عُطيل في العُشبِ المُبَلَّل
ضَمَّتِ الحَقيبةُ الّتي انتَشَلوها مِن العُشبِ المُبَلَّلِ بِقُربِ «فيلبلفان» ثَلاثَةَ أشياء: مَخطوطاً لَطَّخَتهُ الأمطار، يَقَعُ في نَحوِ مِئَةٍ وأربَعينَ صَفحَةً مَكتوبَةً بِخَطِّ اليَد، يَروي حِكايَةَ صَبيٍّ نَشَأَ فقيراً في الجَزائر، ونُسخَةً مِن مَسرَحيَّةِ «عُطيل» لِشِكسبير، ومُجَلَّداً لِـ«نيتشه». لَم يَطلُب أحَدٌ جَرداً بِتِلكَ المُحتَوَيات، غَيرَ أنَّ المُصادَفَةَ شاءَت أن تَكونَ في الحَقيبَةِ حينَ زاغَتِ السَّيّارَةُ عَنِ الطَّريق، وشاءَت أَيضاً أن تَكونَ أنفَعَ حَقيقَةٍ أُخبِرتُ بِها عَنكَ قَطّ.
ولَطالَما أسرَرتَ إلى صِحابِكَ، مَرَّةً تِلوَ الأُخرى، أنَّهُ لا شَيءَ في نَظَرِكَ أشَدُّ عَبَثيَّةً مِن أن يَلقى المَرءُ حَتفَهُ في حادِثِ سَيَّارَة. وقَد دَوَّنَ «تود» هَذِهِ العِبارَةَ بِحَرفيَّتِها تَقريباً؛ قائِلاً إنَّ الفَجيعَةَ تَليقُ بِمَوتِ طِفل، أمّا العَبَثيَّةُ فَتَليقُ بِمَوتِ رَجُلٍ في سَيّارَة. ثُمَّ انفَجَرَ إطار، أو تَعَطَّلَ مِحوَرُ عَجَلَة، عَلى طَريقٍ زَلِقٍ خارِجَ قَريَةٍ لَم يَكُن لِاسمِها أيُّ مَعنىً عِندَك، حَتّى جاءَت تِلكَ الأُمسِيَةُ لِيَغدو اسمُها كُلَّ شَيء. هُناكَ فَقَدَ صَديقٌ - كانَ يَهوى القِيادَةَ الرَّعناء - السَّيطَرَةَ عَلى سَيّارَةٍ كُنتَ تَأبى رُكوبَها أصلًا؛ إذ كُنتَ قَدِ ابتَعتَ تَذكَرَةَ قِطارٍ لَم تَستَخدِمها قَطّ. صَبيحَةَ الغَد، نَشَرَت جَريدَةُ «باريس بريس» الخَبَرَ تَحتَ عُنوانٍ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ مَكتوبَةٍ بِحُروفٍ بارِزَة، دونَ أيِّ تَوضيحٍ، لِانتِفاءِ الحاجَةِ إلَيه: «عَبَث». إنَّها مُفرَدَتُكَ ذاتُها، ارتَدَّت إلَيكَ بِقَلَمِ مُحَرِّرٍ صَحَفيّ، لَعَلَّهُ حَتّى لَم يُكمِل قِراءَةَ «أُسطورَة سيزيف».
أوَدُّ أن أستَهِلَّ حَديثي مِن هُنا؛ لِكَونِهِ الجُزءَ الأَوحَدَ مِن سيرَتِكَ الّذي اتَّفَقَ عَلَيهِ الجَميع. أمّا كُلُّ ما خَلا ذَلِك - سَواءٌ أكُنتَ مُفَكِّراً رَصيناً أم أديباً مُتَأنِّقاً يَرتَدي عَباءَةَ المُفَكِّرين، وسَواءٌ أكانَ «المُتَمَرِّد» فَلسَفَةً حَقَّةً أم مَقالَةً صَحَفيَّةً مُطَوَّلَةً ومُتَكَلَّفَة، وسَواءٌ أحَطَّمَتكَ حاشيَةُ «سارتر» عَن مَبدَأ عَقائِديٍّ أم عَن ضَغينَةٍ صِبيانيَّةٍ حَولَ مَن يَحِقُّ لَهُ التَّصَدُّرُ في مَجلِسِ المُثَقَّفين - كُلُّ هَذا وما سِواهُ مَحَلُّ جِدالٍ صاخِبٍ بَينَ قَومٍ مِن ذَوي الشَّأنِ في كِلا الخَصمَين. أمّا الحادِثَة، فَقَد وَقَعَت وكَفى. إنَّها لا تَأبَهُ لِما قَد يَستَنتِجُهُ أيُّ امرِئٍ عَن رَصانَتِك، وتَربَعُ هُناكَ في صَميمِ حَياتِكَ كَحَقيقَةٍ تَأبى أن تَستَحيلَ إلى جِدال، ولَعَلَّ ذَلِكَ أقرَبُ ما كَتَبَهُ مَوتُكَ الفِعليُّ مِن فَلسَفَتِكَ الخاصَّة.
وإلَيكَ تُهمَتَكَ مَعروضَةً في صَراحَة، تَماماً كَما كُنتَ لِتَبتَغيها عِوَضاً عَن دَسِّها بَينَ طَيّاتِ التَّلميح: ما كُنتَ يَوماً الفَيلَسوفَ الفَذَّ الّذي اقتَضَتهُ شُهرَتُك. طَفَت شُهرَتُكَ قَبلَ أفكارِك، وما بَرِحَت تَسبِقُها مُنذُ نَيِّفٍ وسِتّينَ عاماً، ساحِبَةً خَلفَها حُجَجَكَ الفِعليَّةَ كَشَيءٍ مَربوطٍ بِمُؤَخِّرَةِ مَركَبَة.
قَبلَ الحادِثِ بِثَلاثِ سَنَوات، مَنَحوكَ جائِزَةَ نوبل. كُنتَ في الثّالِثَةِ والأربَعين، وثاني أصغَرِ فائِزٍ تَختارُهُ لَجنَةُ الأَدَبِ قَطّ. ولَم يَبلُغكَ الخَبَرُ مِن «ستوكهولم»، لِتَسمَعَهُ مِن نادِلٍ في مَطعَمٍ بِالضِّفَّةِ اليُسرى، اقتَنَصَ الإعلانَ مِن مِذياعٍ قابِعٍ خَلفَ المِنَصَّةِ وجاءَ لِيُزُفَّهُ إلَيك. وبِحَسَبِ كُلِّ الرِّواياتِ الّتي وَصَلَتنا، لَم تَتَهَلَّل أساريرُ وَجهِكَ كَما يَنبَغي لِوَجهٍ أن يَفعَلَ إزاءَ نَبَأٍ كَهَذا، فَأسنَدتَ رَأسَكَ بَينَ يَدَيك. وما نَطَقتَ بِه، مَهما كانَتِ العِبارات، قَد شَفَّ عَن شُعورٍ بِالخَرابِ عِوَضاً عَنِ التَّتويج؛ شُعورِ رَجُلٍ وُضِعَت في يَدِهِ الغايَةُ الّتي نَذَرَ لَها مَسيرَتَهُ بِرُمَّتِها، فَتَجَرَّعَها كَما لَو كانَت بَتراً يَنالُ مِن أطرافِهِ عِوَضاً عَن كَونِها وُصولاً آمِناً لِلغايَة.
لا أظُنُّ رَدَّةَ فِعلِكَ تِلكَ كانَت تَواضُعاً؛ أراها أقرَبَ إلى إدراكِ الحَقيقَة. لَقَد كُنتَ تُعاني، بِاعتِرافِكَ أنت، انتِكاسَةً لِمَرَضِ السِّلِّ الّذي طارَدَكَ مُنذُ صِباك، وحُبسَةَ كاتِبٍ شَديدَةً بَلَغَت مَبلَغاً أرعَبَك، وارتِياباً عَميقاً - مِن ذَلِكَ النَّوعِ الّذي لا يُعلِنُ عَن نَفسِهِ ويَظَلُّ قابِعاً في الصَّدر - بِأنَّ الجائِزَةَ قَد مُنِحَت لِمُنجَزٍ أتمَمتَهُ وطَوَيتَ صَفحَتَه، وبِأنَّها نَعيٌ مُتَدَثِّرٌ بِوِسام. أشادَت بِكَ لَجنَةُ نوبل لِتَسليطِكَ الضَّوءَ، بِرَصانَةٍ نافِذَة، عَلَى مُشكِلاتِ الوَعيِ الإنسانيِّ في عَصرِك. فَمَضَيتَ إلَى «ستوكهولم» لِتَتَعَرَّضَ لِهَجمَةٍ شَرِسَةٍ مِنَ الطُّلّابِ السُّوَيديّينَ لِصَمتِكَ عَن قَضيَّةِ الجَزائِر، واكتَشَفتَ مُقابَلَةً مُخْتَلَقَةً نُشِرَت بِاسمِكَ في الصَّحافَةِ المَحَلّيَّة، لِتَعودَ إلَى دِيارِكَ أشَدَّ رُعباً مِن نَفسِكَ مِمّا كانَ يَنبَغي لِمَراسيمِ الاحتِفالِ أن تُخَلِّفَهُ في نَفسِ أيِّ امرِئ. تَأبى هَذِهِ الحَياةُ أن تَكونَ سيرَةَ رَجُلٍ واثِقٍ بِعُمقِ ما شَيَّد، وتَكشِفُ في طَيّاتِها عَن رَجُلٍ راوَدَهُ الشَّكُّ - وقَد صَدَقَ حَدسُهُ كَما تَبَيَّنَ لاحِقاً - في أنَّهُ كوفِئَ عَلَى أُسلوبِهِ قَبلَ أن يُتِمَّ أحَدٌ فَحصَ البُنيانِ القابِعِ تَحتَه.
وقَد تَمَّ ذَلِكَ الفَحصُ قَبلَ الجائِزَةِ بِثَماني سَنَوات، ولَم يَكُن يَسيراً أو رَقيقاً. فَفي عام ١٩٥١، نَشَرتَ كِتابَ «الإنسان المُتَمَرِّد»، وهُوَ مُحاوَلَتُكَ المُستَفيضَةُ الوَحيدَةُ لِصياغَةِ ما يُشبِهُ فَلسَفَةً مَنهَجيَّة؛ نِقاشٌ حَولَ التَّمَرُّد، وحَولَ النُّقطَةِ الّتي يَتَحَوَّلُ عِندَها العِصيانُ المَشروعُ ضِدَّ الظُّلمِ إلى مَذابِحَ تاريخيَّةٍ تَنضَحُ بِدِماءِ المِقْصَلَةِ والـ«جولاج»، مُوَجِّهاً سِهامَكَ نَحوَ اليَسارِ الماركسيِّ الّذي كُنتَ تَصطَفُّ مَعَهُ يَوماً. حَبَسَت مَجَلَّةُ «سارتر» الكِتابَ ثَمانيَةَ أشهُر، ثُمَّ أوكَلَت مُراجَعَتَهُ إلَى «فرانسيس جانسون» - وهُوَ مُحَرِّرٌ مُبتَدِئ - عِوَضاً عَن «سارتر» نَفسِه، وكانَ في ذَلِكَ رِسالَةٌ مُبَطَّنَةٌ قَبلَ قِراءَةِ حَرفٍ واحِدٍ مِنَ المَقال. تَجاوَزَ «جانسون» وَصفَ الكِتابِ بِالخَطَأ، إلَى ما هُوَ أدهى وأمَرُّ لِرَجُلٍ يَبتَغي أن يُؤخَذَ عَلَى مَحمَلِ الجِدِّ كَمُفَكِّر؛ إذ وَصَفَ الفِكرَةَ بِالوَهَنِ والتَّناقُض، والمَسعى بِرُمَّتِهِ بِأنَّهُ ضَربٌ مِن شِبهِ الفَلسَفَة، مُتَدَثِّرٌ بِسُلطَةٍ مُستَعارَةٍ لِصِنفٍ أدَبيٍّ لَم تَكتَسِب أهليَّتَهُ الفِعليَّةَ بَعد.
فَرَدَدتَ بِكِتابَةٍ خَلَت مِن ذِكرِ «سارتر» بِاسمِه، مُخاطِباً إيّاهُ بِـ«سَيِّدي المُدير»؛ وهِيَ أجمَدُ صِيغَةٍ مُمكِنَةٍ لِلتَّخاطُبِ بَينَ رَجُلَينِ كانا صَديقَينِ حَميمَينِ حينَ يَتَساجَلانِ عَلَى صَفَحاتِ الجَرائِد. فَأجابَكَ «سارتر» بِما أشبَهَ تَشريحاً لِجُثَّةٍ عِوَضاً عَن كَونِهِ رَدّاً وتَفنيداً. لَم تَنجُ صَداقَتُكُما مِن تِلكَ الواقِعَة، وكَذَلِكَ تَبَدَّدَت في بَعضِ المَحافِلِ مَكانَتُكَ كَفَيلَسوف، لِتُختَزَلَ في صورَةِ رِوائيٍّ يَتَفَلسَفُ بَينَ الفَينَةِ والأُخرى.
وما يُعَقِّدُ هَذا الاتِّهامَ قَبلَ أن أترُكَهُ قائِماً بِذاتِه هُوَ الآتي: كانَ «جانسون» خِرِّيجَ مَدرَسَةِ المُعَلِّمينَ العُليا، وحائِزاً عَلَى شَهادَةِ التَّبريز (Agrégé)، وقَد تَلَقَّى تَكويناً رَسميَّاً داخِلَ الآلَةِ الّتي تَصنَعُ فَلاسِفَةَ فَرَنسَا، وكَذَلِكَ كانَ «سارتر». أمّا أنتَ، فَكُنتَ يَتيماً مِن «الأقدامِ السَّوداء»، رَبَّتكَ أُمٌّ أُمّيَّةٌ ثَقيلَةُ السَّمع، وعَصاميَّاً شَقَّ طَريقَهُ بِمِنحَةٍ في المَدرَسَةِ الثّانَويَّة، وبِشَهادَةٍ في الفَلسَفَةِ مِن «الجَزائِر»، نَظَرَت إلَيها حاشيَةُ «باريس» المُتَنَفِّذَةُ - وعَن حَقٍّ - كَشَهادَةٍ إقليميَّةٍ بَعيدَةٍ عَنِ الاعتِمادِ الرَّسميِّ الأصيل. لَقَد نَبَعَت تُهمَةُ «شِبهِ الفَلسَفَة» مِن رَحِمِ الطَّبَقيَّةِ الأكاديميَّةِ بِقَدرِ ما نَبَعَت مِن صَميمِ النِّقاشِ الفِكريّ. ومِنَ العَسيرِ حَقّاً، بَعدَ مُرورِ سَبعينَ عاماً، أن نَفرِزَ مِقدارَ ما كانَ يَنصَبُّ مِن ذَلِكَ الحُكمِ عَلَى جَودَةِ أفكارِك، ومِقدارَ ما كانَ يَنصَبُّ عَلَى أحَقيَّةِ حَملِ لَقَبِ «فَيلَسوف» دونَ أن تَتَعالَى تَأَفُّفاتُ خِرّيجي الجامِعاتِ الرَّسميَّةِ وازدِراؤُهُم. وأنتَ بِدورِكَ لَم تَدَّعِ هَذا اللّقَبَ يَوماً، فَعِندَما سُئِلتَ مُباشَرَةً، أكثَرَ مِن مَرَّة، نَفَيتَ عَن نَفسِكَ صِفَةَ الفَيلَسوف، ووَصَفتَ نَفسَكَ - رُبَّما - بِالكاتِب، أوِ بِالمَرءِ الّذي يُحاوِلُ أن يَصِفَ شُعورَ الحَياةِ داخِلَ سِجالٍ فِكريٍّ، عِوَضاً عَنِ المَرءِ الّذي يُشَيِّدُ بُنيانَ ذَلِكَ السِّجال. غَيرَ أنَّ الباريسيّينَ تَلَقَّفوا ذَلِكَ التَّواضُعَ واتَّخَذوهُ اعتِرافاً ودَليلَ إدانَة.
لَم يَكُن لِأيِّ شَيءٍ مِن هَذا مُنفَرِداً أن يُخْلِدَ ذِكراكَ بِالصّورَةِ الّتي تَحيا بِها اليَوم؛ إذ تُقتَبَسُ أقوالُك، وتُحَرَّف، وتُطبَعُ عَلَى حَقائِبِ التَّسَوُّق، وتَظَلُّ بَعدَ قَرابَةِ سَبعينَ عاماً عَلَى رَحيلِكَ أشَدَّ رُسوخاً في ذِهنِ شابٍّ في التّاسِعَةِ عَشَرَةَ مِن «جانسون» أو «سارتر» أو طاقَمِ مَجَلَّةِ «الأزمِنَة الحَديثَة» بِأكمَلِهِم. ذَلِكَ الخُلودُ يَستَمِدُّ نَبضَهُ مِن عِبارَةٍ وَحيدَةٍ لَم تَخُطَّها يَداكَ قَطّ.
«هَل أنتَحِرُ، أم أحتَسي كوباً مِنَ القَهوَة؟» ... تَتَداوَلُ الألسُنُ هَذِهِ العِبارَةَ كَما لَو كانَت مَنقوشَةً في صَميمِ «أُسطورَة سيزيف»، مَعَ أنَّها غائِبَةٌ تَماماً؛ فَهِيَ لا توجَدُ في أيٍّ مِن أعمالِكَ المَنشورَة، بِأيِّ لُغَة، وفي أيِّ طَبعَةٍ أفلَحَ أيُّ امرِئٍ في العُثورِ عَلَيها. لَقَد بَحَثَ باحِثٌ مُختَصٌّ في الفَلسَفَةِ عَن مَصدَرِها، مُتَقَصِّياً مَقالاتِكَ واحِدَةً تِلوَ الأُخرى، فَعادَ خالي الوِفاض، مُتَتَبِّعاً أقدَمَ ظُهورٍ مُوَثَّقٍ لَها إلَى كِتابِ عالِمِ نَفسٍ أمريكيٍّ صَدَرَ عامَ ٢٠٠٤ يَتَناوَلُ سُلوكيّاتِ اتِّخاذِ القَرارِ لَدَى المُستَهلِك. نَسَبَ الكاتِبُ العِبارَةَ إلَيكَ دونَ الإحالَةِ إلَى رَقمِ صَفحَةٍ واحِدَة، لِانعِدامِ وُجودِ صَفحَةٍ يُحيلُ إلَيها. أمّا مَوقِعُ «غودريدز»، الّذي يُعَدُّ بِمَنزِلَةِ كِتابٍ مُقَدَّسٍ لِمَن لَم يَفتَحوا دَفَّتَيِ الكِتابِ قَطّ، فَيُدرِجُها ضِمنَ رِوايَتِكَ الأُولَى «المَوتُ السَّعيد» المَنشورَةِ بَعدَ رَحيلِك، دونَ أيِّ تَوثيق؛ وهُوَ النَّوعُ مِنَ العَزوِ الّذي يَنشَأُ عَن تَردادِ النّاسِ لِمَقولَةٍ ما حَتّى تَكتَسِبَ مَظهَرَ المَوثوقيَّة، بِذاتِ الآليَّةِ الّتي تَتَحَوَّلُ بِها الإشاعَةُ إلَى سيرَةٍ ذاتيَّةٍ إن لَم يَتَصَدَّ لَها أحَدٌ في الوَقتِ المُناسِب.
لا أنفَكُّ أُقَلِّبُ هَذِهِ العِبارَةَ في ذِهني؛ لِأنَّها تَفوقُ في سَبكِها جُلَّ ما كَتَبتَهُ فِعليَّاً لِجُمُهورِ القُرّاء، وأحسَبُ أنَّ تِلكَ الحَقيقَةَ هِيَ الدَّليلُ الدّامِغُ عَلَى تَواضُعِ مَوهِبَتِك، بِقُوَّةٍ تَفوقُ كُلَّ ما جاءَ في مُراجَعَةِ «جانسون». إنَّها عِبارَةٌ مُكَثَّفَة، وساخِرَة، وقابِلَةٌ لِلاقتِباسِ في نَفَسٍ واحِد، ومَصنوعَةٌ لِشاشاتِ العَرضِ عِوَضاً عَن صَفَحاتِ الكُتُب؛ إذ توجِزُ في بِضعِ كَلِماتٍ ما استَغرَقَ مِن كِتابِ «أُسطورَة سيزيف» تِسعينَ صَفحَةً مِنَ الحُجَجِ الحَذِرَةِ - والمُكَرَّرَةِ أحياناً - لِإثباتِه. وتُؤَدّي الغَرَضَ بِبَراعَةٍ أوفى، إذا ما قِسنا البَراعَةَ بِقُدرَتِها عَلَى الانتِشار، وجاهِزيَّتِها لِتُوشَمَ عَلَى الأجساد، وقُدرَتِها عَلَى الصُّمودِ في وَجهِ انتِباهِ مُراهِقٍ في الحاديَةَ عَشَرَةَ لَيلاً. هُناكَ شَخصٌ آخَرُ – غَيرُكَ - صاغَ جُملَةً «كامويَّةً» أفضَلَ مِمّا أبدَعتَهُ أنت، فالتَصَقَت بِاسمِك؛ لِأنَّ طَبيعَةَ اسمِكَ كانَت مُهَيَّأةً لِتَلَقّي هَذا النَّوعِ مِنَ العِبارات: ذَلِكَ المِزاجيُّ، الفَرَنسيُّ، الّذي رَحَلَ شابّاً، وصاحِبُ الوَجهِ السّاحِرِ في كُلِّ الصُّوَرِ الباقيَة، الوَجهِ المَصنوعِ لِيُزَيِّنَ الغِلافَ الخَلفيَّ قَبلَ أن تَختَمِرَ الأفكارُ القابِعَةُ خَلفَه. لَم تُخطِئِ الأُسطورَةُ في قِراءَتِك، وقَرَأتكَ بِالضَّبطِ كَما سَهَّلتَ أنتَ عَلَى الآخَرينَ قِراءَتَك.
أمّا حُجَّتُكَ الفِعليَّة، تِلكَ الّتي خَطَطْتَها وأرَدتَها، فَتَقولُ نَقيضَ ما يُلَمِّحُ إلَيهِ كوبُ القَهوَة. لَقَد زَعَمتَ في مُستَهَلِّ «أُسطورَة سيزيف» أنَّ ثَمَّةَ سُؤالاً فَلسَفيَّاً واحِداً جادَّاً بِحَقّ، ألا وهُوَ: هَل تَستَحِقُّ الحَياةُ أن تُعاش؟ وما دونَ ذَلِكَ - كَما قُلتَ - أمرٌ ثانَويٌّ وزُخرُفٌ يُحيطُ بِذَلِكَ السُّؤالِ الأوحَدِ ذي الشَّأن. وجاءَت إجابَتُكَ، الّتي بَسَطتَها عَبرَ المَقالَةِ بِرُمَّتِها، خاليَةً مِن أيِّ لامُبالاةٍ إزاءَ القَهوَة، ومُتَجَلّيَةً في رَفضٍ قاطِعٍ لِلانسِحاب. فَقَد حاجَجتَ بِأنَّ الانتِحارَ ضَربٌ مِنَ الاستِسلامِ الفَلسَفيّ، ووَسيلَةٌ لِحَلِّ إشكاليَّةِ العَبَثِ عَبْرَ إلغاءِ أحَدِ طَرَفَيِ المُعادَلَة، عِوَضاً عَنِ العَيشِ في صَميمِ احتِكاكِها؛ وهُوَ ذاتُ المَأخَذِ البُنيَويِّ الّذي وَجَّهتَهُ نَحوَ الإيمانِ الدّينيّ، الّذي يَحُلُّ العَبَثَ بِاختِلاقِ مَعنىً لا يَحِقُّ لِأحَدٍ اختِلاقُه. وكانَتِ الاستِجابَةُ الصّادِقَة، والوَحيدَةُ الّتي وَجَدتَ فيها شَيئاً مِنَ الاحتِرام، تَكمُنُ في مُواصَلَةِ دَفعِ الصَّخرَةِ دونَ التَّوَهُّمِ بِأنَّها سَتَستَقِرُّ يَوماً في القِمَّة، وفي إيجادِ شَيءٍ يُشبِهُ الامتِلاءَ في ذَلِكَ الرَّفض، عِوَضاً عَنِ الرُّكونِ إلَى اليَأس. «يَجِبُ أن نَتَخَيَّلَ سيزيف سَعيداً»؛ تِلكَ هِيَ الجُملَةُ الخِتاميَّةُ الفِعليَّة، خَمسُ كَلِماتٍ تُؤَدّي كُلٌّ مِنها عَكسَ صَنيعِ الجُملَةِ المُزَيَّفَة.
ولِتِلكَ العِبارَةِ الحَقيقيَّةِ حَياتُها الثّانيَةُ الآنَ أيضاً؛ مَطبوعَةً عَلَى ذاتِ الحَقائِب، بِجِوارِ ذاتِ أكوابِ القَهوَة، ومُشتَراةً مِن قِبَلِ أُناسٍ تَشَرَّبوا العاطِفَةَ دونَ أن يَتَجَشَّموا عَناءَ قِراءَةِ الصَّفَحاتِ التِّسعينَ الّتي تَجعَلُ تِلكَ العاطِفَةَ مُستَحَقَّةً لا مُجَرَّدَ زُخرُف. هَكَذا، أساءَ قُرّاؤُكَ فَهمَكَ مَرَّتَين، وفي اتِّجاهَينِ مُتَعارِضَين: مَرَّةً عَبْرَ اختِلاقٍ مَحضٍ مَنَحَكَ عِبارَةً عَدَميَّةً لَم تَفُه بِها، ومَرَّةً عَبْرَ انتِزاعِ خِتامِكَ الصّادِقِ مِن سياقِهِ لِيَصبّوهُ في قالَبِ الاختِزالِ العَدَميِّ ذاتِهِ الّذي توحي بِهِ العِبارَةُ المُزَيَّفَة، كَما لَو كانَ الشُّعورُ بِـ«السَّعادَةِ والتَّحَدّي» مُرادِفاً لِقَولِ: «لا بَأس، مَهما يَكُن، فَهُناكَ قَهوَةٌ عَلَى أيِّ حال». يَلتَقي الاختِلاقُ وسوءُ فَهمِ الحَقيقَةِ في مَصَبٍّ واحِد، مِمّا يُوحي بِأنَّ المُعضِلَةَ لَم تَكُن قَطُّ في أيِّ العِبارَتَينِ هِيَ الأصيلَة؛ فَكِلا الجُمهورَينِ كانَ يَبتَغي الشَّيءَ ذاتَه: لامُبالاةً مُتَدَثِّرَةً بِثَوبِ الفَلسَفَة، ورُخصَةً لِليَأسِ بِلَكنَةٍ فَرَنسيَّة. ولَم يَكُن لِحُجَّتِكَ الفِعليَّة، المَبنيَّةِ لِمُناهَضَةِ تِلكَ اللّامُبالاةِ تَحديداً، أن تَصمُدَ في وَجهِ جُمهورٍ حَسَمَ أمرَهُ سَلَفاً حِيالَ ما جاءَ يَلتَمِسُه.
وما زِلتُ أجهَلُ إن كانَ هَذا يَجعَلُكَ مُتَواضِعَ المَوهِبَة،
أم مُجَرَّدَ رَجُلٍ أُفرِدَ دونَ حِمايَة. فَالمُفَكِّرُ الّذي يُعكَسُ مَغزى حُجَّتِهِ
الأَصيلَةِ عَلَى يَدِ مُريديه، مَرَّتَين، مُستَخدِمينَ كَلِماتِهِ المُزَيَّفَةَ
والأصيلَةَ عَلَى حَدٍّ سَواء، قَد يَكونُ فَيَلسوفاً ثانَويَّاً حالَفَهُ الحَظُّ
بِصُوَرِهِ الشَّخصيَّة؛ وقَد يَكونُ مُفَكِّراً جادَّاً شاءَتِ الأقدارُ أن يَكتُبَ
بِأُسلوبٍ جَليٍّ ومَأثور، مَبنيٍّ لِيَخدِمَ الجُملَةَ عِوَضاً عَنِ القِياسِ المَنطِقيّ،
مِمّا يَجعَلُهُ عُرضَةً لِلاقتِطاعِ والتَّفكيكِ بِسُهولَةٍ نادِرَة. فَالوضوحُ ذاتُهُ
الّذي سَمَحَ لِحاشيَةِ «جانسون» بِازدِرائِكَ كَأديبٍ يُعوِزُهُ الصَّرامَة، هُوَ
عُصارَةُ الوُضوحِ الّذي جَعَلَ عِبارَةً مُزَيَّفَةً حَولَ القَهوَةِ تَتَسَلَّلُ
إلَى فَمِكَ دونَ أن يَرصُدَها أحَدٌ لِعِشرينَ عاماً. إنَّ السِّماتِ الّتي جَعَلَتكَ
عُرضَةً لِتُهمَةِ «شِبهِ الفَلسَفَة» عامَ ١٩٥٢، هِيَ ذاتُها الّتي تُبقي كَلِماتِكَ
قابِلَةً لِلاقتِباسِ بِطَريقَةٍ لَن يَحظى بِها «هايدغر» قَطّ. وأعجِزُ عَن رُؤيَةِ
الخَيطِ الفاصِلِ الّذي تَتَحَوَّلُ عِندَهُ سُهولَةُ إساءَةِ الفَهمِ مِن خَلَلٍ في
التَّفكيرِ إلَى خَلَلٍ في القُرّاء، أو إن كانَ لِهَذا الخَيطِ وُجودٌ في أيِّ مَكان،
ولِأيِّ شَخص، في التّاريخِ بِرُمَّتِهِ لِعِبارَةٍ عَمَّرَت طَويلاً بَعدَ رَحيلِ
كاتِبِها.
أمّا المَخطوطُ الّذي كانَ قابِعاً في الحَقيبَة، والّذي يَروي حِكايَةَ الطُّفولَةِ الجَزائِريَّة، فَقَد جَفَّ بِما يَكفي لِتَقومَ ابنَتُكَ بِنَسخِهِ بَعدَ أربَعٍ وثَلاثينَ سَنَة، بِكُلِّ ما عَلِقَ بِهِ مِن بُقَعِ الطّين، لِيُصبِحَ الكِتابَ الّذي يَعُدُّهُ اليَومَ عِدَّةُ نُقّادٍ جادّينَ أفضَلَ أعمالِك؛ ذَلِكَ الكِتابُ الّذي لَم يُمَهلَكَ القَدَرُ لِتُنهيَ تَنقيحَهُ وتَصوغَهُ في القالَبِ النِّهائيِّ الّذي كانَ مِن شَأنِهِ أن يَحسِمَ بَعضَ هَذا الجِدال. وأمّا «عُطيل» و«نيتشه»، فَقَد عادا إلَى مَكتَبَةِ أحَدِهِم، دونَ التِفاتٍ أو تَعليق، ولَم يَصنَعا في تِلكَ الأُمسِيَةِ سِوى الرُّقودِ في حَقلٍ مُبَلَّلٍ بِجِوارِ رَجُلٍ يُحْتَضَر، غَيرَ مُقَدِّمَينِ أيَّ دَليلٍ عَلَى أيِّ شَيءٍ سِوى أنَّكَ كُنتَ تَحمِلُهُما. وهُوَ أمرٌ قَرَّرَ دارِسوكَ أنَّ لَهُ دَلالَةً عَميقَة، بَينَما قَد لا يَعني في نِهايَةِ المَطافِ سِوى أنَّ رَجُلاً حَزَمَ حَقيبَتَهُ لِرِحلَةٍ طَويلَةٍ بِالسَّيّارَة، فَتَناوَلَ ما وَقَعَت عَلَيهِ يَداهُ مِنَ الرَّفّ.