حُجرَةُ غَيرِكَ تَبدو مَألوفَة

ثَمَّةَ دُوارٌ عَجيبٌ يُصيبُكَ حينَ تُبصِرُ بَناتِ أفكارِكَ في عِبارَةِ غَيرِك. كَأنْ تَكونَ ماضِياً في القِراءَةِ، تَتَبَّعُ السُّطورَ، فَتَنشَقُّ العِبارَةُ كَهُوَّةٍ تَهوي بِكَ في حُجرَةٍ خِلتَ أنَّكَ شَيَّدتَها بِيَدِك. الأثاثُ مُنَضَّدٌ عَلى الشّاكِلَةِ ذاتِها، والنّافِذَةُ تُطِلُّ عَلى الزُّقاقِ نَفسِه، حَتّى الغُبارُ عَلى حافَّتِها يَبدو مَألوفاً. قَد كُنتَ هُنا مِن قَبلُ، غَيرَ أنَّكَ لَم تَكُن! فَكاتِبُ هَذِهِ العِبارَةِ قَد سَبَقَكَ إلَيها، وسَطَّرَها قَبلَ أن يَتَخَلَّقَ مَعناها في ذِهنِك، وها أنتَ ذا واقِفٌ في دارِهِ، تُسائِلُ نَفسَكَ: هَل كَانَت لَكَ دارٌ قَطّ، أم أنَّكَ لَم تَزَل تَستَأجِرُ غُرَفَ الآخَرينَ وتَدعو الإيجارَ أصَالَةً؟

وقَلَّما يُطرَحُ سُؤالُ الأفكارِ المُستَعارَةِ بِصِدقٍ؛ لِأنَّ الجَوابَ الصّادِقَ ثَقيلٌ لا يُحتَمَل: أنتَ لا تَعلَم، ولا سَبيلَ لَكَ إلى العِلم. فَالعَقلُ حافِظَةٌ سَيِّئَةُ التَّدوين، يَستَوعِبُ ما يَستَوعِبُ ثُمَّ يُضَيِّعُ الصُّكوكَ. وما تَحسَبُهُ إشراقاً مُفاجِئاً، ما هُوَ غالِباً إلّا طُفوٌ مُتَأخِّرٌ لِشَيءٍ تَرَسَّبَ في قَرارَتِكَ مُنذُ سِنين، وعاشَ صامِتاً في العَتَمَةِ كَحوتٍ في قاعِ بِئر. فَحينَ تَنتَشِلُهُ أخيرًا، تَظُنُّ أنَّكَ اصطَدتَ صَيداً وَحشِيّاً، بَيدَ أنَّهُ استَوطَنَ المِياهَ قَبلَ مَجيئِكَ بِزَمَنٍ بَعيد.

الذّاكِرَةُ مُزَيِّفٌ أثيمٌ؛ تَمهَرُ صَحيفَتَكَ بِتَوقيعِ سِواكَ، ثُمَّ تُقسِمُ أنَّها شَهِدَتِ الإمضاء.

وكُلَّما أوغَلتَ في القِراءَةِ، استَفحَلَ الأمرُ. فَكُلُّ عِبارَةٍ تَتَشَرَّبُها تَغدو جُزءاً مِنَ السَّمادِ، وهَذا السَّمادُ يُغَذِّي كُلَّ ما تَزرَعُهُ، حَتّى لَيَستَحيلُ عَلَيكَ فَصلُ الغِذاءِ عَنِ التُّربَة. فَالكاتِبُ المُتَعَمِّقُ في القِراءَةِ يَكتُبُ أبَداً بِأيدٍ طَيفِيَّة. بَعضُ هَذِهِ الأطيافِ مَعلومُ الِاسم؛ إذ قَد تَشعُرُ بِطَيفِ دِريدا أو وولف أو بالدوين يَضغَطُ عَلى مِعصَمِكَ وأنتَ تَخُطُّ عِباراتٍ بِعَينِها، ولَكِنَّ جُلَّهُم مَجهولون. هُم شَظايا أنصافِ مَنسِيَّةٍ مِن كُتُبٍ لَم تُتِمَّ قِراءَتَها، واقتِباساتٌ عابِرَةٌ رَأيتَها في صُورَةٍ، وجُملَةٌ مِن فيلمٍ نَسيتَ أنَّكَ شاهَدتَه. هُم مَناخُ حَياتِكَ الدّاخِلِيَّةِ، ومِنهُم تَبني دورَكَ دونَ أن تَسألَ عَن مَنبَتِ الخَشَب.

