ثلاثةَ عشَرَ يومًا

قبلَ سنينَ من تكفُّلِ رصاصةٍ أو شظيَّةٍ بإتمامِ المُهِمَّةِ الفعليَّةِ قربَ «فيرماندوفيليرز» (Vermandovillers)، كان «ألفريد ليشتنشتاين» قد خطَّ بيدِهِ مصرَعَ قرينِه. تُوسَمُ القصَّةُ بـ«الفَائِز» (der sieger) - وتصِفُ بذلكَ الأسلوبِ السَّاخرِ الجافِّ الذي اختصَّ بهِ، صداقةً بينَ شابَّينِ تُختتَمُ بقتلِ أشدِّهِما فحولَةً للآخر. يُدعى الضَّحيَّةُ «كونو كون»: وهو فتىً صامتٌ خجولٌ ضئيلُ البِنيَة، وما من أحدٍ قرأ القصَّةَ من رُوّادِ مقاهي «برلين» إلّا وعرَفَ حقَّ المعرفَةِ من الذي استُعيرَت لهُ تلكَ السِّمات؛ إذ طفِقَ «ليشتنشتاين» يرسُمُ ملامحَ «كونو كون» في قصائدَ سابقةٍ ليكونَ قرينَهُ الذي يُعرَفُ بهِ، ويسخرُ فيهِ من نفسِه: ذلكَ الغريبُ الأخرَق، الشَّاعرُ الدَّميم، وأُضحوكتُهُ التي يُبادِرُ بروايتِها قبلَ أن يسبِقَهُ إليها غيرُه. لقد صاغَ مقتلَهُ في قالَبٍ خياليّ، تفكُّهاً ودعابَةً أدبيَّةً، في حدودِ عام ١٩١٢ أو ١٩١٣. وفي سبتمبر من عام ١٩١٤، انقطَعَ الهزلُ وصار حقيقَةً؛ بالمعنى المعتادِ لفناءِ المرءِ زوالاً تامّاً، قربَ قريَةٍ في وادي «السوم» (somme) لا يزالُ جُلُّ قرّائِهِ يستصعِبونَ لفظَ اسمِها.

وما يُثيرُ ريبتي هُنا، وما هي بمحضِ الصُّدفَة، أنَّ كثيراً من الكُتّابِ قد تخيَّلوا مناياهُم، ثمَّ عاشَ معظمُهُم عقوداً بعدَ ذلك، تغشاهُمُ المذلَّةُ من تلكَ المبالغاتِ العاطفيَّة. إنَّما يقعُ الأمرُ في النَّبرةِ المخصوصَةِ التي صاغَ بها موتَه: فُكاهيَّة، عابرة، مُلقاةٌ في خواتيمِ حكايَةٍ هزليَّة، مُجرَّدةٌ من كلِّ وقار. معظمُ الكُتّابِ ممَّن يُسَطِّرونَ مراثيَهُم قبلَ الأوانِ يُضفونَ عليها مهابَةً ورزانَة، أمَّا «ليشتنشتاين» فقد جعلَ موتَهُ مجرَّدَ طُرفَةٍ تُختتَمُ بها مزحَة.

لقد أنبأَنا، بصيغَةٍ أو بأخرى، عن السِّرِّ وراءَ ذلك. ففي نصٍّ نثريٍّ شارحٍ حُفِظَ بين أوراقِه، أرسى ما يُقارِبُ فلسفَةً عمليَّة: الحُزنُ هو السَّلوى الحقيقيَّةُ الوحيدةُ المُتاحَة، وحينَ يتخثَّرُ الحزنُ ليُصبِحَ يأساً، يكونُ الرَّدُّ الصَّائبُ هو التَّدثُّرَ بالبشاعَةِ والغرابَة، والمُضِيَّ في العيشِ سخريَةً ورغبةً في استجلابِ بعضِ التَّرويحِ من خلالِ الإقرارِ بأنَّ الوجودَ ما هو إلّا سلسلَةٌ متَّصلَةٌ من النِّكاتِ السَّمجةِ القاسيَة. ومثلُ هذا القولِ لا يُعَدُّ وصفاً نقديّاً لأسلوبِه، إنَّما هو بيانُهُ الشَّخصيُّ لقواعدِ عملِه، مبسوطاً بلا مواربَة، كشيءٍ أقرَبَ إلى قواعدِ النَّظافَةِ منهُ إلى صنعَةِ الفنّ.

ممَّا يعني أنَّ تلك المشاهدَ المُوغِلَةَ في الغرابَةِ والبشاعَةِ في قصائدَ مثل «الغَسَق» (die dämmerung) - ذاك الفتى البدينُ يُطارِدُ بِركَةً، والرِّيحُ عاقصةٌ في شجرَة، والمشلولُ يتدحرَجُ عن مقعدِ الحديقَة، والشَّاعرُ يغوصُ في لُجَّةِ الجنونِ بصمت، وكلُّها تُنقَلُ بتلكَ النَّبرةِ الجافَّةِ كما تُنقَلُ أخبارُ الطَّقس - لا تُؤدّي في حقيقتِها دورَ المُفارقَةِ كحيلَةٍ أدبيَّة، على النَّحوِ الذي قد يبتغيهِ ناقدٌ يصِفُها بـ«إرهاصاتِ العبثيَّة» أو «سلَفِ الدَّادائيَّة». إنَّها أقرَبُ ما تكونُ التَّوثيق. فقد كانَت تلك، بشهادتِهِ هو، الطَّريقَةَ التي يُعالِجُ بها عقلُهُ مجرى الأمور. فالبشاعَةُ لم تكُن قناعاً يُلبِسُهُ للعالمِ ليجعلَ النَّظرَ إليه محتمَلاً، إنَّما هي، كما أقرَّ دائماً، الصُّورَةُ الوحيدةُ التي قُدَّ منها العالمُ في حقيقَةِ أمرِه.

في الثّامنِ من أغسطس عام ١٩١٤، حُمِلَ «ليشتنشتاين» مع سِواهُ من أفرادِ فرقتِهِ العسكريَّةِ في عربَةِ مواشٍ، محمولينَ شطرَ الجبهَةِ الغربيَّة. وبحسَبِ روايَةِ صديقِهِ «بيتر شير»، وروايَةِ النّاقدِ «راينهولد غريم» الذي أعادَ رسمَ المشهدِ بعد عقود، فقد نظَمَ «ليشتنشتاين» قصيدَةً في الدَّقائقِ الأخيرَةِ قُبَيلَ الرَّحيل - بالمعنى الحرفيِّ، بينما كانَتِ العجلاتُ قد شرعَت تدور، خطَّها على أيِّ سطحٍ تيسَّرَ لجنديٍّ يُنقَلُ في عربَةِ بهائم. أسمى قصيدَتَهُ «الوَدَاع» (abschied).

قُبيلَ الموتِ، أنظِمُ قصيدتي.

صَهٍ يا رفاق، لا تُكدِّروا صَفوَتي.

ماضونَ نحنُ إلى الحرب. والموتُ مِلاطُنا.

ليتَ محبوبتي لم تذرِف عليَّ هذه الدُّموع.

ما الذي أفعَلُه. إنّي لَماضٍ في حُبور.

تبكي أمّي. ولابُدَّ أن يُقَدَّ المرءُ من حديد.

تَهوي الشَّمسُ نحو الأُفُق.

وعمَّا قريبٍ، سأُنبَذُ في مقبرةٍ جماعيَّةٍ وديعة.

تلتَهِبُ في السَّماء حُمرةُ المساءِ الرَّقيقة.

ولعلِّي، بعد ثلاثَةَ عَشَرَ يومًا، أكونُ في عِدادِ الموتى.

وما يجدرُ بالوقفَةِ هُنا لا يكمنُ في المضمون، مع أنَّ المضمونَ زاخرٌ ممتلِئٌ - شابٌّ يُخاطِبُ أمَّهُ الباكيَة، ومحبوبتَه، ويُصِرُّ في نفسِهِ على وجوبِ التَّجلُّدِ بصلابَةِ الحديد، مُقَدِّراً بدقَّةٍ مريعَةٍ أنَّهُ قد يكونُ في عِدادِ الموتى في غضونِ ثلاثَةَ عشرَ يومًا. إنَّما يجدرُ التَّأمُّلُ في القالَبِ الذي ركنَ إليه. ففي مواجهَةِ ما كان يملكُ كلَّ سببٍ للاعتقادِ بأنَّهُ موتُهُ العنيفُ الوشيك، لم يرتقِ «ليشتنشتاين» إلى صيغَةٍ أشدَّ وقاراً من أسلوبِهِ المعتاد، بلِ ارتدَّ إلى ما هو أخفّ - إلى وزنٍ بسيط، واثب، ومترنِّم، من ذلك النَّوعِ الذي تُميِّزُهُ لتَوِّكَ في أغاني الأطفالِ وترانيمِ لعبَةِ القفزِ وأهازيجِ الحبل، ممَّا لا يصلُحُ للرِّثاء. كان في وُسعِه، في تلك المرحلَةِ من مسيرتِهِ القصيرَة، أن ينهَلَ من أوزانٍ شتّى، لكنَّهُ اختار الإيقاعَ الذي يستخدمُهُ طفلٌ في لعبَة.

وثمَّةَ قراءَةٌ لهذا الأمرِ تجعلُهُ منطقيّاً حدَّ العجزِ عن احتمالِهِ بدلاً من كونِهِ غريباً. فالوزنُ المترنِّمُ وعاءٌ لا يُكلِّفُكَ عناءَ الابتكار - بِنيتُهُ محفوظَةٌ في الذَّاكرَة، صقلَها التَّكرارُ قبلَ أن يتسنَّى لك التَّفكيرُ في جملٍ مكتملَة، وهو قادرٌ على استيعابِ أيِّ مضمونٍ تصبُّهُ فيهِ دون أن ينهار، وذلك تحديداً لأنَّهُ لم يُبنَ ليحمِلَ ثِقَلَ ذلك المضمونِ بصِدق. إنَّهُ مبنيٌّ ليحمِلَ الإيقاع. وربَّما يكونُ هذا هو ما ينشُدُهُ المرءُ فعلاً في الدَّقائقِ الأخيرَةِ قبلَ أن يمضيَ بهِ قطارٌ نحوَ هلاكٍ مُتَوَقَّع - لا قالباً يُوازي جلالَ الموقف، إذ لا قالَبَ يصمُدُ لهذا الجلال، إنَّما يلتجِئُ إلى قالَبٍ موغِلٍ في القِدَمِ والبساطَة، يسَعُ الرُّعبَ دون أن يُطالبَكَ بالشُّعورِ بهِ كاملاً دفعَةً واحدَة.

وممَّا يُعينُ على الفهمِ أن نُدركَ هيئَةَ النَّقيض، إذ لم يكُن «ليشتنشتاين» الشَّاعرَ التَّعبيريَّ النَّاطقَ بالألمانيَّةِ الوحيدَ الذي واجَهَ أتونَ الحربِ في ذلك الخريف، وتتبدّى غرابَةُ حالتِهِ بجلاءٍ عندَ مقارنتِها بحالَةٍ أخرى.

فهذا «جورج تراكل»، النِّمساويُّ ذو السَّبعةِ والعشرينَ ربيعاً، الصَّيدليُّ المؤهَّلُ العاملُ كضابطٍ طبِّي، قد نيطَت بهِ بعد معركَةِ «غروديك» مَهمَّةُ العنايَةِ بنحوِ تسعينَ رجلاً مُثخَنينَ بالجراح، وحيداً في حظيرَةٍ، مُفتَقِراً إلى أيسَرِ المُعِدّاتِ الطِّبِّيَّة. ولم يكُن في طَوقِهِ أن يفعلَ لهم شيئاً. رمقَهُم وهم يلفظونَ أنفاسَهُمُ الأخيرَةَ على مدارِ يومينِ وليلتين. حاولَ أن يُطلِقَ النّارَ على نفسِهِ من فرطِ الفزَع، فحالَ رفاقُهُ دون ذلك. نُقِلَ إلى المستشفى، ونظمَ آخِرَ قصائدِه - «غروديك»، سابحاً في ذاتِ النَّسقِ الباذخ، المُهَلوِس، والكثيفِ الرَّمزيَّةِ الذي اعتادَه: غاباتٌ خريفيَّة، وسهولٌ ذهبيَّة، وطيفُ أختٍ يتخلَّلُ بستاناً صامتاً - ثمَّ مات في غضونِ أيّامٍ إثْرَ جرعَةٍ زائدةٍ من الكوكايين، في انتحارٍ مُحتمَل، في الثّالثِ من نوفمبر عام ١٩١٤. أي بعدَ ستَّةِ أسابيع، بالتَّمامِ تقريباً، من مقتلِ «ليشتنشتاين» في «فيرماندوفيليرز».

شاعران، متقاربانِ في السِّنّ، يكتبانِ بلغَةٍ واحدَة، وطحنتهُما الأسابيعُ السِّتَّةُ ذاتُها من حربٍ واحدَة - بَيدَ أنَّ مشهدَ الدَّمارِ بينهُما شاسعُ التَّبايُن. فقد صمدَت صُوَرُ «تراكل» الشِّعريَّةُ في حينِ تشظّى عقلُهُ من تحتِها؛ وبقيَتِ القصيدَةُ متَّسقةً مع أعمالِهِ السَّابقَةِ بينما كان هو يحتضِر، بيَدِه، ممَّا أورثَتهُ إيّاهُ التَّجربَة. هذا هو التَّأويلُ المنطقيُّ لِمَقولةِ «أدركَتِ الحربُ الشَّاعر»، وهو التَّأويلُ الذي تستسيغُهُ كُتبُ السِّيَرِ والتَّاريخِ الأدبيّ - حين يكونُ الواقعُ أثقلَ من حساسيَّةٍ فُطِرَت على تمثُّلِ الجمال، فتتحطَّمُ تلك الحساسيَّة. أمّا «ليشتنشتاين»، فلا يُقدِّمُ مثلَ هذهِ القصَّة. فما من رسائلَ تُصوِّرُ انهياراً، إذ لم يكُن هناك انهيارٌ أصلاً على حدِّ علمِ الجميع. تمزَّقَ جسدُهُ تمزُّقاً مباشراً وواضحاً بمقذوفاتِ المدافع، في حينِ أنَّ صوتَه - وحتّى آخِرِ كلماتِهِ المُدَوَّنة - لم يبدُ عليهِ أنَّهُ احتاج إلى أيِّ تعديل. لقد طالَتِ الحربُ لحمَهُ قبل أن تمسَّ فيهِ أيَّ شيءٍ سِواهُ بوقتٍ طويل.

ويُمكنُ قراءَةُ هذا الأمرِ بطريقَةٍ تجعلُ من «ليشتنشتاين» عرَضاً ظاهراً لشيءٍ اشتركَ فيهِ كافَّةُ أقرانِهِ في مقاهي «برلين»، أكثرَ من كونِهِ حالَةً شاذَّة. ويجدرُ بنا أن نستعيرَ مفرداتِ مفكِّرٍ لاحقٍ لنُسمِّيَ الأمرَ بمسَمّاهُ الدَّقيق، رغمَ أنَّ ذلك المفكِّرَ كان يكتبُ عن فاجعَةٍ أخرى وقعَت بعد عِقدينِ من الزَّمان. فقد كتبَ «والتر بنيامين»، واصفاً الغوايَةَ الجماليَّةَ التي مارسَتها الفاشيَّةُ على الجموعِ في الثَّلاثينيّات، أنَّ اغترابَ البشريَّةِ عن ذاتِها بلغَ مبلغاً جعلَها تشهدُ دمارَها بمثابَةِ متعَةٍ جماليَّةٍ من الدَّرجَةِ الأولى. وكان يقصِدُ بذلكَ النَّشراتِ الإخباريَّةَ المُصوَّرة، والتَّجمُّعاتِ الحاشدة، وصنعَةَ تحويلِ الحربِ الآليَّةِ إلى مشهدٍ استعراضيٍّ للشُّعوبِ التي تُساقُ إلى أتونِها.

لقد واظَبَ «ليشتنشتاين» ورفاقُه على إتيانِ فِعلٍ مُطابقٍ لهذا في بنيتِه، لسنواتٍ سبقَت رؤيَةَ أيٍّ منهم لخندقٍ حقيقيّ، بَيدَ أنَّ ذلك كان يقعُ على طاولاتِ المقاهي بدلاً من المهرجاناتِ الحاشدة - كانوا يُصنِّفونَ الخراب، ويُلبِسون نهايَةَ العالمِ لَبوسَ الدُّعابَة، ويتعاملونَ مع يومِ القيامَةِ كمادَّةٍ ممتازَةٍ وموثوقَةٍ للتَّسليَةِ المسائيَّةِ في ملهى «الباثوس الجديّد» (neopathetisches cabaret) ومتّى صدَقَ «بنيامين» في قولِهِ إنَّ الثَّقافَةَ قادرةٌ على ترويضِ نفسِها للاستمتاعِ بفنائِها جماليّاً قبل حلولِ الفناءِ بوقتٍ طويل، فإنَّ جُمودَ «ليشتنشتاين» وتَبلُّدَهُ في الحدثِ الفعليِّ قد لا يكونُ خصوصيَّةً نفسيَّةً فرديَّةً على الإطلاق. إنَّما هو بالضَّبطِ ما قد تتوقَّعُهُ ممَّن أمضى سنواتٍ في التَّدرُّبِ على نهايَةِ كلِّ شيءٍ كملهاةٍ هزليَّة، بشكلٍ دقيقٍ حتّى إنَّهُ عندما حلَّتِ النُّسخَةُ الحقيقيَّة، لم يَبقَ في الرَّصيدِ صدمَةٌ جديدَةٌ لتُنفَقَ عليها. لقد استهلكَتِ النُّكتَةُ جُلَّ الرُّعبِ سلفاً.

يَرقدُ في قبرِه اليومَ في المقبرَةِ العسكريَّةِ الألمانيَّةِ في «فيرماندوفيليرز»، وهو أحدُ اثنينِ وثلاثينَ جنديّاً يهوديّاً معروفاً يسترِحونَ هناك، وأشهرُهُم بفارقٍ كبير. وقد وُضِعَت للجنودِ اليهودِ في تلك المقبرَةِ شواهدُ حجريَّةٌ تحمِلُ نقشاً عبريّاً يُترجَمُ إلى ما معناه: هُنا يرقدُ فلان، عسى أن تُنسَجَ روحُهُ في حلقَةِ الأحياء. أمّا «ليشتنشتاين»، ذو الخمسَةِ والعشرينَ عاماً، فقد سطَّر نهايتَهُ المُرتَقَبَةَ كَمِيتَةِ جنديّ - مُلقىً، على حدِّ تعبيرِه، في مقبرَةٍ جماعيَّةٍ وديعَة؛ مصيرٌ تصالحَ معهُ في مكانٍ ما داخلَ عربَةِ مواشٍ مُتدحرِجَة، مُؤكِّداً لنفسِهِ وجوبَ الصُّمودِ وتقمُّصِ قسوَةِ الحديدِ حيالَ هذا الأمر.

وما لم يكُن ليَعرفَهُ، وهو يخُطُّ تلك الكلماتِ في أغسطس من عام ١٩١٤، هو أنَّ المقبرَةَ الجماعيَّةَ التي كان يتصوَّرُها قد حظِيَت بكرامَةٍ كانَت بلادُهُ لِتَحْرِمَهُ منها حرماناً مُطلقاً في غضونِ جيلٍ واحد - قبرٌ مُميَّز، واسمٌ منقوش، وشِعرٌ عبريٌّ يعِدُ بنوعٍ من النَّسجِ المستمرِّ في حلقَةِ الأحياء؛ وكلُّ ذلك مُنِحَ لجنديٍّ قُتِلَ مقاتلاً في سبيلِ القيصرِ قبلَ خمسَةٍ وعشرينَ عاماً كاملَةً من تصنيفِ ذاتِ الأمَّةِ لهُ، لو طالَ بهِ العُمُرُ قليلاً، ككائنٍ لا يحِقُّ لهُ المطالبَةُ بقبرٍ على الإطلاق. لقد مات في وقتٍ يسمَحُ بأن يُنعى كأحدِ الشُّهداءِ والأبطالِ السَّاقطين. ومات مبكِّراً قبل أن يُدرِكَ الثَّمنَ الفعليَّ للموت، لاحقاً، لمن يحمِلُ اسمَهُ في ذلك البلدِ بعينِه - وما من سبيلٍ لختمِ هذهِ الفكرَةِ ختماً محكَماً، لأنَّ الحِسبَةَ التي تُخلِّفُها تأبى، من حيثُ المبدأ، أن تستقيم. 

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق