ما زِلنا نُرَدِّدُ اسمَها
تهلّ السِّيرة الأُسطوريَّة والمَسرحيَّة لـ«أنتيغون» مِن خَواتيم مأساة «سَبعة ضِدّ طِيبَة» لـ«أسخيليوس»، سابِقَةً في ذلِك مأساة «سوفوكليس». وما بَلَغَنا مِن خِتام مأساة «أسخيليوس» هُوَ صَنيعَة إضافَة لاحِقَة (عِيال عَلى «أنتيغون» لـ«سوفوكليس» ذاتها)، يَغلِب الظَّنّ أنَّها تَعود لِإعادَة عَرض المَسرَحيَّة قُرابَة عام ٤٠٧ قَبل الميلاد. أمَّا في النُّسخَة الأُولى، المَعروضَة بِمَسرَح «ديونيسيوس» في أثينا عام ٤٦٧ قَبل الميلاد، فَقَد خُتِمَت مأساة «أسخيليوس» بِمَشهَد الجنازَة المُشتَرَكَة لِنَجْلَي «أوديب»، الصَّريعينِ في نِزال الإخوَة الأعداء؛ حَيثُ هَلَك «بولينيس» مُهاجِماً المَدينَة لِاستِرداد عَرش سُلِبَه، وخَرّ «إتيوكليس» ذائِداً عَن «طِيبَة» حِيال زَحف جَيش أرغوس الَّذي قادَه أخوه لِدَكّ حُصون مَدينَتِه.
وقَد استَقى «أسخيليوس» تِلك الأُسطورَة (مَلحَمَة طِيبَة، وسيرَة سُلالَة آل «لابداكوس» مِن «لايوس» إلى «أوديب»، وُصولاً إلى الأبناء المَناكيد ثَمَرَة الخَطيئَة بَين «أوديب» و«جوكاستا») مِن تُراث مَلحَميّ سالِف، لِيَصُبّها في قالَب مَسرَحيّ. وانبَرى كاتِب المأساة لِهَندسَة حَبكَة تَسوق، بِتَضافُر المَقادير وحَتمِيَّة القَضاء، كُلّاً مِن «إتيوكليس» و«بولينيس» (الأخوَين اللَّدُودَين) إلى صِدام لا مَناص مِنه؛ صِدام يَصرَعهُما مَعاً عِند البَوَّابَة السَّابِعَة.
وما دِماء «إتيوكليس» و«بولينيس» سِوى الثَّمَرَة الآسِنَة لِلرِّجس الَّذي نَخَر عِظام السُّلالَة المَلَكِيَّة، وفي دِماء القُربان المُزدَوَج، دِماء نَجْلَي «أوديب» المُتَماثِلَة حَدّ التَّطابُق، تَنقَرِض أخيرًا سُلالَة مُلوك «طِيبَة»، وتُطوى صَفحَة الحُكم المَلَكيّ المُتَوارَث. فَقَد سُفِكَت دِماء «المَلِكَين» في تُربَة «طِيبَة» لِتَختِم، بِقُربان الجَسَدَين المَلَكيَّين، طَقس عُبور سِياسِيّ لا رَجعَة فيه. ومات نَجلا «أوديب» في رِوايَة «أسخيليوس» بَتارَى لا عَقِب لَهُما.
ومِمَّا يُستَشَفّ مِن الجُزء المَحفوظ مِن الخِتام الأصليّ لِلمَسرَحِيَّة، وبِحيلَة مَسرَحِيَّة لَجَأ إلَيها «أسخيليوس» كَذلِك في مَدخَل مَسرَحِيَّة «حامِلات القَرابين»، انبَعَث مِن صُفوف الجَوقَة المُؤَلَّفَة مِن فَتَيات طِيبَة، صَوت فَتاتَين مَخصوصَتَين أُنيطَت بِهِما مَهَمَّة قِيادَة طَقس النَّدب: «أنتيغون» و«إيسميني»، ابنَتا «أوديب». فَقَد تَقَمَّصَتا في خُروج المَسرَحِيَّة دَور القائِدَتَين و«شَخصِيَّتَي الرِّثاء»، مُعيرَتَين جَسَدَيهِما واسمَيهِما لِلصَّوت الجَماعِيّ لِفَتَيات طِيبَة، الَّذي كان مُبهَماً قَبلَئِذ.
ومِثلَما التَقَط «أسخيليوس» فُتاتاً مِن «مأدُبَة هوميروس» ونَفَخ فيه رُوحاً مَسرَحِيَّة، عَمَد «سوفوكليس» بَعد قُرابَة ثَلاثين حَولاً، في عام ٤٤١ قَبل الميلاد، إلى التِقاط فُتات مِن «مأدُبَة أسخيليوس» لِيَصوغ مِنه مأساة جَديدَة. فَقَد وَصَل «سوفوكليس» نَصّه مُباشَرَة بِخِتام مَسرَحِيَّة «أسخيليوس» عَبَر إحالات لَفظِيَّة وبَلاغِيَّة ومَوضوعِيَّة دَقيقَة؛ ومِن ذلِك تَواتُر صورَة «السَّفينَة أو المَدينَة»، وتَلخيص أحداث «السَّبعَة» المَبثوث في أُغنيَة الجَوقَة، مَع إحالات مُحكَمَة لأبيات «أسخيليوس».
ومِن أُغنيَة الخُروج في «سَبعة ضِدّ طِيبَة»، يَستَلهِم «سوفوكليس» لَواعِج الجَوقَة الَّتي تَتَقَلَّب بَين رُعب لَم يَخمَد مِن نَذير الحِصار، ومَشاعِر مُزدَوَجَة مِن فَرَح النَّجاة وحُزن عَلى مَصرَع المَلِكَين الأخَوَين:
لَقَد أزهَق كُلّ مِنهُما رُوح الآخَر بِأيد أخَوِيَّة: نَجَت المَدينَة، وهَلَك المَلِكان، المَلِكان كِلاهُما [...] أفَنَفرَح أم نَبكي؟
غَير أنَّ «سوفوكليس» يُضَخِّم بِوَجه خاصّ النَّبَرات المُفجَعَة لِصَوتَي «أنتيغون» و«إيسميني»، وتِلك الهَواجِس الَّتي تَعصِف بِقَلبَي الفَتاتَين: الخَوف مِن حَرب جَرَّها الأخ العَدوّ عَلى المَدينَة، والعِرفان لِلأخ الَّذي ذاد عَن «طِيبَة» وأنقَذَها، ثُمّ القُنوط لِلمَصير المَحتوم لِنَجْلَي «أوديب». تَتأرجَح الأُخْتان بَين حُبّ الأُخُوَّة وواجِب الدَّفن المَقَدَّس، غَير أنَّ جَوقَة فَتَيات طِيبَة تَمضي في النِّهايَة لِتُشَيِّع الجَسَدَين «اللَّذَين تلاحما أخيرًا» إلى المَثوى بِأُغنيَة رِثاء (threnos):
ضُرِبتَ فضَرَبت. بِالرُّمح أردَيت.
وَجَعاً مريراً أورَثت. فَليَفِض سَيل النَّحيب.
مُسجَّى أنت صَريعاً. آه! يَطيش العَقل في غَمْرَة الرِّثاء.
ويَذوب قَلبي بَين الأضلاع. آهٍ، آه، كُلّ النَّدب لَك.
ولَك أنت أيضاً، أيُّها التَّعيس! بِيَد أخيك قُتِلت.
وأخاك قَتَلت. مأساتان في قَولي.
هَلَكتَ وأهلَكت. بِالرُّمح صُرِعت.
وعَذاباً مَريراً قاسيِت. فَلْتَسِل عُيون الدَّمع.
المَوت أورَثت. آه! فاجِعَتان نُصْب عَينَيّ.
وهَذا الوَجَع بِذاك مَقرون... جُثَّتَا أخَوَين تآخَيا في الرَّدى.
ومِن هَذِه الخَلَجات العَقلِيَّة والقَلبِيَّة، يَستَقي «سوفوكليس» مادَّة لِمَسرَحِيَّة كامِلَة، قُدِّر لَها أن تُعَدّ عَبر القُرون دُرَّة خالِدَة في تاج المَسرَح اليونانِيّ. لَم يَعُد المَشهَد في «أنتيغون» مَيداناً لِلتَّناقُض المُستَعصي بَين رابِطَة الدَّم والمَدينَة (polis)، وبَين الأُفول المَحتوم لِلنِّظام السُّلالِيّ (المُدَنَّس مُنذ النَّشأة بِالرِّجس والخَطيئَة) وفَلاح المُجتَمَع. لَقَد انزاحَت البُؤرَة المَوضوعِيَّة والمَأساوِيَّة؛ إذ يَروي «سوفوكليس» هُنا فاجِعَة التَّصادُم بَين قِيَم أخلاقِيَّة صارِمَة، صُلبَة، ويَستَحيل التَّوفيق بَينَها. تَحتَفِظ اللُّعبَة المَأساوِيَّة بِعُنفُوانِها، لَكِنَّها تَدور رَحاها الآن عَلى صَعيد المَسؤولِيَّة الفَردِيَّة تِجاه الشَّرائِع العامَّة، مَكتوبَة كانَت أم غَير مَكتوبَة.
وما يَعتَلِج عَلى المَسرَح الآن هُوَ المَنطِق القاسي لِعَصَبِيَّة النَّسَب (genos) عِند «أنتيغون» في مُواجَهَة عَدالَة المَدينَة. يَعرِض «سوفوكليس» مأساة شَخصِيَّات، غَير أنَّه - بِخِلاف شاعِرِيَّة الإفراط في العَواطِف الَّتي تَطغى عَلى أقنِعَة «يوريبيديس» - يُجرِّد الخَلَجات الانفِعالِيَّة لِيُحيلَها أيقونات صُلبَة لِقِيَم مُطلَقَة: «أنتيغون» مِن جِهَة، و«كريون» أخو «جوكاستا» وحاكِم طِيبَة الجَديد مِن جِهَة أُخرى.
وغدَتِ التَّفاسير والمُعالَجات المَسرَحِيَّة (بِدءاً مِن القَرن التَّاسِع عَشَر وقِراءَة «هيغل» الشَّهيرَة حَول التَّناقُض في مأساة سوفوكليس) تَميل غالِباً إلى الانحِياز لِمُبَرِّرات «أنتيغون»، مُختَزِلَة «كريون» في قِناع نَمَطِيّ لِطاغِيَة صَغير أعمى عَديم الرَّحمَة. غَير أنَّ أبيات المَسرَحِيَّة لا تُقَدِّم لَنا هَذِه الصُّورَة؛ فَالمأساة تَنطَلِق مَدفوعَة بِآلِيَّة لا خَلاص مِنها ولا رَجاء، بِلا حَلّ مُمكِن، حَيثُ تَنعَدِم الحُجَج والأخطاء المُطلَقَة. فَخَلفِيَّة الصِّدامات العَنيفَة الَّتي تُمَزِّق المَشهَد، تَكشِف عَن انعِدام الثِّقَة التَّامّ في جَدوى الوَساطَة الجَدَلِيَّة. وتَغدو أقنِعَة المأساة، وخُصوصاً «أنتيغون» - الغارِقَة في ما أسماه «إزرا باوند» بِـ«نور سوفوكليس القاسي» - عاجِزَة تَماماً عَن الوُلوج في دينامِيَّة الجِدال العَقلانِيّ (logos)، وعاجِزَة في عُمقِها عَن التَّحَرُّر مِن استِبداد شَيطانِها الدَّاخِليّ (daimon). فالشَّكل الأوحَد لِلحِوار الَّذي تَطَرحُه «أنتيغون» (وتَفرِضُه عَلى المَسرَحِيَّة) هُوَ التَّجاوُر الصَّارِم لِحُجَج لا تَأتَلِف، ومآلُها الحَتمِيّ كارِثَة مُحَقَّقَة. إنَّ ما يَحفِز ابنَة «أوديب» هُوَ «انفِعال مُكتَفٍ بِذاتِه». هَذا الشَّيطان القاسي، العَنيد، الَّذي لا رادّ لَه، سَيَجُرّ «أنتيغون» - كَما أدرَك «جان أنويه» بِحَصافة - إلى تَضاعيف حَتمِيَّة أُسطورِيَّة ومَسرَحِيَّة، جَلِيّ مُنذ البِدايَة أنَّها لَن تُفضِيَ بِها (أو لا تُريد لَها أن تُفضِي) إلَّا إلى الهَلاك.
لِماذا - يَحِقّ لَنا أن نَتَساءَل - هَل تَتَحَلَّى «أنتيغون» حَقّاً بِتِلك «التَّقوى» (pietas) الَّتي تَتَباهى بِها كَقيمَة عُليا؟ وهَل «أنتيغون» الماثِلَة أمامَنا «تَقِيَّة» بِالفِعل؟
تَحمِل «أنتيغون» في قَرارَتِها، مَطبوعاً عَلى ملامِح الوَجه الَّذي تَستَحضِرُه في البَيت الأوَّل عِند التَماعَة وَجه أُختِها، مَوضوعَة التَّلَوُّث المَحرَمِيّ الَّذي أصاب سُلالَتَها. وبِحُكم إلهيّ، كان مُقَدَّراً لِبَذرَة «لابداكوس» ألَّا تُثمِر، ولِتِلك السُّلالَة ألَّا تَستَمِرّ. غَير أنَّ «لابداكوس»، ثُمّ «لايوس»، وأخيرًا «أوديب»، قَد خالَفوا أمر «أبولو» ثَلاث مَرَّات، بِطُرُق ونَوايا شَتَّى، ولَم يَكونوا دائِماً مُذنِبين عَن قَصد؛ فانَتَقَلَت اللَّعنَة مِن جيل إلى جيل، مُتَفاقِمَة مَع كُلّ انتقال، حَتَّى بَلَغَت ثَمَرَتَها الأخيرَة: الأبناء المَشوهين ثَمَرَة وِصال الأُمّ بِابنِها. لَقَد قَطَع مَوت أبناء «جوكاستا» و«أوديب» الذُّكور دابِر اللَّعنَة المُريعَة لآل «لابداكوس»، ولَكِن بَقِيَت البَنات - «أنتيغون» و«إيسميني» (اللَّتان رُبَّما استُحضِرَتا لِلوُجود الأُسطورِيّ والمَسرَحِيّ لِأوَّل مَرَّة عَلى يَد «أسخيليوس» نَفسِه) - حامِلات في أصلابِهِنّ شِفرَة اللَّعنَة الوِراثِيَّة. لِذا تَحمي «أنتيغون» نَفسَها بِالتَّمَنُّع عَن الوِصال الجِنسيّ، مانِعَة جَسَدَها مِن الدُّخول في السِّلسِلَة الخَصبَة والموبوءَة لِنَسَبِها؛ فَتَعتَصِم بِعُذرِيَّة قَهرِيَّة توقِف سَيَلان العَدوى المَشؤومَة، وتَغرِسُها في الوَقت ذاتِه في قَدَر العُقم الَّذي ضَرَبَه الوَحي الإلَهي على سُلالَتِها، بَدءاً بـ«لابداكوس»، مُروراً بـ«لايوس»، وانتِهاءً (بِكَلِمات مُوارِبَة) بـ«أوديب» نَفسِه.
إنَّ «أنتيغون» تَعشَق المَوتى - بِاعتِرافِها - لَكِنَّها لا تُضمِر شَفَقَة خاصَّة لِأخيها القَتيل. فالصَّنيع الَّذي قَدَّمَته لِجَسَدِه، وذَرشُها القَليل مِن التُّراب عَلى جُثَّة «بولينيس» المُتَعَفِّنَة، لَن يَعصِم الجُثَّة - كَما تَعلَم يَقيناً - مِن نَهش الكِلاب والجَوارِح. إنَّ فِعلَها لَيس رَحمَة بِالرُّفات، لِتِلك اللُّحوم الأخَوِيَّة الَّتي استَحالَت جُثَّة هامِدَة؛ إذ تُدرِك أنَّها بِذلِك لَن تُوَفِّي أخاها حَقّه في الدَّفن اللَّائِق. وبِالفِعل، وكَما يَقُصّ «تيريسياس» في خِتام المَسرَحِيَّة، تُمَزِّق الكِلاب والطُّيور جَسَد نَجْل «أوديب»، مُدَنِّسَة مَذابِح المَدينَة. إنَّ فِعل «أنتيغون» مَحض طَقس شَكلِيّ صارِم، تَقدِمَة رَمزِيَّة لِشعائِر المَوتى، وقُربان لِـ«هاديس» (إلَه العالَم السُّفليّ).
وهَذا ما تُؤَكِّدُه ابنَة «أوديب» مِراراً: فَهيَ تَبتَغي إرضاء «هاديس»، وتَروم مَحَبَّة الأموات لا الأحياء. وحين تَدعوها «إيسميني» - الَّتي تَحفَل بِالرَّحمَة حَقّاً - إلى حُبّ الحَياة، تَرُدّ عَلَيها بِهَوَسِها بِالمَوت قائِلَة: «لَقَد اختَرتِ الحَياة، أمَّا أنا فأبتَغي المَوت». وأشَدّ إهانَة تُوَجِّهُها لِأُختِها، وأكثَر ما تَخشاه هيَ نَفسُها، أن تَكون «مَمقوتَة مِن المَيت»، لَقَد كان «جَميلاً لَها أن تَموت وتَرقُد بِجِوار مَن تُحِبّ».
وبِحَقّ يلوم «كريون» «أنتيغون» لِكَونِها تُؤثِر «هاديس» عَلى خَطيبِها «هايمون»؛ ويُعَنِّفُها لِأنَّها لا تَبغي سِوى «عُرس في هاديس»، إذ لا حُبّ في قَلبِها إلَّا لـ«هاديس». ولا تُنكِر «أنتيغون» ذلِك، وكَيف تُنكِرُه وهُوَ الحَقّ؟ فَستَمضي إلى قَبرِها عذراء - عَروساً وعاشِقَة لِلمَوتى - كَمَن تُزَفّ إلى عُرسِها.
شَتَّان بَين نَبرَة أُغنيَة العُرس لِـ«أنتيغون» وبَين المَوضوعَة المأساوِيَّة المَألوفَة لِلفَتاة الَّتي تُساق، بَدَل عُرسِها بِشابّ حَدَث، إلى «عُرس في هاديس»: زِفاف مُرعِب كَئيب، وطَقس مَعكوس لِما كانَت تَرجوه الفَتاة وتَنتَظِرُه، يَبصُم عَلى تَسليم جَسَد بَتول لِإلَه المَوت في قِران مَكتوب عَلَيه العُقم الأبَدِيّ. لَيسَت «أنتيغون» كَباقي فَتَيات الأساطير، ضَحايا القَدَر الفاجِع؛ فَلَيسَت كـ«كاساندرا»، أو «بوليكسينا»، أو «إيفيجينيا»، اللَّواتي يَستَدرِرن دُموعَنا وهُنّ يَخطون نَحوَ «العُرس في هاديس». أمَّا «أنتيغون» فَتَخطو لِذلِك العُرس بِخُطى طَقس انتِصار جَنائِزِيّ. سَتَلقى في «هاديس» أباها، وأُمَّها، وأخاها؛ وهَذا بِضَبطِه هُوَ هَوَسُها، فَلِقاء تِلك «الوُجوه المُتَشابِهَة، بَل المُتَطابِقَة مَع وَجهِها» هُوَ غايَة مُناها: وتَمضي «عَروساً لِأخيرون» (نَهر في العالَم السُّفلي).
لا تُحسِن «أنتيغون» سِوى النَّظَر إلى الوَراء؛ فَبَصَرُها مُسَمَّر عَلى الماضي، عَلى الذِّكرى. فـ«بولينيس» عِندَها هُوَ «الأخ الأحَبّ». وفي مُبالَغَة التَّفضيل هَذِه، يَتَجَلَّى الغُلُوّ الأرعَن لِعاطِفَة تَبخَس - ظُلماً وقَسوَة - حُبَّها لِلأخ الآخَر، «إتيوكليس». ولِهَذِه العذراء العاشِقَة لِلمَوتى يُعزى أيضاً هَذا الفِكر الغَريب، العَميق والمُميت: إنَّ الأخ يَفوق في قِيمَتِه الزَّوج والوَلَد؛ «لِأنَّ الأب والأُمّ قَد ماتا، ولا سَبيل لِإنجاب إخوَة آخَرين». ولِفَرط التِياثِها بِشَيطان العَصَبِيَّة (genos)، تَبدو «أنتيغون» وكَأنَّها تَتَناسى أنَّ ذَلِك الأب وتِلك الأُمّ - أوديب وجوكاستا - ما كان لَهُما أن يُنجِبا قَطّ.
إنَّ شَيطان «أنتيغون» يُوَلِّي شَطرَه صَوب الخَراب الَّذي لا يُرَتَّق، مُسَمَّراً في مَصير سُلالَتِها. لَيس المَوت ما يُخيفُها (فَهيَ تَلهَث وَراءَه)، وإنَّما السِّجن-القَبر الَّذي يَزُجّها فيه «كريون»، حَيثُ لَن تَكون «بَين الأحياء»، ولَن تَحظى بِالتَّرحاب كَمُواطِنَة بَين الأموات، كَما تَبتَغي. أمَّا «كريون»، فَيَنطِق مِن جِهَتِه بِشَريعَة المَدينَة (polis). يَتَصَرَّف الحاكِم بِاسم «قانون» السِّياسَة، بِاسم الشَّريعَة الَّتي «تُمَيِّز» الصَّديق مِن العَدوّ: مَن هُوَ وَلِيّ لِلمَدينَة مِمَّن هُوَ ناقِم عَلى أرضِها. ويُؤَكِّد «كريون» أنَّ مَن كان عَدُوّاً لِلمَدينَة، لا يُمكِن أن يَغدو وَلِيّاً لَها، حَتَّى بَعد مَوتِه.
تُحاوِل «أنتيغون» أن تَنفي عَن أحكام «كريون» صِفَة «العَدالَة»، تِلك العَدالَة الحَقَّة (dike) المُنبَثِقَة مُباشَرَة مِن «زيوس». لَكِنَّ حُجَّة «أنتيغون» تَفتَقِر لِلأَساس الَّذي يُخَوِّلُها الِاحتِكام إلى «العَدَالة الحَقّة»، ذَلِك أنَّ العَدالَة كُلَّها تَصطَفّ إلى جانِب «كريون»: فَعَدالَة المَدينَة، تِلك العَدالَة الإجرائِيَّة لِلبُعد السِّياسيّ المُبتَكَر حَديثاً في أثينا، تَقتَضي القَرار، والحَسْم، والاختِيار وإن كان مُوجِعاً، لِصالِح المَدينَة. وفي مُواجَهَة الأخلاق الأُرستُقراطِيَّة القائِمَة عَلى ثُنائِيَّة العَدوّ والضَّيف (كأخلاق «غلاوكوس» و«ديوميدس» الهوميرِيَّة اللَّذَين يَتَفادَيان النِّزال لِاعتِرافِهِما بِأنَّ الرَّابِطَة النَّبيلَة بَين أُسرَتَيهِما أمضى مِن التَّخَندُق المَيدانِيّ الرَّاهِن)، يُعلِن «كريون» حَتمِيَّة التَّمايُز السِّياسِيّ: الانخِراط في جَماعَة، لَيس استِناداً لِصَداقَة أو عَداوَة شَخصِيَّة أو رابِطَة عَشيرَة، بَل وِفقاً لِلخَطّ الفاصِل، السِّياسِيّ الصِّرف، بَين الصَّديق والعَدوّ العُمومِيّ.
لا تَحتَمِل عَدالَة المَدينَة التَّلَبُّس؛ فَهيَ تَنشُد تَبايُناً وفُروقاً ساطِعَة جَلِيَّة. وبِالمُقارَنَة مَع الأخلاق الأُرستُقراطِيَّة المُتَجَسِّدَة في عَصَبِيَّة النَّسَب المُهتَرِئَة والمُلَوَّثَة بِزِنَى المَحارِم، الَّتي تُستميت «أنتيغون» في الذَّود عَنها، تَبدو شَريعَة «كريون» قانَوناً ثَورِيّاً لِلمَدينَة، شَريعَة حَيَوِيَّة وتأسيسِيَّة تَفرِض نَفسَها عَلى الرَّوابِط المَكفولَة والمُكتَسَبَة. إنَّها شَريعَة غَضَّة، أجدَد مِن أن تَتَحَلَّى بِالحِكمَة لِمُقارَعَة تِلك الوَصايا المُوغِلَة في القِدَم، غَير المَكتوبَة والمُستَعصِيَة عَلى التَّغيير، عَنَيت سُنَن الآلِهَة الَّتي تَتَوَلَّى «أنتيغون» سِدانَتَها.
تَثور الشَّرائِع الباطِنِيَّة العَتيقَة، ضارِبَة الجُذور، ضِدّ الحَداثَة الثَّورِيَّة لِلنِّظام السِّياسِيّ. «أنتيغون» هيَ اسم مِن أسماء رَبَّات الانتِقام (Erinni): وَجه قاسٍ، مُتَعَنِّت ومُميت لِواقِع ما قَبل السِّياسَة، القابِع تَحت شَريعَة المَدينَة؛ وَجه قَد يَسكُن، كَما صَوَّرَه «أسخيليوس» بِبَراعَة في مَسرَحِيَّة «الصافِحات» (Eumenidi)، في أحشاء المَدينَة، مَحفوظاً ومُبَجَّلاً، لَكِن فَقَط حين يَقتَنِع ويَهتَدي إلى نور السِّياسَة الجَديد.
يُقِرّ «كريون» شَريعَتَه، عَدالَة المَدينَة. وبِخِلاف «الوَصايا غَير المَكتوبَة» الَّتي تَتَنَطَّح «أنتيغون» لِنُصرَتِها، لا تَتَّسِم هَذِه العَدالَة الجَديدَة بِالتَّعَنُّت. يَبتَغي «كريون» صَلاح المَدينَة، ولِذا فَهُوَ لَيس مُتَصَلِّباً: عاطِفَتُه وإرادَتُه وقَراراتُه تَتَّسِم بِالمُرونَة. يُصدِر مَرسوماً ضِدّ العَدوّ الَّذي عَرَّض «طِيبَة» لِلهَلاك بِحِصارِه لَها بِجَيش أجنَبيّ، لَكِنَّه يَتَألَّم حَقّاً حين يَتَبَيَّن أنَّ «أنتيغون»، ابنَة أُختِه وخَطيبَة وَلَدِه، هِيَ مَن انتَهَكَت المَرسوم. وفي الحِوار الأوَّل، يَسعى لِإقناع «أنتيغون» بِالإذعان لِلمَنطِق العُمومِيّ/السِّياسِيّ، ولِمَرسوم النَّفي الصَّادِر بِحَقّ جُثَّة «بولينيس».
والمَخرَج الَّذي اهتَدى إلَيه لِحَلّ أزمَة «أنتيغون» هُوَ السِّجن: يُنزِل «كريون» بِابنَة «أوديب» عُقوبَة تُعَدّ في الثَّقافَة اليونانِيَّة أدهى مِن حُكم الإعدام، كَونُها تُقصي الفَرد عَن الحَياة العامَّة وتَنبِذُه مِن الجَماعَة السِّياسِيَّة؛ لَكِنَّها في الوَقت عَينِه صُورَة العِقاب الَّتي يَعدّها النِّظام القَضائِيّ الحَديث (عَلى عُقمِها وإرهاقِها المادِيّ، كَما عُلِّمَنا عَلى يَد فوكو) الأكثَر شُيوعاً وقَبولاً. يُقَدِّم «كريون» عُقوبَة السِّجن كَخِيار مُنصِف يُعاقِب المُتَمَرِّدَة بِجَزاء وِفاق مَفهوم («تُدفَن حَيَّة لِأنَّها انحازَت، وَهيَ حَيَّة، إلى صَفّ الأموات»)، ويَقي الحاكِم مَغَبَّة سَفك الدِّماء البَشَرِيَّة، الَّتي هيَ فَوق ذلِك دِماء ذَوي القُربى: دِماء ابنة أخيه «أنتيغون»، ابنَة أُختِه «جوكاستا».
وتَصطَفّ الجَوقَة، المُؤَلَّفَة مِن مُواطِني «طِيبَة»، مِراراً إلى جانِب «كريون» خِلال فُصول المَسرَحِيَّة: فَـ«إتيوكليس»، نَجْل «أوديب» الصَّريع دِفاعاً عَن «طِيبَة»، هُوَ بَطَل المَدينَة، وتَراه الجَوقَة أيضاً «الأفضَل» (aristos)؛ ويُزَكِّي مُواطِنو «طِيبَة»، صَوت المَدينَة، أوامِر الحاكِم تَباعاً.
كَذلِك يَدور الحِوار بَين «كريون» ووَلَدِه «هايمون»، خَطيب «أنتيغون»، في فَلَك الصَّالِح العامّ؛ بَل إنَّ «هايمون» نَفسَه يُحاوِل ثَني أبيه عَن قَرارِه بِحُجَّة سِياسِيَّة: صَوت المَدينَة (phatis) يَرفُض إدانَة «أنتيغون»، وهَذا السَّخَط قَد يَنقَلِب وَبالاً عَلى الحاكِم؛ وعَلى «كريون» أن يَحرِص عَلى نَيل الإجماع عَلى قَراراتِه. لَكِنَّ مُرافعَة «هايمون» الحَصيفَة المُتَّزِنَة لا تُزَحزِح «كريون»، الَّذي يُقابِل حُجَج وَلَدِه بِخَطَر آخَر يَتَهَدَّد صورَتَه العُمومِيَّة: خَشيَتُه مِن أن يُوصَم بِالرُّضوخ لِامرَأة.
بَيد أنَّ «كريون» يَبتَغي، قَبل كُلّ شَيء وفَوق كُلّ شَيء، صَلاح المَدينَة: فَلَمَّا أنذَرَه «تيريسياس» مِن الرِّجس الَّذي تَبُثّه أشلاء جُثَّة «بولينيس» في أوصال المَدينَة، أذعَن «كريون»؛ لِأنَّ المَنطِق السِّياسِيّ وصَلاح المَدينَة أعظَم شَأناً عِندَه مِن سُمعَتِه الشَّخصِيَّة.
وما بُكاء «كريون» في خِتام المَسرَحِيَّة إلَّا الدَّليل المَسرَحِيّ المُتَعارَف عَلَيه بِأنَّه هُوَ بَطَل مأساة «سوفوكليس»: فـ«كريون» هُوَ مَن يَنحَدِر (كـ«أوديب» في مأساتِه) مِن حالَة الحاكِم المُظَفَّر لِمَدينَة نَجَت مِن ويلات الحَرب (كَما يَتَرَدَّد في مَواضِع عِدَّة مِن المَسرَحِيَّة) إلى حَضيض الشَّقاء كَأب وزَوج مَكلوم، يَفقِد بِجَريرَة أفعالِه فَلذَة كَبِدِه وزَوجَتَه الحَبيبَة.
ولا تَقتَصِر الكارِثَة عَلى الشَّخصِيَّات (كما كان الحال عِند أسخيليوس)، إنَّما تَعصِف أيضاً بِالمَدينَة الَّتي تَقف مَذعورَة مَغلوبَة عَلى أمرِها حِيال الصِّدام الجَبَّار بَين القِيَم، قَديمِها وحَديثِها.
«هَلَك المَلِكان، ونَجَت المَدينَة»: كان هَذا هُوَ النَّبَأ الخِتامِيّ في «سَبعة ضِدّ طِيبَة» لـ«أسخيليوس». وفي خَلفِيَّة المُعالَجَة المَسرَحِيَّة لِلأُسطورَة، في جَميع مآسي «أسخيليوس»، يَبرُز فِعل تأسيس المَدينَة الجَديدَة (polis): فـ«أسخيليوس»، بِتَجسيدِه لِلنِّهايَة المَحتومَة لِسُلالَة آل «لابداكوس»، كان يُجَسِّد تَجرِبَة ابتِكار السِّياسَة في أثينا، عَلى يَد «كيمون» أوَّلاً، ثُمّ «إفيالتس» و«بيريكليس».
لَكِن الآن، لَم تَعُد الحادِثَة المَأساوِيَّة لِنَجْلَي «أوديب» في مُواجَهَة المِعيار الجَديد، الجَدَليّ والسِّياسِيّ، لِلمَدينَة الَّتي تَفرِض مَنطِقَها عَلى النِّظام النَّبيل المُتَهاوي، هِيَ لُبّ المَسرَحِيَّة. فمَوضوع مأساة «سوفوكليس» هُوَ استِحالَة انضِواء البَطَل تَحت لِواء المَدينَة: فالمآسي السَّبع لـ«سوفوكليس» تَتَمَركَز جَميعُها حَول شَخصِيَّة بَطَلِيَّة تُنبَذ في المَسرَحِيَّة (أوديب مَلِكاً، أنتيغون)، أو تُنفى مِن الجَماعَة «السِّياسِيَّة» (فيلوكتيتيس، أياكس)، أو تُستَرَدّ إلى المَدينَة مَحفوفَة بِالخَطَر (التراخينيات، أوديب في كولونوس، إلكترا).
وبِخِلاف «كريون»، لا تَذرِف «أنتيغون» دَمعَة واحِدَة: فَابنَة «أوديب» لا تُدرِك أُفُقاً سِوى الأُفُق الموبوء لِسُلالَتِها، ولا تَعرِف العذراء لَذَّة سِوى الِانغِلاق الَّذي يُسْلِمُها لِلمَوت مُباشَرَة. لَكِنَّها، بِتَسليم جَسَدِها البَتول لِـ«هاديس»، سَتُحَقِّق في النِّهايَة نُبوءَة الوَحي الَّتي قَضَت بانقِراض تِلك السُّلالَة مُنذ عَهد «لابداكوس». سَتَمضي «أنتيغون»، المَنذورَة لِـ«هاديس»، كَعَروس إلى عالَم المَوتى، كالعذراء كوري (kori): «عَروساً لِأخيرون»، في نَشوَة انتِصار جَنائِزِيَّة لِلعَروس العذراء.
وكَبَطَل هوميرِيّ، تُعلِن «أنتيغون» في بَيت كاشِف: «أن أُوارِيَ أخي فِي الثَّرى، أخي الَّذي هُوَ أعَزّ مِن أخ: أيّ مَجد أبقى وأسنى مِن هَذا قَد أنالُه؟». في رِحَاب الأخلاق العَتيقَة السَّابِقَة لِعَهد السِّياسَة، الَّتي تُعَدّ «أنتيغون» آخِر فُرسانِها، لَن يَكون مَغنَم البَطَلَة ثَمَرَة مِن ثِمار الحَياة، إنَّما صَدَى المَجد؛ «الكليوس» (الذِّكر الخالِد)، القِيمَة الأوحَد الَّتي يَقنَع البَطَل بِبَذل حَياتِه الفانِيَة قُرباناً لَها.
وفي هَذا كُلِّه، كانَت «أنتيغون» عَلى حَقّ: فَبَعد مُضِيّ ألفَين وخَمسِمِائَة عام، ما زِلنا هاهُنا نُرَدِّد اسمَها.