وقَد أسماهُ هارولد بلوم «قَلَقَ التَّأثُّرِ»، وإن كانَ يَقصِدُ الشُّعَراءَ، مُضفِياً عَلى هَذا الصِّراعِ جَلالاً أوديبِيّاً. فَالشّاعِرُ الفَحلُ، في رَأيِ بلوم، يُسيءُ قِراءَةَ أسلافِهِ إساءَةً إبداعِيَّةً، ويَحيدُ عَن طَريقِهِم لِيَفسَحَ المَجالَ لِصَوتِه. غَيرَ أنَّ بلوم كانَ مُفرِطاً في الثِّقَةِ بِقُدرَةِ المَرءِ عَلى مَعرِفَةِ أسلافِه، إذ ظَنَّ أنَّ الأبَ ماثِلٌ لِلعَيانِ أبَداً، واقِفٌ عَلى العَتَبَةِ يَسُدُّ الطَّريق. وما لَم يَحسَب لَهُ حِساباً هُوَ الأبُ الّذي لا تَعرِفُهُ، الأبُ الّذي نَسيتَ مَلامِحَهُ ولَكِنَّ سِيماهُ مَبثوثَةٌ في تَقاسيمِ وَجهِك.

أمّا الِاقتِباسُ اللّاشُعورِيُّ، فَقَبولُهُ نَظَرِيّاً أيسَرُ مِنَ التَّعايُشِ مَعَهُ عَمَلِيّاً. قَد تُحَدِّثُ نَفسَكَ أنَّ الفِكرَ كُلَّهُ مُؤتَلِفٌ مِن شَتات، وأنَّهُ ما مِن شَيءٍ يَنبُثِقُ مِنَ العَدَم، وأنَّ أُسطورَةَ العَبقَرِيِّ الخالِقِ لِنَفسِهِ ما هِيَ إلّا خُرافَةٌ مِن خُرافاتِ عَصرِ التَّنويرِ نَخِرَةُ الأسنان. ثُمَّ تَجلِسُ لِتَكتُبَ، فَتَنسابُ العِبارَةُ مُكتَمِلَةً، فَتَقولُ في نَفسِكَ: يا لله، ما أبدَعَ هَذا، مِن أينَ أتى؟ لِيَكونَ الجَوابُ دائِماً وأبَداً: مِن مَكانٍ آخَرَ، ومِن شَخصٍ آخَرَ، مَرَّ عَبَرَك ولَكِنَّهُ لَم يَنبُع مِنك.

وما يَصونُ صِدقَ الكاتِبِ إنَّما هُوَ ارتِضاؤُهُ مُصاحَبَةَ هَذا القَلَقِ دونَ السَّعيِ إلى بَتِّه.

والفَرقُ بَينَ التَّأثُّرِ بِكاتِبٍ وتَقليدِهِ، رَهينٌ بِالمَسافَةِ تارَةً وبِالهَضمِ تارَةً أُخرى. فَالتَّأثُّرُ يَحصُلُ حينَ يَسري نِتاجُ كاتِبٍ في دَمِكَ، ويَغدو جُزءاً مِن كِيانِك. فَلا يَصدُرُ صَوتُكَ مُشابِهاً لِصَوتِه؛ وإنَّما صَوتَ امْرِئٍ تَشَرَّبَهُ وتَبَدَّلَ بِهِ، كَما تَتَبَدَّلُ التَّضاريسُ بِفِعلِ نَهرٍ جَليدِيٍّ ذابَ مُنذُ أمَدٍ بَعيد. لَقَد زالَ الجَليدُ، وبَقِيَتِ الوِديانُ الّتي حَفَرَها، لِتَمشيَ في تِلكَ الوِديانِ دونَ أن تُبصِرَ الجَليدَ قَطّ.

