نَنزِلُ إِلى الجَحيمِ لِنَرتَقِي
أوَدُّ أن أستَهِلَّ المَقالَ بِصياغَةِ «كانط» لِمَوقِفٍ حَرِج، يَكشِفُ جَلِيّاً كَيفَ أنّ المَساعِيَ الّتي يَحُثُّ عَلَيها العُلَماءُ لِتَقريبِ النّاسِ بَعضِهِم مِن بَعضٍ في أُخُوَّةٍ ومَوَدَّة، قَلَّما تُؤتي ثِمارَها المَرجُوَّة:
يَسأَلُ مُؤَلِّفٌ أحَدَ قُرّائِهِ: كَيفَ وَجَدتَ كِتابي؟ قَد يُجابُ عَن ذَلِكَ بِرَدٍّ مُمَوِّهٍ يَسخَرُ مِمّا في هَذا السُّؤالِ مِن إِحراج، وإنَّما مَن ذا الّذي يَحضُرُهُ الجَوابُ اللَّبِقُ الذَّكِيُّ عَلى الدَّوام؟ فَأَدنى تَرَدُّدٍ في الإِجابَةِ غَضاضَةٌ عَلى المُؤَلِّف، فَهَل يَسَعُ القارِئَ أن يُفصِحَ لَهُ عَمّا في قَلبِه؟
يُومِئُ هَذا النَّصُّ إِلى أنّ سُرعَةَ البَديهَةِ (أوِ الكَلِمَةَ اللَّبِقَة)، الرَّفيقَةَ بِالطَّبيعَةِ البَشَرِيَّة، تَكونُ في كَثيرٍ مِنَ الأحيانِ خَيرَ قَرينٍ مِنَ الصَّراحَةِ الّتي لا تَزيدُ المُخاطَبَ إلّا جَرحاً وتَأذِّياً. وتَزخَرُ مُراسَلاتُ «كانط» بِأمثِلَةٍ يَلتَمِسُ فيها صاحِبُنا العُذرَ عَن أفعالٍ مِن شَأنِها أن تُثيرَ حَنَقَ الآخَرينَ بِحَقّ. ومِن ذَلِك: التَّأَخُّرُ في تَسليمِ النُّصوصِ المَوعودِ بِها لِلنّاشِرين، والإِبطاءُ في الرَّدِّ عَلى المُكاتِبين، إِذ تَفرِضُ حِسبَةُ الأَولَوِيّاتِ تَكريسَ وَقتٍ أطوَلَ لِلعَمَلِ الأكاديمِيّ... وفي جَميعِ هَذِهِ الحالات، تَتَجَلّى الذّاتُ المُتَكَلِّمَةُ أمامَ الآخَرِ ذَاتاً زَلِقَةً ضَعيفَةً مَليئَةً بِالنَّقائِص، غَيرَ أنّها تُدرِكُ تَمامَ الإِدراكِ ما يَنتَظِرُها مِن مَهامَّ يَنبَغي لَها الِاضطِلاعُ بِها لِتَبلُغَ مَأرَبَها في النَّجاحِ بِوَصفِها ذاتاً أخلاقِيَّة، أي بِوَصفِها شَخصاً قائِماً بِذاتِه. ولَئِن كانَت صورَةُ «كانط» ذَلِكَ الفارِسِ المُنافِحِ عَنِ الصَّرامَةِ الأَخلاقِيَّةِ ذائِعَةً مَشهورَة، فَإِنّ مُلاحَظاتِهِ حَولَ وُجوبِ تَربِيَةِ النَّشءِ عَلى قَواعِدِ الأدَبِ والمُجامَلَةِ تَظَلُّ واضِحَةً بَعضَ الشَّيءِ لَدَى الشُّرّاح. علاوَةً عَلى ذَلِك، يُقِرُّ الرَّجُلُ بِأنّ تَذييلَ المَرءِ رِسالَتَهُ بِعِبارَةِ «خادِمُكُمُ المُطيع» فِعلٌ لا تَثريبَ عَلَيه، إِذْ لا يُخادِعُ بِهِ أحَداً؛ ومِنَ المَعلومِ أنّ الحِسَّ المُشتَرَكَ هُوَ السَّائِدُ أبَداً في المُجتَمَع.
ومَن كانَ خِلواً مِنَ الفَضيلَةِ الحَقَّة، جازَ لَهُ أن يَتَّخِذَ مِن مُحاكاتِهِ لِلسُّلوكِ الأخلاقِيِّ تَمهيداً جَمالِيّاً يُيَسِّرُ لَهُ التَّخَلُّقَ بِهَيئَةِ الفِعلِ الأخلاقِيّ. وهَذِهِ الإِمكانِيَّةُ تُسوِّغُ عَدَّ أطوارٍ، مِثلَ اللُّطفِ وحُسنِ المُعاشَرَة، مُتَمِّماتٍ بَشَرِيَّةً لِلأَخلاق، تُدني النّاسَ مِنَ الفَضيلَةِ مِن جِهَةِ الظّاهِر، رَيثَما تَقَعُ ثَورَةُ القَلبِ المَنشودَةُ والضَّرورِيَّةُ في بَواطِنِهِم.
وأَرومُ في هَذِهِ المُداخَلَةِ تَحليلَ وتَحديدَ الإِسهامِ الّذي يُقَدِّمُهُ المَظهَرُ الحَسَنُ لِلفَضيلَةِ - وهوَ مَظهَرٌ يُمكِنُ رَدُّ أشكالِهِ المُتَعَدِّدَةِ إِلى الِاسمِ الجامِعِ (اللِّياقَة) - في مَسارِ التَّمَدُّن، وكَذَلِكَ في التَّهذيبِ الأَخلاقِيِّ المُتَدَرِّجِ لِلجِنسِ البَشَرِيّ، وِفقاً لِمَنظورِ «كانط» لِلأنثروبولوجيا الأخلاقِيَّة. وسَيَنتَظِمُ حِجاجي في ثَلاثَةِ أقسام: أوّلاً، سَأقِفُ عِندَ الفَضائِلِ المَوسومَةِ بِالتَّواصُلِيَّةِ في كِتابِ «ميتافيزيقا الأخلاق»، وأَعني بِها: طَلاقَةَ اللِّسان، والمُجامَلَة، وإِكرامَ الضَّيف، والسَّماحَة؛ وهِيَ بِمَثابَةِ عُملَةٍ زَهيدَةٍ إذا ما قُورِنَت بِالفَضيلَةِ الخالِصَة، إلّا أنّها تَدخُلُ في بابِ الإِيهامِ البَصَرِيِّ الّذي يَتَعَيَّنُ عَلى الفاعِلِ العَمَلِيِّ أن يُحدِثَهُ عَلى طَبيعَتِه، بِالنَّظَرِ إِلى نَزعَتِهِ المُتَأَصِّلَةِ نَحوَ الأَنانِيَّةِ وفَسادِ دَوافِعِهِ الأَخلاقِيَّة. وإنّ لُعبَةَ التَّكَتُّمِ والإِخفاء، الّتي تَحمِلُ المَرءَ عَلى إِظهارِ نَفسِهِ في صورَةٍ أفضَلَ مِن حَقيقَتِه، لَتَفرِضُ بِمَنظورِ «كانط» عَقَبَةً نافِعَةً في وَجهِ هَذا المَيلِ الكامِنِ في الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّةِ نَحوَ إِفسادِ الأخلاق. ثانِياً، سَأُحَلِّلُ الصِّلَةَ بَينَ «مُتَمِّماتِ الفَضيلَةِ» هَذِه، المُمَثَّلَةِ في الآدابِ الِاجتِماعِيَّةِ الحَسَنَة، وبَينَ حَقيقَةٍ بَشَرِيَّةٍ لا مِراءَ فيها، أَلَا وهِيَ ضَعفُ الطَّبيعَةِ الإِنسانِيَّةِ وحاجَتُها إِلى الِاستِعانَةِ بِعَكاكيزَ جَمالِيَّةٍ لِتَعتادَ العَمَلَ وِفقَ مَبادِئَ عَمَلِيَّةٍ مَحضَة. وتُبيِّنُ هَذِهِ المُتَمِّماتُ كَيفَ أنّ «الذَّوقَ يُتيحُ، عَلى نَحوٍ ما، الِانتِقالَ مِنَ الجاذِبِيَّةِ الحِسِّيَّةِ إِلى الِاهتِمامِ الأَخلاقِيِّ المُعتادِ دونَ طَفرَةٍ عِنيفَة»، ويَحِقُّ لِهَذِهِ اللُّعبَةِ الجَميلَةِ أن تُثَمَّنَ لِذاتِها لِكَونِها تُعَوِّدُنا عَلى مِعيارِيَّةٍ اجتِماعِيَّةٍ مُواتِيَةٍ لِتَأسيسِ جَماعَةٍ أخلاقِيَّةٍ وسِياسِيَّة. وأَخيراً، سَأَسعى إِلى استِخلاصِ نَتائِجَ حَولَ حاجَةِ الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّةِ إِلى الوَسائِط، حينَ يَتَعَلَّقُ الأمرُ بِالتَّفاعُلِ والتَّواصُلِ مَعَ الآخَرين.
وفي ظَنّي، أنّ ثَناءَ «كانط» عَلى اللِّياقَةِ يَنبَغي أن يُفهَمَ ضِمنَ هَندَسَةٍ مُعَيَّنَةٍ تُعينُ الكائِنَ البَشَرِيَّ عَلى مَعرِفَةِ نَفسِهِ مَعرِفَةً أوفَى، بِحَيثُ يُمكِنُ التَّحَقُّقُ مِن صِحَّةِ مَقولَةِ «كانط» الّتي مَفادُها: «إنّ النُّزولَ إِلى الجَحيمِ المُمَثَّلِ في مَعرِفَةِ الذّاتِ هُوَ وَحدَهُ الّذي يُمَهِّدُ الطَّريقَ إِلى السُّمُوِّ وتَألُّهِ الرّوح».
إنّ الخُطوَةَ الأُولى لإِدراكِ مَعنى الطُّقوسِ المُرتَبِطَةِ بِالمُجامَلَةِ والأدَب، تَستَوجِبُ فَهْمَها عَلى أنّها فُخٌّ يُضادُّ المَنبَعَ البَشَرِيَّ لِلأَضاليلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالحَوافِزِ الأَخلاقِيَّة. وعِوَضاً عَنِ اللُّجوءِ إِلى عُنفِ الأهواءِ والغَرائِزِ الأعْمَى، تَتَوَسَّلُ اللِّياقَةُ بِالوَسائِلِ ذاتِها الّتي تَستَخدِمُها المَشاعِرُ لِتَقلِبَ مَشهَدَها الّذي يَرتَكِزُ عَلى حُبِّ الذّات. ويَبدُو «كانط» عَلى يَقينٍ تامٍّ بِشَأنِ حَتمِيَّةِ إنفاذِ هَذِهِ العَمَلِيَّةِ البَشَرِيَّة:
إنّ مُخادَعَةَ المُحتالِ القابِعِ في نُفوسِنا - وأَعني بِهِ الهَوَى - تَمَثُّلٌ، في المُقابِل، لِلعَودَةِ إِلى الِانقِيادِ لِقانُونِ الفَضيلَة؛ وما ذَلِكَ بِخِداعٍ مَذموم، وإنَّما هُوَ ضَربٌ بَرِيءٌ مِنَ التَّمويهِ عَلى أنفُسِنا.
ولْنا أن نَنتَقيَ بَعضَ الأمثِلَةِ تَعقيباً عَلى هَذا القَول. فَمِن شَأنِ الهَوَى أن يُصَوِّرَ لَنا الخُمولَ في كَثيرٍ مِنَ الأحيانِ غايَةً بَدَنِيَّةً قُصوَى وأُمنِيَةً مُبتَغاة؛ والحَقُّ أنَّهُ لا لَذَّةَ أكمَلُ مِنَ الرّاحَةِ المُعقِبَةِ لِلكَدِّ والعَمَل، وكَأنّ في طِباعِنا عِرْقاً أصيلاً مِنَ التَّعذيبِ الذّاتِيِّ يَنفُرُ مِن كُلِّ تَجَلٍّ مُطلَقٍ لِلمُتعَة. ومَعَ أنّ عُقولَنا تَظُنُّ أنّها تَطلُبُ الدَّعَةَ بِلا قَيدٍ ولا شَرط، فَإِنّ الفَخَّ يُحبِطُ هَذا الخِداعَ البَصَرِيَّ الّذي تَصنَعُهُ حَواسُّنا، عَبْرَ الإِيقاعِ بِها، بِدورِها، في شَرَكِ وَهمِها الّذي نَسَجَتْه. ويَجدُرُ التَّنبيهُ إِلى أنّ الوَهمَ (أوِ الظّاهِرَ الخالِب) لا يَنبَغي أن يُخلَطَ بِالخِداعِ الماكِرِ عِندَ «كانط». فَالخَصلَةُ الأُولى ضَرورَةٌ حَتمِيَّةٌ في المُجتَمَعِ الإِنسانِيّ، عَلى الرَّغمِ مِن وُجوبِ الحَذَرِ مِن تَشَكُّلِ الأحكامِ المُسبَقَةِ كَما يَرى «كانط»؛ في حينِ أنّ الخَصلَةَ الثّانِيَةَ تُثيرُ الحَنَقَ والِاستِياءَ في كافَّةِ تَجَلّياتِها، بِمِقدارِ ما تَدُلُّ عَلى أنّ المَرءَ قَد جَعَلَ مِنَ الشَّخصِ مُجَرَّدَ شَيءٍ مُمْتَهَن، وفي هَذا مَساسٌ بِكَرامَتِه. وتَتَبَدّى مَتانَةُ الوَهمِ وسَطوَتُهُ عِندَما نُدرِكُ، عَلى سَبيلِ المِثال، أنّنا نَمضي في إِجلالِ نائِبٍ بَرلَمانِيٍّ مَعَ عِلمِنا بِما قَد يَأتيهِ مِن أفعالٍ لاهِيَةٍ أو حَتّى مُضحِكَةٍ في قَعرِ دارِهِ وفَضائِهِ الخَاصّ. وعَلى كُلِّ حال، فَإِنّ «الحَياةَ البَشَرِيَّةَ وأَفعالَها لَعبٌ ولَهو. وأَمثالُ هَذِهِ الأوهامِ صالِحَةٌ تَجعَلُ العَيشَ هَنيئاً، فَهيَ تَروقُ لِلجَميع، ومَن رامَ انتِزاعَها فَلَن يُسدِيَ لِلبَشَرِ يَداً بَيضاء».
ومَتى ثَبَتَ أنّ مُخادَعَةَ الغاياتِ الّتي تَصوغُها حَواسُّنا بِصِفَةٍ طَبيعِيَّةٍ ماهِيَ إلّا ظاهِرَةٌ مَألوفَةٌ في الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّة، بَدا مِنَ المُناسِبِ إِضفاءُ المَشروعِيَّةِ عَلى اللُّجوءِ الشّائِعِ إِلى المَظهَرِ الأَخلاقِيّ؛ وأَعني بِذَلِكَ بَيانَ أنّها لا تُشَكِّلُ استِثنَاءً مِنَ التَّحريمِ المُطلَقِ لِلكَذِب. وفيما يَخُصُّ هَذِهَ الرِّيبَة، فَأَوَّلُ ما يَجِبُ البَوحُ بِهِ هُوَ أنّ إِيهامَ الفَضيلَةِ الكامِنَ في اللِّياقَةِ لا يَنبَغي أن يُندَرَجَ تَحتَ التَّضادِّ بَينَ الصِّدقِ والكَذِب، وإنَّما يَدخُلُ تَحتَ بابِ التَّقَابُلِ بَينَ الصَّراحَةِ (الِانفِتاح) والتَّحَفُّظِ (الكِتمان)، وهُوَ أَمْرٌ سَنَأتي عَلى بَيانِهِ بِمَزيدٍ مِنَ التَّفصيلِ لاحِقاً. يُشيرُ «كانط» إِلى هَذا التَّمييزِ حينَما يَرومُ تَبريرَ مَسلَكِهِ تُجاهَ الرَّقابَة؛ إِذ يَرُدُّ التَّحَفُّظَ إِلى قُيودٍ مَفروضَةٍ عَلى العَقلِ البَشَرِيّ، حَيثُ تَرْكُدُ دائِماً بَقِيَّةٌ مِن غُموضٍ عَصِيٍّ عَلى التَّبديد. وَحْدَهُ الإِخلاصُ النَّصوح، الّذي يَحمِلُ المَرءَ عَلى «أن يَقولَ صِدقاً كُلَّ ما يَقولُه»، يُعَدُّ واجِباً يَقينِيّاً عَلى الإِنسانِيَّة. أمّا الصَّراحَة، وهِيَ انفِتاحُ القَلبِ الّذي يَحدُو بِالمَرءِ إِلى «قَولِ كُلِّ حَقيقَةٍ يَعلَمُها»، فَلا تَحظى بِمِثلِ هَذا الثَّناء، إِذْ إنّ الجِنسَ البَشَرِيَّ غَيرُ مُهَيَّأٍ بَعدُ لِهَذا التَّجَلّي المُسفِرِ لِدَواخِلِه. فَفي بَني جِنسِنا عناصِرُ بَالِغَةُ الخُطورَةِ عَلى العَيشِ المُشتَرَك، ومِن آياتِ التَّمَدُّنِ الإِسْهامُ في كَبحِ جِماحِها وتَرويضِها بِدَهاء. وتَقومُ الرِّسالَةُ العَجيبَةُ الّتي بَعَثَ بِها «كانط» إِلى البائِسَةِ «ماريا فون هيربرت» - الّتي أَضْنَتْها هَواجِسُها الباطِنِيَّة - عَلى تَسويغِ هَذِهِ المُقاوَمَةِ في النَّفسِ البَشَرِيَّةِ بِتَعليلٍ وافٍ، حَيثُ يَقول:
إنّ هَذا التَّحَفُّظَ مُتَأَصِّلٌ في حُدودِ طَبيعَتِنا، ولَا يُفسِدُ - عَلى وَجهِ الدِّقَّة - الطَّبْعَ والشَّخصِيَّة، وإنَّما هُوَ عِلَّةٌ تَحولُ دونَ استِخلاصِ كُلِّ خَيرٍ مُمكِنٍ مِنها. وعَلى النَّقيضِ مِن ذَلِك، يُعَدُّ انْعِدامُ الإِخلاصِ فَساداً في طَريقَةِ التَّفكير، وشَرّاً مُتَجَذِّراً.
وحَتّى حينَما يَكونُ المَرءُ «في أشَدِّ العَلاقاتِ حَميمِيَّةً مَعَ الحَبيب»، تَبقى العُزلَةُ بَقَدَرٍ ما مَصيراً مَحتوماً لِلإِنسانِ لا فَكاكَ مِنه. وأَمامَ هَذِهِ العَقَبَةِ الكَأداءِ المُتَوَلِّدَةِ عَن كدورَةِ أرواحِنا، لَا يَسَعُنا سِوى التَّراجُعِ إِلى الوَراء، وابتِكارِ وَسائِطَ - يُحَبَّذُ أن تَكونَ جَمالِيَّةً حَسَنَة - ذَلِكَ أنَّهُ ما دُمنا بَشَراً، فَيَستَحيلُ عَلَينا الإِتيانُ بِسُلوكٍ قادِرٍ عَلى مَحوِ العَتامَةِ الّتي تَنشَأُ في التَّفاعُلِ بَينَ الذَّوات. فالتَّلَفُّظُ بِمَضمونٍ بَيِّنِ الكَذِبِ يَختَلِفُ أيَّما اختِلافٍ عَنِ الإِفصاحِ النّاقِصِ الّذي يَستَبقي بَعضَ الأخبارِ طَيَّ الكِتمانِ بِحَقٍّ ومَشروعِيَّة. ولَئِن صَحَّ أنّنا لا نَستَطيعُ أن نَستَخرِجَ مِنَ الجِنسِ البَشَرِيِّ كُلَّ خَيرٍ مُمكِن، فَلْيَبْقَ الرَّجاءُ مَعقوداً عَلى دُنُوِّهِ المُتَدَرِّجِ مِن مَرْتَبَةِ الصَّلاحِ الأَخلاقِيّ؛ وهُوَ تَقَدُّمٌ سَيَتَحَقَّقُ بِوَعْيٍ ثاقِبٍ بِالنَّقائِصِ الّتي يَتَعَيَّنُ جَبرُها وتَدارُكُها. وتَرسُمُ المُلاحَظاتُ السّالِفَةُ صورَةً لِلْحالِ البَشَرِيَّة، تَفْتَرِضُ قُدرَةً ذَاتَ مَنشَأٍ ثَقافِيٍّ عَلى عَدَمِ الِاغتِرارِ بِالْوُجوهِ المُختَلِفَةِ لِلمُجامَلَةِ الِاجتِماعِيَّة:
إنّ الِانحِناءَاتِ، وكُلَّ عُدَّةِ المُلاطَفَةِ البَلاطِيَّة، فَضْلاً عَن أعطَرِ عُهودِ الصَّداقَةِ وأَحَرِّها، لا تُمَثِّلُ الحَقيقَةَ دَائِماً عَلى وَجهِ الدِّقَّة [...]، بَيدَ أنّها لَا تَخْدَعُ أحَداً البَتَّة، إِذْ يَعرِفُ كُلُّ امْرِئٍ حَقيقَةَ الأمر؛ والأهَمُّ مِن ذَلِكَ أنّها وإِن كانَت فارِغَةً في مَبدَأِ الأمْر، فَإِنّها تُفضي رُوَيداً رُوَيداً إِلى مَلَكاتٍ ومَواقِفَ حَقيقِيَّةٍ مِن هَذا القَبيل.
فَما إن نَتَلَقَّى التَّربِيَةَ ونَسيرَ في مَسارِ التَّمَدُّن، حَتّى نُصبِحَ مُهَيَّئينَ كَكائِناتٍ ناضِجَةٍ لِتَأويلِ المَعنى الصُّورِيِّ الخالِصِ لِلسُّلوكِ القَويمِ دونَ وُقوعٍ في الزَّلَل. فَإِيهامُ الفَضيلَةِ المُضَمَّنُ في كُلِّ إِطراءٍ يَرْتَبِطُ بِمُجَرَّدِ المُسايَرَةِ والتَّسْوِيَة، عَلى سَبيلِ المِثال، مِن شَأنِهِ أن يُفَسِّرَ الظّاهِرَةَ النَّفسِيَّةَ والِاجتِماعِيَّةَ الّتي تَجعَلُ النَّبالَةَ والوَقار، المُكتَسَبَينِ بِفَضلِ سُلوكِ المَرءِ الدَّمِث، يُفَسَّرانِ عُموماً عَلى أنَّهُما ثَمَرَةُ نِيَّةٍ أخلاقِيَّةٍ صادِقَة. إنّ القُدرَةَ الكامِنَةَ الّتي تَتَمَثَّلُ في خَلقِ اهتِمامٍ بِالحَياةِ الأَخلاقِيَّة، وإِن كانَ هَذا الِاهتِمامُ مَدفوعاً بِجاذِبِيَّةِ الحُظوَةِ الِاجتِماعِيَّةِ والتَّقدير، لَتَكفي لِلوُقوفِ عَلى الخَطَأِ الجَسيمِ الكامِنِ في عَدِّ المَظهَرِ الأخلاقِيِّ كَذِباً مَقيتًا وزَيفاً مُحتَقَراً:
ما كُلُّ فَضيلَةٍ بَشَرِيَّةٍ في مِضمارِ العَلاقاتِ سِوى عُملَةٍ بَخْسَة، ومَن حَسِبَها ذَهَباً إِبْريزاً فَهُوَ طِفلٌ غِرّ. ومَعَ ذَلِك، فَإِنّ تَداوُلَ عُملَةٍ زَهيدَةٍ أَخْيَرُ مِنِ انعِدامِ أيِّ صِنفٍ مِنها البَتَّة؛ فَقَد تُستَحالُ في النِّهايَةِ - ولَو بِخَسارَةٍ فادِحَة - إِلى ذَهَبٍ صَفيّ.
وبِالنَّظَرِ إِلى مِثلِ هَذِهِ المُلاحَظاتِ السّالِفَة، حَقَّ لِـ«كانط» أن يُستَقبَلَ بِوَصفِهِ أحَدَ آباءِ نَظَرِيَّةِ الثَّقافَة، وهُوَ مَيدانٌ أثيرٌ لَدى الكانطِيّينَ الجُدُد، ذَلِكَ أنَّهُ يَسعَى - مِن جُملَةِ ما يَسعى إلَيهِ في قَضايا مَعرِفَةِ الإِنسان - إِلى اكتِشافِ المَبادِئِ البَشَرِيَّةِ المَسؤولَةِ عَن مَيلِ الجِنسِ البَشَرِيِّ إِلى التَّمثيلِ والِاصطِناع. وكَما جَرَتِ العادَةُ في عِلمِ الإِنسان، يَتَعَيَّنُ السَّيرُ عَلى نَهجٍ تَحليلِيّ؛ أي يَجِبُ الِانطِلاقُ مِنَ الألعابِ الِاجتِماعِيَّةِ لإِدراكِ شُروطِها التَّأسيسِيَّة، والعُثورِ عَلى ما يُتيحُ لَها سُلوكَ مَجْراها بِلا عَوائِق:
يَغدو النّاسُ في مُجمَلِهِم أَقْرَبَ إِلى المُمَثِّلينَ كُلَّما ازدادوا تَمَدُّناً؛ فَهُم يَصطَنِعونَ مَظهَرَ المَوَدَّة، واحتِرامِ الغَير، واللِّياقَة، والتَّجَرُّد، دونَ أن يُخادِعوا أحَداً؛ إِذْ يُدرِكُ كُلُّ فَرْدٍ مِنهُم أنّ القَلبَ خِلْوٌ مِن كُلِّ ذَلِك. ومِنَ الحَسَنِ جِدّاً أن يَجريَ الأمرُ عَلى هَذا النَّحوِ في العالَم. فَبِفَضلِ تَأدِيَةِ النّاسِ لِهَذِهِ الأدوار، فَإِنّ الفَضائِلَ الّتي اكتَفَوا زَمَناً بِالتَّظاهُرِ بِها، تَنتَهي إِلى الِانْبِعاثِ والإِشراق، لِتَحُلَّ في صَميمِ مَلَكاتِهِمُ النَّفسِيَّة.
يَسيرُ الكائِنُ البَشَرِيُّ سيرَةَ المُمَثِّلِ إزاءَ غَيرِهِ لِإِحساسِهِ بِنُزوعٍ إِلى العَيشِ في جَماعَة؛ غَيرَ أنّ هَذا النُّزوعَ مَشوبٌ بِضَربٍ مِنَ التَّعقيد، إِذْ إنّ مُجَرَّدَ المُساكَنَةِ مَعَ سائِرِ البَشَرِ يُمَثِّلُ أيضاً مَبعَثاً لِلشَّرِّ وانبِثاقاً لِلأَهْواءِ المَذمومَة. وفي نَصٍّ بَديعٍ مِن كِتاباتِهِ في الدّين، يُؤَكِّدُ «كانط» استِحَالَةَ أن يَجِدَ المَرءُ نَفسَهُ مُحاطاً بِأُناسٍ آخَرينَ دونَ أن يُبشِارَ في عَقْدِ مُقارَنَةٍ بَينَهُ وبَينَهُم، وفي خَصائِصِهِم ومَلَكاتِهِم، مِمّا يُسفِرُ عَن مُكابَدَةِ الحَسرَةِ أوِ الخُيَلاءِ اللَّتَينِ تَتَوَلَّدانِ مِن مَحْضِ هَذِهِ المُقارَنَة:
إنّ الحَسَد، والشَّرَهَ إِلى التَّسَلُّط، والجَشَع، وما يَتَّصِلُ بِها مِن نَزَعاتٍ بَغيضَة، تُعَكِّرُ صَفوَ طَبيعَتِهِ - الّتي تَكفي ذاتَها بِذاتِها - سُرعانَ ما يَجِدُ نَفسَهُ بَينَ النّاس. [...] يَكفي أن يَكونوا هُناك، أن يُحيطوا بِه، أن يَكونوا بَشَراً، حَتّى يُفسِدوا مَلَكاتِهِمُ الأَخلاقِيَّةَ بِالتَّبادُل، ويُغويَ بَعضُهُم بَعضاً نَحوَ الشَّرِّ والرَّذيلَة.
وسُرعانَ ما تَستَشري الأهواءُ حَيثُما تَتَساكَنُ الجُموع، مِمّا يوجِبُ نَصْبَ الحَواجِزِ في مَجراها، إن نَحنُ رُمْنا ألّا تَستَحيلَ المُعاشَرَةُ الِاجتِماعِيَّةُ إِلى مَيدانٍ لِلْخَراب. ولِذا، وَجَبَ التِماسُ السَّبيلِ الوَسَطِ المُتَمَثِّلِ في (الِاجتِماعِيَّةِ المُتَنايِئَة)؛ وما هِيَ بِمُعْطًى طَبيعِيٍّ - كَما يُخَيَّلُ لِلبَعضِ أحياناً -، إنَّما هِيَ ثَمَرَةٌ مِن ثِمارِ التَّطَوُّرِ الثَّقافِيّ. ويُرَدُّ التَّمييزُ بَينَ الكِتمانِ أوِ التَّحَفُّظِ وبَينَ الِاصطِناعِ والتَّمويهِ إِلى أنّ طَبيعَتَنا مُثقَلَةٌ بِالمَظالِمِ والآثامِ إِلى حَدٍّ يَسلُبُنا رُخصَةَ الإِسفارِ عَن حَقائِقِنا أمامَ الآخَرين. إِذْ لَن يَتَمَخَّضَ عَن مِثلِ هَذا التَّجَلّي المُسفِرِ والمُكاشَفَةِ التّامَّةِ لِبَواطِنِ القُلوب، سِوى التَّباغُضِ والِاحتِقارِ المُتَبادَل. وهَذا المَآلُ هُوَ ما يُفَسِّرُ سَبَبَ لُزومِ تَمهيدِ الجَمالِ والرَّونَقِ - اللَّذَينِ حَظِيا بِمَكانَةٍ أثيرَةٍ لَدى شيلَر - الطَّريقَ أمامَ الفَضيلَة.
فالمُوارَبَةُ تُعينُنا عَلى مُداراةِ عُيوبِنا الخاصَّة، كَما قَرَأنا في رِسالَةِ «كانط» إِلى «ماريا فون هيربرت». وعَلى هَذا النَّحو، يُتيحُ لَنا التَّحَفُّظُ إِبقاءَ السِّماتِ الأشَدِّ خِزياً وذَمامَةً في أرواحِنا طَيَّ الكُتمان؛ وهُوَ سُلوكٌ في غايَةِ السَّداد، إن نَحنُ شِئنا الإِبقاءَ عَلى بَصيصِ أمَلٍ في تَدارُكِ القُصورِ الكامِنِ في مَلَكاتِنا لِتَغدوَ أكثَرَ مُلاءَمَةً لِغايَتِنا الأَخلاقِيَّة. وفي مَعْرِضِ هَذا الثَّناءِ الجَميلِ عَلى صَنْعَةِ المُوارَبَةِ والتَّكَتُّم، حَقيقٌ بِنا أن نُذَكِّرَ بِأنّ المَظهَرَ الأوحَدَ الّذي يَجِبُ مَحوُهُ مِن عالَمِ البَشَرِ هُوَ التَّظاهُرُ بِالخَيرِيَّةِ في أنفُسِنا:
إنّ التَّظاهُرَ بِالخَيرِ في نُفوسِنا هُوَ وَحدَهُ ما يَتَعَيَّنُ مَحوُهُ بِلا هَوادَة، تَماماً كَما يَجِبُ تَمزيقُ السِّتارِ الّذي يُسدِلُهُ حُبُّ الذّاتِ عَلى ضَعفِنا الأخلاقِيّ؛ ذَلِكَ أنّ المَظهَرَ يُمارِسُ خِداعَهُ حَيثُما يُمَنّي المَرءُ نَفسَه، مُستَعيناً بِصُوَرٍ خاوِيَةٍ مِن كُلِّ مَضمونٍ أخلاقِيّ، بِمَحوِ الخَطيئَة، أوِ الِاقتِناعِ بِالبَراءَةِ التّامَّةِ مِن خِلالِ إنكارِها. ومِثالُ ذَلِكَ أن يُصَوَّرَ النَّدَمُ عَلى سَيِّئِ الأفعال، في خَواتيمِ العُمُر، في لَبوسِ صَلاحٍ حَقيقِيّ، أو أن تُلبَسَ الإِساءَةُ المُتَعَمَّدَةُ ثَوبَ الضَّعفِ البَشَرِيّ.
إنّ المَظهَرَ الأخلاقِيَّ الّذي يَصطَنِعُهُ الفَردُ أمامَ نَفسِهِ لَمُحَرَّمٌ تَحريماً قاطِعاً؛ إِذْ يَجِبُ عَلى كُلِّ امرِئٍ تَلافِي السُّقوطِ في حَبائِلِ الأوهامِ الزّائِفَةِ حَولَ صَفاءِ نَواياهُ وطَهَارَتِها. وهَذا هُوَ المِضمارُ الأوحَدُ الّذي لا مَرحَباً فيهِ بِالمُوارَبَة؛ ذَلِكَ أنّ أطيافَ التَّبريرِ الذّاتِيِّ المُخادِعِ تَسكُن، عَلى وَجهِ الخُصوص، ذَلِكَ الحِوارَ الدّاخِلِيَّ الّذي يُجريهِ الفَردُ مَعَ نَفسِه. ولابُدَّ مِنَ التَّسليمِ بِأنّ أشَدَّ الفُحوصِ صَرامَةً قَد يَنفُذُ إِلى البَواعِثِ الخَفِيَّةِ لأفعالِنا:
إنّ اتِّخاذَ المَرءِ الصِّدقَ مَبدَأً أعلَى، في باطِنِ مُصارَحَتِهِ لِنَفسِهِ وفي سُلوكِهِ تُجاهَ غَيرِهِ في آنٍ واحِد، لَهُوَ البُرهانُ الأوحَدُ عَلى وَعْيِهِ بِامتِلاكِ شَخصِيَّةٍ صُلبَة.
وفي مِثلِ هَذا المَقام، لا يَبقى مِن سَبيلٍ مَفتوحٍ سِوى المُراقَبَةِ الدّائِمَةِ لِلهُوِيّاتِ المُتَوَهَّمَةِ الّتي يُسبِغُها كُلُّ امرِئٍ عَلى نَفسِه، مُستَعيناً في المَقامِ الأوَّلِ بِالتَّساؤُلِ المُتَجَدِّدِ أبَداً عَنِ الضَّميرِ الحَيِّ الّذي يَتَحَلّى بِه، وهُوَ ما يُوصَفُ بِـ«القَلَقِ الأَخلاقِيِّ النّافِع»، وبِـ«العُزلَةِ الدّاخِلِيَّةِ ضِمنَ العُزلَة»؛ وهِيَ سِماتٌ تَخُصُّ باطِناً لَا يَنخَدِعُ بِوُعودِ قَداسَةٍ يَستَحيلُ عَلى البَشَرِ بُلوغُها، ولَا يَقَع، في الوَقتِ عَينِه، فَريسَةً لِليَأسِ مِن قُدرَتِهِ عَلى تَحسينِ حَالَتِهِ الأَخلاقِيَّة، أي أنَّهُ باطِنٌ يَتَّقي مَخاطِرَ جَلدِ الذّاتِ وتَعذيبِها. وتُظهِرُ الصُّورِيَّةُ الأخلاقِيَّةُ الكانطِيَّةُ في مُلاحَظاتِها أنّها تُدرِكُ حَقَّ الإِدراكِ كَيفَ أنّ حُبَّ الذّاتِ يَجعَلُ الإِنسانَ لُغزاً مُستَغلِقاً عَلى نَفسِهِ أبَداً؛ فَهوَ كائِنٌ يَخونُ ذاتَه، ويَخونُ عَلى وَجهِ التَّحديدِ ذَلِكَ الشِّقَّ مِن نَفسِهِ الّذي يَحسَبُهُ - عَن وَعيٍ - أنفَسَ ما لَدَيه - عَلى حَدِّ القَولِ المَأثور: أرَى الأفضَلَ وأُقِرُّ بِه، غَيرَ أنّي أتَّبِعُ الأسوَأ. فَكُلُّ امرِئٍ خائِنٌ لِنَفسِه؛ ويَشهَدُ عَلى ذَلِكَ أيضاً تَضارُبُ مَفهومِنا لِلسَّعادَةِ وتَقَلُّبُه. عَلى أنّ هَذا التَّشاؤُمَ الأخلاقِيَّ المُنضَبِطَ لا يَسوغُ أن يَحمِلَنا عَلى إضاعَةِ أوقاتِنا في التَّقَصّي الدّائِبِ لِآثارِ انعِدامِ الصَّفاءِ الكامِنِ في كُلِّ شِقٍّ مِن شُؤونِنا اليَومِيَّة.
إنّ مُقتَضَياتِ المُوارَبَةِ النّاشِئَةَ عَنِ اللِّياقاتِ الِاجتِماعِيَّةِ لَتُخادِعُ البَواعِثَ المُرتَبِطَةَ بِحُبِّ الذّات، وتُرَوِّضُ الكائِنَ البَشَرِيَّ عَلى تَبَنّي غاياتٍ لا تُهِمُّهُ مُباشَرَةً بِوَصفِهِ كائِناً حِسِّيّاً. وإنّ إِظهارَ الِاهتِمامِ - في الظّاهِر - بِغاياتٍ كانَت في بَدْءِ الأمرِ لا تُثيرُ في نُفوسِنا ساكِناً، لَيُعَوِّدُنا شَيئاً فَشَيئاً عَلى إيثارِها طَواعِيَةً وتِلقائِيّاً، وإِن كَانَ الِاتِّصالُ الحَتمِيُّ بَينَ هاتَينِ الحالَتَينِ مِمّا لا سَبيلَ إلَيه.
عَلى الرَّغمِ مِنَ افتِقارِها إِلى نَسَقِيَّةٍ حَقِيقِيَّة، تَبدو نُصوصٌ كانطِيَّةٌ عِدَّةٌ واثِقَةً بِقُدرَةِ المَظاهِرِ الّتي تُوَلِّدُها اللِّياقَةُ البَشَرِيَّةُ عَلى التَّحفيزِ لِتَبَنّي نَمَطِ تَفكيرٍ أخلاقِيٍّ صادِق؛ وكَأنّ الطَّبيعَةَ البَشَرِيَّةَ تَسوقُ المَرءَ إِلى مُخادَعَةِ نَفسِهِ لِلحَيلولَةِ دونَ تَضَخُّمِ حُبِّ الذّاتِ بِلا حُدود. وسَتَدفَعُ القَواعِدُ التَّدبيرِيَّةُ لِلسُّلوكِ القَويمِ الأفرادَ إِلى اتِّخاذِ الفَضيلَةِ مُحَرِّكاً باطِنِيّاً، بِحَيثُ تَغدو تَعبيراتُ المُجامَلَةِ «مُتَمِّماتٍ» لِلفَضيلَةِ الأَخلاقِيَّة، كَما يُصَرِّحُ بِذَلِكَ نَصٌّ في «عَقيدَةِ الفَضيلَة»:
حَقّاً، لَيسَت هَذِهِ سِوى قُشورٍ ومُلحَقاتٍ تُضفي عَلى الفَضيلَةِ رَونَقاً ظاهِراً، وإنَّما هُوَ مَظهَرٌ غَيرُ خادِع، إِذْ يَعرِفُ كُلُّ مَرءٍ ما يَنبَغي لَهُ أن يَفعَلَهُ حِيالَه. وهِيَ وإِن كانَت في حَقيقَةِ الأمرِ مَحْضَ فِكَّةٍ زَهيدَة، إلّا أنّها تُعَزِّزُ الشُّعورَ بِالفَضيلَةِ عَينِه، مِن خِلالِ الجُهدِ المَبذولِ لِتَقريبِ هَذا المَظهَرِ مِنَ الحَقيقَةِ ما أمكَن؛ وهُوَ جُهدٌ يَتَجَلّى في سَلاسَةِ التَّعاطي، وطَلاقَةِ اللِّسان، واللِّياقَة، وحُسنِ الضِّيافَة، والسَّماحَة، وما هَذِهِ كُلُّها سِوى آدابِ التَّعامُلِ البَشَرِيِّ المَقرونَةِ بِالِالتِزاماتِ الظّاهِرَةِ الّتي يُلزِمُ بِها المَرءُ غَيرَهُ في آنٍ واحِد، وهِيَ لَعَمري تُساهِمُ في تَقوِيَةِ النِّيَّةِ الفاضِلَة، بِقَدرِ ما تَجعَلُ الفَضيلَةَ مَحبوبَةً عَلى أقَلِّ تَقدير.
وتَنبِذُ الفَضيلَةُ الأمثِلَةَ كافَّة، كَما لا يَفتَأُ «كانط» يُذَكِّرُنا بِذَلِك؛ غَيرَ أنّ السُّلوكَ المُهَذَّبَ والِاجتِماعِيّ، بِوَصفِهِ ضَرباً مِن صُوَرِ المُحاكاةِ لِلفَضيلَة، يَحظى بِرُخصَةِ التَّمَوقُعِ خُفيَةً إِلى جانِبِها في رِحَابِ الأنثروبولوجيا الأخلاقِيَّة. وتُساهِمُ قائِمَةُ الفَضائِلِ الِاجتِماعِيَّة، أي تِلكَ المُرتَبِطَةِ بِتَنمِيَةِ مَثَلٍ أعلَى لِلمُعاشَرَة، في خَلقِ أجواءٍ - إن صَحَّ التَّعبيرُ - مُتَناغِمَةٍ مَعَ مَقاصِدِ الفَضيلَةِ الأَخلاقِيَّة. وفي واقِعِ الأمر، لَم يَأتِ «كانط» بِبِدعٍ مِن عِندِهِ في هَذا الشَّأن؛ ذَلِكَ أنّ كِتابَ «الأخلاق» لِـ«باومغارتن» قَد ضَمَّ في قِسمِهِ الثّالِثِ مُلاحَظاتٍ لافِتَةً حَولَ الواجِباتِ تُجاهَ الغَير، وهِيَ واجِباتٌ تَتَمَيَّزُ في ثَناياها «واجِباتُ التَّخاطُب» بِأهَمِّيَّةٍ قُصوَى؛ إِذْ لا يَنبَغي لَها أن تُسْرِفَ في رُوحِ المِرَاءِ أو حُبِّ المُفارَقات، وإنَّما يَتَعَيَّنُ عَلَيها الِاهتِداءُ بِالحِسِّ المُشتَرَكِ الّذي يَتَقاسَمُهُ سَوادُ النّاس.
وتَجمَعُ بَعضُ دُروسِ «كانط» في الأخلاقِ تَعليقاتٍ نَفيسَةً حَولَ مُمارَسَةِ الفَضيلَةِ وصَقلِها، حَيثُ نَجِدُ مُدافَعَةً عَنِ الفِكرَةِ القائِلَةِ إنّ الكِياسَةَ واللِّياقَةَ تُساهِمانِ في الجَعلِ مِنَ النَّزعَةِ الحَيَوانِيَّةِ مَوضِعاً لِنَزعَةٍ أكثَرَ رُقِيّاً وتَهذيباً. فَالعَيشُ في عُزلَةٍ يُنائي عَنِ الفَضيلَة، بِقَدرِ ما يُرَسِّخُنا نَمَطُ العَيشِ هَذا في غَياهِبِ الأَنانِيَّة؛ في حينِ أنّ الحَياةَ الّتي تُقضَى في مُعاشَرَةٍ لَطيفَةٍ مَعَ الآخَرينَ تُعَدُّ واجِباً بِالمَعنى الواسِع، أي واجِباً مِن واجِباتِ الفَضيلَة. وعَلى كُلِّ حال، فَإِنّ المَحاسِنَ الّتي مَيَّزَت - إِلى حَدِّ الآن - فَنَّ كتمانِ المَرءِ لأفكارِهِ ورَغَباتِهِ في المُجتَمَع، لَا يُمكِنُ أن تُنْسِيَنا ما يَعتَوِرُ مَيلَ الكائِنِ البَشَرِيِّ إِلى إِخفاءِ أفكارِهِ واستِكشافِ أفكارِ الغَيرِ مِنِ الْتِباسٍ أصيل. وتُبيِّنُ الصَّفَحاتُ الخَواتيمُ مِن فِصلِ خَصائِصِ الطَّبْعِ المَنشورِ عامَ ١٧٩٨، بِجَلاءٍ أنَّهُ، أخذاً بِالحُسبانِ لِلسِّماتِ الّتي أضفَتها المُوارَبَةُ عَلى بَني جِنسِنا، يَنبَغي النَّظَرُ إِلى هَذا الأخيرِ بِوَصفِهِ صُورَةً كاريكاتورِيَّةً عَن نَفسِه، وهِيَ صُورَةٌ كانَت لِتُرْضِيَ كُتّاباً مِن أمثالِ «بودلير» رِضاً عَميقاً؛ ذَلِكَ أنّ التَّكوينَ البَشَرِيَّ لِلإِنسانِ يُفضي بِيُسرٍ بالِغٍ إِلى الإِيهام، ومِن ثَمَّ إِلى الكَذِب.
ومِمّا يُقَدِّمُ تَصَوُّراً دَقيقاً عَنِ الوَظيفَةِ الحَقَّةِ لِرُوحِ التَّنَكُّرِ الذّاتِيِّ هَذِه، ذَلِكَ الِاستِهجانُ الباطِنِيُّ الشَّديدُ الّذي يُبديهِ البَشَرُ تُجاهَ هَذا المَيل؛ وهَوَ رَدُّ فِعلٍ يُتيحُ تَصويرَهُم «كَجِنسٍ مِنَ الكائِناتِ العاقِلَة، دائِبِ السَّعيِ لِلِارتِقاءِ مِنَ الشَّرِّ إِلى الخَيرِ في تَقَدُّمٍ مُتَّصِل، وَسطَ غِمارٍ مِنَ العَقَبات». وتَعمَلُ قُيودُ التَّهذيبِ الّتي يَتَعَهَّدُ بِها البَشَرُ بِفَعالِيَّةٍ نادِرَة، إذا ما رَاعَينا كَونَها تَدبيراً جَمالِيّاً يَسوقُ النّاسَ إِلى تَقْييمِ بَعضِهِم بَعضاً بِناءً عَلى مَدى رِعايَتِهِم لِقَواعِدِ الأعرافِ الِاجتِماعِيَّة، وهِيَ قَواعِدُ مُضْمَرَةٌ أكثَرَ مِنها مُعلَنَة. فَالِاحتِرامُ الجَمالِيُّ يُبَشِّرُ بِحُلولِ احتِرامٍ أشَدَّ عُمقاً وباطِنِيَّة، يَتَعَلَّقُ بِالِارتِباطِ الصَّميمِ بِالقانون. والواقِعُ أنّ القُدرَةَ عَلى انتِهاجِ سُلوكٍ أخلاقِيٍّ في ظاهِرِهِ لَتَكشِفُ عَن سَيطَرَةٍ عَلى الذّاتِ وقَهرٍ لِلنَّفسِ يَشهَدانِ عَلى بُلوغِ غايَةِ جِنسِنا الأَخلاقِيَّة. ولِهَذا السَّبَب، تُعَدُّ هَذِهِ المَلَكاتُ، المُرتَبِطَةُ بِصِناعَةِ الأوهامِ المُتَجَذِّرَةِ في الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّة، «الخُطوَةَ الأُولى نَحوَ الفَضيلَة»، بِمَنزِلَةِ النَّظيرِ لأَساسِ الأخلاق. ويُحاجِجُ «كانط» لِصالِحِ لُجوءٍ مُشتَرَكٍ إِلى الآثارِ الحَميدَةِ لِلمُحاكاة، حَتّى تُنبَذَ كُلُّ نَميمَةٍ مِنَ المَشهَدِ الِاجتِماعِيّ، كَما تُبَيِّنُ «عَقيدَةُ الفَضيلَة»:
ومِن ثَمّ، فَمِن واجِباتِ الفَضيلَةِ أن نُسدِلَ سِتارَ مَحَبَّةِ البَشَرِ عَلى زَلّاتِ الآخَرين، لا عَبْرَ تَلْطيفِ أحكامِنا فَحَسْب، وإنَّما بِالِالتِفافِ عَلَيها بِالصَّمتِ أيْضاً؛ ذَلِكَ أنّ ما نَضرِبُهُ لِلآخَرينَ مِن أمثِلَةٍ في الِاحتِرام، قَد يَبعَثُ فيهِم أيضاً جُهداً لِاستِحقاقِهِ عَلى حَدٍّ سَواء.
ويَتَعَيَّنُ عَلى الأصدِقاءِ أن يُصارِحَ بَعضُهُم بَعضاً بِعُيوبِهِم، شَريطَةَ ألّا يُسفِرَ ذَلِكَ عَن وَضعٍ شَديدِ الوَطأَةِ عَلى صَداقَتِهِم. ويَصِفُ «كانط» اللِّقاءَ بِصَديقٍ بِأنَّهُ خُروجٌ مَنشودٌ مِن سِجن؛ إِذْ لَا يَعودُ الفَرْدُ يَشعُرُ بِالعُزلَةِ مَعَ أفكارِهِ الخاصَّة، ويَنعَمُ بِحُرِّيَّةٍ لَا سَبيلَ لَهُ إلَيها وَسَطَ الجُموع. غَيرَ أنّ واجِباتِ الصَّداقَةِ لا تَتَسِعُ لِتَشمَلَ بِقاعَ الأَرضِ قاطِبَةً. ولِذا، كانَ مِنَ الأجدى ألّا نَنشُرَ بِلا وازِعٍ تِلكَ الإِخفاقاتِ الّتي يَتَقاسَمُها - لِلأسَف - سَوادُ النّاسِ مِمَّن يَجِبُ عَلَيهِم بُلوغُ مَقامِ الصَّلاحِ الأَخلاقِيّ، وأن نَتَظاهَرَ بِأنّنا خَيرٌ مِمّا نَحنُ عَلَيهِ في حَياتِنا الواقِعِيَّة، أي أن نَتَصَرَّفَ كَمُمَثِّلينَ فُضَلاء. فالتَّطَفُّلُ عَلى عُيوبِ الغَيرِ يُفسِدُ النُّزوعَ البَشَرِيَّ نَحوَ الخَير. ولَعَلَّ هَذا هُوَ السَّبَبُ الّذي حَدا بِـ«كانط»، في دُروسِهِ الأَخلاقِيَّة، إِلى أن يُلاحِظَ - بِنَبرَةٍ غَيرِ مَألوفَةٍ عَنهُ - أنّنا مَعَ امتِلاكِنا جَميعاً مَراحِيضَ في بُيوتِنا، إلّا أنّنا لَا نَعرِضُها عَلى الضُّيوفِ لِكَونِ هَذا الصَّنيعِ مُجافِياً لِحُسنِ الذَّوق.
ويَمضي الرَّجُلُ إِلى أبعَدَ مِن ذَلِكَ في ما يَتَعَلَّقُ بِـ«سِتارِ مَحَبَّةِ البَشَر»، الّذي يَثبُتُ أنَّهُ بَالِغُ النَّفعِ في رُقِيِّ الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّة، حينَما يُؤَكِّدُ وُجوبَ تَعَهُّدِ المَشاعِرِ الّتي تَضَعُ حسنَ الإِنسانِيَّ مَوضِعَ الِاختِبار. وفي سِياقِ هَذا النِّقاش، تُستَحضَرُ ثُلَّةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الفَضائِل. فَـ«التَّعاطُفُ الأَخلاقِيُّ» عَلى سَبيلِ المِثال - وهوَ الّذي يُظهِرُ حالَةً مِنَ الِارتِياحِ أوِ الِانزِعاجِ تَبَعاً لِرِضا الآخَرينَ أوِ استِيائِهِم - يُمَثِّلُ عِندَ «كانط» واجِباً مِن واجِباتِ الإِنسانِيَّة. ومِنَ الطَّبيعِيِّ أن يَكونَ تَجَلّي هَذِهِ الحَساسِيَّةِ تُجاهَ مَشاعِرِ الآخَرينَ في صورَةِ إِنسانِيَّةٍ عَمَلِيَّةٍ خَيراً مِن تَجَلّيها في صورَةِ إِنسانِيَّةٍ جَمالِيَّة؛ إِذْ إنّ الثّانِيَةَ تَفتَقِرُ إِلى الحُرِّيَّة، أي أنّها لا تَقومُ عَلى مَلَكَةِ التَّواصُلِ المَشاعِرِيِّ النّابِعِ مِنَ الذّات، وإنَّما تَكمُنُ في سِلسِلَةٍ آلِيَّةٍ وبَدَنِيَّةٍ تُتِيحُ عَدوى المَشاعِرِ وانْتِقالَها. إنّ الإِنسانِيَّة، المُعَرَّفَةَ في «نَقدِ مَلَكَةِ الحُكم» عَلى أنّها شُعورٌ بِالمُشارَكَةِ الكُلِّيَّةِ ومَلَكَةٌ لِلتَّواصُلِ عَلى النَّحوِ الأكثَرِ شُمولِيَّةً وحَميمِيَّةً (وهُما مَلَكَتانِ يُحَدِّدانِ، حالَ امتِزاجِهِما، المُعاشَرَةَ البَشَرِيَّة)، لا تُمارَسُ إلّا في كَنَفِ «الإِنسانِيَّةِ العَمَلِيَّة». وإنّ مُمارَسَةَ التَّعاطُفِ مَعَ كَيفِيَّةِ إِحساسِ الآخَرين، تَنْتَمي إِلى نِظامٍ مِنَ المَعنى لا يَحمِلُ دَلالَةً مُحَدَّدَةً لَدى البَشَر؛ كَما هُوَ الشَّأنُ حينَ نَستَمِعُ في مَجلِسٍ إِلى طُرفَةٍ تُثيرُ ضَحِكَ المُتَحادِثين، وهُوَ طارِئٌ يَكفُلُ دَيمومَةَ المُساكَنَةِ الوِدِّيَّة، ويُتَوِّجُ سَهرَةً تَقَضَّت عَلى مائِدَةِ المُؤاكَلَة.
فَمِمَّ نَضحَكُ حينَ نَسمَعُ مُلْحَةً؟ فِي الحَقيقَة، نَضحَكُ لِأنّ اللاشَيءَ - ذَلِكَ المَضمونَ المُلغَزَ في كُلِّ جَدوَلٍ تَحليلِيٍّ لِلمَفاهيمِ الميتافيزيقِيَّة - يَبْرُزُ إِلى حَيِّزِ الوُجود؛ وهَذا المَوقِعُ الخاوي يَضطَلِعُ بِوَظيفَةٍ جَوهَرِيَّةٍ في مَعرِفَةِ الكائِنِ البَشَرِيّ، وفي إِدراكِ قُدُراتِهِ وحُدودِهِ مَعاً.
لَن نُصادِفَ نَصّاً لِـ«كانط» أشَدَّ إِضاءَةً لِحاجَةِ الجِنسِ البَشَرِيِّ إِلى فَنِّ المُوارَبَة، مِن فَرَضِيَّةٍ استُخدِمَت في الصَّفَحاتِ الأخيرَةِ مِنَ القِسمِ المُتَعَلِّقِ بِالسِّماتِ الوَصفِيَّةِ لِطَبْعِ الإِنسانِيَّة، في كِتابِ «الأنثروبولوجيا مِن وِجهَةِ نَظَرٍ براغماتِيَّة». في هَذا النَّصِّ الشَّهير، يُلاحَظُ أنّ البَشَرَ لَن يَستَطيعوا مُواصَلَةَ العَيشِ المُشتَرَكِ لَو أنَّهُم لا يَقْدِرونَ إلّا عَلى التَّفكيرِ بِصَوتٍ عالٍ، عاجِزينَ في اليَقَظَةِ كَما في المَنام، وفي الجَماعَةِ كَما في الخَلوَة، عَن إِضمارِ أفكارٍ دونَ البَوحِ بِها مِن فَورِهِم. وكَما سَلَفَ رَأْيُنا آنِفاً، فَإِنّ طَبيعَتَنا تَرزَحُ تَحتَ جُهدٍ مَوصولٍ لِلْخُروجِ مِن حالَةِ عُسْرٍ تَتَعَلَّقُ بِبُلوغِ غاياتِها الأَخلاقِيَّة. وعَلَيه، فَإِنّ انتِهاجَ صَراحَةٍ مُطلَقَةٍ مُجَرَّدَةٍ مِن أيِّ أحكامٍ مُسبَقَةٍ في كَنَفِ الجَماعَةِ البَشَرِيَّة، مُحاكاةً لِلشَّفافِيَّةِ الّتي تُمارِسُها كائِناتٌ عاقِلَةٌ تَقطُنُ كَواكِبَ أُخرى، مِن شَأنِهِ أن يَئِدَ كُلَّ إِمكانِيَّةٍ لِلتَّعايُشِ مَعَهُم، ويَحولَ حَتّى دونَ احتِرامِ بَعضِهِم بَعضاً أو بُلوغِهِم أدنَى وِفاق. وسَتَبقى بَصمَةٌ مِن هَذِهِ العَتامَةِ الأصيلَةِ لِلكائِناتِ البَشَرِيَّةِ حاضِرَةً حَتّى في صَميمِ التَّأسيسِ الكانطِيِّ لِصورَةِ العَلانِيَّة، الّتي يَكونُ مِنَ الخَطَأِ الفادِحِ اختِزالُها في مَفهومِ الشَّفافِيَّة.
ولا غَروَ أنّ أيَّ مَبدَأ لا يُمكِنُ الجَهرُ بِهِ دونَ المُجازَفَةِ بِالإِخفاق، يَجِبُ عَدُّهُ ظالِماً بِلا رَيب؛ غَيرَ أنّ وُجوبَ الشَّفافِيَّةِ سَيَحمِلُ مَزِيَّةً مُفزِعَةً تَتَمَثَّلُ في التَّذكيرِ بِهَوَسِ كافَّةِ الأنظِمَةِ الِاستِبدادِيَّةِ السّاعِيَةِ إِلى استِباحَةِ بَواطِنِ المُواطِنينَ وحَياتِهِمُ الخاصَّة. ويُحاوِلُ عُلَماءُ التَّنويرِ إِقناعَ سادَةِ العالَمِ بِأنَّهُ يَجْدُرُ بِهِم - ولَو لِمَنفَعَتِهِمُ الخاصَّةِ كَحُكّام - أن يَكفَلوا حُرِّيَّةَ التَّعبيرِ لِمُواطِنيهِم؛ فَهيَ المِظَلَّةُ الواقِيَةُ لِشُعوبِ الأَرض. إلّا أنّ كَفالَةَ القُدرَةِ عَلى التَّعبيرِ دونَ أيِّ صِنفٍ مِن أصنافِ الرَّقابَة، لا تَتَطابَقُ مَعَ صَراحَةٍ مُنفَلِتَةٍ مِن كُلِّ عِقال. ولا يَسعُنا إِغفالُ أنّ الشِّعارَ الشَّهيرَ لِمَقالِ «ماذا يَعني التَّوَجُّهُ في التَّفكير؟» - «هَل كُنّا لِنُفَكِّرَ كَثيراً، وهَل كُنّا لِنُفَكِّرَ جَيِّداً، لَو أنّنا لَم نُفَكِّر، إن صَحَّ القَول، بِالِاشتِراكِ مَعَ الآخَرين؟» - لا يَأمُرُ بِبَثِّ أفكارِنا لِلآخَرينَ بِلا ضَوابِط؛ وإنَّما يُؤَكِّدُ ضَرورَةَ أن يَكفَلَ المُشَرِّعُ قابِلِيَّةَ التَّواصُلِ هَذِه، إن نَحنُ أرَدْنا ألّا يُصيبَ الفِكرَ البَشَرِيَّ ضُمور. وتَنقَلِبُ قِراءَةُ هَذا النَّصِّ رَأساً عَلى عَقِب، إذا ما استَحالَت إِمكانِيَّةُ التَّواصُلِ إِلى حَتمِيَّةِ الِاعتِراف. ولا يُخفي «كانط» أنّ بَعضَ الحُكومات، مِثلَ دُستورِ المَلَكِيَّةِ البِريطَانِيَّةِ الّذي تَحَدَّثَ عَنُه في كِتابِهِ «نِزاعُ المَلَكات»، تَتَظاهَرُ بِالِاهتِداءِ بِرُوحِ العَلانِيَّة، الّتي تَستَسْلِمُ بِذَلِكَ لِلِانحِرافِ والتَّشويه.
وأَحياناً، يُحكَمُ عَلى عَجَلٍ بِأنّ مُجَرَّدَ وُجودِ مَظهَرِ النِّقاشِ العامّ، خَيرٌ مِنَ الحُكّامِ الَّذينَ يَفرِضونَ رَقابَةً عَلى الخِطاباتِ الّتي يُوَجِّهونَها إِلى شُعوبِهِم، ويُمارِسونَ هَذا الفَنَّ الّذي نُسَمّيهِ اليَومَ التَّسويق، مُسْدِينَ بِذَلِكَ تَكريماً غَيرَ مُتَوَقَّعٍ لِلْحَقّ. وعَلى النَّقيضِ مِن ذَلِك، يَترُكُ المَلِكُ البِريطَانِيُّ المَجالِسَ تُناقِشُ كُلَّ ما تَشاء، مُبقِياً إِيّاها في حالَةٍ دائِمَةٍ مِن حَياةٍ بَرلَمانِيَّةٍ صُورِيَّة، بِمِقدارِ ما يَحتَكِرُ حَقَّ إِعلانِ الحَرب؛ وهُوَ امتِيازٌ يَخُصُّ العاهِلَ المُطلَق، وقَد سُلِبَ بِالتَّبَعِيَّةِ مِنَ الشَّعب. إنّ الِالتِفاتَ إِلى الثِّقَلِ الّذي يُخَلِّفُهُ الشَّرُّ المُتَجَذِّرُ في الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّة، هُوَ ما حَدا بِـ«كانط» إِلى التَّأكيدِ عَلى وُجوبِ تَعليمِ النَّشءِ كَيفَ يَجعَلونَ مِن أنفُسِهِم أغواراً عَصِيَّةً عَلى النَّفاذ، دونَ إِهمالِ فَنِّ النَّفاذِ إِلى أفكارِ الآخَرين؛ وهِيَ حِكمَةٌ تَحتَفِظُ بِمَكانَةٍ رَفيعَةٍ في كِتابِ «مُرشِدُ النَّجاح» لِلْيَسوعِيِّ الإِسبَانِيِّ «بالتاسار غراسيان». وفي طَبعَةِ «رينك» لِدُروسِ «كانط» في عِلمِ التَّربِيَة، نَقرَأُ أنّ انْعِدامَ الصَّفاءِ هُوَ السِّمةُ المَسؤولَةُ عَن قَبولِ المُوارَبَةِ بِوَصفِها أمراً مُستَحَبّاً في تَنشِئَةِ الأطفالِ الَّذينَ سَيُقَدَّرُ لَهُمُ العَمَلُ في خِضَمِّ العالَم. وعَلَيه، فَإِنّ العالَمَ سَيَغدو أفضَلَ حالاً إذا ما أسدَلنا سِتاراً عَلى أقبَحِ مَثالِبِ الجِنسِ البَشَرِيّ، وأَعني بِهِ سِتارَ مَحَبَّةِ البَشَر، بُغيَةَ أن نَكفَلَ أنّ ذُيوعَ السُّلوكِ القَويمِ في طَبَقاتِ المُجتَمَعِ كافَّة، سَيَستَثيرُ مُحاكاةً سَليمَة، تَعودُ دائِماً بِالنَّفعِ عَلى تَقَدُّمِ الفَضيلَة.
ودونَ بُلوغِ المَواقِفِ المُتَطَرِّفَةِ لِـ«ديدرو» في كِتابِهِ «مُفارَقَةُ المُمَثِّل»، يُعلِنُ «كانط» أنّ المُحاكاةَ سَتَكونُ - سِيَّما لِلإِنسانِ الّذي لَم يَتَهَذَّب بَعد - بِمَثابَةِ التَّعْيينِ الأوَّلِ لِلْإِرادَةِ في قَبولِ القَواعِدِ الّتي سَيَجعَلُها لاحِقاً قَواعِدَ خاصَّةً بِه. ومِنَ البَديهِيِّ أنّ خُصوصِيَّةَ الأُنموذَجِ الأَخلاقِيّ، في مُقابِلِ المِثالِ التَّوضيحيِّ المُعتَمَدِ في العُلومِ النَّظَرِيَّة، تَتَعَلَّقُ بِالِاستِدلالِ عَلى قابِلِيَّةِ الفِعلِ الأَخلاقِيِّ لِلتَّطبيقِ وإِمكانِ إنفاذِه. وِفقاً لِمَبادِئِ الأَنثروبولوجيا الأَخلاقِيَّةِ الكانطِيَّة، سَنُقِرُّ بِوُجوبِ نَبذِ النَّميمَةِ مِنَ العالَم. فَأَمثِلَةُ الِاحتِرامِ الّتي نَضرِبُها لِلآخَرينَ تَحفِزُ ذَلِكَ الجُهدَ الّذي قَد يَبذُلونَهُ لِحَياةٍ تُكَلِّلُها الفَضيلَة، مِمّا يُسَوِّغُ لَهُم أيضاً نَيلَ التَّقديرِ العامّ. فَما الّذي تُنتِجُهُ اللِّياقَةُ إِذَاً في المِضمارِ البَشَرِيّ؟ إنّ أصوَبَ جَوابٍ عَن هَذا السُّؤالِ لَيَكمُنُ في إِرساءِ مَسافاتٍ بَينَ الذَّوات؛ وهُوَ مَوضِعٌ عِمادٌ في النَّظَرِيَّةِ التَّربَوِيَّةِ لِـ«روسو»، الّتي استَلهَمَها «كانط» أيَّما استِلهام.
وفي واقِعِ الأمر، تَتَجاوَزُ عَواقِبُ اللِّياقَةِ عِندَ «كانط» مَيدانَ الأَخلاقِ تَجاوُزاً بَعيداً. فَحَتّى حَقُّ المُواطَنَةِ العالَمِيَّةِ يَفرِضُ كَفالَةَ حَقِّ الزِّيارَةِ الشّامِلِ لِكافَّةِ البَشَر، طالَما أنّ لِلْجَميعِ حَقَّ المِلْكِيَّةِ المُشتَرَكَةِ لِلأَرض، دونَ أن تَقتصِرَ هَذِهِ الضِّيافَةُ عَلى بُعدٍ أخلاقِيٍّ أو إِحسانِيٍّ مَحض، إِذْ إنّها مَبدَأٌ حُقوقِيٌّ رَصين. وسَتَكونُ الآثارُ الّتي تُخَلِّفُها الدَّماثَةُ والمُلاطَفَةُ في العَلاقَةِ بَينَ الجِنسَين، أبلَغَ دَليلٍ عَلى انْفِتاحِ هَذِهِ المَسافاتِ الّذي تُوَلِّدُهُ اللِّياقَة. فَقَواعِدُ النَّحوِ الِاجتِماعِيّ، كالمُحادَثَةِ الرَّقيقَةِ والإِطراء، المُطَبَّقَةُ عَلى النِّظامِ الجِنسِيّ، تُسَكِّنُ بِاطِّرادٍ القُوَّةَ العاتِيَةَ لِلْجِنسانِيَّة، وتَشرَعُ في حُكمِ كُلِّ صِلَةٍ بَينَ الرَّجُلِ والمَرأَة، لِتَحُلَّ مَحَلَّ هَيمَنَةِ الغَريزَة:
إنّ الحِشمَة، بِوَصفِها قَهْراً يُمَارَسُ عَلى الذّاتِ لِإِخفاءِ الشَّهوَة، لَهِيَ وَهمٌ بَالِغُ النَّفعِ في إِثارَةِ المَسافَةِ الضَّرورِيَّةِ بَينَ كِلَا الجِنسَين، لِئَلّا يُبتَذَلَ أحَدُهُما فَيَغدوَ مُجَرَّدَ أداةِ مُتعَةٍ لِلآخَر. وعَلى أيَّةِ حال، فَإِنّ كُلَّ ما نَنعَتُهُ بِاسْمِ اللِّياقاتِ يَندَرِجُ ضِمنَ هَذا الصِّنف؛ أي أنَّهُ وما هُوَ إلّا مَظهَرٌ بَهِيّ.
فَالشُّعورُ بِالحِشمَةِ هُوَ ضَربٌ مِنَ السِّجنِ الّذي اصطَنَعَتهُ الرَّغبَةُ البَشَرِيَّة، وهِيَ بِذَلِكَ تَكسِبُ - في مُفارَقَةٍ عَجيبَة - خُلودَها الذّاتِيَّ ودَيمومَتَها. وتَجعَلُ القِصَّةُ التَّخْمينِيَّةُ الّتي عَرَضَها «كانط» مِنَ المُوارَبَةِ تَجَلِّياً مُذهِلاً لِلعَقل، الّذي يَفرِضُ بِواسِطَةِ الأدَبِ والتَّعَفُّفِ قُيوداً عَلى ما مِن شَأنِهِ أن يُثيرَ الِازتِراءَ في الأُمَّةِ البَشَرِيَّة، مُحْدِثاً بِذَلِكَ تَغييراً مُتَدَرِّجاً في نَمَطِ تَفكيرِ الإِنسان، يُمَهِّدُ الطَّريقَ لِتَقَدُّمٍ ثَقافِيٍّ خاضِعٍ لِلأَخلاق. وعَلى كُلِّ حال، يُمكِنُ التَّعبيرُ عَنِ العَلاقَةِ بَينَ الوَسائِطِ التَّمَدُّنِيَّةِ والأَخلاقِ بِوَصفِها جَدَلِيَّةً سَلبِيَّة؛ ذَلِكَ أنّ كافَّةَ الجُسورِ والمَعابِرِ الّتي قَد تُحْدِثُ اتِّصالاً بَينَ هَذَينِ التَّجَلِّيَينِ لِلعَقل، مَحكومٌ عَلَيها بِالإِخفاقِ عِندَ «كانط». وإذا كانَ بِالإِمكانِ النَّظَرُ إِلى الأَنثروبولوجيا مِن وِجهَةِ نَظَرٍ براغماتِيَّة، لا سُكولائِيَّةٍ مَدرَسِيَّة، كَما يُؤَكِّدُ «كانط» في دُروسِهِ الجامِعِيَّةِ المُكَرَّسَةِ لِهَذِهِ المادَّة، عَلى أنّها ضَربٌ مِنَ الهَندَسَةِ الفَراغِيَّةِ في مُقابِلِ مَسحِ الأَرض؛ فَيَتَعَيَّنُ عَلَينا الإِقرارُ بِأنّ صَنعَةَ المُوارَبَةِ تُساهِمُ في إِعانَةِ البَشَرِ عَلى التَّحَرُّكِ فَوقَ أرضِيَّةٍ مُعتِمَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَعرِفَتِهِمُ الأَخلاقِيَّةِ لِذَواتِهِم، وهِيَ مَعرِفَةٌ لَا تُحْرِزُ تَقَدُّماً كَبيراً.
وفي مَطافِ الأمرِ ونِهايَتِه، تَنبَثِقُ الكِياسَةُ لِتُتيحَ لِلإِنسانِ أن يَتَعَلَّمَ كَيفَ يَتَقَبَّلُ ذاتَهُ بِعُيوبِها وهَشاشَتِها. إِذْ إنّ حُسبانَ المَرءِ نَفسَهُ مُجَرَّدَ كائِنٍ عاقِلٍ مُتَناهٍ، يَعني التَّحليقَ عالِياً - عَلى نَحوٍ غَيرِ مُسَوَّغ - فَوقَ بُعدٍ كامِلٍ مِن أبعادِ ذاتِه؛ وأَعني بِهِ بُعدَ الأَنا الأثيرَة، الّذي يَشرَعُ الأبوابَ لِلأَنانِيَّةِ في السُّلوك، وإِن كانَ في الوَقتِ عَينِهِ يُهَيِّئُ لِلأَخلاقِ دائِماً فُرَصاً سَانِحَةً لِلثَّأرِ بِحَقّ، وتَحقيقِ الغَلَبَةِ في مَيدانِ بَواعِثِ الرَّغبَةِ البَشَرِيَّة.