَستَنِدَ إليها الوَجنَة. أمَّا اللُّفافَةُ فَتَستَأمِرُ الكَفَّينِ جَميعاً؛ يُسْرى تَبسُط، ويُمنى تَطوِي، ويَنسَلُّ النَّصُّ مِن بَينِهِما كَما يَنسَلُّ الخَيطُ مِن المِنسَج. وفي كُلِّ لَحظَة، يَقبِضُ القارِئُ على نِسبَةٍ دَقيقَةٍ مِمَّا قُرِئَ ومِمَّا بَقِي، نِسبَة قِوامُها الوَرَق، فتَغدو قَبضَةٌ أغلَظَ مِن قَبضَة.
واللُّفافَةُ التي أَعنيها يَبلُغُ طولُها اثنَي عَشَرَ مِتراً، صُنِعَت مِن ثَلاثٍ وثَلاثينَ صَحيفَةً، لُصِقَ بَعضُها بِبَعضٍ حتَّى استَوَت شَريطاً يَفوقُ عَرْضُه الكَفَّ قَليلاً، وجَرى القَلَمُ عَلى وَجهَيها بِخَطٍّ دَقيقٍ غايَةَ الدِّقَّة، حتَّى إنَّ مَن تداوَلوها وَصَفوها بِأنَّها تَكادُ تَستَعصِي عَلى القِراءَة. وَقَد مَلَأها «ماركيز دي ساد» في ليالي سَبعَةٍ وثَلاثينَ يَوماً، مُمتَدَّةٍ مِن أواخِرِ أكتوبَر إلى أواخِرِ نوفَمبَر مِن عامِ ١٧٨٥، في زِنزانَةٍ بِسِجنِ الباستيل.
ومِن شَأنِ اللُّفافَةِ إن أُفلِتَت أن تَنطَوِيَ عَلى نَفسِها، وتِلكَ خَصيصَةٌ تَستَهويني أشدَّ مِمَّا كُتِبَ فيها. فَبِوُسعِ مَن يُمسِكُ بِالشَّريطِ أن يُرخِيَ يَدَه السُّفلى في أيِّ لَحظَة، لِيَلتَفَّ الشَّريطُ بِطولِه ويُغلَقَ دُونَ جُهدٍ أو رَوِيَّة. ومِن بَينِ جَميعِ مَن شَمِلَتهُم قِصَّةُ «مائة وعِشرون يوماً في سدوم»، بِفُجَّارِها الأربَعَة، ورُواتِها الأربَعَة، وضَحاياها المُحتَجَزينَ في قَلعَةٍ بِالغابَةِ السَّوداءِ خَلفَ جِسرٍ قُطِعَ مِن بَعدِهِم، لا يَملِكُ أن يَضَعَ اللُّفافَةَ جانِباً سِوى شَخصٍ واحِد. هذا الشَّخصُ هُوَ مَن دَعاهُ الكِتابُ «الصَّديقَ القارِئ»، في ذاتِ الصَّفَحاتِ التي تَعِدُ بِأَن تَقُصَّ «أنجَسَ حِكايَةٍ رُوِيَت مُنذُ بَدءِ الخَليقَة». هَكَذا يُفتَتَحُ أكثَرُ النُّصوصِ تَطَرُّفاً في الأَدَبِ الفَرَنسِيِّ بِمُخاطَبَةِ المَرءِ كَصَديق.
وإني لَأبتَغِي مَقعَدَ القارِئ؛ إذ إنَّ جُلَّ ما رُوِيَ عَن هَذا الأَدَب، مِن مُحاكَماتٍ ومُدافَعَاتٍ ونَدَوات، قَد صَدَرَ إمَّا مِن جِهَةِ الكاتِب، أو مِن جِهَةِ الأجسادِ المَوصوفَةِ فيه. أمَّا المَقعَدُ الوَحيدُ الذي يَستَقِرُّ عَلَيهِ الثِّقَلُ كُلّه، فَقَد بَقِيَ خاوِياً، مِعطَفٌ مُلقىً عَلى ظَهرِه وكفى.
دَسَّ «ساد» اللُّفافَةَ في شَقٍّ مِن حِجارَةِ البُرج. وفي الثَّاني مِن يوليوز عامَ ١٧٨٩، وَقَفَ عِندَ نافِذَتِه وصاحَ عَبرَ قِمعٍ مِن صَفيحٍ كانَ بِمَثابَةِ مِصرَفٍ لِلزِّنزانَة، مُخبِراً المارَّةَ في الشَّارِعِ أنَّ السُّجَناءَ يُقتَلونَ في الدَّاخِل. وفي لَيلَةِ الرَّابِعِ مِنَ الشَّهرِ ذاتِه، نَقَلَه الحُرَّاسُ إلى مَصَحَّةِ «شارانتون»، وبَقِيَت اللُّفافَةُ مَطمورَةً في الجِدار. وبَعدَ عَشَرَةِ أيَّام، اقتَحَمَت الجُموعُ المَبنى، فَظَنَّ أنَّ كِتابَه قَد هَلَكَ بِهَلاكِه. وفي رِسالَةٍ كَتَبَها بَعدَ ذَلِك، يَقولُ - فيما قَرَأتُ لَه - إنَّه يَقصُرُ عَن تَصويرِ مَبلَغِ يَأسِه لِفِقدانِه، وإنَّه يَبكي عَلَيهِ «دُموعاً مِن دَم». لَقَد ذَرَفَ دُموعَ الدَّمِ عَلى مَخطوطَةٍ، في اليَومِ الذي تهاوى فيه المَبنى الذي احتَجَزَه لِخَمسِ سَنَوات، أمامَ أعيُنِ فَرَنسا بِأسرِها.
غَيرَ أنَّ أحَدَهُم قَدِ انتَشَلَ اللُّفافَةَ مِن بَينِ الحِجارَة. فاكتَنَزَتها عائِلَةٌ لِأجيال، ثُمَّ ابتاعَها طَبيبٌ ألمانِيّ يُدعى «إيفان بلوخ» وطَبَعَها عامَ ١٩٠٤، وفي القَرنِ العِشرينَ تداوَلتها أيدي جامِعي التُّحَفِ وعَبَرَت الحُدودَ السِّويسرِيَّة. وفي يوليوز مِن عامِ ٢٠٢١، أعلَنَت وِزارَةُ الثَّقافَةِ الفَرَنسِيَّةِ حِيازَةَ الدَّولَةِ لَها بِمَبلَغِ ٤،٥٥ مِليون يورو. وهي تَرقُدُ الآنَ في مَكتَبَةِ التَّرسانَة (الأرسينال)، عَلى قَيدِ خَطَواتٍ يَسيرَةٍ مِن مَوضِعِ الزِّنزانَة. مِائَةٌ وتِسعَةَ عَشَرَ عاماً فَصَلَت بَينَ الكِتابَةِ والطِّباعَةِ الأُولى. لَقَد كانَ لِلكِتابِ مُخاطَبٌ بِلا عُنوانٍ طيلَةَ أعمارِ ثَلاثَةِ أجيال، وما مِن قالَبٍ يَحتمِلُ هَذا سِوى الرِّسالَة، إذ إنَّ الرِّسالَةَ تُبعَثُ في غَياهِبِ التَّأجيلِ عَلى رَجاءِ الوُصول.
وهُنا تَتَفَتَّقُ المُفارَقَةُ المَركَزِيَّة، وسَأترُكُها مَفتوحَة. إنَّ «باتاي»، في الفُصولِ المُخَصَّصَةِ لِـ«ساد» في كِتابَي «الشبقيّة» و«الأدب والشر»، يَقرَأُ شَخصِيَّةَ الرَّجُلِ السَّيِّدِ في خَيالِ «ساد» عَلى أنَّه شَخصٌ ألغى حَقَّ الرَّدّ؛ فَشُرَكاءُ الماجِنِ يُستَهلَكونَ قَبلَ أن يَتَسَنَّى لَهُمُ الجَواب، والمُعَوَّلُ عَلَيهِ هُوَ المُستَهلِكُ وَحدَه. ويَخلُصُ «باتاي» - فيما أقرَأُ لَه - إلى مُفارَقَةٍ يُبقِيها قائِمَة: أنَّ صاحِبَ تِلكَ العَقيدَةِ قَد كَتَبَ أطوَلَ فِعلِ تَواصُلٍ وأشَدَّه هَوَساً في قَرنِه، مُوَجِّهاً إيَّاهُ لِشَخصٍ يَدعوهُ صَديقاً. رَجُلٌ كانَ يَرى أنَّ رَدَّ الآخَرينَ لا طائِلَ مِنه، أفنى سَبعاً وثَلاثينَ لَيلَةً يَخُطُّ بِقَلَمٍ دَقيقٍ مِن أجلِ قارِئ. عَقيدَتُه تَقولُ ألا مُجيب، وقالَبُ نَصِّه يَقولُ إنَّ هُناكَ مَن لا بُدَّ أن يُمسِكَ بِاللُّفافَة.
في عامِ ١٩٥٤، صَدَرَ كِتابٌ عَن دارِ نَشرٍ باريسِيَّةٍ صَغيرَةٍ تَحتَ اسمِ «بولين رياج»، مُصَدَّراً بِمُقَدِّمَةٍ لِـ«جان بولان»، مُحَرِّرِ «المَجَلَّةِ الفَرَنسِيَّةِ الجَديدَة»، تَحتَ عُنوان: «السَّعادَةُ في العُبودِيَّة». بَطَلَةُ الكِتابِ اسمُها حَرفٌ واحِدٌ فَقَط؛ «أو» (O). وهُوَ حَلقَة، وصِفر، وخاتَم، وفَمٌ مَفتوح، وهَذا الحَرفُ يُؤَدِّي جُزءاً كَبيراً مِنَ العَمَلِ الخَفِيّ. بَقِيَت هُوِيَّةُ المُؤَلِّفَةِ طَيَّ الكِتمانِ أربَعينَ عاماً. وفي عامِ ١٩٩٤، وحينَ بَلَغَتِ السَّادِسَةَ والثَّمانين، أفضَت «دومينيك أوري»، المُتَرجِمَةُ والقارِئَةُ في دارِ «غاليمار»، لِـ«جون دي سان جور» مِن مَجَلَّةِ «نيويوركَر» بِأنَّها هِيَ مَن كَتَبَته.
ورِوايَتُها لِلأَمر، كَما سَرَدَتها آنَذاك وكَما أسرَّت بِها سابِقاً لِـ«ريجين ديفورج»، هِيَ أنَّها كانَت عَشيقَةَ «بولان»، وأنَّه كانَ يَكبُرُها بِسِنِين عِدَّة، وقَد صَرَّحَ مَرَّةً أنَّ المَرأةَ لا قِبَلَ لَها بِكِتابَةِ رِوايَةٍ ماجِنَةٍ حَقّاً. فَكَتَبَت هِيَ واحِدَة، في صَفَحاتٍ كانَت تَدفَعُها إلَيهِ كُلَّما فَرَغَت مِنها، بِاللُّغَةِ الوَحيدَةِ التي ظَنَّت أنَّها قَد تَأسِرُ انتِباهَه. لَقَد كانَ مُولَعاً بِالرَّسائِل، كَما تَقول، ولَم تَكُن تَملِكُ وَسيلَةً أُخرى. وهَكَذا، فَإنَّ أشهَرَ رِوايَةٍ عَنِ الخُضوعِ في حَقَبَةِ ما بَعدَ الحَرب، قَد صِيغَت كَرِسالَةِ حُبٍّ طَويلَةٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ مَعروفٍ عَلى قَيدِ الحَياة، يَجلِسُ عَلى المَقعَدِ في الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ المِنضَدَة.
وكانَ في وُسعِ هَذا القارِئِ أن يُجيب، وقَد فَعَل. حَمَلَ الصَّفَحاتِ إلى «جان جاك بوفير»، وكَتَبَ المُقَدِّمَة، وقادَ الكِتابَ في مَسالِكِ الجَوائِزِ الأدَبِيَّة، حَيثُ نالَ جائِزَةَ «دو ماغو» عامَ ١٩٥٥. جَوابٌ مَصنوعٌ مِن آلاتِ النَّشر. والمُفارَقَةُ الكامِنَةُ في صَميمِ ذَلِك أنَّ مَوضوعَ الكِتاب، المُمَثَّلَ في امرَأةٍ تَرضى بِمَحوِ ذاتِها، قَد نَسَجَته امرَأةٌ تَرسُمُ نَفسَها في المَوضِعِ الوَحيدِ الذي يَستَحيلُ مَحوُها مِنه؛ فَقَد كانَ انتِباهُ القارِئِ هُوَ السَّاحَةَ التي رَغِبَت في احتِلالِها. في داخِلِ الكِتابِ تَتَخَلَّى «أو» عَنِ اسمِها، أمَّا في خارِجِه فَقَد تُخُلِّيَ عَنِ اسمٍ مُستَعار، ووُضِعَت مَخطوطَةٌ عَلى مَكتَب، ومَضى صاحِبُ المَكتَبِ يُطيلُ النَّظَر.
وهَذِهِ القِصَّة، كَما تَرويها «أوري»، تَضَعُ القارِئَ في مَقامٍ لا مَحَلَّ لَه في قِصَّةِ «ساد». فَمَقعَدُه يَشغَلُه رَجُلٌ يُمكِنُ لِلكِتابِ أن يُؤذِيَه، أو يُطريَه، أو يَأسِرَه، أو يَستَنطِقَه. اللُّفافَةُ في الجِدارِ كانَ لَها صَديقٌ مُختَلَق. أمَّا صَفَحاتُ «بولان» فَكانَ لَها صَديقٌ قَد يُفقَد.
في أوائِلِ أربَعِينِيَّاتِ القَرنِ العِشرين، في نيويورك، خَطَّت «أناييس نين» وثُلَّةٌ مِن أصدِقائِها حِكاياتٍ شَبَقِيَّةً لِصالِحِ جامِعِ تُحَفٍ خاصّ، كانَ يَدْفَعُ دولاراً عَن كُلِّ صَفحَةٍ عَبْرَ وَسيط. وكانَتِ التَّعليمات، كَما وَرَدَت في مُقَدِّمَةِ كِتابِ «دِلتا فينوس»، تَأمُرُهُم بِطَرْحِ الشِّعرِ والفَلسَفَةِ والتَّزويقِ اللَّفظِيِّ جانِباً، وتَركيزِ الجُهدِ عَلى الجِنس. لَقَد أرادَ ذَلِكَ الرَّجُلُ جَسَداً مُجَرَّداً مِن كُلِّ مَناخٍ يُحيطُ بِه.
وتَصِفُ «نين» هَذا التَّكليفَ بِأنَّه سِجالٌ أُديرَ عَبرَ البَريد. فَكُلُّ رُزمَةٍ مِنَ الصَّفَحاتِ كانَت حَرَكَةً في نِزاعٍ حَولَ إمكانِيَّةِ الفَصلِ بَينَ الجَسَدِ والقَصيدَة، ولَم يَكُن لِلرَّجُلِ أن يُجيبَ إلَّا بِالدَّفع. وكانَت حُجَّتُها في النِّزاع، كَما تَرويها، أنَّ الرَّغبَةَ إذا نُزِعَ عَنها الشُّعورُ أصبَحَت فاتِرَة، وأنَّ بُغيَةَ المُقتَني لِلأشياءِ مُجَرَّدَةً كانَت تَتَمخَّضُ عَن شَيءٍ أبهَتَ مِمَّا كانَ يَظُنُّ أنَّه طَلَبَه. وقَد ظَلَّت مَحكومَةً بِأجرِ الصَّفحَة. ويَغلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ الشِّعرَ قَد عادَ مُتَسَلِّلاً مِن أقدَمِ طَريقٍ مُتاحٍ لِكاتِبٍ يَعمَلُ بِالقِطعَة؛ إذ إنَّ الشِّعرَ يَشغَلُ مِساحَة، والمِساحَةُ هِيَ ما كانَ يَشتريه ذَلِكَ الرَّجُل.
هذا القارِئُ لا اسْمَ لَه في القِصَّة، بَل لَه ميزانِيَّةٌ فَحَسب، مِمَّا يَجعَلُه أصدَقَ المُخاطَبينَ جَميعاً. فَغَيرُه مِمَّن سَلَكوا هَذا الدَّربَ يَتَصَنَّعونَ المُبادَلَة؛ صَديقاً كانَ، أو عاشِقاً، أو شَريكاً أدَبِيّاً. أمَّا جامِعُ التُّحَفِ فَقَدِ ابتاعَ حَقَّ أن تَكونَ العِباراتُ لَه، تَماماً كَما يَبتاعُ المَرءُ حَقَّ استِئجارِ عازِفِ كَمانٍ في مَأدُبَةِ عَشاءٍ لِتَكونَ المُوسيقَى خالِصَةً لَه، فَيَعزِفُ المُوسيقِيُّ ألحانَه في مُطلَقِ الأحوال، عَبرَ المِنضَدَة، مُوَجِّهاً إيَّاها لِلَّحمِ المَشوِيّ. إنَّ أجرَ الصَّفحَةِ يَربِطُ جُهدَ الكاتِبِ بِمَدى رَغبَةِ القارِئ. فَالصَّفحَة، هُنا، وِحدَةُ قِياسٍ لِصَبرِ الآخَر.
ومَعَ ذَلِك، فَإنَّ القارِئَ هُنا هُوَ الأقَلُّ حَظّاً في التَّأثيرِ عَلى النَّصّ. لا يَسعُه أن يَظهَرَ فيه، ولا أن يُخاطَبَ كَصَديق، لِأنَّه زَبون. ولِذا، فَقَد آلَ الشِّعرُ إلى قارِئٍ آخَر، قارِئٍ لَم يَكُن لِـ«نين» أن تَتَخَيَّلَه إلَّا كَشَخصٍ سَيَظهَرُ بَعدَ جامِعِ التُّحَف، حينَ تُجمَعُ الصَّفَحاتُ ويُنفَقُ الدُّولار. إنَّها تَكتُبُ لِرَجُلٍ يَدْفَع، ولِشَخصٍ سَيَحِلُّ حُضورُه بَعدَ أن يَنصَرِفَ الأوَّل.
ظَهَرَ العَمَلُ الرِّوائِيُّ الأوَّلُ لِـ«باتاي»، «قِصَّة العَين»، عامَ ١٩٢٨ تَحتَ اسمِ «لورد أوش»، وهُوَ اسمٌ يَنطَوِي في الفَرَنسِيَّةِ عَلى دُعابَةٍ تُشيرُ إلى مَكانِ قَضاءِ الحاجَة. وتَدورُ القِصَّةُ حَولَ عُيون: بَيضَة، صَحنٌ مِن حَليب، ثَور، قِسّيس، وفي النِّهايَة، عَينُ مُصارِعِ ثيرانٍ يُدعى «غرانيرو»، اقتَلَعَها قَرنٌ في حَلَبَةِ مُصارَعَةٍ بِمَدريد عامَ ١٩٢٢. ويَذكُرُ «باتاي» أنَّه كانَ حاضِراً بَينَ الجُموعِ يَومَذاك. وكانَ مُحَلِّلُه النَّفسِيّ، «أدريان بوريل»، قَد حَثَّه عَلى الكِتابَة. وفي عامِ ١٩٦٧، أضافَ خاتِمَةً أسماها «مُصادَفات»، رَدَّ فيها كُلَّ صورَةٍ إلى أصلٍ في حَياتِه الشَّخصِيَّة، وكانَت الشَّخصِيَّةُ القابِعَةُ في بُؤرَةِ هَذا التَّتَبُّعِ هِيَ شَخصِيَّةَ أبيه.
كانَ الأبُ أعمى ومَشلولاً، رَجُلاً أقعَدَه كُرسِيّ، نَهَشَ داءُ الزُّهَرِيِّ جِهازَه العَصَبِيّ. ويَصِفُ «باتاي» كَيفَ كانَت عَينا أبيه تَنقَلِبانِ تَحتَ الجُفونِ في لَحَظاتٍ بِعَينِها، فَلا يَبينُ مِنهُما سِوى البَياض، في حينِ كانَ الأبُ - في واقِعِ الأَمر - يَنظُرُ مُتَجاوِزاً ابنَه نَحوَ السَّقف. كانَ الابنُ يُراقِبُ العَينَينِ اللَّتَينِ لا تُبصِرانِه.
اقرَأ الرِّوايَةَ واضِعاً ذَلِك نُصبَ عَينَيك، فَتَستَحيلُ كِتابَ شَخصٍ يُخاطِبُ مَن لا يَستَطيعُ رَدَّ النَّظَر. إنَّ المَرءَ الذي يَكتُبُ مُقيمٌ في ذَلِكَ المَقامِ أبَداً. فَوَجهُ القارِئِ هُوَ الشَّيءُ الوَحيدُ الذي لا تُبديهِ الصَّفحَةُ قَطّ، ويَجلِسُ الكاتِبُ إلى مِنضَدَتِه حِيالَ نَظرَةٍ خاوِيَة، رُوِّضَت عَلى مَرِّ القُرونِ لِتُبادلَه حَملَقَةً بِحَملَقَة، كَأنَّها تَفهَم. وفي الخاتِمَة، يُخبِرُ الابنُ القارِئَ بِما كانَ يَنظُرُ إلَيه طيلَةَ الوَقت. فَيَرى القارِئ، في إحدى رِواياتِ القِصَّة، رَجُلاً يُحَدِّقُ في أعمى، ويَتَساءَلُ ما إن كانَ الأعمى قَد أدارَ رَأسَه يَوماً.
ويُقَدِّمُ كِتابُ «الشبقيّة»، المَكتوبُ بَعدَ الكِتابِ الأوَّلِ بِثَلاثينَ عاماً، مُفرداتٍ لِهَذِهِ الحالَة. يَقولُ «باتاي» إنَّ كُلّاً مِنَّا كائِنٌ مُنفَصِل، وِحدَةٌ مُغلَقَة، يولَدُ وَحيداً ويَموتُ وَحيداً، وإنَّ الشَّبَقِيَّةَ ما هِيَ إلَّا المَسعى لِفَتحِ ذَلِكَ الانغِلاقِ نَحوَ شَيءٍ مُتَّصِل، حَنينٌ إلى حالَةٍ مَفقودَةٍ مِنَ التَّلاحُمِ تَنتَهي، إن بُلِغَت غايَتُها، إلى المَوت. ولَكِنَّ النُّقطَةَ التي تَستَوقِفُني هِيَ أكثَرُها غَرابَة: أنَّ القِراءَةَ هِيَ الصُّورَةُ الوَحيدَةُ لِذَلِكَ الِاتِّصالِ التي لا يَدْفَعُ فيها أيٌّ مِنَ الجَسَدَينِ الثَّمَن. جُملَةٌ تُغادِرُ رَأساً مُغلَقاً لِتَحُطَّ في آخَر، ولا يَهْلِكُ أحَدٌ جَرَّاء هَذا الانتِقال. لَعَلَّه أقرَبُ ما يُمكِنُ بُلوغُه مِنَ الانفِتاحِ الذي كانَ «باتاي» يَنشُدُه، ويَحدُثُ ذَلِك عَلى كُرسِيّ، بِلُفافَةٍ مِن وَرَقٍ ويَدَين.
وفي كِتابِ «دُموع إيروس» (١٩٦١)، يُعيدُ نَشرَ صورَةٍ فوتوغرافيَّةٍ أعطاه إيَّاها «بوريل»، لِعَمَلِيَّةِ إعدامٍ عَلَنِيّ في الصِّين. ويَقولُ في الكِتاب، إنَّ الصُّورَةَ لازَمَته طِوالَ حَياتِه، وإنَّ ما أسَرَه فيها كانَ الوَجه، نَظرَةٌ لا يَسَعُه تَصنيفُها كَمُعانَاةٍ ولا كَنَقيضٍ لَها. ظَلَّ يَنظُرُ إلى شَخصٍ لا يَستَطيعُ رَدَّ النَّظَر، كَما فَعَل مَعَ أبيه. ويَبدو أنَّ حَسَّاسِيَّةً كامِلَةً تَنمو في تِلكَ الفَجوَة. فَوَجهُ الآخَرِ هُوَ المُطلَقُ الذي لا يُمكِنُ الرَّدُّ عَلَيه، والكِتابَةُ تَميلُ نَحوَه بِكِلتَا اليَدَين.
في عامِ ١٨٦٨، صاغَ رَئيسُ القُضاة، «ألكسندر كوكبيرن»، مِعياراً حَكَمَ قانونَ الفُحشِ في اللُّغَةِ الإنجِليزِيَّةِ لِمُعظَمِ السِّنينَ التِّسعينَ اللَّاحِقَة. قالَ إنَّ السُّؤالَ هُوَ: «ما إن كانَ مِن شَأنِ المادَّةِ المُتَّهَمَةِ بِالفُحشِ أن تُفسِدَ وتُغوِيَ أُولَئِكَ الذينَ تَنفَتِحُ عُقولُهُم لِمِثلِ هَذِهِ المُؤَثِّراتِ المُخِلَّةِ بِالأخلاق، وإلى يَدَي مَن قَد يَقَعُ مَنشورٌ كَهَذا».
إلى يَدَي مَن. تَعودُ يَدا اللُّفافَةِ هُنا، مُقَدَّمَتَينِ مِن قاضٍ. إنَّ قارِئَ القانونِ شَخصٌ وهمِيّ، الغَريبُ السَّريعُ التَّأثُّر، الذي يَنفَتِحُ عَقلُه وقَد يَصِلُ الكِتابُ إلى يَدَيه. شَخصٌ لَم يَرَهُ أحَدٌ قَطّ. وطِوالَ تِسعينَ عاماً، كانَت مُحاكَمَةُ أيِّ كِتابٍ تَحقيقاً في ما تَحويهِ يَداه، والمُخاطَبونَ المَعروفونَ لِلكُتَّاب؛ الصَّديق، المُحَرِّر، الزَّبون، كُلُّهُم تَوارَوا أمامَ رَجُلٍ لا وُجودَ لَه إلَّا كَخَيالٍ قانونِيّ. وفي مَحكَمَةِ «أولد بيلي» عامَ ١٩٦٠، عِندَ مُحاكَمَةِ رِوايَةِ «عشيق الليدي تشاترلي»، أدخَلَ المُدَّعي العامُّ تِلكَ الشَّخصِيَّةَ نَفسَها إلى دار. قالَ إنَّ عَلى هَيئَةِ المُحَلَّفينَ أن تَتَساءَلَ ما إن كانَ هَذا كِتاباً «قَد تَتمَنَّى حَتَّى لِزَوجَتِك أو خَدَمِك أن يَقرَأوه». والآنَ صارَ لِلقارِئِ أُسرَة، وطابِقٌ سُفلِيّ، وسُلَّم، وهَرَمِيَّةٌ مِن أشخاصٍ تُعَدُّ أياديهِم دونَ أيادي المُحَلَّفينَ قَدراً. الرَّقيبُ هُوَ قارِئٌ قَد بادَرَ، نِيابَةً عَنِ الجَميع، فَقَبَضَ يَدَيه كِلتَيهِما حَتَّى جَعَلَهُما قَبضَتَين.
وقَد حاكَمَت باريس ناشِرَ أعمالِ «ساد» في مُنتَصَفِ الخَمسينِيَّات. فَـ«جان جاك بوفير»، الذي شَرَعَ في إصدارِ أعمالِ «ساد» عَلى المَلَأ عامَ ١٩٤٧، والذي نَشَرَ أيْضاً «قِصَّة أو»، قُدِّمَ لِلمُحاكَمَةِ عامَ ١٩٥٦ وأُدينَ في العامِ التَّالي. كانَت حُجَّةُ الدِّفاعِ الأَدَب. وكانَ سُؤالُ المَحكَمَةِ عَنِ الغَريب.
وتَفسيرُ «باتاي» نَفسِه لِآلِيَّةِ عَمَلِ المَنعِ يَجعَلُ مِنَ القاضي شَريكاً غَيرَ مُتَوَقَّع. في كِتابِه «الشبقيّة»، نَرى - حَسَبَما أفهَمُه - أنَّ التَّجاوُزَ يَتَخَطَّى المُحَرَّمَ ويُتَمِّمُه مِن غَيرِ أن يُلغِيَه. فَالفِعلُ يَحتاجُ إلى الحاجِزِ الذي يَعبُرُه، والحاجِزُ يَحتاجُ إلى الفِعل. وبِهَذا المَنطِق، تَغدو المَحكَمَةُ الطَّرَفَ الوَحيدَ المَضمونَ لِكُلِّ كِتابٍ شَبَقِيّ؛ فَهِيَ سَتَقرَأُ الصَّفَحاتِ أبَداً، وتَقرَؤُها سَلَفاً، وتَقرَؤُها بِحَيَوِيَّةٍ تُخجِلُ القُرَّاءَ الحَقيقِيِّين، لِأنَّ قارِئَها مَجبولٌ بَرُمَّتِه مِنَ التَّأثُّرِ والقابِلِيَّة. إنَّ الشَّخصِيَّةَ المُتَخَيَّلَةَ ذاتَ الأيادي المَفتوحَةِ قَد صاغَت هَذا الأَدَبَ بِقَدرٍ يَفوقُ صَنيعَ المُخاطَبينَ المُسَمَّين. فكُلُّ صَفحَةٍ مَوجودَةٍ كُتِبَت تَحتَ أنظارِ شَخصٍ لَم يَكُن لِيَقرَأها قَطّ، ومَعَ ذَلِك مَضى في قِراءَتِها.
لِلشَّريطِ وَجهٌ وظَهْر. قَد مَلَأ «ساد» وَجهاً واحِداً، وبَلَغَ مُنتَهاه، ثُمَّ قَلَبَ الشَّريطَ بِطولِه وقَفَلَ راجِعاً بِالكِتابَةِ عَلى الظَّهْرِ نَحوَ البِدايَة، مِمَّا يُلزِمُ القارِئَ عِندَ المِترِ الثَّاني عَشَرَ بِأن يَقلِبَ اللُّفافَةَ بِأكمَلِها ويَقرَأ عائِداً إلى نُقطَةِ الِانطِلاق. وبالقُربِ مِنَ الطَّرَفِ الأقصى، تَنخَلِعُ الحِكايَةُ مِن سَمتِ الحِكايات. فَما كُتِبَ كامِلاً هُوَ الجُزءُ الأوَّلُ مِنَ الأجزاءِ الأربَعَةِ فَحَسب. أمَّا الثَّلاثَةُ الباقِيَةُ فَتَقومُ مَقامَ مُلاحَظات، قائِمَةٌ مَصاغَةٌ بِالقَواعِدِ المُكثَّفَةِ لِمَن يُبصِرُ الشَّمعَةَ تَذوي، شَهوَةً تِلوَ شَهوَة، بِخَطِّ يَدٍ لا يُبقِي لِلقارِئِ ما يَفعَلُه سِوى أن يُمسِكَ بِالوَرقَة.
وبَعدَ إحدى وعِشرينَ سَنَة، في عامِ ١٨٠٦، خَطَّ وَصِيَّتَه. طَلَبَ أن يُدفَنَ في غابَةِ ضَيعَتِه في «مالميزون»، وأن تُزرَعَ فَوقَ قَبرِه ثِمارُ البَلّوط، لِكَي يَنمَحيَ كُلُّ أثَرٍ لِلمَكانِ مِن عَلى وَجهِ الأَرض، ولِكَي - عَلى حَدِّ تَعبيرِه - تُمحَى ذِكراهُ مِن عُقولِ البَشَر. ثُمَّ كَلِمَةٌ واحِدَة: «إلَّا». إلَّا أُولَئِكَ القِلَّةَ الذينَ ارتَضَوا أن يُحِبُّوه حَتَّى النِّهايَة.
تِلكَ الكَلِمَةُ هِيَ مَقصِدُ اللُّفافَةِ كُلِّه. كُلُّ النَّاسِ يَنسَونَه، إلَّا. وهَؤُلاءِ المُستَثنَون ذَوو عَدَد، وعَدَدُهُم يَسير، ولِكُلِّ امرِئٍ مِنهُم يَدان.
في رُكنٍ ما مِن مَكتَبَةِ التَّرسانَة، يَرقُدُ الشَّريطُ في وِعائِه، بَعدَ أن نُزِعَت عَنه كِلتَا اليَدَين، مُلتَفّاً عَلى نَفسِه، أحَدُ طَرَفَي النَّصِّ قابعٌ في عَتَمَةِ المَركَز، والطَّرَفُ الآخَرُ طافٍ عَلى الخارِج. نِهايَةُ الحِكايَةِ مَطوِيَّةٌ حَولَ بِدايَتِها. ومَن أرادَ السَّطرَ الأوَّل، فَلِزامٌ عَلَيهِ أن يَفُكَّ السَّطرَ الأخير. ولا أزالُ أُسائِلُ نَفسي: أيَّ الطَّرَفَينِ سيُفلِتُ القارِئُ أوَّلاً، إن أُتِيحَت لَه الفُرصَة؟