أمّا التَّقليدُ، فَيَقَعُ حينَ لا يَذوبُ الجَليد. حَيثُ تَظَلُّ حامِلاً إيّاهُ، تَعرِضُهُ عَلى النّاسِ، وتُشيرُ إلى حَوافِّهِ قائِلاً: انظُروا ما وَجَدت. إنَّ المُقَلِّدَ يَستَنسِخُ السَّطحَ دونَ إدراكِ العُمقِ الّذي أوجَبَ وُجودَ ذَلِكَ السَّطح. يَستَعيرُ الإيماءَةَ دونَ المُكابَدَةِ الّتي أفرَزَتها. يَأخُذُ الصِّفَةَ ويَدَعُ الجُرح.

والمِعيارُ، إن كانَ ثَمَّةَ مِعيارٌ، هُوَ قُدرَتُكَ عَلى اقتِفاءِ أثَرِ فِكرَتِكَ في أغوارِ نَفسِكَ، لِتَجِدَ المَواضِعَ الّتي أصبَحَت فيها فِكرَتَك. وما هِيَ بِخالِصَةٍ لَكَ في المَنشَأ - فَما مِن شَيءٍ خالِصٌ لِأحَدٍ في المَنشَأ - إنَّما هِيَ لَكَ مِن حَيثُ إنَّها مُرِّرَت بِآلَتِكَ الخاصَّة. فالفِكرَةُ المُستَعارَةُ حينَ تَمُرُّ بِهَواجِسِكَ، وإيقاعاتِك، وقُدرَتِكَ عَلى المُلاحَظَة، تَخرُجُ مُتَبَدِّلَة، تَحمِلُ بَصمَةَ بَصيرَتِك. أمّا الفِكرَةُ المُستَنسَخَةُ فَلا تَمُرُّ بِشَيء، تَحِلُّ كَما ارتَحَلَت.

غَيرَ أنَّ هَذا المِعيارَ قَد يُخفِقُ مِراراً بِما يَكفي لِإبقائِكَ مُتَواضِعاً. لِأنَّ الفِكرَةَ الّتي تَحسَبُها أخلَصَ ما تَكونُ لَكَ، قَد تَكونُ هِيَ ذاتَها الّتي لَم يُمَسَّ فيها شَيءٌ قَطّ، وما كانَ مِنكَ إلّا أن نَسيتَ مَصدَرَها الأوَّل. لَقَد تَبَخَّرَت ذِكرى المَنبَعِ بِحَرارَةِ يَقينِك، فَصارَ ما تَبَقَّى يَبدو إبداعاً، وما هُوَ في حَقيقَتِهِ إلّا نِسيانٌ مُفعَمٌ بِالثِّقَة.

وهَذا هُوَ الشِّقُّ مِنَ الكِتابَةِ الّذي لا يُحَدِّثُكَ عَنهُ أحَد. الشِّقُّ الّذي تَحيا فيهِ ضِمنَ حَيرَةٍ مُقيمَةٍ لا انقِضاءَ لَها حَولَ مَنشَأِ أفكارِك.

ومَعَ ذَلِكَ، تَمضي الكِتابَةُ في طَريقِها.

أفكارُ القِصَصِ كُلِّها مُعادَةُ الصَّوغِ، شَأنُها في ذَلِكَ شَأنُ الماء. فَالماءُ الّذي شَرِبتَهُ هَذا الصَّباحَ قَد مَرَّ بِالديناصوراتِ والغُيومِ ودُموعِ الغُرَباء. وهَذا لا يُنقِصُ مِن بَلَلِهِ شَيئاً. فَالمَسألَةُ لا تَكمُنُ في ما إذا كانَتِ القِصَّةُ قَد رُوِيَت مِن قَبلُ - فَقَد رُوِيَت، وكُلُّ شَيءٍ قَد رُوِيَ، وحَبَكاتُ القَصَصِ مَعدودَةٌ يَسيرَةٌ أُحصِيَت مِراراً - إنَّما تَكمُنُ المَسألَةُ في مُرورِ هَذِهِ الرِّوايَةِ بِجَسَدٍ بِعَينِه، وأعصابٍ بِعَينِها، ورُؤيَةٍ مُتَفَرِّدَةٍ لا يَملِكُها سِواك. فَأنتَ وَحدَكَ القادِرُ عَلى رِوايَةِ القِصَّةِ الّتي تَعبُرُ مِن خِلالِك؛ إذ لا أحَدَ غَيرَكَ يَجمَعُ هَذا الشَّتاتَ مِنَ الهَواجِسِ، والعَمى، والجِراحِ، ومَحصولِ القِراءَةِ، والِارتِباطاتِ الحِسِّيَّة. وما الحَبكَةُ بِالقِصَّة. إنَّ الحَبكَةَ وِعاءٌ، والقِصَّةَ ماء. والماءُ جَديدٌ أبَداً؛ لِأنَّهُ سافَرَ عَبَرَ الزَّمَنِ لِيَصِلَ إلَيك.

وما يَجعَلُ القِصَّةَ غَضَّةً أصيلَةً عَلى الرَّغمِ مِن قِدَمِ حَبكَتِها هُوَ التَّخصيص. فَكُلَّما اشتَدَّ تَخصيصُ الشَّيءِ، زادَ تَفَلُّتُهُ مِنَ القالَب. القِصَّةُ عَنِ «الحُبِّ» تَبدو مَألوفَةً مُكَرَّرَةً، لِأنَّ الحُبَّ مُطلَقٌ لا حادِثَة. ولَكِنَّ قِصَّةً عَنِ امرَأةٍ تُغرَمُ بِشَكلِ يَدَي زَوجِها فَقَط بَعدَ أن يَفقِدَ إصبَعاً في مِقطَعَةِ أخشاب، وتَشعُرُ بِفِقدانِ تِلكَ الإصبَعِ كَنَوعٍ مِنَ الحَميمِيَّةِ الّتي لَم تَعهَدها حينَ كانَت يَداهُ سَليمَتَينِ - تِلكَ قِصَّةٌ لا يَدَّعيها أحَدٌ غَيرُها. نَعَم، إنَّها قِصَّةٌ عَنِ الحُبِّ، ولَكِنَّها أيضاً قِصَّةٌ عَنِ الطَّريقَةِ الخاصَّةِ الّتي قَد يَحُلُّ بِها الشَّوقُ مِن بابِ الفَقد، ومِنِ انقِلابِ هَيئَةِ الجَسَدِ المَألوف، ومِنَ الرِّقَّةِ العَجيبَةِ الكامِنَةِ في النُّدوب. إنَّ المُطلَقَ لا يُطاقُ إلّا إذا تَزَيَّا بِوَجهٍ مُخَصَّص.

وما الخَواتيمُ المُتَوَقَّعَةُ في غالِبِ أمرِها إلّا نَتيجَةٌ لِعَوَزٍ في المُفاجَأةِ في بَواكيرِ القِصَّة. فَإذا جاءَتِ الخاتِمَةُ مُتَوَقَّعَةً، فَذاكَ يَعني أنَّ مَنطِقَ القِصَّةِ كانَ يَسيرُ عَلى سِكَّةٍ مَرسومَةٍ مُنذُ البِدايَة، فَلَم يَحِد شَيءٌ حَقّاً عَمَّا هُوَ مُرتَقَب، ولَم يُعَكِّر صَفوَ النَّمَطِ شَيء. وقَد تَمَكَّنَ القارِئُ مِن تَوَقُّعِ كُلِّ مَحَطَّةٍ في الطَّريقِ، لا المُنتَهى فَحَسب. ولا يُعالَجُ التَّوَقُّعُ بِانعِطافَةٍ حادَّة - فَالِانعِطافاتُ غالِباً ما تَكونُ مُتَوَقَّعَةً، بِطَريقَتِها، كَالخاتِمَةِ الّتي تَحِلُّ مَحَلَّها - وإنَّما يُعالَجُ بِالتَّعقيد. اخْلُق قُوَّةً مُضادَّة. اجعَل رَغبَةَ الشَّخصِيَّةِ تُناقِضُ نَفسَها. ودَعِ الأمرَ الّذي بَدا أصدَقَ ما يَكونُ في الفَصلِ الأوَّلِ، يَغدو في الفَصلِ الأخيرِ ذَلِكَ الشَّيءَ الّذي كانَ يُواري الحَقيقَةَ الأعمَقَ طيلَةَ الوَقت. فَالخاتِمَةُ الحَسَنَةُ لَيسَت فَصلاً لِلخِطاب، وإنَّما هِيَ حُسنُ تَبديلاً لِلشُّروط. إنَّ القِصَّةَ لا تُجيبُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّل، وإنَّما تَجعَلُهُ في حُكمِ المُهمَلِ بِالكَشفِ عَن سُؤالٍ أمكَنَ مِنه.

وأكثَرُ حِيَلِ الحَبكَةِ ابتِذالاً هِيَ تِلكَ الّتي استَحالَت طُرُقاً مُختَصَرَةً لِلعَناءِ العاطِفيّ. كالزَّوجَةِ المُتَوَفّاةِ، والتَّوأمِ الخَفِيِّ، والحُلُمِ الّذي تَبَيَّنَ أنَّهُ حَقيقَةٌ، والبَطَلِ الّذي كانَ مَيِّتاً طيلَةَ الوَقتِ، والمُختارِ، وسُوءِ الفَهمِ الّذي كانَ يُمكِنُ حَلُّهُ بِجُملَةٍ واحِدَةٍ صادِقَةٍ، لَكِنَّهُ يُمَدَّدُ لِثَلاثِمِائَةِ صَفحَةٍ لِأنَّ الحَبكَةَ تَقتَضي ذَلِك. وما هَذِهِ الحِيَلُ بِرَديئَةٍ في ذاتِها، فَما مِن حيلَةٍ رَديئَة. وإنَّما ابتُذِلَت لِأنَّها أضحَت بَدائِلَ عَنِ التَّوَتُّرِ الأصيل. فَهِيَ تُبيحُ لِلكاتِبِ اختِلاقَ الصِّراعِ دونَ بِناءِ الشَّخصِيَّة، وإحداثَ الصَّدمَةِ دونَ استِحقاقِها، وإنهاءَ القِصَّةِ دونَ إحداثِ أيِّ تَغييرٍ في النُّفوس. فَإن وَجَدتَ نَفسَكَ تَمدُّ يَدَكَ لِواحِدَةٍ مِنها، فَسَل نَفسَكَ عَمّا تُؤَدِّيهِ ولَم يَكُن بِالمَقدورِ أداؤُهُ عَلى وَجهٍ أكمَلَ بِشَيءٍ أبطَأَ، وأغرَبَ، وأشَدَّ التِصاقاً بِشَخصِيّاتِك. فَالزَّوجَةُ المُتَوَفّاةُ طَريقٌ مُختَصَرٌ لِلحُزن. لَكِنَّ الحُزنَ في ذاتِهِ لَيسَ طَريقاً مُختَصَراً؛ إنَّهُ تُرابٌ وتَضاريس، ولا يُمكِنُكَ وُلوجُهُ بِطَيِّ المَسافات.

ومُعضِلَةُ البَطَلِ هِيَ عَينُها مُعضِلَةُ الخاتِمَة. فالبَطَلُ الخَيِّرُ خَيراً مَحضاً بَطَلٌ مُتَوَقَّعٌ، لِأنَّ الخَيرَ المُنزَّهَ عَنِ التَّناقُضِ الدّاخِلِيِّ لا يُقِيمُ شَخصاً، وإنَّما يَصنَعُ آلَة. القارِئُ يَعلَمُ عِلمَ اليَقينِ ما سَيَفعَلُهُ البَطَلُ، لِأنَّهُ لا يَقوى إلّا عَلى فِعلِ شَيءٍ واحِد: الشَّيءِ الصّائِب. وهَذا لَيسَ إنساناً، إنَّما هُوَ مِقياسُ حَرارَة. إنَّما يَحسُنُ الخَيرُ الأصيلُ ويَشوقُ لِأنَّهُ يُجاوِرُ الغِوايَةَ، والجُبنَ، والضَّعفَ، والرَّغبَةَ في القُعودِ عَنِ العَمَل. البَطَلُ هُوَ مَن كانَ قادِراً عَلى فِعلِ الخَطيئَةِ فَيَختارُ ألّا يَفعَلَها، ومَناطُ القَولِ كَلِمَةُ «قادِر». يَجِبُ أن تَكونَ الِاستِطاعَةُ قائِمَةً ومُمكِنَة. فَإذا لَم تَكُنِ الشَّخصِيَّةُ قادِرَةً عَلى الخِيانَةِ، فَلا قيمَةَ لِوَفائِها.

