سافو الأطلَسِ الكَبير

احْسُبْ مَعِي. لا تَحْسُبْ حَبّاتِ السُّبْحَة، وإن كانَت تَعرِفُها حَقَّ المَعرِفَة، وتَعرِفُ كَيفَ تَنزَلِقُ حَبَّةً إثْرَ حَبَّةٍ بَينَ أصابِعِ المُؤمِنينَ الّذينَ لا يَملِكونَ سِواها يَعتَصِمونَ بِه. احْسُبِ المَواسِمَ، تِسعَةَ مَواسِمَ، لِلطِّفلَةِ الصَّغيرَةِ المَيِّتَةِ «عِزَّة». احْسُبِ الفُصولَ الّتي يَصعَدُ فيها القَطيعُ إلى مَراعِي الصَّيف، تِسعَ مَرّاتٍ مِنَ الصُّعود. احْسُبِ الحَبّاتِ المُنحَدِرَةَ في جَوفِ الرَّحى، وضَرَباتِ «تاكِرْكاوْت»، وطَرقاتِ المِدَقَّةِ الخَشَبيَّةِ الّتي لا تَسْكُنُ، لِأنَّها إن سَكَنَتْ خَرِسَتْ أفواهُ أهلِ الدّار. احْسُبِ الدُّموعَ، على أن تَحْسُبَها بِحَذَرٍ، فَهِيَ تُحَذِّرُك: لِلدُّموعِ مُنتَهىً، بِئرٌ جافَّةٌ في قاعِ حَياةٍ قاسِيَةٍ، ومَتى أكثَرتَ النَّزحَ مِنها، انقَطَعَ مَدَدُ الحُزنِ نَفسِه. «عَينايَ، لَقَد بَكَتا كَثيراً، عَينايَ. حَتّى نَضَبَتْ مِنها الدُّموعُ، عَينايَ» (mes yeux, ils ont tant pleuré, mes yeux. qu'ils n'ont plus de larmes, mes yeux). تَقولُها مَرَّتَينِ لِتَضبِطَ حِسابَها، لا لِلتَّأكيد. تِسعَةُ مَواسِم. تِسعَةُ أصياف. صِفرٌ مِنَ الدُّموعِ الباقيَة. طُوِيَ السِّجِلّ.

لا أحَدَ يَتَحَدَّثُ عَن هَذا. لا أحَدَ يَذكُرُ أنَّ «مَريريدَة»، شاعِرَةَ «تاساوت»، و«سافو» الأطلَسِ الكَبير، والغانيَةَ الّتي غَنَّت لِتَكسِبَ قُوتَها وتَملَأَ دَفتَرَ رَجُلٍ فَرَنسيّ، كانَت قَبلَ كُلِّ شَيءٍ مُحاسِبَة. ولَم تَكُن مُحاسِبَةً بِالمَعنى المُعاصِرِ، ولا جامِعَةً لِلدُّيونِ والمُستَحَقّاتِ في سِجِلٍّ، بَل شَيئاً أقدَمَ وأعمَقَ وأشَدَّ رُعباً: امرَأةٌ قاسَت حَياتَها بِوِحَداتٍ مَعدودَةٍ لِأنَّ ما لا يُعَدُّ قَد خاذَلَها. فَالحُبُّ، كَما أدرَكَت، لا يُؤمَنُ بَقاؤُه. والجَمالُ لا يُعَوَّلُ على دَوامِه. ووَفاءُ الرِّجال، ورَحمَةُ القائِد، وبَرَكاتُ الأولِياء؛ كُلُّها مُتَقَلِّبَةٌ، تَخضَعُ لِلأهواءِ، ولِلطَّقسِ، ولِرياحِ الوادي المُتَبَدِّلَة. لِذَلِكَ راحَت تَحْسُب. أحصَتِ الأيّامَ، وحُزَمَ الشَّعير، وأوزانَ الجَزَّة، وعَدَدَ المَرّاتِ الّتي سَمِنَ فيها القَمَرُ ونَحُلَ مُنذُ رَحيلِ رَجُلٍ بِعَينِه. أحصَت لِأنَّ الإحصاءَ كانَ السَّبيلَ الأوحَدَ لِصَونِ العالَمِ مِنَ التَّلاشي في الفَوضى، والطَّريقَةَ الوَحيدَةَ لِتَعرِفَ مَوطِئَ قَدَمِها.

أمّا الفَرَنسيُّونَ، فَبِطَبيعَةِ الحالِ، لَم يَحْسُبوا بِهَذِه الطَّريقَة. «رينيه أُولوج»، مُتَرجِمُها، وقارِئُها الأوَّل، ووَكيلُها في عالَمِ المَطابِع، كانَ لَهُ حِسابٌ آخَر. كانَ يَحْسُبُ بِالفِئاتِ الأدَبيَّة: أُغنيَة، قَصيدَة، مُوَشَّح، مَرثيَة. كانَ يَحْسُبُ بِالقِيَمِ الجَماليَّة: فِطريّ، أصيلٌ، ساذَجٌ، غَضّ. وكانَ يَحْسُبُ في سِجِلّاتٍ استِعماريَّة: اكتِشافٌ، لِقاءٌ، تَجَلٍّ. ومُقَدِّمَتُهُ لِكِتابِ «أغاني تاساوت» وثيقَةُ حَصرٍ، وتِعدادٌ لِمَفاتِنِ الشّاعِرَةِ وعَجائِبِ الوادي، سُرِدَتْ كُلُّها لِقارِئٍ يَوَدُّ أن يَعرِفَ ما سَيَجنيهِ بِالضَّبْط. «لَم تَبلُغِ الثَّلاثين. جَميلَةٌ؟ لَم تَكُن كَذَلِكَ قَط. مَلامِحُها خَشِنَة» (elle n'avait pas atteint la trentaine. jolie, elle ne l'était point. ses traits rudes). هَذِه هِيَ المَقاييسُ الّتي هَمَّتْه. أمّا «مَريريدَة»، فَفي أشعارِها، كانَت تَزِنُ شَيئاً آخَر. كانَت تَزِنُ ثِقَلَ الغِياب، وكُلفَةَ البَقاء، والثَّمَنَ الدَّقيقَ لِمُتعَةِ لَيلَةٍ واحِدَةٍ، والثَّمَنَ الأبْهَظَ لِصَباحِ ما بَعدَها.

تَأمَّلِ المَرأةَ في قَصيدَةِ «العاشِقُ السَّيِّئ» (le mauvais amant). قَد ضاجَعَت «قوميًا» (goumier)، رَجُلاً بِبِذلَةٍ عَسكَريَّةٍ وأجرٍ مُؤَقَّتٍ، لا يَربِطُهُ بِالوادي رِباطٌ دائِم. يَأتيها مُمتَلِئاً بِالشَّهوَةِ وبِتَواضُعٍ مُؤَقَّتٍ لِرَجُلٍ مُحتاج. ويَرحَلُ مُمتَلِئاً بِالاحتِقارِ وبِغَطرَسَةٍ مُستَرَدَّةٍ لِرَجُلٍ نالَ مُرادَه. غَيرَ أنَّها كانَت لَهُ بِالمِرصاد. لَم تَبْكِ. ولَم تَستَجدِ شَهامَتَه. لَقَد شَرَطَت ثَمَناً:

سَيَلزَمُني ثَلاثَةُ أضعافِ أجْرِ اللَّيلَة.

تِلكَ غَرامَةُ كِبريائِكَ وإهاناتِك.

il me faudra trois fois le prix de ce soir.

ce sera l'amende pour ton orgueil et tes injures.

ثَلاثَةُ أضعاف. كانَت تَفرِضُ ضَريبَةً عَلى قَسوَتِهِ، ولا تُعاقِبُها. كانَت تُحَوِّلُ احتِقارَهُ إلى عُملَةٍ، وازدِراءَهُ إلى تَسعيرَةٍ سَيَضطَرُّ لِدَفعِها في المَرَّةِ القادِمَةِ الّتي يَبتَغي فيها العَودَة. وسَيَعود، وهِيَ توقِنُ بِذَلِكَ يَقينَ امرَأةٍ بارِدَةٍ شَهِدَتِ النَّمَطَ ذاتَهُ يَتَكَرَّرُ مِئَةَ مَرَّة. سَيَبقى كِبرياؤُهُ عَلى العَتَبَة. وسَيَعودُ جَسَدُه. وهِيَ سَتَقبِضُ الثَّمَن. «ولَن أحفَلَ بِعِناقِكَ، كَما لا يَحفَلُ النَّهرُ بِقَطرَةِ مَطَر» (et je ne me rendrai pas plus compte de ton étreinte que la rivière ne s'aperçoit d'une goutte de pluie). هَذا هُوَ الحِسابُ الخِتامِيّ. مُعادَلَةُ الجِنسِ والماء، والمُتعَةِ واللّامُبالاة. هُوَ قَطرَة. وهِيَ النَّهر. سَيَسقُطُ فيها ويَتلاشى، ولَن تُغَيِّرَ هِيَ مَسارَها قِيدَ أُنمُلَة.

وما لا يَتَطَرَّقُ إلَيهِ أحَدٌ هُوَ كَيفَ أنَّ هَذِه القَصيدَةَ تُجَسِّدُ الصَّفقَةَ الّتي تَصِفُها عَينَها. فَهيَ فاتورَةُ حِسابٍ، لا مَرثيَة. وِرَقَةٌ تُسَلَّمُ لِرَجُلٍ لا يَفقَهُ اللُّغَةَ الّتي كُتِبَت بِها، ولَكِنَّهُ يُدرِكُ الشُّروطَ عَلى أيَّةِ حال. كانَت «مَريريدَة» تَعلَمُ عِلمَ اليَقينِ ما تَفعَلُهُ حينَ أنشَدَت هَذا لِـ«أُولوج». كانَت تُريِهِ آليّاتِ حَياتِها، والتُّروسَ البارِدَةَ الّتي تَدورُ تَحتَ السَّطحِ العاطِفيِّ لِـ«الشِّعر». أمّا هُوَ، طوبى لَهُ، فَقَد دَوَّنَ ذَلِكَ بِأمانَةٍ، إلّا أنَّهُ لَم يُبصِرْ جَلِيّاً ما كانَ يُدَوِّنُه. أبصَرَ امرَأةً مَجروحَةً، وقَلباً فِطريّاً طافِحاً بِالمَرارَة. ولَم يُبصِرِ امرَأةً تُديرُ تِجارَةً، امرَأةً أدرَكَت أنَّ السَّبيلَ الأوحَدَ لِلنَّجاةِ في عالَمٍ جَعَلَ مِنها سِلعَةً هُوَ أن تَغدُوَ هِيَ مَن يُحَدِّدُ الثَّمَن.

ثَمَّةَ ضَربٌ آخَرُ مِنَ العَدِّ في نِتاجِ «مَريريدَة»، عَدٌّ لا يَتَعَلَّقُ بِالمالِ بَل بِالزَّمان. وقَصيدَةُ «حَبّاتُ السُّبْحَة» (les grains du chapelet) هِيَ التَّجَلّي الأوضَحُ لِهَذا، قَصيدَةٌ تُحيلُ السُّبْحَةَ إلى مَجازٍ لِلحَياةِ ذاتِها:

كَحَبّاتِ سُبْحَةِ الصَّلاةِ،

تَنزَلِقُ الأيّامُ حَبَّةً حَبَّةً بَينَ أصابِعِنا.

comme les grains du chapelet de prières,

les jours un à un glissent entre nos doigts.

هُوَ مَجازٌ قَديمٌ، وشَديدُ القِدَمِ، أبلَتْهُ قُرونٌ مِنَ التَّردادِ التَّقِيّ. غَيرَ أنَّ «مَريريدَة» غَيرُ تَقِيَّةٍ، أو قُلْ إنَّها تَقِيَّةٌ عَلى نَحوٍ لا يَنفي الشَّكّ. تَعلَمُ أنَّ الحَبّاتِ مُتَطابِقَة. وتَعلَمُ أنَّكَ لا تَستَطيعُ التَّمييزَ بَينَ أيّامِ السَّعدِ وأيّامِ النَّحسِ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلَيها. فَهيَ مُجَرَّدُ حَبّاتٍ، مُجَرَّدُ وِحَداتٍ، أجرامٌ مُدَوَّرَةٌ صَغيرَةٌ تَمُرُّ بَينَ يَدَيكَ ثُمَّ تَمضي. «بِوُسعِ إبهامِكَ أن يُوقِفَ انحِدارَ حَبّاتِ سُبْحَةِ الصَّلاة. ولَكِن، سَواءٌ كانَت سَعيدَةً أم تَعيسَةً، فَلا طاقَةَ لِأحَدٍ بِإيقافِ مَجرى حَبّاتِ سُبْحَةِ الحَياة» (ton pouce peut suspendre l'écoulement des grains du chapelet de prières. qu'ils soient heureux ou malheureux, on ne peut arrêter le cours des grains du chapelet de la vie). وما هَذِه بِفِكرَةٍ مُعَزِّيَة. إنَّها فِكرَةٌ مُقبِضَة. السُّبْحَةُ تَمنَحُكَ شَيئاً تَعتَصِمُ بِهِ، ولَكِنَّها لا تَمنَحُكَ السَّيطَرَة. لَكَ أن توقِفَ الصَّلاة. ولَيسَ لَكَ أن توقِفَ الحَياة.

ومَعَ ذَلِكَ - وهُنا تَغدو فَطانَةُ «مَريريدَة» شَيطانِيَّةً يَكادُ - فَإنَّها لا تَقِفُ عِندَ حُدودِ المَجاز. لَقَد أصَرَّت عَلى الحَرفيَّة. الحَبّاتُ حَبّاتٌ. والأيّامُ أيّام. «كُلُّ حَبَّةٍ تَنقَضي تَضَعُ بَلسَماً عَلى قَلبِك» (chaque grain écoulé met du baume en ton coeur). هَل هَذا حَقٌّ؟ تَطرحُ السُّؤالَ دُونَ أن تَنطِقَ بِه. هَل هُوَ بَلسَمٌ حَقّاً، أم أنَّهُ مُجَرَّدُ شُعورٍ بِشَيءٍ يَنقَضي، بِزَمَنٍ يَمضي قُدُماً ساحِباً مَعَهُ أمَلَك؟ تَتَفَوَّهُ بِالكَلِماتِ، الكَلِماتِ المُعَزِّيَةِ، ثُمَّ تَنسِفُها بِتَذكيرِنا أنَّهُ «لا شَيءَ بِمَقدورِهِ أن يُغَيِّرَ ما خُطَّ في كِتابِ السَّعادَةِ والشَّقاء» (rien ne pourra changer ce qui est écrit au livre du bonheur et de l'adversité). الكِتابُ مَخطوط. والحَبّاتُ مَعدودَة. لا مُساوَمَةَ، ولا مُفاوَضَةَ، ولا حيلَةَ لِدَسِّ حَبَّةٍ إضافيَّةٍ في الخَيط. تِلكَ هِيَ عَقيدَةُ الأطلَسِ الكَبير: كُلُّ شَيءٍ مَحتومٌ، وكُلُّ شَيءٍ مَوزونٌ، وما لَكَ مِن حُريَّةٍ سِوى حُريَّةِ أن تَعلَمَ عِلمَ اليَقينِ كَم تَبَقّى لَك.

إنَّ الباحِثينَ الّذينَ كَتَبوا عَن «مَريريدَة» - وهُم قِلَّةٌ، وجُلُّهُم فَرَنسيُّونَ، وطَواهُمُ النِّسيانُ في الغالِبِ - يَميلونَ إلى اعتِبارِ هَذا جَبريَّة. الفَلّاحُ الأمازيغيُّ، المَسحوقُ تَحتَ عَظَمَةِ الجِبالِ وقَسوَةِ المُناخِ، يَرضى بِقَدَرِهِ لِانعِدامِ الحيلَة. غَيرَ أن هَذِه قِراءَةٌ قاصِرَة. فَـ«مَريريدَة» لا تَرضُخ. إنَّها تُراقِب. تَقِفُ خارِجَ المَنظومَةِ وتَصِفُ آليّاتِ عَمَلِها بِدِقَّةِ عالِمِ طَبيعَة. تَعلَمُ أنَّ الكِتابَ مَخطوطٌ، غَيرَ أنَّها تَعلَمُ كَذَلِكَ أنَّ الكِتابَةَ فِعلٌ بَشَريٌّ، وأنَّ شَخصاً ما خَطَّ العَلاماتِ عَلى الصَّفحَةِ، وأنَّ وراءَ الكَلِماتِ يَداً. وما كانَت لِتَهابَ مُساءَلَةَ تِلكَ اليَد. في «حَبّاتِ السُّبْحَة» (les grains du chapelet)، تَختِمُ بِقولِها: «اللهُ أكبَر! تَعالى اسمُه!» (allah akbar! que son nom soit exalté!) غَيرَ أنَّ التَّهليلَ يَبدو أجوَفَ، ويَكادُ يَكونُ مُتَكَلَّفاً. هُوَ القَولُ الصّائِبُ، والقَولُ الآمِنُ، القَولُ الّذي تَنطِقُ بِهِ حينَ تُضبَطُ مُتَلَبِّساً بِالرَّصدِ، فَتَحتاجُ إلى تَذكيرِ سامِعيكَ أنَّكَ بَريءٌ مِنَ الزَّندَقَة. غَيرَ أنَّ القَصيدَةَ ذاتَها، حَتّى تِلكَ اللَّحظَةِ، كانَت تَأمُّلاً في عَبَثيَّةِ الأقدارِ، وقَسوَةِ مَنظومَةٍ لا تُفسِحُ لَكَ مَجالاً لِلمُساوَمَة. الشَّطرُ الأخيرُ قِناع. والوَجهُ الحَقيقيُّ هُوَ الوَجهُ الّذي يَقول: «لا شَيءَ بِمَقدورِهِ أن يُغَيِّرَ ما خُطّ» (rien ne pourra changer ce qui est écrit).

لا أحَدَ يَتَحَدَّثُ عَنِ العَجائِز. هَذا هُوَ الإغفالُ الأجلى في التَّلَقّي لِنِتاجِ «مَريريدَة»، وهُوَ الأبلَغُ دَلالَة. «أُولوج» يَكتُبُ عَنِ الشّابّاتِ، عَنِ الغانياتِ، عَنِ الفَتَياتِ الحِسانِ بِأوشامِهِنَّ وخَلائِلِهِنَّ الفِضِّيَّة. يَكتُبُ عَن «مَريريدَة»، الشَّخصيَّةِ المِحوَرِيَّة، المُلهِمَةِ، الصَّوت. أمّا «مَريريدَة» نَفسُها فَتَكتُبُ عَنِ العَجائِز، وحينَ تَفعَلُ ذَلِكَ، تَكتُبُ عِنهُنَّ بِمَزيجٍ مِنَ الإدراكِ والفَزَعِ يَكادُ لا يُطاق.

وأنتِ، أيَّتُها العَجوزُ البائِسَة، لِمَ لا تَبْكين؟

et toi, pauvre vieille, pourquoi ne pleures-tu pas?

يَرِدُ السُّؤالُ في قَصيدَةٍ عُنوانُها «لِمَ البُكاءُ، يا صَغيرَتي؟» (pourquoi pleurer, fillette?) - وهِيَ حِوارٌ بَينَ طِفلَةٍ، وشابَّةٍ، وشَيخٍ، وعَجوز. لِلثَّلاثَةِ الأُوَلِ أسبابٌ لِلبُكاء. الطِّفلَةُ وَحيدَة. والشّابَّةُ مَهجورَة. والشَّيخُ يَندُبُ ابناً قَتيلاً. غَيرَ أنَّ العَجوزَ لَم يَتبَقَّ لَها شَيء. «قَلبي وعَينايَ جافَّتانِ جَفافَ بَيدَرِ الحَصاد. لَقَد نَزَحتُ مِن بِئرِ الدُّموعِ كَثيراً، فَنَضَبَت» (mon coeur et mes yeux sont secs comme aire à battre. j'ai trop puisé au puits des larmes, il est tari). لا تَقوى عَلى البُكاءِ لِأنَّ دُموعَها قَد نَفِدَت. نَفِدَتْ لِأنَّها استَهلَكَتها جَميعاً، لا لِجَلَدٍ فيها ولا لِحِكمَة. لَم يَبقَ في الرَّصيدِ شَيء.

تِلكَ هِيَ «مَريريدَة» تَستَشرِفُ مُستَقبَلَها. هِيَ تَعرِفُ هَذِه العَجوز. تَسكُنُ في آخِرِ الدَّربِ، وتَجلِسُ في فَيءِ شَجَرَةِ الجَوزِ، هِيَ المَرأةُ الّتي عَمَّرَت بَعدَ كُلِّ شَخصٍ وكُلِّ شَيءٍ، بَعَد أن فارَقَتها حَتّى قُدرَتُها عَلى الحُزن. و«مَريريدَة»، الّتي ما تَزالُ شابَّةً، لا تَزالُ مَرغوبَةً، وما زالَ في وُسعِها أن تَملَأَ الصَّفحَةَ بِمِدادِ حُزنِها الأسوَدِ النّاعِمِ، تَعلَمُ أنَّها هِيَ الأُخرى سَتَصيرُ إلى هَذا المَآل. «وأنا، ما الّذي سَيَحُلُّ بي، ما الّذي سَيَحُلُّ بي، حينَ يَعزِفُ عَنّي الرِّجال؟» (et moi, que vais-je devenir, que vais-je devenir, quand les hommes ne voudront plus de moi?) تَسألُ هَذا في قَصيدَةٍ، وتُجيبُ عَنهُ في قَصيدَةٍ أُخرى: «دُونما أسنان، بِعَينَينِ عَميشَتَين، ووَجهٍ دَميم، سَأُهَشِّمُ حِينَها مِرآتي في رُعب» (edentée, les yeux chassieux, le visage hideux, je briserai alors mon miroir avec horreur).

المِرآةُ هِيَ أداةُ حِرفَةِ الغانيَة. هِيَ ما يُرِيها أنَّها ما زالَت قادِرَةً عَلى فَرضِ ثَمَن. وحينَ تَكُفُّ المِرآةُ عَن عَكسِ القِيمَة، فَلا بُدَّ أن تُهَشَّم. ثُمَّ ماذا؟ ثُمَّ الشَّيخوخَةُ المَديدَة، والانزِواءُ البَطيءُ في غَياهِبِ التَّهميش، والصَّيرورَةُ إلى العَجوزِ الّتي لا تُمنَحُ حَتّى كَرامَةَ الدُّموع. إنَّ العَجائِزَ في أشعارِ «مَريريدَة» لَسنَ شَمطاءاتٍ حَكيمات. وما هُنَّ بِجَدّاتٍ رَؤومات. إنَّهُنَّ نُذُر. نُذُرٌ مِنَ المُستَقبَلِ لِلحاضِر، مِنَ الجَسَدِ الّذي استُهلِكَ وأُبليَ إلى الجَسَدِ الّذي ما زالَ يَظُنُّ أنَّ في العُمُرِ بَقيَّة.

ثَمَّةَ قَصيدَةٌ عَن غَسلِ الصّوفِ، «غاسِلاتُ الصّوف» (les laveuses de laine)، لا يَتَناوَلُها أحَدٌ بِاعتِبارِها سِياسيَّةً لِأنَّها تَبدو مُجَرَّدَ وَصف. لَكِنَّها واحِدَةٌ مِن أكثَرِ القَصائِدِ شُحنَةً بِالسِّياسَةِ في الدّيوانِ كُلِّه، وذَلِكَ تَحديداً لِرَفضِها ما هُوَ بُطوليٌّ أو رُومانسيّ. هِيَ قَصيدَةٌ عَنِ العَمَل، عَن ذَلِكَ الكَدحِ النِّسائِيِّ المُحَدَّدِ والمُضني والمُتَكَرِّر:

إن أدمِيَتْ أصابِعُنا البائِسَة،

فَسَلوا عَن ذَلِكَ الأشواكَ المَعقوفَةَ الّتي

جَمَعَتها النِّعاجُ طِوالَ الصَّيفِ في العَزيب (المَرعى).

si nos pauvres doigts sont ensanglantés,

demandez-en la raison aux épines crochues

que les brebis ont récoltées tout l'été à l'azib.

المَنطِقُ جَلِيّ. الصّوفُ مَليءٌ بِالأشواك. والأشواكُ عُلِقَت طِوالَ أشهُرِ الصَّيفِ الطَّويلَةِ حِينَ كانَتِ القُطعانُ في المَراعي العاليَة. والأشواكُ تُدْمي أيادِيَ النِّسوَةِ اللّاتي يَغسِلنَ الصّوف. السَّبَبُ والنَّتيجَةُ مِمّا يُمكِنُ تَقَفّيهِ وقِياسُهُ وحِسابُه. ولا تَتَوَقَّفُ القَصيدَةُ عِندَ هَذا الحَدّ. تَمضي القَصيدَةُ عَبْرَ سِلسِلَةِ المُعاناة: ماءٌ بارِد، جِزّاتٌ ثَقيلَة، ظُهورٌ مَحنيَّة، وأكتافٌ مَجروحَة. وعِندَ كُلِّ مَرحَلَةٍ، يَتَكَرَّرُ السُّؤال: «أينَ هِيَ تِلكَ الّتي تَجرُؤُ عَلى الشَّكوى؟» (où est celle qui oserait se plaindre?) هِيَ لا تُجيبُ عَنِ السُّؤال. تَترُكُهُ مُعَلَّقاً في الهَواء، تَحَدِّياً لِلقارِئ، وتَحَدِّياً لِلنِّسوَةِ أنفُسِهِنّ. لَقَد وُضِعْتِ أمامَ خِيار: إمّا الشَّكوى وإمّا القَبول. فَإن قَبِلتِ، فَلا تَدَّعي أنَّ القَبولَ فَضيلَة. إنَّما هُوَ ضَرورَةٌ، الضَّرورَةُ الطّاحِنَةُ لِحَياةٍ لا تُبقي لَكِ وَقتاً لِأيِّ شَيءٍ آخَر.

وهِيَ قَصيدَةٌ عَن مَهانَةِ العَمَل، لا عَن كَرامَتِه. تَتَحَدَّثُ عَنِ الكَيفيَّةِ الّتي يُستَنزَفُ بِها الجَسَدُ بِفِعلِ الاحتِكاكِ الدّائِمِ في صِراعِ البَقاء. ومَعَ ذَلِكَ، ثَمَّةَ انعِطافَةٌ غَريبَةٌ في النِّهايَة. «يا صُوفاً جَمَعَ بَينَ القُوَّةِ واللّين، يا مَن تَحمِلُ الحِمايَةَ والرَّخاء، نُقَدِّمُ لَكَ آلامَنا بِكُلِّ فَرَح» (o laine qui réunis la force et la douceur, toi qui détiens protection et prospérité, nos peines, nous te les offrons avec joie). بِفَرَح؟ يَكادُ يَكونُ التَّصديقُ مُحالاً. ولَكِنَّ الفَرَحَ هُنا غَيرُ الفَرَحِ بِالمُعاناة. إنَّهُ فَرَحُ العَطاء، فَرَحُ التَّضحِيَة، فَرَحُ تَحويلِ ثَمَرَةِ مُعاناتِكِ إلى شَيءٍ ذي قِيمَة. يَغدو الصّوفُ قِماشاً. ويَغدو القِماشُ حِمايَة. وتَغدو الحِمايَةُ ضَرباً مِنَ البَرَكَة، ونِعمَةً رَبّانيَّة. اكتَمَلَتِ الدَّورَة. حُوِّلَتِ المُعاناةُ إلى شَيءٍ يُمكِنُ الانتِفاعُ بِهِ، شَيءٍ يُمكِنُ أن يَقِيَ، شَيءٍ يُوَرَّثُ لِلأبناءِ والأحفاد. وفي ذَلِكَ التَّحويل، يَتَجَلّى نَوعٌ مِنَ الانتِصار. وما هُوَ بِسَرديَّةِ انتِصارٍ لِلمُقاوَمَةِ أوِ التَّحَرُّر، إنَّما شَيءٌ أصغَرُ، وأشَدُّ حَميميَّة: انتِصارُ صُنعِ شَيءٍ مِنَ العَدَم، وتَحويلِ الدِّماءِ عَلى أصابِعِكِ إلى دِفءٍ عَلى ظَهرِ طِفلِك.

ما أَرومُ الوُصولَ إلَيهِ هُوَ هَذا: شِعرُ «مَريريدَة» لا يَتَمَحوَرُ حَولَ العاطِفَة. إنَّهُ يَتَمَحوَرُ حَولَ ما تَفعَلُهُ بِالعاطِفَةِ حينَ تَغدو العاطِفَةُ تَرَفاً لا طاقَةَ لَكَ بِه. فالغِناءُ عِندَها عَمَلٌ وصَفقَة، ولا تُغَنّي فَرَحاً أو حُزناً أو لِأنَّ بَينَ جَوانِحِها يَنبوعاً داخِليّاً لِمَشاعِرَ لا بُدَّ أن تَتَدَفَّق. هُوَ سَبيلٌ لِتَحويلِ الألَمِ إلى مادَّةٍ يُمكِنُ مُقايَضَتُها، طَريقَةٌ لِتَطويعِ المادَّةِ الخامِ لِحَياةٍ بَهيميَّةٍ وصِياغَتِها في شَكلٍ قَد يَستَحسِنُهُ شَخصٌ ما، في مَكانٍ ما، بِما يَكفي لِيَدفَعَ ثَمَنَه.

هَذا هُوَ الجانِبُ المَغبونُ حَقُّهُ في «مَريريدَة»، الشَّيءُ الّذي يَجعَلُها نَسيجَ وَحدِها بَينَ شُعَراءِ التُّراثِ الّذي انتَسَبَت إلَيه. «سافو» كانَت غانيَةً هِيَ الأُخرى، أو هَكَذا يَزعُمُ بَعضُ الدّارِسين، غَيرَ أنَّ شَذَراتِ «سافو» تَتَحَدَّثُ عَنِ الرَّغبَة، عَن لَوعَةِ الاشتِياق، وعَن حَلاوَةِ الذِّكرى الّتي تَكادُ لا تُحْتَمَل. أمّا قَصائِدُ «مَريريدَة» فَتَتَحَدَّثُ عَنِ الرَّغبَةِ كَذَلِك، غَيرَ أنَّها تَتَناوَلُ أيضاً اقتِصاديّاتِ الرَّغبَة، والكَيفيَّةَ الّتي تَتَداوَلُ بِها، وتُباعُ وتُشتَرى، وكَيفَ يُمكِنُ استِغلالُها لِلمُساوَمَةِ عَلى مَكانَةٍ أفضَلَ في هَرَميَّةِ السّوق. وما كانَت تَخجَلُ مِن هَذا. ولَم تُخفِه. لَقَد جَعَلَتهُ صَريحاً، مَرَّةً تِلوَ الأُخرى، في قَصيدَةٍ إثْرَ قَصيدَة. «أنا فَتاةُ رِجال، وسَأبقى كَذَلِكَ كَالبَغلَةِ المُقَيَّدَةِ الّتي لا تَقوى عَلى تَحريرِ نَفسِها» (je suis une fille à hommes et le demeurerai comme la mule entravée ne peut se libérer). لا رِثاءَ لِلذّاتِ هُنا. هُنا وَعيٌ بِالذّات. هِيَ تَعرِفُ كُنهَها، وتَعلَمُ أنَّ السَّبيلَ الأوحَدَ لِلنَّجاةِ بِما هِيَ عَلَيهِ هُوَ فَهمُ بُنودِ العَقد.

أمّا «أُولوج»، رَغمَ تَعاطُفِهِ الجَمّ، فَلَم يُدرِك هَذا حَقَّ الإدراك. رآها ضَحيَّةَ الظُّروف، امرَأةً مَدفوعَةً إلى حِرفَةٍ لَم تَختَرها، أفلَحَت في الحِفاظِ عَلى جَذوَةِ النُّبوغِ الشِّعريِّ مُتَّقِدَةً بِقُوَّةِ الرّوحِ المَحضَة. ولَم يَكُن مُخطِئاً تَماماً. غَيرَ أنَّهُ لَم يَكُن مُصيباً تَماماً كَذَلِك. فـ«مَريريدَة» لَم تَكُن تَكتَفي بِالبَقاء. كانَت تَزدهِرُ وتَحيا بِالطَّريقَةِ الوَحيدَةِ المُتاحَةِ لَها. كانَت تَستَغِلُّ المَوارِدَ الوَحيدَةَ الّتي تَملِكُها - جَسَدَها، صَوتَها، وفِطنَتَها الخارِقَة - لِتَنحَتَ لِنَفسِها حَيِّزاً في عالَمٍ لَم يَمنَحها أيَّ حَيِّزٍ عَلى الإطلاق. كانَت فاعِلَةً ومُخَطِّطَةً استِراتيجيَّةً، ولَم تَكُن مُتَألِّمَةً سَلبِيَّة. هِيَ امرَأةٌ تَعَلَّمَت خَبايا اللُّعبَةِ بِبَراعَةٍ مَكَّنَتها مِنَ السُّخريَةِ مِنَ الرِّجالِ الّذينَ ظَنّوا أنَّهُم يُلاعِبونَها.

«أَسْف-أد ريكِلي» (Asf-ad rekelii)، هَكَذا قالَت لِـ«أُولوج»، حينَ ضَبَطَها تُغَيِّرُ كَلِماتِ قَصيدَةٍ كانَ قَد دَوَّنَها سَلَفاً. «اليَومَ، هُوَ هَكَذا». إنَّهُ الرَّدُّ الأكمَل. إقرارٌ بِتَبَدُّلِ القَصيدَة، وعَدَمِ ثَباتِها، وعَدَمِ مِلكيَّةِ أحَدٍ لَها، وبِأنَّها شَيءٌ لا يُمكِنُهُ تَقييدُهُ واصطِحابُه. إنَّها مِلكُها. وهِيَ مِلكُها أبَداً. وسَتُغَيِّرُها مَتى شاءَت، لِأنَّها كائِنٌ حَيّ، وأداءٌ، وعَمَلٌ يَنتَمي لِلَحظَةِ خَلقِه، ويَتلاشى في اللَّحظَةِ الّتي يَنقَضي فيها الغِناء. ظَنَّ «أُولوج» أنَّهُ يُنقِذُ القَصائِدَ مِن بَراثِنِ النِّسيان. لَكِنَّ «مَريريدَة» كانَت تَعلَمُ أنَّ القَصائِدَ ناجِيَةٌ بِالفِعل، وأنَّها نَجَت في اللَّحظَةِ الأُولى الّتي فَغَرَت فيها فَمَها لِتُغَنّي. كانَتِ الكِتابَةُ تَحنيطاً، لا خَلاصاً. وما كانَت لِتَدَعَهُم يُحَنِّطونَها دُونَ مُقاوَمَة.

والقَصيدَةُ الأخيرَةُ في الدّيوان، في نَظَري، هِيَ قَصيدَةُ «حَمّو-ما-إِسْمِن-إك» (hammou-quel-est-ton-nom?). قَصيدَةٌ عَن رَجُلٍ حَلَّت بِهِ لَعنَةٌ، رَجُلٍ خَوى بَيتُهُ، وهَلَكَ أهلُهُ، وتَمَنّى جيرانُهُ رَحيلَه. هُوَ النّاجي مِن فاجِعَة، إلّا أنَّ النَّجاةَ غَدَت فاجِعَةً في حَدِّ ذاتِها. «يُدرِكُ حَمّو جَلِيّاً أن لا مَكانَ لَهُ هُنا بَعدَ الآن» (hammou sent bien qu'il n'a plus sa place ici). لِذَلِكَ يَرحَل. يوُصِدُ المَصاريعَ، ويَسُدُّ النَّوافِذَ بِالحِجارَة، ويُمرِّرُ المُفتاحَ الخَشَبيَّ مِن تَحتِ العَتَبَةِ الباليَة. ويَمضي مُبتَعِداً، نَحوَ الصَّمتِ، نَحوَ المَجهولِ، نَحوَ وادٍ سَيَنساهُ بِنَفسِ السُّرعَةِ الّتي نَسِيَ بِها جَميعَ مَن سِواه.

لا تَتَحَدَّثُ القَصيدَةُ عَن «مَريريدَة». بَيدَ أنَّها كَذَلِك. تَتَحَدَّثُ عَن مُستَقبَلِها، عَنِ اللَّحظَةِ الّتي سَتوُصِدُ فيها هِيَ الأُخرى البابَ وتَمضي مُبتَعِدَةً، اللَّحظَةِ الّتي سَيَبتَهِجُ فيها الجيرانُ بِرَحيلِها، اللَّحظَةِ الّتي سَيَكونُ فيها الشّاهِدَ الأوحَدَ عَلى وُجودِها دَفتَرُ رَجُلٍ أجنَبيٍّ وحَفنَةٌ مِنَ الأغاني لا أحَدَ في الوادي سَيُغَنّيها بَعدَ اليَوم. «لِمَ سَمَّوهُ حَمّو-ما-إِسْمِن-إك؟» (pourquoi l'appelait-on hammou-ma-ismen-ek?) تَسألُ في البِدايَةِ وتُعيدُ السُّؤالَ في النِّهايَة. «لَستُ أنا، مَريريدَة، مَن بِمَقدورِها أن تُخبِرَكُم، وأحسَبُ أن لا أحَدَ سَيَعرِفُ ذَلِكَ أبَداً» (ce n'est pas moi, mririda, qui peut vous le dire et je crois bien que personne ne le saura jamais). سُؤالٌ مُستَعصٍ عَلى الإجابَة. والاسمُ لُغز. والرَّجُلُ عَدَم. وهِيَ، أيضاً، تَصيرُ عَدَماً، اسماً بِلا جَسَد، وصَوتاً بِلا شِفاه، وشاعِرَةً بِلا وَطَن.

غَيرَ أنَّ القَصائِدَ باقِيَة. وفي ثَنايا القَصائِدِ، يَستَمِرُّ العَدّ. حَبّاتُ السُّبْحَة، طَرقاتُ المِدَقَّة، دُموعُ العَجوز، ثَمَنُ عَودَةِ الـ«قومِيّ». كُلُّ هَذا يَتَراكَمُ في النِّهايَةِ لِيُسفِرَ عَن شَيءٍ ما. وهُوَ شَيءٌ أصغَرُ حَجماً وأشَدُّ قَسوَةً، لا مَوعِظَةٌ ولا عِبرَةٌ ولا عَزاء: سِجِلُّ حَياةٍ، حُفِظَ بِالعُملَةِ الوَحيدَةِ الّتي تَعني الكَثيرَ لِامرَأةٍ لا تَملِكُ سِواها لِتُقايِضَ بِه.

احْسُبْ مَعِي. مَوسِمُ حَصادٍ واحِد، مَوسِمان، تِسعَةُ مَواسِم. عاشِقٌ واحِد، عاشِقان، كُلُّ العُشّاق. دَمعَةٌ واحِدَة، دَمعَتان، لا دُموعَ مُتَبَقِّيَة. طُوِيَ السِّجِلّ. وكُتِبَ الكِتاب. وغُنِّيَتِ الأُغنيَة. ورَحَلَت «مَريريدَة»، رَحَلَت كَدُخانِ المَجامِر، رَحَلَت كَالصَّدى في الوادي، رَحَلَت كَماءِ «تاساوت» الّذي ما زالَ يَجري، وما زالَ يُصدِرُ هَديرَهُ، وما زالَ يَحمِلُ اسمَها مُنحَدِراً إلَى السُّهولِ حَيثُ لَن يَسمَعَهُ أحَد.

«وإن كُنتَ ما تَزالُ تَخشى النِّسيان» (et si tu crains toujours l'oubli)، تَقولُ الصَّفحَةُ الأخيرَة، «فَاستَمِع إلى تاساوت، نَهرِكَ العَزيز، يَهدِرُ ويُشدي بِأُغنيَةِ مائِهِ ذاتِها عَلى حَصى طُفولَتِك» (écoute la tassaout, ta rivière tant aimée, rouler et chanter sa même chanson d'eau sur les galets de ton enfance). إنَّها عاطِفَةٌ شَجيَّةٌ، ومُزيَّفَة. فَالنَّهرُ لا يُشدي بِاسمِها. والنَّهرُ لا يَذكُرُها. النَّهرُ يَجري فَحَسب، غَيرَ عابِئٍ، حامِلاً الماءَ الّذي سَيُستَخدَمُ لِغَسلِ الصّوفِ، وطَحنِ الغِلّالِ، ولِلشُّربِ والنِّسيان. الشَّيءُ الوَحيدُ الّذي يَذكُرُ «مَريريدَة» هُوَ هَذا الكِتاب، هَذا الكِيانُ الغَريب، هَذِه المَجموعَةُ مِنَ التَّراجِمِ عَن لُغَةٍ يَكادُ لا يَقرَؤُها أحَدٌ بَعدَ اليَوم. وحَتّى الكِتابُ ذاتُهُ يَفتَقِرُ لِلأمانَة. إنَّهُ نُسخَةٌ، وأداءٌ، وتَسجيلٌ يَتيمٌ لِصَوتٍ أبى أن يُسَجَّل.

غَيرَ أنَّ ذَلِكَ الرَّفضَ هُوَ هِبَةٌ كَذَلِك. إنَّها هِبَةُ ما لا يُمكِنُ قِياسُهُ، الشَّيءِ الّذي يَستَعصي عَلى العَدّ، الحَياةِ الّتي تَأبى أن تُختَزَلَ في حُصَيْلَة. أحصَت «مَريريدَة» كُلَّ شَيءٍ، لَكِنَّها عَوَّلَت كَذَلِكَ عَلى شَيءٍ آخَرَ، شَيءٍ لَم تُسَمِّهِ قَطّ. رُبَّما كانَ المُوسيقى ذاتَها. ورُبَّما كانَ فِعلَ الغِناء. أو لَعَلَّهُ ذَلِكَ الفَرَحُ الصَّغيرُ العارِمُ بِإصدارِ صَوتٍ قَد يَسمَعُهُ شَخصٌ ما، في مَكانٍ ما، فَيَشعُرَ بِشَيءٍ لا يَستَطيعُ لَهُ تَسميَة. ما كانَت تُؤمِنُ بِبَقاءِ ذَلِكَ الصَّوت. كانَت تَعلَمُ أنَّهُ سَيَنقَضي، كَما تَنقَضي الحَبّاتُ بَينَ الأصابِعِ، وكَما تَمضي الدُموعُ مِنَ المآقي، وكَما تَعْبُرُ السِّنونَ في الوادي. ولَكِنَّها أصدَرَتهُ عَلى أيَّةِ حال. وكانَ صُنعُها لِذَلِكَ جَوابَها عَلى عِلمِ الحِساب. كانَ صُنعُها لِذَلِكَ طَريقَتَها لِلقَولِ إنَّ في الحَياةِ ما يَفوقُ مَجموعَ أجزائِها. كانَ صُنعُها لِذَلِكَ طَريقَتَها في الكَينونَةِ، لا في مُجَرَّدِ البَقاء.

احْسُبْ مَعِي، هَكَذا تَقولُ، لَكِنَّها تَقولُ بَعدَ ذَلِكَ أيضاً: لا تَتَوَقَّف عَنِ العَدِّ، لِأنَّكَ إن تَوَقَّفْتَ، قَد تَنسى أنَّكَ عَلى قَيدِ الحَياة. العَدُّ هُوَ البُرهان. العَدُّ هُوَ الشّاهِد. العَدُّ هُوَ اليَدُ الّتي تَقبِضُ عَلى الحَبّاتِ ولا تَدَعُها تَسقُط. إلى أن تَسقُطَ، بِطَبيعَةِ الحال.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق