وما عَلَيْنا مِنْ جِلْدِنا
أجارَتَنا مافاتَ لَيْسَ يَؤوبُ
ومَا هُوَ آتٍ في الزَّمانِ قَرِيبُ
ولَيْسَ غريباً مَن تَنائتْ ديارُهُ
ولكنَّ مَنْ وارى التُّرابُ غَريبُ
امْرُؤُ القَيْسِ، «أجارَتَنا إنَّ الخُطُوبَ تَنوبُ».
قبل أن يؤسِّسَ شيئًا، وقبل أن يعلِّقَ سبعةُ حُكامٍ - فيما يُزعمُ - قصائدَهُ بحروفٍ من ذهبٍ على جدرانِ حرَمٍ في مكة، طُرِدَ امْرُؤُ القَيْسِ مِنْ بيتِ أبيهِ لفرطِ صراحتِهِ في ذِكرِ النِّساءِ. سبقَ الشِّعْرُ النَّفْيَ، وهذا التَّرتيبُ ذو شأنٍ؛ فقد نَالَ عِقابَهُ لأسبابٍ خلت من السِّياسةِ أو الطُّموحِ أو حتَّى الكِبْرياء، وتلك هي الدَّوافِعُ المألوفةُ التي تُفضي إلى نَفْيِ الأُمراءِ. لقد نَالَ عِقابَهُ جرَّاءَ مضمونِ قولِهِ. فقد حَضَرَ الجسدُ في أبياتِهِ قبل أن يَحْضُرَ العرشُ، وتجلَّى بتفاصيلَ دَفَعَتْ حُجْرًا، ملكَ كِيندَةَ، إلى الإيقانِ بأنَّ قصائدَ ابْنِهِ الأصغرِ عن خُصورِ النِّساءِ ومَعاصِمِهِنَّ، وتلك الطَّريقةِ الخصيصةِ التي يَسْقُطُ بها النُّورُ على بشرةٍ عاريةٍ عند غديرٍ في الصَّحراءِ، تُشكِّلُ خطرًا على مكانَةِ العائلَةِ يفوقُ خطرَ أيِّ قبيلةٍ مُناسبَةٍ لَهُمُ العَدَاء.
والمشهدُ الذي أوقعَهُ في المحظورِ، أو مشهدٌ يُدانيهِ حدَّ التَّطابقِ، بقي خالدًا في القصيدةِ التي غدَتْ معلَّقتَهُ لاحقًا؛ مشهدُ نديمِ النِّساءِ تُسرقُ ثيابُهُ أثناءَ اغتسالِهِ، فيضطرُّ إلى المساومةِ لاستردادِها، والجميعُ يَضْحَكُ، دون أن يعتريَ السَّرْدَ أيُّ شعورٍ بالعَار. وفي موضعٍ لاحقٍ من القصيدةِ ذاتِها، تظهرُ امرأةٌ تدعوُها عُنَيْزَةَ، وهُودَجٌ، وجدالٌ حولَ السَّماحِ لَهُ بالرُّكوبِ معها، ثم يَمْتَطِيهِ بكلِّ بساطةٍ. ولا يلتمسُ أيٌّ مِنْ هَذا عذرًا لنفسِهِ. ويجدرُ بنا التَّأمُّلُ هاهُنا مليًّا قبل إطلاقِ أيِّ قولٍ أعظمَ شأنًا في حقِّهِ، ذلك أنَّ الوثيقةَ التَّأسيسِيَّةَ للشِّعْرِ العَرَبِيِّ - وتلك العبارَةَ التي يتحتَّمُ على كلِّ دارسٍ للُّغَةِ أن يَحْفَظَها: قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ - تُستهَلُّ بالحُزنِ على امرأةٍ ضائعَةٍ ومكانٍ مفقودٍ، غيرَ أنَّ الشَّاعِرَ الذي صاغَها كان قد أمْضَى صباهُ في تدوينِ سيرةِ جسدِهِ المكشوفِ دون أن يشوبَهُ أيُّ حُزنٍ البَتَّةَ. فقد جاءَتِ الأطلالُ أوَّلاً كفكرةٍ، في حينِ جاءَ الجلدُ العاري أوَّلاً كحقيقةٍ واقعَةٍ.
وفي المرَّةِ الثَّانيَةِ التي يبرزُ فيها شأنٌ لِثَوْبٍ في هَذِهِ القِصَّةِ، لم يكنِ الأمرُ سرقةً على سبيلِ الدُّعابَة. يُقتلُ حُجرٌ على يدِ بني أسدٍ، فيصبحُ امْرُؤُ القَيْسِ، وِفْقَ النَّعْتِ الذي استقرَّ عليه التُّراثُ العَرَبِيُّ، المَلِكَ الضِّلِّيلَ - أيِ المَلِكَ الجَوَّالَ، أو حرفيًَّا المَلِكَ الذي ضلَّ طريقَهُ، وضَيَّعَ مُلكَهُ، وفَقَدَ الأرضَ التي يُفْتَرَضُ أن يقفَ عليها مَلِكٌ يحملُ لقبَهُ. يقضي سنواتٍ في اقتفاءِ أثارِ الحُلفاءِ عبر الجزيرةِ للتَّأرِ لأبيهِ، فيخذُلُهُ جُلُّهُمْ، ويشقُّ طريقَهُ أخيرًا شَطْرَ بيزنطَةَ ليستجديَ جيشًا مِنَ الإمبرَاطورِ جُسْتِنْيَان. وقبل أن يعبرَ إلى عالَمٍ تفقدُ فيه دعاويهِ القَبَلِيَّةُ أيَّ معنىً، يأتي بفعلٍ أفردتْهُ الباحِثَةُ سُوزان سْتِتْكِيفِيتش بوصفِهِ المحورَ الذي تدورُ عليه سيرَتُهِ بأكملِها: إذ يودعُ دروعَهُ المتوارثَةَ عن أسلافِهِ أمانَةً لدى السَّمَوْأَلِ، وهُوَ أميرٌ يهوديٌّ في تيماءَ، ليحفظَها له. فهي لم تُبَعْ. ولم تُفْقَدْ. فقد جَرَى تسليمُها عن عمدٍ، وتنجيتُها جانبًا، وخلعُها عن جسدِهِ وإداعُها في رِعايَةِ شخصٍ آخَرَ بينما يمضي لطلبِ العونِ مِنْ إمبراطورٍ أجنبيٍّ.
والدِّرْعُ، في هذا العَالَمِ، تُجاوزُ مفهومَ العَتَاد. إنَّها إرْثٌ يُلبسُ - البرهانُ الماديُّ الذي يدُلُّ على هويَّةِ الأبِ، والنَّسَبِ، وحقِّ الحكمِ الذي تحملهُ إلى ساحَةِ الوغى. وامْرُؤُ القَيْسِ يخلعُ درعَهُ. يدخلُ القُسْطَنْطِينِيَّةَ في حالَةٍ تقاربُ العُرْيَ، بالمعنى الجوهريِّ الذي يمكنُ أن يكونَ عليه مَلِكٌ - فلا درعَ، ولا مملكةَ، ولا شيءَ على جسدِهِ يعلنُ عن أصلِهِ الذي ينحدرُ منه - ويطلبُ من أقوى رجلٍ في حوضِ المُتوسِّطِ أن يَكسوَهُ بالجنودِ بدلًا من ذلك. ذلك الشَّاعِرُ الذي كانت أولى فضائحِهِ وقوعَهُ ضحيةَ سرقةِ ثيابِهِ عند غديرِ السِّباحَةِ، يكبرُ ليغدوَ رجلًا يخلعُ هويَّتَهُ طواعيةً ويسلِّمُها لغريبٍ ليحفظَها، على أملِ أن يتمكَّنَ مِنْ ارتدائها لاحقًا. ولكنَّهُ لا يفعلُ ذلك أبدًا.
وما يُرسلُهُ جُسْتِنْيَانُ لاحقًا، وِفْقًا للرِّوايَةِ التي تردَّدتْ في كلِّ سردٍ لاحقٍ لحياتِهِ، هُوَ حُلَّةٌ. حُلَّةٌ بديعةٌ، هديَّةٌ موشَّاةٌ بالذَّهبِ، علامةٌ على رضا الإمبرَاطورِ بعد أن بلغَتْهُ شائعاتٌ تفيدُ بأنَّ الأميرَ الشَّاعِرَ العَرَبِيَّ قد أغوى شخصيَّةً في البلاطِ ما كان ينبغي له التَّقَرُّبُ منها. يرتديها امْرُؤُ القَيْسِ. فتدندلعُ القروحُ في جلدِهِ. ويقضي نحبَهُ في معاناةٍ مريرةٍ في مكانٍ ما بالقربِ مِنْ أنقرَةَ، ويمنحُهُ التُّراثُ الأدبيُّ العَرَبِيُّ لقبًا إضافيًّا يحملُهُ إلى جانبِ المَلِكِ الضِّلِّيلِ: ذُو القُرُوحِ، الرَّجُلُ المبتلى بالقروحِ، الأجرَبُ - وهو لقبٌ يُحيلُ جسدَهُ بأكملِهِ، في خاتمةِ المطافِ، إلى الميدانِ الذي تُكتبُ فيه القصةُ كلُّها. قصةٌ تخلعُ ثوبَ القصيدةِ هذه المرَّةَ. تتجلَّى كطفحٍ جلديٍّ. كنصٍّ أُجبرَ جلدُهُ على نشرِهِ دون مشيئتِهِ.
إنَّها صورةٌ مكتملةٌ إلى حدٍّ استثنائيٍّ، بل تكادُ تكونُ مفرطةَ الِاكتمالِ، ويتبينُ أنَّ هَذَا الإفراطَ هُوَ الحدسُ الصَّائبُ الذي يجبُ توجُّهُهُ نحوها. إذ تقدِّمُ دراسةٌ نُشِرَتْ عامَ ٢٠٢٠ لعالمِ الكلاسيكيَّاتِ «ت. فَاسْبِيرْغ»، في مجلَّةِ الجَمْعِيَّةِ الِاسْتِشْرَاقِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ تحت عنوانِ «الموتَةُ اليُونَانِيَّةُ لِامْرِئِ القَيْس»، حُجَّةً مفادُها أنَّ قصةَ الحلَّةِ المسمومةِ تفقدُ أصالتَها العَرَبِيَّةَ تمامًا - فقد جَرَى اقتباسُها، بنيويًّا، مِنَ الأُسْطُورَةِ اليُونَانِيَّةِ، وتحديدًا مصرعِ «هِرَقْلَ» بقميصِ «نِيسُوس»، وتَرَدَّدَ صداهُ مجددًا في الحلَّةِ المسمومةِ التي بعثَتْ بها «مِيدْيَا» لقتلِ غريمتِها في مسرحيَّةِ «يُورِبِيدِيس». فثيمَةُ الرِّداءِ الذي يقتلُ الجسدَ الذي يرتديهِ كانتْ قديمةً سلفًا، ويونانيَّةً سلفًا، قبل قرونٍ مِنْ إلصاقِها بشاعرٍ عَرَبِيٍّ. ويميلُ معظمُ المؤرِّخينَ المعاصرينَ، على أيَّةِ حالٍ، إلى أنَّ امرأَ القيسِ ماتَ على الأرجحِ إثرَ علَّةٍ جلديَّةٍ مزمنةٍ سبقَ أن أشارَ إليها في شعرِهِ، أو لربَّما أصيبَ بالطَّاعُون الدَّبْلِيِّ الذي كان يجتاحُ بيزنطَةَ عامَ ٥٤٢ - وهي ميتةٌ تفتقرُ إلى البريقِ والدّراما، ويبدو أنَّ الرُّواة اللاحقينَ، الذين عاشوا في عالمٍ متاخمٍ لبيزنطَةَ ومُشْبَعٍ بالزَّخارفِ السَّرْدِيَّةِ اليُونَانِيَّةِ، وجدوها أقلَّ إشباعًا مِنْ أن يَسْتَعِيرُوا خاتمةَ «هِرَقْلَ» ويمنحوها لشاعرهِم بديلًا عن ذلك.
وما يعنيهِ ذلك هو أنَّ الحقيقةَ الأكثرَ رسوخًا وجسديَّةً التي يعرفُها النَّاسُ عن أبي الشِّعْرِ العَرَبِيِّ - صورةُ جلدِهِ الذي ينقلبُ ضدَّهُ، مستحيلًا إلى شيءٍ عصيٍّ على القراءَةِ، متحولًا إلى جرحٍ - قد لا تكونُ قصَّتَهُ مِنَ الأسَاسِ. ربَّما تكونُ مجردَ ترجمةٍ. فالأسطورةُ التَّأسيسيَّةُ للتُّراثِ حولَ جسدٍ نُقِشَتْ عليه الخيانَةُ قد تكونُ بكلِّ بساطةٍ قماشًا يونانيًّا قُصَّ على مقاساتٍ عَرَبِيَّةٍ، ولم يشعرْ أحدٌ على امتدادِ الطريقِ بالالتزامِ بإعلانِ ذلك على الملأ، فالقصةُ المحكَمَةُ تسري أثرها أسرعَ مِنْ أيِّ هامشٍ أو تعليقٍ، وتعيشُ بعدَهُ لخمسةَ عشرَ قرنًا.
وفي عامِ ٢٠٠٨، في بيروتَ، أطلقَتِ الشَّاعِرَةُ «جُمَانَة حَدَّاد» مجلَّةً وأطلقَتْ عليها اسمَ «جَسَد». وقد نشرتْ مقالاتٍ حولَ الإيروسِيَّةِ، وعن الجسدِ كمادَّةٍ اجتماعيَّةٍ وسِياسيَّةٍ، وعن كلِّ ما كانتِ الصِّحافَةُ النَّاطقَةُ بالعَرَبِيَّةِ في تلك الفترةِ تتعاملُ معهُ كَمُحَرَّمَاتٍ لا يُباحُ بها، وأثارتْ تمامًا ذلك الضربَ من الجدلِ الذي قد تتوقعُهُ مِنْ ثقافةٍ أمضتْ، حتى ذلك الحينِ، زمنًا طويلًا في إقرارِ أنَّ الجسدَ يفتقرُ للموقِّماتِ التي تجعلهُ موضوعًا لائقًا للنَّثْرِ العَرَبِيِّ الرَّصينِ. ولم يكنْ تأطيرُ حدَّاد لمشروعِها ينطلقُ من أنَّها تستوردُ شيئًا دخيلًا أو فادحًا من خارجِ التُّراثِ. لقد كانتْ حجتُها تميلُ إلى الاتِّجاهِ المعاكسِ - مستندَةً إلى أنَّ الأدبَ العَرَبِيَّ كان قد اعتادَ التَّحدثَ عن الجسدِ بسهولةٍ مطلقةٍ، وأنَّ التَّزمُّتَ هوَ الشيءُ الحديثُ المستوردُ، وأنَّ ما تقومُ به يرتقي إلى مقامِ الاستعادَةِ والإحياءِ متجاوزًا كونَهُ مجردَ استفزازٍ.
وهي لم تخطئْ في قرائَتِها للتَّاريخِ. فالتُّراثُ الذي تمدُّ يدَها لاستحضارِهِ، ذلك الذي يستطيعُ فيه شاعِرٌ أن ينسجَ جسدَهُ المكشوفَ في الوثيقَةِ التَّأسيسيَّةِ للُّغَةِ دون اعتذارٍ، يمتلكُ نقطةَ أصلٍ واحدةً بالغةَ الوضوحِ، وتتَّمثلُ في ذاتِ الأميرِ الذي طُرِدَ مِنْ بيتِ أبيهِ لكتابتِهِ بشفافيَّةٍ مفرطةٍ عن الرَّغْبَةِ، قبل أحدَ عشرَ أو اثني عشرَ قرنًا مِنْ أن يحتاجَ أيُّ مَرْءٍ في بيروتَ إلى مجلَّةٍ لينطقَ كلمةَ «جَسَدٍ» بصوتٍ عالٍ.
ولكنْ فلنَتأمَّلْ
قليلًا ما أظهرتْهُ الحُجْرَةُ السَّابِقَةُ مِنْ هذه القِصَّةِ ذاتِها للتَّوِّ. إذا
كانتِ الصورةُ الأكثرُ جسديَّةً، والأكثرُ تمركزًا حولَ الجلدِ، والمرتبطَةُ بنقطةِ
الأصلِ تلك - أيِ الموتُ الذي يُحيلُ جسدَ رجلٍ بأكملِهِ إلى جرحٍ مقروءٍ - قد تكونُ
في حدِّ ذاتِها نبتًا مستزرعًا، قميصًا يونانيًّا خيطَ عَلَى جسدِ مَلِكٍ عَرَبِيٍّ
بأيدي رُواتٍ مدُّوا أيديهم إلى أقربِ أسطورةٍ متاحةٍ، فإنَّ الأرضيَّةَ التي تقفُ
عليها حدَّاد حينَ تصفُ الأمرَ بأنَّهُ عودَةٌ إلى شيءٍ أصيلٍ، تبتعدُ عن الصَّلابَةِ
التي تتطلَّبُها أيُّ عودَةٍ لأرضيَّتِها في العادةِ. إنَّها تمدُّ يدَها إلى ما وراءَ
جسدٍ كان، منذ أشهرِ لحظاتِهِ فصاعدًا، ينطقُ برداءٍ مستعارٍ. فيتبينُ أنَّ تراثَ كتابةِ
الجسدِ العَرَبِيِّ دون خجلٍ قد أسَّسَهُ رجلٌ كان التَّجَرُّدُ الأخيرُ لجسدِهِ -
ذلك الذي نَفَذَ فيه قماشُ الغريبِ أخيرًا إلى أعماقِ جلدِهِ - منقطعَ الصلةِ باللُّغَةِ
العَرَبِيَّةِ البَتَّةَ، ولا أحدَ مِمَّنْ يستردُّونَ إرثَهُ اليومَ يبدو تائقًا بشكلٍ
خاصٍّ للتَّساؤُلِ عمَّا يعنيهِ الرُّجُوعُ إلى أرضٍ لستَ واثقًا من أنَّها كانتْ خالصةً
لك يومًا مِنَ الأسَاسِ.