ويَنسَحِبُ هَذا المَنطِقُ عَلى الأشرارِ كَذَلِك. وما الشِّرّيرُ الّذي تَمَحَّضَ لِلشَّرِّ إلّا حِيلَةٌ قَصَصِيَّة. أمّا الشِّرّيرُ الّذي يُؤمِنُ إيماناً لا يُخالِطُهُ شَكٌّ بِأنَّهُ بَطَلُ قِصَّتِهِ، فَهُوَ إنسان. وأرعَبُ الأشرارِ لا مَن نَبَذوا الأخلاقَ، وإنَّما أُولَئِكَ الّذينَ ابتَنَوا أخلاقاً خاصَّةً بِهِم، مُتَّسِقَةً في بَواطِنِهِم ومُفزِعَةً في ضَلالِها. اجعَل لِشِرّيرِكَ جُرحاً. هَب لَهُ لَحظَةَ رِقَّة. امنَحهُ مُبَرِّراً، مَهما كانَ مُعوَجّاً، يَبدو مَنطِقِيّاً في عَينَيه. لا لِتَعذِرَهُ - فَلا عُذرَ لَهُ أبَداً - وإنَّما لِتَجعَلَهُ مَفهوماً. إنَّ الشَّرَّ المَفهومَ أشَدُّ بَعثاً لِلِانزِعاجِ مِن شَرٍّ يُساقُ كَمُسَلَّمَةٍ لا رَيبَ فيها.

إنَّ مُعضِلَةَ كِتابَةِ العَواطِفِ المَألوفَةِ بِديباجَةٍ غَضَّةٍ إنَّما هِيَ مُعضِلَةُ التَّصوير. لا يُمكِنُكَ وَصفُ «الحُبِّ» مُباشَرَةً. فَهَذِهِ الكَلِمَةُ مَقبرَة، وقَدِ استُهلِكَت حَتّى لَم تَعُد تُثيرُ في النَّفسِ شَيئاً؛ وإنَّما تَكتَفي بِالإيماءِ إلى سَحابَةٍ مُبهَمَةٍ مِنَ التَّداعِيات. والطَّريقَةُ لِبَعثِ الغَضاضَةِ فيها هِيَ مُقاربَتُها مُوارَبَةً، عَن طَريقِ الجَسَد، والأشياء، والإيماءات. إيّاكَ ووَصفَ الشُّعور، واكتُب عَمّا يَصنَعُهُ الشُّعورُ بِاليَدَين. دَع قَولَكَ «كانَت مَفطورَةَ القَلب»، وصِف ما صَنَعَتهُ بِبَقايا الطَّعامِ في الثَّلّاجَة. صِف وُقوفَها عِندَ حَوضِ المَطبَخِ تَغسِلُ كَأساً واحِداً لِوَقتٍ طَويل، تُديرُهُ تَحتَ الماء، وتُراقِبُ النّورَ يَتَخَلَّلُهُ، وَقَد عَجَزَت عَن تَنحِيَتِه. إنَّ العاطِفَةَ كامِنَةٌ في تِلكَ الكَأس. العاطِفَةُ كامِنَةٌ في مُدَّةِ وُقوفِها هُناك. والقارِئُ سَيَستَشعِرُها دونَ أن تُفصِحَ أنتَ عَنِ اسمِها.

وتِلكَ هِيَ العَقيدَةُ القَديمَةُ «أَرِ ولا تَحكِ»، غَيرَ أنَّ الأمرَ أعمَقُ مِن ذَلِك. هُوَ أن تُدرِكَ أنَّ العَواطِفَ لَيسَت مَعانيَ مُجَرَّدَة. إنَّما هِيَ أحداثٌ جَسَدِيَّة. تَقَعُ في بَدَنِ المَرءِ وتَترُكُ آثارَها عَلى العالَم. ومُهِمَّةُ الكاتِبِ أن يُعايِنَ هَذِهِ الآثار. فالحُبُّ يَدٌ تَستَرِيحُ عَلى كَتِفٍ وتَطولُ في مُكثِها ثانِيَتَينِ فَقَط زِيادَةً عَنِ المُعتاد. والفَقدُ صَوتٌ ما بَرِحَ يَقولُ «نَحنُ» لِأشهُرٍ بَعدَ رَحيلِ الآخَر. وما هَذِهِ الدَّقائِقُ بِزُخرُفٍ، إنَّما هِيَ عُمُدُ البَياناتِ وأُصولُها. التَّجريدُ ظِلٌّ، والتَّفصيلُ عَينُ الشَّيء.

وصَقلُ صَوتٍ شَخصِيٍّ لا يَتَأتّى بِمُحاوَلَةِ اصطِناعِهِ. فَما الصَّوتُ بِأُسلوب؛ إذِ الأُسلوبُ قابِلٌ لِلمُحاكاة. إنَّما هُوَ صَدى عِنايَتِكَ الخاصَّة، ووَطأةُ هَواجِسِك، وإيقاعُ فِكرِك. ولا يَنبَثِقُ إلّا حينَ تَكُفُّ عَن مُحاوَلَةِ الظُّهورِ بِمَظهَرِ الكُتّاب، وتَشرَعُ في رُؤيَةِ الأشياءِ جَلِيَّةً. إنَّهُ التُّراثُ الّذي تُخَلِّفُهُ طَريقَتُكَ في النَّظَرِ إلى العالَم. لا يُمكِنُكَ استِجلابُهُ قَسراً، وإنَّما يُمكِنُكَ فَقَط إزاحَةُ ما يَحجُبُهُ: كَالرَّغبَةِ في إبهارِ النّاس، وتَوَجُّسِ الخيفَةِ مِنَ العادِيَّة، ومُحاكاةِ كُتّابٍ تُجِلُّهُم، ومُحاوَلاتِ التَّشَدُّقِ بِالحِكمَة. كُلُّ هَذا يَجِبُ أن يُكشَطَ كَشطاً. وما يَتَبَقَّى، إن كُنتَ صَبوراً ومَحظوظاً، هُوَ شَيءٌ يُشبِهُكَ لِأنَّهُ أنت، ولِأنَّهُ لا يُمكِنُ لِأحَدٍ سِواكَ أن يَأتيَ بِمِثلِه.

ومَناطُ الِاختِلافِ بَينَ تَناوُلِكَ لِفِكرَةٍ مُشتَرَكَةٍ وتَناوُلِ غَيرِكَ لَها، لا يَكمُنُ في الفِكرَةِ ذاتِها؛ وإنَّما في كُلِّ ما تَجيءُ بِهِ إلى الفِكرَة. سيرَتُكَ، قِراءاتُكَ، ثَقافَتُكَ، لُغَتُكَ، ذَوقُكَ، جِراحُكَ، وزاوِيَةُ إبصارِكَ الخاصَّة. يُمكِنُ لِكاتِبَينِ أن يَجلِسا في حُجرَةٍ واحِدَةٍ فَيَرَيانِ أشياءَ مُتَبايِنَة؛ أحَدُهُما يُبصِرُ النُّورَ الواقِعَ عَلى الجِدار، والآخَرُ يُبصِرُ الغُبارَ العالِقَ في النّور. وكِلاهُما صادِق، ولا واحِدَ مِنهُما يَملِكُ الحَقيقَةَ كُلَّها. الفَرقُ في الأداة. ومَوقِفُكَ مِنَ الحُبِّ يَختَلِفُ عَن مَوقِفِ سِواكَ لِأنَّكَ أحبَبتَ أُناساً مُختَلِفين، وفَقَدتَ أُناساً مُختَلِفين، ورَأيتَ الحُبَّ يَخيبُ ويُفلِحُ بِطُرُقٍ مُتَبايِنَةٍ ومَخصوصَة. الفِكرَةُ المُشتَرَكَةُ مِيدانٌ، غَيرَ أنَّ النِّزالَ شَخصِيّ.

إنَّ خَشيَةَ الِاقتِباسِ، وخَشيَةَ التَّقليدِ، وخَشيَةَ الِاستِنساخِ - كُلُّ هَذا إنَّما هُوَ في حَقيقَتِهِ خَشيَةُ ألّا تَكونَ هُناكَ ذاتٌ تَأتي بِها إلى النَّصّ. وهِيَ خَشيَةٌ في مَحَلِّها، لَكِنَّ عِلاجَها لا يَكمُنُ في أصَالَةِ المُحتَوى، وإنَّما في عُمقِ الِالتِفات. فَكُلَّما أمعَنتَ في الِالتِفاتِ إلى العالَمِ كَما يَتَبَدَّى لَك - لا كَما يَتَبَدَّى في طَيّاتِ الكُتُب، ولا كَما يَبدو لِكُتّابٍ آخَرين، وإنَّما كَما تُميِّزُهُ عَيناكَ أنت - زادَ إبصارُكَ لِأشياءَ لَم يُبصِرهَا أحَدٌ سِواك. وهَذِهِ المُلاحَظاتُ الدَّقيقَةُ، المُتَراكِمَةُ مَعَ الأيّام، تَستَحيلُ طَريقَةً في الرُّؤيَة. وتِلكَ الطَّريقَةُ في الرُّؤيَةِ تَغدو صَوتَك. وصَوتُكَ هُوَ الشَّيءُ الأوحَدُ الّذي تَملِكُهُ ولا يَستَطيعُ أحَدٌ سَلبَهُ مِنك، لِأنَّهُ لا أحَدَ غَيرَكَ قادِرٌ عَلى أن يَحيا حَياتَكَ أو يُبصِرَ بِعَينَيك.

ما الأصَالَةُ بِعِلَّةٍ، إنَّما هِيَ نَتيجَة. إنَّها ما يَقَعُ حينَ يَصرِفُ إنسانٌ بِعَينِهِ التِفاتاً بِعَينِهِ إلى رُكنٍ بِعَينِهِ مِن أركانِ العالَمِ ثُمَّ يَأتي بِالخَبَر. لا تُدرَكُ كِفاحاً، وإنَّما يُخلى لَها السَّبيلُ لِتَقَع. الكاتِبُ الّذي يَلهَثُ وَراءَ الأصَالَةِ يُنتِجُ بِدعَةً، وهِيَ أصيلَةٌ كَما تَكونُ نَكهَةُ مَعجونِ الأسنانِ الجَديدَةِ أصيلَة. أمّا الكاتِبُ الّذي يَنشُدُ الِالتِفاتَ فَإنهُ يُنتِجُ، في آخِرِ المَطافِ، أصَالَةً، كَما يَصنَعُ النَّهرُ وادِياً بِدُؤوبِهِ عَلى الجَرَيانِ فيهِ لا غَير.

فَكَيفَ تَعرِفُ إذن ما إذا كانَت فِكرَتُكَ مُستَعارَةً دونَ قَصد؟ لا تَعرِف. وعَلَيكَ أن تَتعايَشَ مَعَ هَذا الشَّك. تَستَمِرُّ في القِراءَةِ، وتَستَمِرُّ في الِامتِصاصِ، وتَستَمِرُّ في النِّسيانِ، وتَستَمِرُّ في الكِتابَة. وقَد تَكتُبُ يَوماً عِبارَةً، فَتُدرِكُ في مَزيجٍ عَجيبٍ مِنَ الخَجَلِ والعِرفانِ، أنَّها تَعودُ لِشَخصٍ آخَر. فَتُبَدِّلُها أو تُبقِيها، مَردُّ ذَلِكَ إلى مِقدارِ ما مَرَّ مِنها عَبَرَك. وتَمضي في سَبيلِك. لِأنَّ الخِيارَ الآخَرَ هُوَ الصَّمت. والصَّمتُ هُوَ الفَشَلُ الأوحَدُ لِلكِتابَة.

الماءُ مُعادُ التَّدوير. شَرِبَهُ الديناصور، واحتَضَنَتهُ الغَيمَة، وذَرَفَهُ الغَريب. وها هُوَ الآنَ في كَأسِك، تَشرَبُهُ، فَيُصبِحُ بَعضاً مِنك، وفي يَومٍ مِنَ الأيّامِ سَيُصبِحُ بَعضاً مِن سِواك. ما مِن شَيءٍ يَضيع. وما مِن شَيءٍ جَديد. ومَعَ ذَلِكَ، فَإنَّ المَذاقَ الخاصَّ لِلماءِ في هَذا الفَمِ بِعَينِهِ، في هَذا الصَّباحِ بِعَينِهِ، بِهَذا النّورِ الخُصوصِيِّ المُنسَكِبِ عَلى الكَأس - ذَلِكَ ما لَم يَحدُث قَطّ مِن قَبل. ذَلِكَ لَك. وذَلِكَ حَسبُك.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق