نَعَم.. لِكُلِّ ما يَأتي
ثَمَّة قِصَّة انحَدَرت إلَينا مِن بلادِ اليونان القديمة، نَراها تَلوحُ هُنا وهُناك، وتتخلَّل شَذَرات أَرِسطو، غَير أنَّها بَلغَتنا، نَحنُ رُوَّادَ الشَّبكةِ في القَرن الحادي والعِشرين، عَن طَريق كِتابِ نيتشه «مَولِد التّراجِيديا». وإنَّها لَحِكمَة سِيلينوس.
وهذا الكِتابُ باكورةُ أعمالِ نِيتشه؛ ورُغمَ أنَّهُ لَم يُفارِق فيهِ مَيدان الميتافيزيقا بَعد، إلّا أنَّ أطروحَتَهُ فيه هيَ ذاتُها الَّتي طَبعَت فَلسفَتَه بِطابَعِها الخالِص؛ ألا وهيَ إقرارُ الحَياةِ وتَوكيدُها، في مُقابِل إنكارِها الَّذي نَشهَدُهُ عِند شوبنهاوَر وغَيرِهِ مِنَ الفَلاسِفة المُتشائِمين. وهو إنكارٌ يَجمَعُهُ نِيتشه في صَعيدٍ واحِدٍ مَعَ إنكار الأديان لِلحَياة، زُهديَّةً كانَت أو غَير زُهديَّة، مِثلَما يَقرِنُ ذلِكَ كُلَّه بالعَقلانيَّة السُّقراطيَّة الَّتي صاغَت تاريخ الفَلسفَة بِأسرِه، والَّتي تَعامَلَت، في نَظَرِه، مَع عالَم الصَّيرورة بوَصفِه شَيئاً مَعيباً، ومَحض عَبَثٍ لا طائِل مِنه. وقَد سَمَّى نِيتشه فَلسفَتَه بِالتَّوكيد المَأساويّ لِلحَياة، أوِ النَّظرَة المَأساويَّة لِلعالَم، عَلى غِرار المَأساة اليونانيَّة، الَّتي تُمَثِّل قَبولاً مُطلَقاً لأهوال الوُجود. إنَّهُ «عِشق الأقدار» (Amor fati)، والرِّضا بِها مَهما كانَت. وقَدِ استَخدَم نِيتشه مُصطَلَح «التَّشاؤم الدِّيونِيسوسيّ» في كِتابِه «العِلم المَرِح» لِيَصِف فَلسفَتَه، مُبايِناً بِهِ التَّشاؤُم الرّافِض لِلحَياة.
وحينَ يَستَحضِر نيتشه حِكمَة سيلينوس في مَطلَع كِتابِه «مَولِد التّراجِيديا»، فَإنَّهُ يَرومُ بَيان كَيفَ كانَت نَظرَة اليونان القُدامى لِلوُجود نَظرَةً يَسودُها الكَمَد. ثُمَّ إنَّ هَذِه الرُّؤيَة أُزيحَت لاحِقاً لِتَحِلَّ مَحَلَّها النَّظرَة «الأبولونيَّة»، الَّتي غَدَتِ الحَياة في كَنَفِها مَطلَباً نَفِيساً، حَتَّى باتَ أسمَى الأماني أَلّا يَذوقَ المَرءُ طَعم المَوت أبَداً، كَما هُوَ حالُ الأبطال الَّذينَ نالوا الخُلود في أساطير اليونان. بَعدَها جاءَتِ النَّظرَة الدِّيونِيسوسيَّة لِتُوازِن الكِفَّة مَعَ الأبولونيَّة، وهي مَوقِفٌ مِنَ الحَياة لا يُنكِر المَوت والألَم. والمَأساويّ عِند نيتشه، في صَميمِه، هُوَ اتِّحاد الأبولونيّ (أيِ المُنتَظِم والمُتَمَدِّن)، مَعَ الدِّيونِيسوسيّ (أيِ الفَوضَويّ والنَّشوِيّ) الَّذي يُقارِب مَفهوم «الإرادَة» عِند شوبنهاوَر. فالإنسان المَأساويّ في عُرف نيتشه يَقول «نَعَم» لِكُلِّ ما يَأتي بِه عالَم الصَّيرورة؛ سَواءٌ كانَ لَذَّةً أو ألَماً، نِظاماً أو فَوضى. ومِن مُفارَقات القَول أنَّ نيتشه، في النُّصوص ذاتِها الَّتي يُبالِغ فيها بِتَوكيد الحَياة، يَشكو بَني البَشَر شَكوىً تَفوق شَكوى شوبنهاوَر وسيوران مِنَ الوُجود في مُؤَلَّفاتِهِما. أو هَكَذا أرى الأمر عَلى الأقَلّ. ولَكَم أقول إنَّ هَذا بِيَدِهِ ما يَجعَل قِراءَة نيتشه مُمتِعَةً لِي؛ فَلَو كانَ مُجَرَّد مُهَلِّل لِلحَياة، يَغُضُّ الطَّرف تَماماً عَن أهوالِها، أو لَو أنَّهُ تَبَنَّى نَزعَةً مُتَساهِلَةً كَنَزعَة الهِيبيِّين تجاهَ الصَّيرورَة وبَني الإنسان، لَما أطاقَ قِراءَتَه أحَد.
وَمَع ذَلِك، فَإنِّي أَلتَذُّ بِقِراءَة نيتشه، وأرى قِيمَةً كُبرى في بَعض مَواقِفِه، لا سِيَّما في «مَولِد التّراجِيديا»، وإن لَم يَقتَصِر الأمر عَلَيه. وأقولُ قَولي هَذا وإن كُنتُ أُخالِفُه مُخالَفَةً قاطِعَة في فِكرَة القَبول المُطلَق لِلحَياة بِأهوالِها، وإقرار عالَم الصَّيرورَة الفاقِد لأيِّ مَعنىً كَونيّ. فَفي مَذهَب نيتشه اعتِرافٌ - وإن كانَ احتِفاليّاً مُفرِطاً - بِالوَجه المُظلِم والفَوضَويّ لِلوُجود. ولَعَمري، لَو أَنِّي اعتنَقتُ فِكرَة أنَّ الوُجودَ خَيرٌ لا يُتَطَرَّق إلَيه الشَّكّ، بِحُجَّة أنَّنا لا نَملِكُ الحُكم عَلى الحَياة ونَحنُ قَبعَةٌ فيها، لَرُبَّما غَدَوتُ نِيتشَوِيّاً أنا الآخَر. وأنا أَحسَب نَفسي أحيا يَوميّاتي عَلى نَهجٍ شِبهِ ديونيسوسيّ، أو لَعَلَّه أبيقوريّ، فَلَن تَكونَ النَّقلَة شاسِعَة. غَير أَنِّي لا أرى الوُجود خَيراً مَحضاً، بَل أَنظُرُ إلَيهِ بِعَينِ سيوران في كِتابِه «مَثالِب الوِلَادة». ففيه يَسطُر سيوران أنَّ الحَياة خَلَل، وانحِراف، وفَسادٌ طارِئ عَلى المادَّة، تَماماً كَما أَنَّ الزَّمَن انحِرافٌ عَنِ الأبَديَّة.
ومِن هُنا نَتَساءَل: ما الَّذي تَقولُه حِكمَة سيلينوس الَّتي ذاعَت بَين اليونان القُدامى؟ لِنَقتَبِس ما صاغَه نيتشه في «مَولِد التّراجِيديا»:
تَروي أُسطورَةٌ قَديمة أنَّ المَلِك ميداس طَفِق يَجوبُ الغاباتِ رَدَحاً طَويلاً مِنَ الزَّمَن، تَكَبُّداً لِصَيد الحَكيم سيلينوس، رَفيق ديونيسوس، فَأعياهُ أن يَظفَر بِه. حَتَّى إذا أوقَعَه في قَبضَتِه أخيراً، سَألَه المَلِك عَمّا يَعُدُّه الخَيرَ الأعظَم لِبَني الإنسان. فَظَلَّ ذَلِك الشَّيطانُ واجِماً مُعتَصِماً بِالصَّمت، إلى أن أَكرَهَه المَلِك عَلى الكَلام، فَانفَجَرَ بضِحكَةٍ مُجَلجِلَة ثُمَّ نَطَق: 'أيُّها الشَّقيُّ الفاني، يا سَليل العَرَضِ والمَكابَدة، مالَك تُكرِهُني عَلى البَوح بِما يَكونُ الخَيرُ كُلُّ الخَير لَكَ في ألّا تَسمَعَه؟ إنَّ أفضَل ما يَكونُ لَكَ لَفي مَنأىً عَن مُتَناوَلِك: ألا تَكونَ قَد وُلِدتَ أصلاً، وألا تَكونَ مَوجوداً، أن تَكونَ عَدَماً. أمّا الخَير الثّاني مِن بَعدِه، فَهو أن تَموتَ عاجِلاً'.
وفي أساطيرِ اليونان، كانَ سيلينوس مُؤَدِّب الشّابّ ديونيسوس، إلَهِ الخَمر والنَّشوَة، الَّذي سَمّاه الرُّومان «باخوس» - ومِنهُ جاءَ لَفظ «الباخاناليَّة» الدّالّ عَلى مَجالِس اللَّهو المُترَعَة بِالخَمر، والشَّمبانيا، وجِعَةِ المِيكيلوب الخَفيفَة، والمُتَشَحِّيَة بِالعُري (وأَستَغفِرُكُم عَلى هَذِهِ المُلاطَفَة). وقَد كانَ سيلينوس بِمَنزِلَة الأَبِ لِديونيسوس؛ إذ لَقَّنَه صِناعَة الشَّراب، والمُوسيقَى، والمَعارِف النَّشوِيَّة. ولِفَرطِ ما عُرِفَ بِه مِن عُمقِ الحِكمَة، طَمِعَ المَلِك ميداس في أَسرِه. وثَمَّةَ رِوايَةٌ أُخرى لِلِقاء سيلينوس وميداس تَتَّسِمُ بِلُطفٍ أكبَر؛ فَفي هَذِه الرِّوايَة، ضَلَّ سيلينوس طَريقَه في الغابَة فَعَثَرَ عَلَيه خَدَم ميداس، وأَحسَنوا وِفادَتَه. ولَمّا عَلِمَ ديونيسوس بِما كانَ مِن إكرام ميداس لِمُؤَدِّبِه، خَيَّرَ المَلِك في أن يَطلُب ما شِئَ مِن قُوَّةٍ أو نِعمَةٍ مَكافَأةً لَه. فَاختار ميداس قُوَّةً تُحيلُ كُلَّ ما تَمَسُّه يَداهُ إلى ذَهَب. وما هيَ إلّا بُرهَةٌ حَتَّى أدرَك المَلِك وَرطَتَهُ العَظيمة؛ حِينَ استَعصَى عَلَيه المَأكَل والمَشرَب، وحينَ مَسَّ ابنَتَه فَأحالَها تِمثالاً مِن ذَهَبٍ فَأَرداها قَتيلَة. عِندَها تَدَخَّل ديونيسوس وأعاد المَلِك ميداس إلى سيرَتِه الأولى. وآلَتِ الأُمورُ إلى نِهايَةٍ سَعيدَة، إلى أن حَلَّت بِهِم طامَّةٌ أُخرى عَلى الأرجَح، كَما هِيَ عادَة الأساطير اليونانيَّة.
يُوَسَّمُ الأَثَرُ الأكبَر لِلفَيلَسوف النُّرويجِيّ بيتر فيسل زابفه - المُتَوَفّى عام ١٩٩٠، والذّائِع الصِّيت بِمَقالَتِه الفَذَّة «المَسِيح الأَخِير» - بِعُنوان «فِي المَأساوِيّ». ولَم يُنقَل هَذا السِّفرُ مِنَ النُّرويجيَّة إلى العَربية إلّا في عَهدٍ قَريبٍ جِدّاً. وهُوَ في أصلِه أُطروحَةُ الدُّكتوراه الخاصَّة بِزابفِه، والَّتي يَرومُ فيها تَحديد مَفهوم «المَأساويّ» تَحديداً دَقيقاً، بِمَعزِل عَن غُموض الكِتابَة المَقاليَّة والشَّذَرِيَّة الَّتي كانَ نيتشه يُؤثِرُها. وقَد كانَ سيوران، بِالمُناسَبَة، يَميلُ إلى الشَّذَرات والمَقال الحُرّ. وأنا كَذَلِك. عَلى أيَّةِ حال. تَستَطيعُ أن تَلحَظ مَفاهيم «المَسيح الأخير» مَنثورَةً هُنا وهُناك في ثَنايا كِتاب «في المَأساويّ»، غَير أنَّ القَضيَّة المِحوَرِيَّة لَيسَت مُتَطابِقَةً تَماماً، مَع وُجود تَقاطُعات في مَواضِع عِدَّة، إلى حَدِّ القَول إنَّ «المَسيح الأخير» يَختَزِلُ بَعضاً مِن أهَمِّ النِّقاط في أُطروحَة زابفِه الكُبرى. مَع ذَلِك، فَإنَّ كِتاب «في المَأساويّ» - وإن كانَ في جَوهَرِه مُتَشائِماً، ويَنطَوي عَلى إرهاصاتٍ بِمُناهَضَة التَّناسُل (اللاإنجابية) - لا يُدافِع عَن رَفض العالَم بِذات الصَّراحَة الَّتي نَعهَدُها في مَقالَة «المَسيح الأخير». ومِن هَذا الوَجه، قَد يُخَيِّبُ الكِتابُ آمالَ مَن يَنشُدونَ فيه ذات الرِّسالَة الَّتي بَثَّها زابفِه في مَقالَتِه؛ إذ يَطولُ انتِظار القارِئ قَبلَ أن تَتَجَلَّى لَهُ تِلك الرِّسالَة، وما هيَ بِالَّتي تَظهَر في كُلِّ حين.
والمَأساويّ عِند زابفِه يُعَرَّف بأنَّه الدَّمار الفاجِع لأَهَمِّ إمكانات المُكافَحَة عِند المَرء. فَفي الفَقرَة الخامِسَة والسَّبعين مِن كِتاب «في المَأساويّ» يَقول:
المَأساويّ في صِفَتِه المَوضوعيَّة، وبِأَوجَزِ عِبارَةٍ مُمكِنَة، هُوَ إِهلاك المَسعى الرَّئيس لِلمُكافَحَة. ومِثلُ هَذا الدَّمار، في ظِلِّ الدِّيناميكيَّات الأَرضيَّة الرّاهِنَة، لا يُمكِنُ أن يَقَعَ بِسُبُلٍ سِوى تِلكَ المَوصوفَة آنِفاً. وقَد يُصاغُ لَهُ تَعرِيفٌ أطوَل عَلى النَّحو التّالي: المَسار المَأساويّ يَنشَأ حينَ يَسعى إِنسانٌ إلى تَحقيق طَريقَة عَيشٍ ذاتِ شَأنٍ وبِوَسائِل ذاتِ شَأن، فَيُواجِه رَفضاً (veto) يُحَطِّم إِيمانه بِالحَياة.
وبِمُقتَضى تَعرِيف زابفِه، لا تُعَدُّ كُلُّ كارِثَةٍ مَأساةً، بَيد أنَّ كُلَّ مَأساةٍ لا بُدَّ أن تَسبِقَها كارِثَةٌ مِن نَوعٍ ما. والمَسارُ المَأساويّ يَقَع حينَ يَسعى فَرد (أو ثُلَّة مِنَ الأفراد) لِبُلوغ نَمَطٍ مِنَ الحَياة يَنطَوي عَلى قِيمَةٍ أو عَظَمَةٍ مِنَ النّاحِيَة الثَّقافيَّة، فَيُصدَمونَ بِاعتِراض يَقطَع عَلَيهِم سَعيَهُم، سَواءٌ أَكانَ مَبعَثُهُ عامِلاً داخِلِيّاً أم خارِجِيّاً، لَكِنَّهُ يَرتَبِطُ بِالضَّرورَة بِتِلك العَظَمَة، مِمّا يَعصِفُ بِإيمانِهِم بِالحَياة نَفسِها. ومِن سِماتِ المَسار المَأساويّ أَنَّه دائِماً ما يَذهَب سُدىً؛ فَإن لَم يَذهَب سُدىً، بَطُلَ كونُه مَأساويّاً، ورُبَّما عُدَّ، في مَقاماتٍ بَعينِها، بُطولِيّاً بِحَقّ. ولا يُرادُ بِصِفَة «العَظَمَة» هاهُنا الثَّراء، أو الشُّهرَة، أو الحُظوَة، لا عَلى وَجه المُباشَرَة عَلى الأقَلّ؛ بَل إنَّ العَظَمَة مَنوطَةٌ بِسَجايا الفَردِ ذاتِه، الَّتي تَتَبَدَّى في ضَربٍ مِنَ الثَّبات (كَالوَلاء الرّاسِخ لِقَضيَّةٍ خاسِرَة) أوِ القُدرَة (كالقُوَّة الفِكريَّة الَّتي تَجِد نَفسَها في مواجَهَة مُجتَمَع غَبِيّ وعَنيف). فالوَلاء لِمَبدَأٍ باتَ مَمقوتاً، أوِ التَّحَلِّي بِعَقلِيَّة فَحوصَةٍ تَتَحَرَّى الحَقيقَة في أزمِنَة الرَّقابَة والحَجر، كُلُّ ذَلِك قَد يُفضي إلى كارِثَة. وإن حَدَثَ أن نَسَفَت تِلك الكارِثَة الإيمانَ في حَياة مَن يُكابِدونَها، أو زَعزَعَت إيمان مَن يُشاهِدُها، أو أورَثَتِ الأَمرَين مَعاً؛ كانَتِ الكارِثَةُ حِينَئِذٍ مَأساوِيَّة.
ويَقول زابفِه في الفَقرَة الثّالِثَة والتِّسعين:
لَقَد عَرَّفنا المَأساة بأنَّها تدميرُ أَهَمِّ إمكانات المُكافَحَة؛ وفي المَسار المَأساوِيّ يَربِض الخَراب في طَريق الأَمَل. ولِذا، لا بُدَّ أن يَكونَ الأَمَل حاضِراً في مُفتَتَح المَسار، ولا بُدَّ أن يُمحَقَ هَذا الأَمَل في مُنتَهاه - إذِ المَأساويّ يَتَمَوقَع في الطَّريق المَمتَدِّ بَين الأَمَل وَانعِدامِه.
ومِن هُنا، كانَتِ الحالَة البَشَرِيَّة رُمَّتُها مَأساوِيَّةً في عُرف زابفِه. فَنَحنُ بَني الإنسان نَمتَلِك، بوَصفِنا جِنساً، عَظَمَةً تَتَّصِل بِمَلَكاتِنا الإِدراكيَّة العَميقَة والمُتَطَوِّرَة لِحَدِّ الإِفراط. وقَد عَقَدَ في بَعض مَواضِع الكِتاب مُقارَنَةً أورَدَها كَذلِك في «المَسيح الأخير»؛ فَكَما هُوَ حال «الميغالوسيروس العِملاق» (الأَيِّل الأيرلَنديّ العِملاق)، وهوَ فَصيلَةٌ مِنَ الأَيائِل نَمَت لَها قُرونٌ هائِلَة، كانَت في بَدء الأَمر نافِعَةً لَها مِن النّاحِيَة البُيولوجيَّة، ثُمَّ غَدَت عِبئاً ثَقيلاً أَسهَم في انقِراضِها؛ كَذَلِك الإِنسانُ نَمَّى عَقلاً بالِغَ الاِتِّساع يَثقُل كاهِلَهُ مَع مُرور الزَّمَن. ولِأَجل ذلِكَ نَحنُ بِحاجَة إلى «حُلول زائِفَة» نُواري بِها الكَوارِث الَّتي تُبيد إمكانات مُكافَحَتِنا، حُلولٍ زائِفَة كَالمُلهِيات التّافِهَة، والمَراسِي العِلمانيَّة والميتافيزيقيَّة. ومِمّا يَزيدُ الطِّينَ بِلَّة، أنَّنا ثابِتون في عَدَم ثَباتِنا. ومَعنى ذَلِكَ أَنَّه بِمَقدورِنا، بِفَضل مَلَكاتِنا الإِدراكيَّة، أن نَصنَعَ بِأَيدينا عالَماً نُحَلِّقُ فيهِ كَالطَّير، ونَشُقُّ عُبابَ المُحيطات كَالحوت، وهَلُمَّ جَرّا. نَحنُ قادِرون عَلى أشياء كَثيرَةٍ تَتَجاوَزُ ضآلَتَنا البَدَنيَّة الظّاهِرَة، غَير أنَّنا قاصِرون عَنِ ابتِداع غايَةٍ ميتافيزيقيَّةٍ حَقيقيَّة ومُقنِعَة لِوُجودِنا، وَهِيَ ضالَّتُنا الَّتي نَنشُدُها مُنذ الأَزَل؛ ولَيسَ مِن قَبيل المُصادَفَة أنَّ الحاجَة إلى أجوبَةٍ ما وَراءَ طَبيعيَّة كانَت حاضِرَةً أَبَداً في شَتَّى الثَّقافات.
وحالَتُنا مَأساوِيَّةٌ في نَظَر زابفِه لِأنَّنا - سَواءٌ في ذَلِكَ الإِنسان المُتَأَلِّم أوِ المُراقِب لَه (أَو كِلاهُما) - نَمتَلِك عَظَمَةً روحيَّةً تَتَشَوَّف إلى تَسويغٍ كَونيّ مُرضٍ لِعالَم الصَّيرورَة ولِحَياتِنا ذاتِها، فَلا نَتَلَقَّى مِنَ الكَون سِوى «الرَّفض»، الَّذي يَتَجَلَّى في صَمتِهِ المُطبِق، ولا مُبالاتِه الوَحشيَّة بِرَغَباتِنا. وفي هَذِه الحال، تَكونُ الكارِثَة هِيَ صَمت الكَون، وما يَجعَلُ الخَطبَ مَأساوِيّاً هُوَ أنَّنا نَمتَلِك العَظَمَة الَّتي أَورَثَتنا إِيّاها: عَظَمَة الرَّغبَة في أن نَكونَ شَيئاً أرقَى مِن مُجَرَّد حَيَواناتٍ فانِيَة عادِمَةٍ لِغايَة أسمى. ولا يُشتَرَط في الكارِثَة أن تَكونَ فاجِعَةً ماديَّة، مَعَ أَنَّ الكَوارِث الماديَّة تَقَع مِراراً وتَكراراً كُلَّ يَوم لأفرادٍ مِن جِنسِنا. فالكارِثَة في مَعمار المَأساة الإِنسانيَّة إِنَّما هِيَ كارِثَة ميتافيزيقِيَّة: صَمتُ الكَون الَّذي يُحَطِّم كافَّة المَراسي الغَيبيَّة الَّتي صُغناها بِأَيدينا. ولَيسَ عَبَثاً أنَّ الأَديان - بِدءاً مِن مَرحَلَةٍ مُعَيَّنَة عَلى الأَقَلّ - تُريدُ مِنّا أن نَصُمَّ آذانَنا، ونُغمِض أَعيُنَنا، ونَصرُخ بِالتُّرَّهات. فَقَمعُ التَّفكير النَّقديّ هُوَ آلِيَّةٌ دِفاعِيَّةٌ مَكينَة لِلحَلِّ الزّائِف لِلمَسأَلَة الميتافيزيقِيَّة الَّتي تُمَثِّل مِرسَاة العَقيدَة الدِّينِيَّة. ولا مَهَرَب مَع زابفِه مِنِ الإِقرار بِأنَّ الأَديان ما هيَ إِلّا حُلولٌ زائِفَة تُعين عَلى دَرء القُنوط الَّذي قَد يَحُدونا إلى إِفناء أَنفُسِنا كَجِنسٍ بَشَريّ. ولِلمُثُل العِلمانيَّة، ومُلهِيات الخَمر والمُجون الوَظيفَة نَفسُها، وإن كانَت لا تَدَّعي تَقْديم إِجاباتٍ ما وَراءَ طَبيعيَّة.
ويَقول زابفِه في الفَقرَة الخامِسَة والخَمسين: «فِي مُواجَهَة المُعضِلَة الميتافيزيقِيَّة الشّامِلَة، فَإنَّ كُلَّ مَن لا يَتَخَلَّى عَن واجِب النَّزاهَة الفِكرِيَّة سَيَشعُر، عَلى الأَرجَح، أَنَّ مَوقِفَهُ قَدِ استَبَدَّ بِهِ العَجزُ والشَّكّ».
وعَلى حَدِّ قَول زابفِه، لا بُدَّ لِأَحَد أَمرَين أَن يَقَع: إِمّا أَن نَنبِذ النَّزاهَة الفِكرِيَّة ونَتَعَلَّق بِمِرسَاةٍ ميتافيزيقِيَّةٍ ما، أو نَدَعَ العَجز والشَّكَّ يَستَولِيان عَلَينا في حَضرَة صَمت الكَون. ومِنَ المَعلوم أنَّنا قادِرون، بَعدَ ذَلِك، عَلى استِحداث أَنماطٍ أُخرى مِنَ المَراسي الدُّنيَوِيَّة. وقادِرونَ عَلى أَن نُلهِي أَنفُسَنا بِأُمورٍ شَتَّى، سِوى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَن يَعدُوَ كَونَه حَلّاً زائِفاً. وقُرابَة خِتام الرِّسالَة، يُشَرِّح زابفِه مَفهوم نيتشه لِلمَأساوِيِّ بِإيجاز، وذَلِكَ في الفَقرَة التّاسِعَة بَعد المِئَة. ويُجَلِّي زابفِه هُناكَ أنَّ فِكرَة نيتشه عَن المَأساوِيّ لا تَمُتُّ بِصِلَة لِلمَأساوِيّ كَما يُعَرِّفُه هُوَ (أي زابفِه). فَفِي نَظَرِه، وبِاستِثناء شَذَراتٍ مِن «مَولِد التّراجِيديا»، يَحمِل نيتشه رُؤيَةً شَديدَة الخُصوصيَّة والتَّقَلُّب لِلمَأساويّ عَلى مَرِّ الزَّمَن. ولَو تَنَزَّلنا وسَلَّمنا بِأَنَّ نيتشه يَمتَلِك تَصَوُّراً شِبهَ مُحَدَّد لِماهِيَّة المَأساوِيّ، فَالحَقيقَة أَنَّهُ لَيسَ بِالتَّصَوُِّر الَّذي قَرَّرَهُ زابفِه في أُطروحَتِه لِلدُّكتوراه قاطِبَةً.
وفِي جَميع مَراحِل أعمال نيتشه الثَّلاث، كَما يَعرِضُها زابفِه، لا نَلفي تَعرِيفاً لِلمَأساوِيّ يَتَوافَق، ولَو بِوَجهٍ عامّ، مَعَ ما قَدَّمَهُ هُو. وقَد فَنَّد زابفِه هَذِهِ المَراحِل عَلى النَّحو التّالي: (١) مَرحَلَة «مَولِد التّراجِيديا»، الَّتي كانَ نيتشه فيها لا يَزالُ يَرى في شوبنهاوَر وفاغنَر حَليفَين، رُغم نَأيِهِ بِنَفسِه عَن التَّشاؤُم الشُّوبنهاوَريّ، إذ رَأى في المَأساة اليونانِيَّة سَبيلاً لِتَوكيد الحَياة عَبْر التِئام الدِّيونِيسوسيّ بِالأبولونِيّ. (٢) والمَرحَلَة الَّتي شَمِلَت كُتُب «إِنسانِيٌّ مُفرِطٌ فِي إِنسانِيَّتِه»، و«الفَجر»، و«العِلم المَرِح»، حَيثُ حالَف نيتشه عِلمَ النَّفس، وقاطَع فاغنَر، وانحاز لِلمُحارِب الجَسور الَّذي يَعشَق كُلَّ ما تَجودُ بِه الحَياة، بِما في ذلِكَ الأَلَم، عَبْر عَقيدَة «عِشق الأَقدار». (٣) والمَرحَلَة الَّتي ضَمَّت «هَكَذا تَكَلَّم زَرادُشت» و«ما وَراءَ الخَير والشَّرّ» ومُؤَلَّفاتٍ أُخرى، والَّتي يَكون نيتشه فيها قَد عادَ إلى بَعض المُسَلَّمات الميتافيزيقِيَّة الكامِنَة صِرفاً في العَقل البَشَريّ، وهِيَ مَرحَلَة «العَود الأَبَدِيّ لِلشَّيء ذاتِه»، الَّتي يَؤوب فيها ديونيسوس، غَير أَنَّهُ هَذِهِ المَرَّة ديونيسوس النَّبيل المُتَعالِي عَلى كُلِّ القِيَم، والَّذي يَكون النَّموذَج الأَسمَى لـ«الإِنسان الأَعلَى» (Übermensch) المُؤَكِّد لِعالَم الصَّيرورَة. ومِن البَدَهِيّ أَنَّ هَذِهِ المَراحِل لَيسَت صارِمَة الحُدود؛ فَمَفهوم العَود الأَبَدِيّ، عَلى سَبيل المِثال، قَد لاحَ في المَرحَلَة الثّانِيَة، وتَحديداً في الشَّذرَة الحادِيَة والأَربَعين بَعد الثَّلاثِمِائَة مِن كِتاب «العِلم المَرِح».
وقُصارَى القَول أَنَّ المَأساوِيّ في مَنظور نيتشه يَستَقِرّ لِيَكونَ مَوقِفاً مِنَ الحَياة يَنبِذ تَشاؤُم شوبنهاوَر الرّافِض لِلوُجود، والتَّشاؤُم الفَلسَفِيّ بِوَجهٍ عامّ، وهُوَ أَمرٌ مَشهودٌ مُنذ «مَولِد التّراجِيديا». وهُوَ ما نَعَتَهُ نيتشه بـ«التَّشاؤُم الدِّيونِيسوسيّ» في الشَّذرَة السَّبعين بَعد الثَّلاثِمِائَة مِن «العِلم المَرِح»، لِيُمَيِّزَهُ عَلى وَجه الدِّقَّة عَن تَشاؤُم شوبنهاوَر الفَلسَفِيّ. أَمّا زابفِه، فَيَمتَلِك تَعرِيفاً يَراهُ أَكثَرَ دِقَّةً لِلظّاهِرَة المَأساوِيَّة، إِذ يُحَدِّدُها بِأَنَّها كارِثَةٌ تَنسِف الإِيمان الجَوهَرِيّ فِي حَيَوات المُصابين بِها. فَعِند زابفِه، كَما أَسلَفت، حينَ يُمِدُّ حَدَثٌ فاجِع يَدَ الدَّمار إلى إمكانِيَّة المُكافَحَة الرَّئيسيَّة، أَي حينَ تَسحَق كارِثَة، داخِلِيَّةً كانَت أَو خارِجِيَّة، ذَلِكَ «الشَّيء» الجَوهَرِيّ الَّذي يَجعَل المَرء يَنهَض لِكَدحِه كُلَّ غَداة، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ مَأساوِيّاً مَتى ما كانَت إِمكانِيَّة المُكافَحَة تِلك تَنطَوِي عَلى قِيمَةٍ أو شَأنٍ عَظيمٍ مِنَ النّاحِيَة الثَّقافِيَّة. والثَّقافَة في فِكر زابفِه تَضُمّ كافَّة المَساعِي البَشَرِيَّة المُوَجَّهَة شَطر الغايات المَركَزِيَّة لِلحَياة الفَردِيَّة والجَماعِيَّة. وعَلَيه، فَالمَأساة سَتَظَلّ أَبَداً قَرينَة صُوَر التَّطَلُّع ذات الشَّأن الثَّقافِيّ.
وهَل يُمكِن، بَعدَ ذَلِك، أَن نَحيا ونَحنُ نَعلَم وَضعَ البَشَرِيَّة المَأساوِيّ بِحَسَب زابفِه؟ نَعَم، بِلا رَيب. وقَد أَفاضَ فِي ذَلِكَ فِي الفَقرَة الحادِيَة والتِّسعين، وغَيرِها مِنَ المَواضِع. إِنَّنا نَحيا في رِحاب سَيلٍ لا يَنضَب مِنَ الحُلول الزّائِفَة أَوِ البَديلَة. حَتَّى إِنَّ مَفهوم الحَياة البُطولِيَّة، وأَنماط التَّسامِي الفَنِّيّ والجَمالِيّ، لَيسَت سِوى حُلولٍ بَديلَة تَصرِف أَبصارَنا، ما دامَت قاصِرَةً عَن تَبديل حَقيقَة المَأساة البَشَرِيَّة. والمَسارُ المَأساوِيّ الحَقّ مُمكِنُ النَّجاة مِنهُ قَطعاً؛ فَلا يُشتَرَط أن يَهْلَك مَن حَلَّ بِهِم. بَيد أَنَّ النَّجاة البُيولوجيَّة مِن مَسارٍ مَأساوِيّ لا تَعني أَنَّ المَأساة لَم تَقَع قَطّ، ولَم تُخَلِّف بَصمَتَها الَّتي لا تُمحَى. فالمَأساة قَد نَزَلَت، والمَسار المَأساوِيّ قَد أُنفِذ، كُلُّ ما فِي الأَمر أَنَّهُ لَم يَقدِر عَلى طَمس الحَياة بِعَينِها. وعلاوَةً عَلى ذَلِك، فَفِي حالَة مَأساة الوَضع البَشَرِيّ، يَقَع المَسار المَأساوِيّ صَباحَ مَساء مُنذ أَنِ استَيقَظَ الوَعيُ بِالذّات فِي بَني الإنسان، أي مُنذ فجر سُلالَتِنا. ولِذا، فَالإِنسان فِي ضَرورَةٍ دائِمَة لِلمَراسي، والمُلهِيات، وما شاكَلَها. ولَولاها، لَضُرِبنا بِالجُنون، ولَآلَ بِنا المآلُ إِلى الانقِراض. فَالوَعْيُ البَشَرِيّ كانَ لِيَثقُل عَلَينا حَدَّ الإِطاحَة بِنا، شَأنُه شَأنُ قُرونِ «الميغالوسيروس».
ورُغم أَنَّ زابفِه قَد أَسهَب في الحَديث عَن كَوارِثَ لا تَبلُغ مَبلَغ المَأساة، إِلّا أَنَّ مَحَطَّ الِاهتِمام هاهُنا هُوَ الكَوارِث المَأساوِيَّة بِحَقّ. فَهَذِه لا نَصيبَ لَها مِن الحُلول الحَقيقِيَّة، خِلافاً لِلحالات العَصيبَة الأُخرى الَّتي لا تُبيد بِالضَّرورَة رَجاء الحَياة عِند مَن أَصابَتهُم بِصُورَةٍ مُباشَرَة أَو غَير مُباشَرَة. وقَد ضَرَب زابفِه نَفسُه مِثالَين سَريعَين عَلى ذَلِكَ فِي الفَقرَة الخامِسَة والخَمسين: جائِعٌ يَنال طَعاماً، وغَريقٌ يَلتَقِط أَنفاسَه بَعد إِنقاذِه. وهَذانِ مَوقِفانِ قَد يُفضِيان إِلى مَأساة، بِلا شَكّ، وقَد يَعصِفان بِإِيمان مَن تَأَثَّروا بِهِما. غَير أَنَّهُما، فِي هَذِهِ الحال، قَد حَظِيا بِحُلولٍ حَقيقِيَّة: فَالجائِع أَكَل، والغَريق انتُشِل وتَنَفَّس. أَمّا المَآسي الصِّرفَة، فَلا تَعرِف إِلا الحُلول الزّائِفَة أَوِ البَديلَة، حُلولاً خُلَّباً لا تَندَمِل بِها الجِراح قَطّ. وهَذِهِ الحُلول الخادِعَة عاجِزَةٌ عَن أَن تُعيد لِلرّوح الإِنسانِيَّة إِرادَة الِاستِمساك بِالحَياة. وذَلِكَ هُوَ شَأن المَأساة البَشَرِيَّة قاطِبَةً: أَن لا وُجودَ لِحُلولٍ حَقيقِيَّة.
وكَما يُقَرِّر زابفِه فِي ذَيل الفَقرَة الحادِيَة والتِّسعين، فَإِنَّه بِمَعزِل عَن الحُلول الزّائِفَة كَالمَراسي الميتافيزيقِيَّة أَوِ الدُّنيَوِيَّة، وبِمَنأىً عَن المُلهِيات والعُزلَة، فَإِنَّ أَقرَب الأَشياء إِلى حَلٍّ حَقيقِيّ وناجِع لِلمَأساة البَشَرِيَّة لَن يَكونَ سِوى الاِنتِحار، أَو - وهُوَ الأَفضَل - الرَّفض القاطِع لِلتَّناسُل. فَالمَسارُ المَأساوِيّ الجَماعِيّ لِلبَشَرِيَّة لَيسَ شَيئاً آخَرَ سِوى افتِقارِها لِلمَعنى الكَونِيّ. ويَقول في الفَقرَة التّاسِعَة والخَمسين:
إِنَّ المَرءَ سَجينُ الحَياة؛ إِنَّه رَهينَةٌ لِطاغِيَةٍ مَجهول.
وبَعدَها بِيَسير فِي القِسمِ ذاتِه، يُورِد أَوضَحَ إِشارَةٍ إِلى مُناهَضَة التَّناسُل (اللاإنجابية)، كَما يَأتي عَلى ذِكر حَتمِيَّة انقِراض الجِنس البَشَريّ. فَيَعرِض كِلَا الأَمرَين - رَفض الإِنجاب، وحَقيقَة أَنَّ النَّوع البَشَرِيّ سَيَنقَرِض يَوماً - كَحُلولٍ حَقيقِيَّة لِمَأساة وُجودِنا، حَتَّى وإِن كانَت حُلولاً مُقبِضَة ومُجلِّلَة بِالحُزن. وإِنَّه لَنَصٌّ طَويل بَعضَ الشَّيء، لَكِنِّي أَرى مِنَ الأَهَمِّيَّة بِمَكان أَن أَقتَبِسَهُ بِتَمامِه:
طاغِيَتي هيَ الحَياة، هَكَذا يَقولُ الأَلَم الميتافيزيقِيّ، الحَياةُ وغَريزَة الحَياة. نَتَلَوَّى في أَصفاد الحَياة، وحينَ تَعصِرُنا حَتَّى القَطرَة الأَخيرَة، نُلقَى في مِطحَنَة الرُّعب لِنُحال إِلى حَيَواتٍ جَديدَة. 'إِلى هُناك!'، نَصرُخ بَين الفَينَة والأُخرى فِي لَحْظَة صَفاءٍ مُتَّقِدَة. حِينَئِذٍ يَبتَسِمُ الطّاغِيَة ويَمُدُّنا بِأَمَلٍ جَديد نُلقِي فِيهِ بِأَنفُسِنا، رُوحاً وجَسَداً - وحِينَ لَم يَعُد أَمَلاً بَل واقِعاً مَملوكاً، نَقِف مَبهوتين أَمامَ خَوائِه، فَنَصرُخ مُستَجدين 'إِلى هُناك!' مِن جَديد. ولَكِن، في مُقابِل كَونِنا حَمَلَةً لِلأَلَم مِن الدَّرَجَة القُصوى، وفي مُقابِل التَّمَزُّق الَّذي لا يَأتِينا مِن الجوع والبَرد وتَلَف الأَنسِجَة فَحَسب، بَل مِن اليَأس الإِلَهِيّ ذاتِه، ومِن عَذاب الِاختِيار؛ فِي مُقابِل ذَلِكَ نَتَلَقَّى تِلك المَلَكَة الَّتي نَدعوها إِرادَتَنا الحُرَّة. وهَذا هُوَ البابُ الوَحيد الَّذي تَرَكَتهُ الحَياة مُشَرَّعاً أَمامَ سَجينِها، لِيَحظَى بِالأَمَل وإِلهام فِكرَة التَّحَرُّر لِكَي يَصمُد: أَن يَصمُد أَكثَر حَتَّى يَغدو عاجِزاً عَن خِدمَة الحَياة عَبْر التَّناسُل وأَسبابِه. عِندَها، لَن تَبقَى لَهُ حِيلَةٌ ولا دافِعٌ مُحَفِّز، ولَن تَعبَأَ الحَياة بِالحَرَكات الجَسَدِيَّة الَّتي لا يَزالُ يُؤَدِّيها فِي طَريقِه إِلى القَبر المُشتَرَك. لَقَد تَرَكَتِ الحَياة مَلَكَةً واحِدَةً طَليقَةً دونَ قُيود، يَستَشعِرُها المَرء الآن، أَلا وَهِيَ الإِرادَة - المُرَتَبِطَةُ بِدايَةً بِغَريزَة الحَياة. وهَذا ما يَتمَرَّد عَلَيه المَرء الآن عَلى عَتَبَة العَدَم. لَقَد ظَفِرتَ بِي، لَكِنَّكَ لَن تَظفَرَ بِوَلَدي! لَقَد قَرَفتَ خَطيئَةً مُميتَة حِينَ جَعَلتَ الإِنجاب طَوعَ إِرادَتي. وما فَعَلتَ ذَلِكَ حُبّاً، إنَّما لِأُواجِه أَسوَأَ المَسؤُولِيَّات المُتَجَسِّدَة بَعدَ أن كافَحتُ لِأَتَحَرَّر مِن التَّفاصيل: هَل يَنبَغي لِي أَن أُواصِل هَذا الشَّرَّ أَم لا؟ واليَوم، لَم أَعُد أَسأَلُك عَمّا تُريد، بَل عَلَيك أَنتَ أَن تَسأَلَني عَمّا أُريد، ولَم تَعُد بِي رَغبَةٌ فِي تَقديم القَرابين لِإِلَهِ الحَياة. سَأَضرِبُكَ بِالقُوَّة الَّتي حَرَّرتَها لِتُعَذِّبَني بِها؛ سَأَستَعمِلُ بَصيرَتي ضِدَّك، وأَسلُبُكَ طَريدَتَك. والمَلايينُ المُعَذَّبَة سَتَقِف مِن خَلفي كالمِحراث، بَينَما أُضَحِّي بِأَغلى آمالي عَلى مَذبَح العَدالَة، والتَّمَرُّد، والاِقتِصاص، لِأَكونَ خاتِمَةَ جِيلي. وإِن كُنتَ لا تَزال تَظُنُّ أَنَّكَ مُنتَصِر لِأَنَّني وزَوجَتي لا غِنى لَنا عَن طِفلٍ نَمنَحُه حُبَّنا، فَلا بُدَّ لَكَ أَيضاً مِن الجوع والوَلاك؛ لِأَنَّ هُناكَ اثنَين يُنجِبان، وحِينَ يُنجِبان واحِداً، يَكونان قَدِ استَنفَدا طاقَتَهُما. حِينَئِذٍ سَيَكون لَهُما واحِد يَتَلَقَّى حُبَّهُما وخَيراتِهِما، ويَحمِل أَحلامَهُما إِلى أَباعِد الآفاق. ودائِماً ما سَيُنجِب الِاثنان واحِداً، وسَأَضَع هَذا المَجموع كَمَقامٍ تَحتَ عَدَد الحَياة، فَلَن يَكونَ بَعدَها كَالنُّجوم أَو رَمل البَحر، بَل كَالنَّهر الَّذي يَتَلاشى فِي جَفافٍ عَظيم. عِندَها سَتَعلَمُ مَدى عَجزِك وتَتَوَسَّل إِلَيَّ، أَنا الإِنسان، راكِعاً عَلى رُكبَتَيك المُدَمّاتَين. غَير أَنِّي سَأَكون صَلداً لا أَرحَم، كَما كُنتَ أَنت صَلداً فِي كُلِّ ساعات كَربی. ولِلَحظَةٍ واحِدَة، سَأَكونُ أَنا - الإِنسان - نِدّاً لَك، نِدّاً لِسَخائِكَ القاسِي، قَبلَ أَن تَضرِبَني بِاللَّيل البَهيم وأَنا لا أَزالُ حَيّاً - اللَّيل البَهيم فِي العَقل حَيثُ لَم يَعُد ثَمَّةَ شَيءٌ يُرجى.
وها نَحنُ هُنا نَرى صَدىً لِتِلك الحِكمَة اليونانِيَّة العَتيقَة، حِكمَة سيلينوس، الَّتي عَلَّمَتنا أَنَّ أَفضَلَ شَيءٍ هُوَ أَلّا نولَد، وأَنَّنا مَتى وُلِدنا، فَأَفضَلُ شَيءٍ هُوَ الانقِراض، وانقِطاعُ الوُجود. فيا لَكَثرَة المُنعَطَفات الَّتي سَلَكناها مُنذ عَهد التَّشاؤُم اليونانِيّ القَديم، الَّذي يَغلِب الظَّنّ أَنَّهُ وُجِد حَتَّى قَبل مِيلاد فَلسَفَة ما قَبل سُقراط. دُرنا فِي مُنعَطَفاتٍ لا حَصر لَها، كَيما نَنْتَهِيَ إِلى الخُلاصات ذاتِها حَول الحَياة. مُنعَطَفاتٌ كَثيرَة.. لَم تُفضِ إِلى شَيء!