الكِتابَةُ لِلكِتابَة

ما الَّذي يَحدونا في هَذِهِ الآوِنَةِ إلى المُزاوَجَةِ بَينَ الكِتابَةِ الإبداعِيَّةِ وخِطابِ تاريخِ الفَنّ، حَتّى نُحدِثَ هَذا التَّداخُلَ بَينَ الأجناس؟ لَعَلَّ المَرَدَّ إلى أنَّ تاريخَ الفَنِّ لا يَزالُ رازِحاً تَحتَ وَطأةِ مَنهَجٍ «واقِعيٍّ» نُكوصِيٍّ مُتَعَنِّت. إنَّ تِلكَ السُّلطَةَ المَزعومَةَ لِلأثَرِ الفَنِّيِّ عَلى ما نَنسِجُهُ حَولَهُ مِن تَحليلاتٍ ثانَوِيَّةٍ سَطحيَّة، وما نَدَّعيهِ مِن أمانَةٍ لِذلِكَ الأثَر، فَضلاً عَنِ الرُّكونِ إلى الوُضوحِ اللُّغَويِّ كَمَطِيَّةٍ لِطُغيانِ العَقلِ الجَمعيّ؛ كُلُّ ذلِكَ يُمَثِّلُ قُيوداً تُكَبِّلُ الكِتابَةَ التاريخِيَّةَ الفَنِّيَّةَ في ثَوبِها الواقِعيّ. ولَئِن كانَتِ «اللُّغَةُ سِجناً لِأهلِها»، عَلى حَدِّ تَعبيرِ «ثِيُودُور أدُورنُو»، فَلَعَلَّ اللُّجوءَ إلى الكِتابَةِ الإبداعِيَّةِ يَكفُلُ لَنا شَيئاً مِنَ التَّحَرُّر. ولِهَذا، تُبذَلُ اليَومَ جُهودٌ حَثيثَةٌ لِلتَّنَصُّلِ مِن رِبقَةِ الخِطابِ الواقِعيّ، وصِياغَةِ تاريخِ الفَنِّ بِأسلوبٍ مُغايِر.

وَيَسَعُنا نَقضُ تِلكَ المُسَلَّماتِ الواقِعيَّةِ كُلِّها. فالمُسَلَّمَةُ الأُولى، أي «سُلطَة» الأثَرِ الفَنّيّ، تُعمينا عَنِ النَّظَرِ إلى فِعلِ الكِتابَةِ ذاتِهِ بِوَصفِهِ مُوَلِّداً لِخِطابٍ آخَرَ مُستَقِلٍّ تَماماً. والثّانِيَةُ تُصَوِّرُ كِتابَةَ تاريخِ الفَنِّ كَأنَّها فِعلُ تَرجَمَةٍ، تَربِطُ لُغَتَنا بِالأثَرِ الأصليِّ بِزَعمِ الأمانَة (مَعَ أنَّ النَّقدَ الفَلسَفيَّ لِلتَّرجَمَةِ يَجعَلُ هَذا الزَّعمَ مَحَلَّ شَكّ). أمّا الثّالِثَةُ فَهيَ مُسَلَّمَةٌ أيدِيُولُوجِيَّةٌ؛ إذ قيلَ إنَّ «العَقلَ الجَمعيّ» أو نَمَطاً بِعَينِهِ مِنَ الكِتابَةِ التَّواصُلِيَّةِ يُعادي الإبداعَ والفِكرَ الجَديد.

ولَمّا كانَ التَّفَكُّرُ النَّقديُّ في فِعلِ الكِتابَةِ جَوهَرَ ما نَدعوهُ حَداثَة، بَدءاً مِن «مالارْمِيه» ومُروراً بِـ«بْرُوست» وانِتهاءً بِـ «جُويْس»؛ فَإنَّ أحَدَ سُبُلِ الخَلاصِ مِن رِبقَةِ التّاريخِ الفَنِّيِّ الواقِعيِّ يَكمُنُ في الِاستِعانَةِ بِكِبارِ مُفَكِّري الحَداثَة، خارِجَ أُطُرِ تاريخِ الفَنِّ الضَّيِّقَة. ولا يَقتَصِرُ ذلِكَ عَلى الأدَب، بَل يَتَعَدّاهُ إلى الفَلسَفَة؛ فَقَد بُرِزَت أسماءُ كُلٍّ مِن «كانْط»، و«هِيغِل»، و«باتاي»، و«دِرِيدا»، و«بارْت» في مَشروعِ «كِتابَة تاريخِ الفَنّ». وثَمَّةَ مَساعٍ أُخرى أكثَرُ طُوباوِيَّةً لِتَخَيُّلِ كِتابَةٍ تَرتَمي في أحضانِ الخَيالِ الحُرّ، أو تُغازِلُ السُّريالِيَّةَ، أو تَستَسلِمُ لِلحَكْي، أو تَجنَحُ إلى إضفاءِ طابَعٍ شِعريٍّ عَلى خِطابِنا المِهَنِيّ.

ولِمَزيدٍ مِنَ التَّأَمُّل، سَأُلْقي الضَّوءَ عَلى كاتِبَينِ عاشا بَينَ القَرنَينِ التّاسِعَ عَشَرَ والعِشرين، وكانَ لَهُما بَصمَةٌ في صياغَةِ الحَداثَةِ وعَلاقَتِها النَّقدِيَّةِ بِالكِتابَة. الأوَّلُ رِوائِيٌّ مِنَ القَرنِ التّاسِعَ عَشَر، ارْتَبَطَ اسمُهُ بِفِعلِ الكِتابَةِ حَتّى غَدا رَمزاً لَه؛ ذَلِكُم هُوَ رَجُلُ اليَراعِ «غُوسْتاف فلُوبِير». والثّاني ناقِدٌ ثَقافِيٌّ وفَيلَسوفٌ مِنَ القَرنِ العِشرين، لَم يَكُن دونَ سابِقِهِ بَراعَةً في الأُسلوب، وقَد تَفَكَّرَ مَلِيّاً في إمكانِيَّةِ الكِتابَةِ «الشِّعرِيَّةِ» في ظِلِّ الحَداثَة؛ ذلِكُم هُوَ «ثِيُودُور أدُورنُو». ولَعَلَّ في نَهجِهِما ورُؤاهُما حَولَ الكِتابَةِ ما يُنيرُ لَنا الدَّربَ ونَحنُ نَستَشرِفُ آفاقاً أوسَعَ لِكتابَةِ تاريخِ الفَنِّ اليَوم. لَقَد واجَهَ كِلاهُما فِعلَ الكِتابَةِ بِقَلقٍ عَميقٍ ونَقدٍ صارِمٍ لِلذّات، وكابَدا مَشَقَّةَ الكِتابَةِ الشِّعريَّةِ (وسَنَرى مَبلَغَ ذلِك). وفي هَذِهِ اللَّحظَةِ الَّتي يَسعَى فيها خِطابُ تاريخِ الفَنِّ إلى مُعانَقَةِ الكِتابَةِ الإبداعِيَّة، حَرِيٌّ بِنا أن نَضَعَهُ في مُواجَهَةٍ نَقدِيَّةٍ مَعَها. ويَقتَضي ذلِكَ بَدءاً الِاعتِرافَ بِفُقدانِنا السَّيطَرَة؛ ففِعلُ الكِتابَةِ الإبداعِيَّةِ يَجرُّ صاحِبَهُ إلى مَتاهاتٍ مِنَ الشَّكّ، والغَثَيانِ، والدُّوار.

قَد يَبدو حُكمُ هذَينِ الكاتِبَينِ المُطلَقُ عَلى كِتاباتِهِما، وتَجَرُّدُهُما المَزعومُ مِن آثارِهِما الأدَبِيَّة، أمراً بَالِياً، لَكِنَّ ما أودُّ تَسليطَ الضَّوءِ عَلَيهِ هُوَ ذلِكَ الدُّوارُ الذّاتيُّ الَّذي كابَداهُ في سَبيلِ إخراجِ أعظَمِ الرَّوائِعِ المَكتوبَة.

ولِلحَديثِ عَن مَنهَجِ «فلُوبير» في الكِتابَة، سَأستَعينُ بِـ«رُولان بارْت». ولَكِنَّهُ هُنا «بارْت» في صورَةٍ خاصَّة؛ بارْت الكاتِبُ الَّذي لا يُشغَلُ بِمَشروعِ ما بَعدَ البِنيَوِيَّة، ولا بِالِانتقالِ مِنَ النَّصِّ «المَقروء» إلى «المَكتوب»، ولا حَتّى بِنَقدِ «أثَرِ الواقِع» في الخِطابِ السَّردِيِّ التّاريخيّ، بَل يُشغَلُ بِفِعلِ الكِتابَةِ ذاتِه، وبِالكِتابَةِ كَأُسلوبِ حَياة. ذَلِكَ هُوَ «بارْت» في مَقالَتِهِ القَصيرَةِ المُعَنوَنَةِ بـ«فلُوبير والجُملَة»، عامَ ١٩٦٧، حَيثُ يَجمَعُ بَينَ ذاتِ الكاتِبِ والأثَرِ الفَنِّيِّ في القَرنِ التّاسِعَ عَشَر.

لِماذا هَذا الـ«بارْت» دونَ غَيرِهِ؟ ولِماذا لا أَستَحضِرُ «بارْت» صاحِبَ «خِطاب التّاريخ» - والَّذي قَد يَبدو أليَقَ لِلتَّفَكُّرِ في تاريخِ الفَنِّ كَخِطاب؟ المَرَدُّ إلى أنَّهُ في مَقالَةِ ١٩٦٧ يَتناوَلُ الكِتابَةَ في أدَقِّ صُوَرِها وأكثَرِها تَجَرُّداً؛ ألا وهِيَ عَمَلِيَّةُ تَعديلِ الجُملَةِ مَرَّةً بَعدَ مَرَّة. ومَعَ وُجودِ «فلُوبير» كَذاتٍ مُبدِعَة - أو كَفَنّان - فَإنَّ «بارْت» يَتَأمَّلُ، بَل ويُعايِشُ، الأثَرَ العاطِفِيَّ لِهَذا الفِعلِ المُضني، وكَيفَ يَكونُ الإحساسُ بِالكِتابَة.

كَما أنَّنِي رَأيتُ في هَذِهِ المَقالَةِ ما يُفَسِّرُ نُفوري الطَّويلَ مِن كِتابَةِ تاريخِ الفَنِّ الأكاديمِيَّة، بَل ومِنَ الكِتابَةِ بِرُمَّتِها؛ فَأنا يَتَمَلَّكُني الذُّعرُ أمامَ بَطاقَةٍ بَيضاء. لَقَد شَرَعَت «فلُوبير والجُملَة» في تَفصيلِ التَّجرِبَةِ الوُجودِيَّةِ لِلكِتابَةِ في تَجَلِّياتِها العُليا، كَحالةٍ تَدنو بِصاحِبِها حَثيثاً نَحوَ الغَثَيانِ والدُّوار. وهَذا يَنقُلُ مَسألَةَ «كِتابَة تاريخِ الفَنّ» إلى مِضمارٍ أكثَرَ حَميمِيَّة؛ لَيسَ إلى أنساقِ هِيغِل أو كانْط أو باتاي الكُبرى (أو لا أنساقِهِم)، ولا إلى مُعضِلَةِ العَجزِ عَنِ التَّعبيرِ أوِ اللّامَعقول، بَل إلى آليّاتِ القَول، وذلِكَ المُستَحَقِّ لِلتَّعبيرِ الَّذي تُنتِجُهُ ذاتٌ تُكابِدُ أزمَةَ الكِتابَة.

تَكشِفُ مَقالَةُ «بارْت» عَنِ المَنطِقِ الصّارِمِ لِتِلكَ الحالَةِ، حالَةِ الجُمودِ الكِتابيّ، كَفِعلٍ نَصِّيٍّ يُنتِجُهُ ذِهْنٌ مُعَذَّب. وبِغَضِّ النَّظَرِ عَن سِوى ذلِكَ مِن مَشاغِلِ مُؤَرِّخِ الفَنِّ المِهَنِيّ، كَيفَ تَبدو الكِتابَةُ الإبداعِيَّةُ كَطَريقَةٍ لِلعَيش؟

يُصَوِّرُ لَنا «بارْت» فِعلَ الكِتابَةِ عِندَ «فلُوبير» مَساراً لا يَنقَضي، عَصِيّاً عَلى الِاحتِمال، ولا يُدرِكُ غايَتَهُ سُدىً (وغايَتُهُ عِندَ فلُوبير هِيَ «الواقِع»، وعِندَ مُؤَرِّخِ الفَنِّ هِيَ الأثَرُ الفَنّيّ). لِماذا يَكتُبُ فلُوبير؟ لا طَلَباً لِلَحاقٍ بِمَوعِدٍ أو إرضاءً لِناشِر، بَلِ الكِتابَةُ لِلِكِتابَة: «فالكِتابَةُ [عِندَ فلُوبير] هِيَ غايَةُ الكِتاب، لا النَّشر»، كَما يَقولُ بارْت. إنَّ ما يُمارِسُهُ هُوَ ضَربٌ مِن «الكِتابَةِ الخالِصَة». ولَيسَ المَعنى أنَّها حُرَّةٌ - وإن خَلَت مِنَ النَّفعِيَّةِ وضُغوطِ الأقران - بَل لا يَرى فيها فلوبير أيَّ حُرِّيَّة. إنَّها عَذابٌ مُطلَق، ومَشَقَّةٌ لا طائِلَ مِنها، بَطيئَةٌ بُطأً مُفزِعاً («أربَعُ صَفَحاتٍ هَذا الأُسبوع»، «خَمسَةُ أيّامٍ في صَفحَة»، «يَومانِ لِبُلوغِ نِهايَةِ سَطرَين»). يَرتمي عَلى أريكتِهِ لِيَلتَقِطَ أنفاسَه. يَقولُ فلُوبير عامَ ١٨٥٢: «أحياناً، حينَ يَجتاحُني الخَواء، ويَستَعصي التَّعبير، وأكتَشِفُ بَعدَ تَسويدِ صَفَحاتٍ طِوالٍ أنِّي لَم أُنجِز جُملَةً واحِدَة، أرخِي جَسَدي عَلى الأريكَةِ وأبقى مُخَدَّراً في مُستَنقَعٍ داخِلِيٍّ مِنَ السَّأم».

ولا يَأتيهِ الخَلاصُ عَلى تِلكَ الأريكَة (الَّتي سَبَقَت عَصرَ فرُويْد)، بَل يَأتيهِ دُوارُ اليَأس. وفي عامَ ١٨٧٥، يَصدُرُ عَنهُ هَذا الصُّراخ: «لَقَد أفنَيتُ عُمري حارِماً قَلبي مِن أشَدِّ أغذِيَتِهِ المَشروعَة؛ وعِشتُ حَياةً زاهِدَةً مُكَدِّة. والآنَ لَم يَعُد بي طاقَة، لَقَد بَلَغتُ الرَّمَقَ الأخير».

يَسلُبُ «بارْت» تِلكَ الشَّكاوى المَألوفَةَ لِفَنّاني القَرنِ التّاسِعَ عَشَرَ ثَوبَها الرُّومانسيّ، بَاسِطاً ما كانَ يَصنَعُهُ «فلُوبير» حَقّاً إبّانَ تِلكَ السِّنينَ العِجافِ واليائِسَة. فَيُعَقِّدُ صورَتَهُ كَفَنّانٍ مُتَكَلِّفٍ وصاحِبِ أُسلوبٍ بارِد، كاشِفاً عَمّا في نَسجِ الجُملَةِ المُتقَنَةِ مِن شَطَط، وما يُخالِطُها مِن جُنون. إنَّهُ يُبدِلُ ويُمَحِّص، أو يُجري «تَصحيحاتٍ استِبدالِيَّة» في مَخطوطاتِه، وهو ما يُسَمّيهِ بارت «دُوارُ التَّصحيحِ الَّذي لا يَتَناهى»: يَشطُبُ كَلِمَةً لِيُحِلَّ أُخرى مَحَلَّها، وثالِثَةً، ورابِعَةً، في عَذابٍ لا يَنقَضي. حَقّاً، ثَمَّةَ نِهايَةٌ، وللأمرِ خاتِمَة - وبِالفِعلِ تُنشَرُ أعمالُهُ - لَكِنَّ هَذا الخِتامَ وهَذا النَّشرَ، لَيسَ سِوى أمْرٍ عارِضٍ لا يَكادُ يَفي بِحَقِّهِ أو يُعَوِّضُه. إنَّ صَيرورَةَ الكِتابَة، وهِيَ حَياةُ فلُوبير (الَّتي باتَ يَمقُتُها)، لَيسَت صَيرورَةَ تَوَسُّعٍ واكتِمال - لِصِناعَةِ أثَرٍ جَليل - بَل هِيَ عَمَلُ استِبدالٍ لا يَتَوَقَّف. إنَّ الكِتابَةَ «لأجلِ العَيش» - وهُنا تَكمُنُ المُفارَقَة - تَستَحيلُ حَياةً تُبذَلُ قُرباناً لِعَمَلِيَّةِ الِاستِبدال. سُباتٌ، ودُوار.

وهَذا يُوحي بِأنَّ السَّبيلَ إلى كِتابَةِ تاريخِ الفَنِّ بِنَهجٍ مُغايِر، لَيسَ في تَطويعِ أُسلوبٍ رِوائِيّ، أو «تَحديثِ» أو «مَبعَدَةِ حَداثَةِ» نُصوصِنا، عَلى نَحوٍ مَنهَجِيّ، بَقَدرِ ما يَكمُنُ في إجْراءِ تِلكَ الِاستِبدالاتِ الدَّقيقَة. ما الَّذي يَعنيهِ مُجَرَّدُ إحلالِ اسمِ «دُوشامب» مَحَلَّ «دِيغَا»، أو «غِيرلاندَايُو» مَحَلَّ «غُوغان»؟ لَن يُرسِيَ هَذا الِاستِبدالُ مَرحَلَةً زَمَنِيَّةً مُفارِقَةً فَحَسب - وهُوَ اختِلالٌ زَمَنِيٌّ لَذيذٌ ومُحيِّرٌ لِإيماءاتٍ تَفتَقِرُ إلى المَعنى، أو تُنتِجُ مَعانيَ مُغايِرَة - بَل سَيُزَعزِعُ أيْضاً مَكانَتَنا في تاريخِ الفَنِّ والألْقابِ الَّتي نَنتَسِبُ إلَيها والَّتي نُعرَفُ بِها بَينَنا، وسَيَقذِفُ بِنا في أراضٍ غَيرِ مَطروقَةٍ ولا مَأمونَة. الِاستِبدالاتُ - وِقابِلِيَّتُها - مِن شَأنِها أن تَقْلِبَ تاريخَ الفَنِّ رَأساً عَلى عَقِب، وذلِكَ مِن خِلالِ عَمَلِيَّةِ الكِتابَةِ ذاتِها (مَفهومَةً كَدُوارٍ لا كَلَهْوٍ إنَّما كَغَثَيانِ الِاستِبدالات). بِالطَّبع، لَن يَسمَحوا لَنا بِذَلِك، حِفاظاً عَلى شَرَفِ المِهْنَة، وأهَمِّيَّةِ التَّحكيمِ الَّذي قَد يَعشى عَنهُ فلُوبير، وحَتمِيَّةِ المَسؤُولِيَّةِ التّاريخِيَّة. فَإن كانَتِ الجَماعَةُ المُلزِمَةُ بِـ«الأسماء» - بِما فيها جَماعَةُ تاريخِ الفَنِّ (ونَحنُ لَم نَبلُغ بَعدُ تاريخاً لِلفَنِّ بِلا أسماء) - تَتَأسَّسُ وتَتَوارَثُ عَبْرَ اتِّفاقٍ ضِمنِيٍّ ومُتَكَرِّرٍ عَلى نَبذِ نَوعٍ مُعَيَّنٍ مِن الِاستِبدال، أوِ التَّسمِيَةِ الخاطِئَة، أوِ الِانحِرافِ الدَّلالِيِّ الشّاذّ، فَإنَّ لِذَلِكَ سُلطَةً تُهَدِّدُ النِّظامَ بِرُمَّتِه. وبِالنَّظَرِ إلى مُعاناةِ فلُوبير، فَقَد نُؤثِرُ السَّلامَةَ ولا نُخاطِر.

هَل يَجِبُ عَلينا إدَامَةُ الوَفاءِ لِأسماءِ تاريخِ الفَنّ؟ لَو فَرَضنا مَثَلاً أنَّ كِتابَةً رَصينَةً في تاريخِ الفَنِّ تَتَتَبَّعُ نَبضَ الأثَرِ الفَنِّيِّ أو مَنهَجَه، وكَأنَّها تُحاكيهِ، فَما الَّذي سَيَنالُني لَوِ انتَقَلتُ مِن كِتابَةٍ عَنِ الكلاسيكِيَّةِ الجَديدَةِ لِـ«جَاك-لُوِيس دافِيد»، إلى كِتابَةٍ عَنِ التَّعبيرِيَّةِ التَّجريدِيَّةِ المُتَلاشِيَةِ لِـ«سَاي تُوومْبلي»؟ الأُولى تَقتَضي التَّكرارَ وتَشُقُّ طَريقَ الِاستِبدالِ بِحَذَر، أمّا الأُخرى فَتَرتَعُ في التَّراخي اللَّذيذِ والخَطِرِ لِلجُملَةِ الكلاسيكِيَّة. ومَعَ ذلِكَ، وأنا أسيِرُ إيقاعِ جُمَلي، لا أبتَغي مُحاكاتَ مَوقِفِ «دافيد» الصَّرحِيِّ مِنَ الجُملَة - بِكَلِماتِهِ المُتَيَبِّسَةِ الجامِدَةِ المَنقوشَةِ عَلى لَوحاتِه - وأجِدُني في صِياغَةِ جُملَتي أقرَبَ إلى دُوارِ «فلُوبير» المُقزِزِ مِنِّي إلى التَّراخي الجَميلِ لِـ«تُوومْبلي».

إنَّ شَغَفَنا المُعاصِرَ بِالتَّجزيء، والتَّشظّي، والنَّقصِ المُزمِن، بَل والمَحو، يَكشِفُ عَن هَوَسِ «فلُوبير» بِعَمَلِيَّةِ الِاستِبدالِ كَسِمَةٍ حَداثِيَّةٍ بِامتِياز. فالهَوَسُ بِالِاستِبدال، والوُقوفُ المُزمِنُ عِندَ التَّفاصيل، ما هُوَ إلّا عَرَضٌ لِاستِحالَةِ كِتابَةِ تاريخٍ سَردِيٍّ دافِع؛ وتَتَزامَنُ لَحظَةُ القَرنِ التّاسِعَ عَشَرَ مَعَ نَشأةِ الكِتابَةِ الِاحتِرافِيَّةِ لِتاريخِ الفَنّ.

وهُنا قَد أَوَدُّ التَّطَرُّقَ إلى أطْمَحِ مُؤَسِّسي السَّردِ شِبهِ التّاريخِيِّ في القَرنِ التّاسِعَ عَشَر، والَّذي استَحشَلَ عَلَيهِ مَعَ ذلِكَ رِوايَةُ حِكايَةٍ بَسيطَة. أو بِالأحرى، مَن يُجَسِّدُ عَمَلُهُ تَوَتُّراً عَرَضِيّاً بَينَ الإرادَةِ نَحوَ السَّردِ الكُبرى (والفَشَلِ الفِعلِيِّ لِلنَّزعَةِ الزَّمَنِيَّة) وواقِعِ الشَّذْرَةِ المُجَزَّأةِ والمُكَرَّرَةِ (الِانشِغالُ غَيرُ المُلائِمِ بِالنَّزَعَةِ المُتَزامِنَةِ والِاستِبدالاتِ «المُلائِمَة»). ذلِكُم هُوَ «رِيتشارد فاغْنَر»، ساحِرُ وحايِكُ «العَمَلِ الفَنِّيِّ الشّامِل»، وسَيِّدُ الكِتابَة.

لَطالَما راوَدَني التَّساؤُلُ عَن عَجزي عَن تَذَكُّرِ حِكايَةِ أُوبِرا «غُوتِرْدَامْرُونغ» (Götterdämmerung) لِـ«فاغْنَر»؛ وهِيَ الخاتِمَةُ مِن سِلسِلَةِ الخاتَم، رُغمَ مُشاهَدَتي لَها أربَعَ مَرّاتٍ عَلى الأقَلّ (إحداها بانغِماسٍ تامٍّ وخُلوٍّ مُتَعَمَّدٍ مِنَ المُشَتِّتاتِ)، والِاستِماعِ إلى تَسجيلاتِها مَرّاتٍ لا تُحصى. وحينَ أستَمِعُ إلَيها أو أستَحضِرُ تِلكَ الأُوبِرا السَّردِيَّةَ الضَّخمَة، أستَطيعُ تَذَكُّرَ النَّغمَةِ التّالِيَة - أو مَجموعَةِ النَّغَمات - والَّتي تَليها بِدِقَّةٍ شِبهِ تامَّة. لَكِنَّ ما يَغيبُ عَنّي في كُلِّ مَرَّةٍ هُوَ ما يَحدُث، أو ما سَيَحدُث، في مَسارِ السَّرد. رُغمَ سَيطَرَةِ «فاغْنَر» المُطلَقَةِ عَلى النَّصِّ والموسيقَى والصُّورَةِ طَوالَ حَياتِه، فَإنَّ هَذا العَمَلَ الكَبيرَ يُظهِرُ انفِصالاً عَجيباً بَينَ تَطَوُّرِ السَّردِ والمَشهَدِ المُوسيقِيّ. ولا يَرجِعُ هَذا إلى ضَعفِ ذاكِرَتي المُعتادِ في حِفظِ الحَبكَة - أو حِجَجِ المَقالاتِ الأكاديمِيَّة - بَل هُوَ أمرٌ يَعيَهُ «فاغْنَر»، المُؤَلِّفُ والكاتِب، ويُحاوِلُ دائِماً التَّعويضَ عَنه. إنَّهُ أمرٌ مُتَأصِّلٌ في العَمَل. فَما الَّذي يَجعَلُ أوبِرِيّاتِهِ طَويلَةً إلى هَذا الحَدّ، إن لَم يَكُن وُقوفَ السَّردِ مِراراً لِلتَّلخيص، ولِإعادَةِ رِوايَةِ القِصَّة؛ بَدءاً مِن مَطلَعِ الأُوبِراتِ الثَّلاثِ حَيثُ تَجتَمِعُ عُذارى نَهرِ الرّايْن، لِيُنفِقَ نِصفَ ساعَةٍ أُخرى في سَردِ ما جَرى في السّاعاتِ الثَّلاثِ الماضِيَة.

عِندَ «أدُورنُو»، يَكتُبُ «فاغْنَر» بِيَأسٍ نَحوَ كُلِّيّاتٍ جَديدَةٍ - ولَكِنَّها قَد فُقِدَت. أمّا «فلُوبير»، فَقَدِ انغَمَسَ في عَمَلِيَّةِ الِاستِبدال، ولَم يَبقَ لَهُ سِوى أثَرٍ بالِغٍ مِنَ السُّبات. وبِاعتِرافِ «فاغْنَر» الصَّريحِ بِاستِحالَةِ كِتابَةِ تاريخٍ سَردِيٍّ في القَرنِ التّاسِعَ عَشَر، فَإنَّهُ يُخَدِّرُنا، نَحنُ الجُمهور، مِن خِلالِ طُولِ الأُوبِرا الِاستِثنائِيِّ والجَذّابِ والمُرهِقِ وإيقافِها لِلزَّمَنِ والمَكان. غَيرَ أنَّ «أدرِيَان رِيفْكِن» يُذَكِّرُنا بِأنَّ ثَمَّةَ دائِماً احتِمالاً في أنَّ «الأداءَ ذاتَهُ لَيسَ مُجَرَّدَ تَحقيقٍ أو تَحويلٍ لِلسَّردِ أو لِلمَنظورِ التَّفسيرِيّ، بَل هُوَ تَغييرٌ يَحدُثُ في حَيِّزٍ مُنفَصِلٍ عَن عِلمِ المُوسيقَى الخَاصِّ بِالمُدَوَّنَة، فَيُحَوِّلُهُا تَماماً». وهَذا يَصِلُ بِنا إلى مَسألَةِ تَجرِبَةِ الجُمهورِ أو تَلقِّيهِ لِلكِتابَة. فَكَما أشارَ «أدُورنُو»، تَتَعَرَّضُ جَماهيرُ «فاغْنَر» لِهُجومٍ قاسٍ أشْبَهَ بِالمَحقِ المُوسيقِيّ. وعَلَيهِ، لا يَنبَغي لِكاتِبِ تاريخِ الفَنِّ اليَومَ أن يَستَعيرَ مِثلَ هَذا الأُسلوبِ السُّلطَوِيّ كَمُبَرِّرٍ وعَرَضٍ لِآلامِ الإرهاقِ الحَقيقيِّ لِلسَّردِيّاتِ الكُبرى الَّتي ظَلَّت تُحاصِرُ الكِتابَةَ مُنذُ القَرنِ التّاسِعَ عَشَر، ولا تَزالُ تُؤرِّقُنا حَتّى اليَوم.

يُجَلّي لَنا نَموذَجُ «فاغْنَر» كَيفَ يُمكِنُ لِنَمَطٍ حَديثٍ مِنَ الكِتابَةِ - أوِ التَّلحينِ في هَذا المَقام - أن يُلقي بِالقارِئ، أوِ المُستَمِعِ ذي النَّزعَةِ الكِتابِيَّة، في غَياهِبِ الذُّهول، وذلِكَ عَبْرَ الصِّراعاتِ الدّائِرَةِ في رِحابِ الأثَرِ الفَنِّيِّ دَرءاً لِخَطَرِ الِانسِدادِ (فَأعمالُ فاغْنَر حُبلى بِنِهاياتٍ زائِفَةِ الِانتِصار، ومَحوُ مَعالِمِ الزَّمَنِ ووَقفُ تَدَفُّقِ السَّردِ يُنتِجانِ فَضاءً أُسطورِيّاً مُتَزامِناً يَقومُ عَلى البَدائِل). كَما يُبرِزُ كَيفَ يُمكِنُ لِلكِتابَةِ الشِّعرِيَّة، المُتَفاخِرَةِ بِذاتِها والعالِيَةِ الهِمَّة، أن تَرتَكِسَ وتَتَرَدّى بِفِعلِ الغاياتِ النَّفعِيَّةِ الَّتي كانَت تَرمي إلى التَّرَفُّعِ عَنها. ولِذا، سَأختِمُ مَقالي هَذا بِـ«أدُورنُو»، وتَأمُّلاتِهِ النَّقدِيَّةِ في مَآلِ الكِتابَةِ في رِحَابِ الحَداثَة: فَما هِيَ القُوَى العُظمى الَّتي قَد تُحَرِّكُ هَذِهِ النُّقلَةَ مِن كِتابَةٍ تُعنى بِالتَّواصُلِ، إلى أُخرى تَنضَحُ بِالشِّعرِيَّة؟

يَرصُدُ أدُورنُو، مُتَتَبِّعاً خُطوطَ التّاريخِ حَتّى القَرنِ التّاسِعَ عَشَر، تَنازُعاً قائِماً بَينَ ضَربَينِ مِنَ الكِتابَة: الشِّعرِيَّةِ والتَّواصُلِيَّة. الأُولى مِضمارُ اللُّغَةِ الكاشِفَةِ المُعَبِّرَة، والأُخرى مَيدانُ البَراغماتِيَّة؛ فَإذا كانَتِ الثّانِيَةُ هِيَ اللُّغَةَ الغائِيَّةَ الحاتِمَةَ الَّتي تَلتَحِفُ بِها سُلطَةُ الحُكمِ وقُوَى السّوق (الرَّأسمالِيَّة)، فَإنَّ الأُولى، في نَظَرِ أدُورنُو، تَرقَى إلى مَصافِّ المُوسيقَى (ويَستَعيرُ لَفظَ «الحَفيف» لِوَصفِ هَذا الفِعلِ اللُّغَوِيّ، كَما سَيَفعَلُ بارْت لاحِقاً). ومِن مَنظورٍ جَدَلِيّ، لا يُمكِنُ الإفصاحُ عَن أحَدِهِما في صَفائِهِ المُطلَق؛ فَكُلٌّ مِنهُما كامِنٌ في الآخَر، ولَهُ، إلى حَدٍّ ما، القُدرَةُ عَلى نَقضِه. تاريخِيّاً، يَشرَعُ أدُورنُو في تِبيانِ كَيفِيَّةِ اندِثارِ أحَدِهِما تَحتَ وَطأةِ الآخَر: فَفي ظِلِّ الرَّأسمالِيَّةِ الحَديثَة، يَبرُزُ خَطَرُ ضَياعِ البُعدِ الشِّعرِيِّ في اللُّغَة. ويُدَلِّلُ عَلى ذلِكَ بِأثَرٍ ظاهِرٍ في كِتاباتِ «غُوتَه» في مَطلَعِ القَرنِ التّاسِعَ عَشَر. وفي مُصَنَّفِهِ «مُلاحَظاتٌ حَولَ الأدَب»، يَقولُ أدُورنُو عَنِ العَمَلِ المُتَأخِّرِ لِغوتَه «فَاوْسْت»:

في أواخِرِ أيّامِه، وَجَدَ غوتَه نَفسَهُ أمامَ تَناقُضٍ باتَ اليَومَ شِقاقاً خَفِيّاً لا يُكادُ يُرى؛ تَناقُضٌ بَينَ لُغَةٍ تَنضَحُ بِالأصالَةِ الأدَبِيَّة، ولُغَةٍ مَقصِدُها التَّواصُل. فَالجُزءُ الثّاني مِن (فاوست) مُنتَزَعٌ مِن بَراثِنِ تَرَدِّي اللُّغَة، الَّذي بَدَأ حينَ طَغى خِطابٌ مُتَخَشِّبٌ مُبتَذَلٌ عَلى الخِطابِ التَّعبيرِيّ. ولَم يَصمُد هَذا الأخيرُ لِأنَّ الوَسيطَينِ المُتَناحِرَينِ لا يَزالانِ، رُغمَ كُلِّ شَيء، واحِداً؛ فَهُما لا يَنفَصِلانِ قَطّ.

هَذا «الخِطابُ المُتَخَشِّبُ المُبتَذَل»، الَّذي «افْتَرَقَ» افتِراقاً جَذْرِيّاً عَنِ الخِطابِ الشِّعرِيِّ في زَمَنِ الرَّأسمالِيَّةِ المُتَأخِّرَة، لَكِنَّهُ لا يَزالُ مُتَشَبِّثاً بِهِ بِخَيطٍ واهٍ، هُوَ ما حَدا بِأدورنو إلى البَحثِ عَن فَضاءٍ ومُمارَسَةٍ لِكِتابَةٍ «أصيلَة»: مَلاذٍ في مَنفانا وغُربَتِنا؛ وتَطبيقِيّاً، ارتِدادٍ نَحوَ الشِّعريَّةِ المَنسِيَّة. وهَذا المَسعى الأخلاقِيُّ يَستَوجِبُ مِنهُ يَقَظَةً واهتِماماً مُضاعَفاً بِلُغَتِه، وبِأُذُنٍ وصَوتٍ بَلَغا مِنَ الدِّقَّةِ والحَذَرِ - بَلِ التَّرَقُّبِ - حَدّاً جَعَلَهُ نِدّاً لِـ«فلُوبير»، بوصفه أحرَصَ الكُتّابِ عَلى أُسلوبِه. وتُصبِحُ اللُّغَةُ - الكِتابَةُ - هاجِساً في مُصَنَّفِهِ العَظيمِ الَّذي أبْدَعَهُ في المَنفَى، «أخلاقِيّات صُغرَى»، وتَتَعَمَّقُ أكثَرَ في مُصَنَّفِهِ المُتَأخِّرِ «مُلاحَظاتٌ حَولَ الأدَب». ومَعَ ذلِكَ، لا يُشارِكُ أدورنُو فلوبير في فِكرَتِهِ المَوروثَةِ مِنَ القَرنِ التّاسِعَ عَشَرَ عَنِ «الِاكتِمال»، ولا يَرى نَفسَهُ، رُغمَ «مَسحَتِهِ الكَئيبَة»، ذاتاً مُعَذَّبَةً مُضَحّىً بِها عَلى مَذبَحِ الكَمالِ الأُسلوبِيّ.

وإذا طالَعنا رَسائِلَ أدورنو - كَما فَعَلَ بارت مَعَ فلوبير - يَستَوقِفُنا ذلِكَ اللُّطفُ ورَباطَةُ الجَأشِ الَّتي يُقارِبُ بِها حَياتَهُ كَكاتِب، حَتّى لَيَكادُ يُلامِسُ حُدودَ الزُّهدِ وإنكارِ الذّات (وَهُوَ ما يُناقِضُ تَماماً الِانكِشافَ المُطلَقَ والكُرهَ العَميقَ لِلكِتابَةِ وحَياةِ الكِتابَةِ عِندَ فلوبير). لَم يَكُن أدورنو، كَفلوبير، ذلِكَ الكاتِبَ المُتَألِّمَ بِصورَةٍ مَأساوِيَّة، رُغمَ غَزارَةِ إنتاجِهِ وعَبقَرِيَّتِه. بَل يُمكِنُ القَولُ إنَّهُ كانَ يُخفي مَشاعِرَهُ تُجاهَ فِعلِ الكِتابَةِ في رَسائِلِه. فَرَسائِلُهُ إلى والِدَيه، الَّتي تُغَطّي سَنَواتِ نَفيِهِ في أمريكا بَينَ عامَي ١٩٣٩ و١٩٥١، كانَت بِالنِّسبَةِ لي مُضجِرَةً جِدّاً، ولَكِنَّها مُثيرَةٌ لِلِاهتِمامِ في الوَقتِ ذاتِه؛ لِأنَّها قَد تَكونُ مُضجِرَةً بِالتَّحديدِ لِأنَّهُ لَم يَفعَل خِلالَ تِلكَ السَّنَواتِ سِوى الكِتابَة، في حينِ يَتَكَتَّمُ عَن ذِكرِ أيِّ شَيءٍ عَن هَذِهِ العَمَلِيَّة. إنَّ زُهدَ أدورنو في هَذا الشَّأنِ بَلَغَ حَدّاً يَجعَلُ مِنَ الصَّعبِ عَلَينا أن نَتَصَوَّرَ، مِن خِلالِ قِراءَةِ رَسائِلِهِ إلى والِدَيه، أنَّ رَوائِعَ المَنفى كانَت تُخَطُّ خَلفَ ذلِكَ السِّتارِ الباهِتِ مِنَ البَوحِ الرِّسالِيّ، وأنَّ جُمَلَ «الأخلاقِيّات الصُّغرى» الرّائِعَةَ والمُتَجَرِّدَةَ مِنَ الأوهامِ كانَت تُصاغُ في عَتمَةِ مَنفاهُ الِاختِيارِيّ. فَهَل كابَدَ أدورنُو ذلِكَ الدُّوار، واليَأس، والغَثَيانَ الَّذي عاناهُ فلوبير؟

حينَ يَتَوَجَّهُ بِخِطابِهِ إلى كاتِبٍ آخَرَ يُكِنُّ لَهُ اعتِباراً ومَحَبَّةً لا حُدودَ لَهُما، نَجِدُ أدورنُو أقَلَّ تَحَفُّظاً إزاءَ صَنعَةِ الكِتابَة، ولَو بِشَيءٍ يَسير. ففي مَجْموعِ مُراسَلاتِهِ مَعَ «تُومَاس مان»، المُمتَدَّةِ مِن عامَ ١٩٤٣ إلى ١٩٥٥، لا تَتَبَدّى مُعضِلَةُ الِاستِبدالِ الَّتي هِيَ جَوهَرُ الكِتابَةِ سِوى في مَوضِعٍ واحِدٍ يَتيم. غَيرَ أنَّها لا تُسفِرُ هَذِهِ المَرَّةَ عَن صَرخَةِ ألَمٍ كَما هُوَ دَأبُ فلوبير، بَل عَمّا يُشبِهُ التَّقريرَ النَّظَرِيَّ لِماهِيَّةِ الكِتابَة؛ ولَعَلَّهُ يَكونُ المُعادِلَ المَوضوعِيَّ لِدُوارِ فلوبير المُريع.

جاءَ ذلِكَ في سِياقِ رِثاءٍ مَكتوبٍ لِشَخصٍ ثالِثٍ هُوَ الرّاحِل «والْتَر بِنْيامِين». فَفي رِسالَةٍ تُؤَرِّخُ لِيُوليو ١٩٥٠، يُعَلِّقُ «مان» عَلى مُسَوَّدَةٍ بَعَثَ بِها أدورنو تَحتَ عُنوان «صورَةٌ لِوالْتَر بِنْيامِين». يُبدي مان إعجابَهُ بِها: فَهُوَ يُجِلُّ كَفاءَةَ أدورنُو الفَنِّيَّةَ بِوَجهٍ عامّ، لا سِيَّما في حَقلِ الموسيقى (وَهُوَ مُنْكَبٌّ حينَها عَلى صِياغَةِ المَشاهِدِ المُوسيقِيَّةِ العُظمى في رِوايَةِ «دُكتُور فاوْسْتُوس»)، تَماماً كَما يُجِلُّ أدورنو ذلِكَ الأَديبَ الَّذي يُجَسِّدُ فيهِ المَبادِئَ الإنسانيَّةَ الألمانيَّةَ الَّتي عَصَفَت بِها المِحَن. ولَكِنَّ «مان» يَقتَرِحُ تَعديلاً عَلى جُملَةٍ تَصِفُ «الطّابَعَ الِاستِثنائِيَّ لِطَبيعَةِ [بِنْيامِين]»، لِعِلَّةٍ في قَواعِدِ النَّحو. وَهُنا يَدورُ حِوارٌ مُقتَضَبٌ بَينَ الكاتِبَينِ حَولَ أصوَبِ السُّبُلِ لِلِإفصاحِ عَن هَذِهِ الفِكرَة. ويَختِمُ أدورنُو بِإجراءِ استِبدالٍ، قائِلاً: «لَقَد صَحَّحتُ العِبارَةَ الَّتي أُخِذَت عَلَيَّ في مَقالَةِ بِنْيامِين، وأحلَلتُ مَحَلَّ "استِثنائِيّ" كَلِمَةَ "يَستَعصي عَلى القِياس". ولَستُ راضِياً عَن هَذِهِ أيضاً». هَذِهِ الإلْماعَةُ النّادِرَةُ لِكواليسِ تَغييرِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ في مَنهَجِ أدورنو - وَهُوَ الَّذِي قامَت حَياتُهُ بِأسرِها عَلى هَذا الصَّنيع - تَليها عِبارَةٌ لافِتَةٌ تَكشِفُ النِّقابَ عَن سِرِّ عَدَمِ رِضا أدورنُو المُتَأصِّلِ عَن صَنعَةِ الكِتابَة، وخُصوصاً تِلكَ الَّتي تَسعى لِلحِفاظِ عَلى البُعدِ الشِّعرِيِّ المُنضَبِطِ أخلاقِيّاً. هُوَ عَدَمُ رِضاً مَردُّهُ إلى شِبْهِ الِاستِحالَةِ المَوضوعِيَّةِ لِصِياغَةِ جُملَةٍ سَليمَة:

لَقَد أبانَ لي نَقدُكُم بِجَلاءٍ مُعضِلَةَ الكاتِب: فَإمّا أن يُذعِنَ لِلَباقَةِ اللُّغَة، وَهُوَ ما يُفضي غالِباً إلى فَقدانِ الدِّقَّةِ في المَعنى، وإمّا أن يُؤثِرَ الدِّقَّةَ عَلى اللَّباقَةِ فَيَعتَدِيَ عَلى اللُّغَةِ ذاتِها. كُلُّ جُملَةٍ هِيَ في واقِعِ الأمرِ مَأزَق، وكُلُّ تَعبيرٍ ناجِحٍ هُوَ خَلاصٌ سَعيد، وتَحقيقٌ لِلمُستَحيل...

والحَقُّ أنَّ ثَمَّةَ فِكرَةً تَتَكَرَّرُ بِصَوتٍ خافِتٍ ولَكِنَّهُ مُلِحٌّ في بَعضِ المَقالاتِ الَّتي جَمَعَها «أدورنُو» لاحِقاً في «مُلاحَظاتٌ حَولَ الأدَب» عام ١٩٥٨، مَفادُها استِحالَةُ أن يُسَمِّيَ الكاتِبُ، سَواءٌ أَدَّعى الواقِعِيَّةَ أم لا، أيَّ شَيءٍ بِاسمِه. فَالكاتِبُ الَّذي تَخَلّى عَن سَذاجَتِهِ يَهوي حَتماً في مَتاهَةِ المَأزَقِ، ويُكابِدُ عاطِفِيّاً وَطأةَ الهَوَس: «لا حَظَّ لِسَردٍ مِنَ الحَقيقَةِ إن لَم يُحَدِّق في الهاوِيَةِ الَّتي تَهوي إلَيها اللُّغَةُ حينَ تَسعى لِتَكونَ اسماً وصورَة». ولَنا أن نُضيفَ، مُستَحضِرينَ «فلوبير»، أنَّ الكاتِبَ نَفسَهُ يَهوي مَعَ اللُّغَةِ في تِلكَ الهاوِيَة.

وإذا كانَ أدورنُو هُنا في حَديثِهِ عَن فِعلِ الكِتابَةِ أقرَبَ ما يَكونُ إلى بارت في مَقالَتِهِ «فلوبير والجُملَة»، فَلَعَلَّ الكاتِبَ الأقدَمَ - والَّذي لَم يَنَل حَقَّهُ مِنَ الِاعتِرافِ في تاريخِ الفَنِّ النَّقدِيِّ بَعد - هُوَ الأكثَرُ إدراكاً لِلزَّوبَعَةِ الأيدِيولوجِيَّةِ الهائِلَةِ الَّتي قَد يُثيرُها أدَقُّ تَغييرٍ في جُملَةٍ ما. فَزِيادَةُ مَقطَعٍ أو حَذفُه، أو إحلالُ كَلِمَةٍ أو اسمٍ مَحَلَّ آخَر؛ مِثلُ هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ اللُّغَوِيَّةِ الدَّقيقَةِ قَد تَتَمَخَّضُ عَن أثَرٍ بالِغِ الجَذرِيَّةِ ومُقَوِّضٍ لِلقَواعِدِ المُقَرَّرَة، مَعَ صِيانَةِ حِمى الشِّعرِيَّةِ المُهَدَّدَةِ في آنٍ واحِد. ولِذا، في مَقالَتِهِ عَن أواخِرِ أعمالِ «غُوته»، يَرى أدورنُو أنَّ غوتَه كانَ عَلى شَفا الهاوِيَةِ حينَ استَخدَمَ صُدفَةً كَلِمَةَ «يَهوي» (abstürzt). عِندَ أدورنُو، فَإنَّ إقحامَ غوتَه لِحَرفِ الـ «e» لِتَعويضِ المَقطَعِ النّاقِصِ في وَزنِهِ الشِّعرِيّ، مِمّا حَوَّلَ صورَةَ الشَّلّالِ إلى abestürzt، قَد طَهَّرَ لُغَةَ غوتَه مِن شَوائِبِ اللُّغَةِ التَّواصُلِيَّةِ الَّتي كانَت تُهَدِّدُ بُعدَها الشِّعرِيّ، وساقَ الكاتِبَ نَفسَهُ إلى حافَّةِ الهاوِيَة: «إنَّ المَقطَعَ المُدخَلَ... يُحدثُ استِغراباً في الطَّبَقَةِ اللُّغَوِيَّةِ الحالِيَّةِ ويُبعِدُها عَنِ الخَطَر».

لَقَد شَرَّحَ أدورنُو بِبَراعَةٍ التَّوَتُّراتِ والمَخاطِرَ المَحفوفَةَ بِصِياغَةِ الجُملَةِ الشِّعرِيَّة، ورَسَمَ لَها تاريخاً مادِّيّاً مُفعَماً بِالفَقدِ والأمَلِ والِانكِسار. ومَقولَتُهُ الشَّهيرَةُ: «في نَصِّهِ، يَبني الكاتِبُ بَيتَهُ»، بَرَزَت في حِكمَةٍ مِن حِكَمِ «الأخلاقِيّات الصُّغرى»، والَّتي تَختِمُ مَعَ ذلِكَ بِالإعْلانِ أنَّهُ: «في النِّهايَة، لا يُؤذَنُ لِلكاتِبِ حَتّى بِأن يَحيا في كِتابَتِه»؛ وذلِكَ لِأنَّ الكاتِبَ يَرضَخُ لِلمَنطِقِ الصّارِمِ لِلجُملَة؛ كَما رَأيْنا، استِبدالاً، وإضافَةً، واقتِطاعاً، إلى حَدِّ الشُّعورِ بِالدُّوار. ولَئِن كانَ مَجرَى مَقالَتي يُلِحُّ عَلى أن لا مُتَّسَعَ لِحَياتِنا في الجُمَلِ الَّتي تَستَغرِقُنا، وأنَّهُ لا مَجالَ لِلعَيشِ ضِمنَ الجُملَةِ - وَلَرُبَّما صَدَقَ هَذا حَتّى عَلى الجُمَلِ الَّتي تُعَبِّرُ صَراحَةً عَن ذاتِيَّةِ كاتِبِها وتَتَأمَّلُها - فَإنَّ الكَثيرَ مِن مُؤَرِّخي الفَنِّ يَصوغونَ جُمَلَهُم مِن رِحَابِ الجامِعَةِ بِوَصفِها مَقاماً لِلإنتاج، أو مَلاذاً هَشّاً أو مُهَدَّداً، أو نَوعاً مِنَ الوَطَن. فالوَضعُ الرّاهِنُ لِكتابَةِ تاريخِ الفَنِّ بِصورَةٍ «إبداعِيَّة» مُرتَبِطٌ ارتِباطاً مَصيرِيّاً بِمَآلِ الجامِعَة. أيُّ أمَلٍ، إِذَن، يُرتَجى لِلبُعدِ الإبداعِيِّ أوِ الشِّعرِيِّ في كِتابَةِ تاريخِ الفَنِّ في هَذا المَقامِ الَّذي تَنبَثِقُ مِنهُ الكِتابَة، وتَتَطَوَّرُ في مَسارٍ مُعَيَّن، وتُحفَظُ وتُوَجَّه؟ ألَيسَ الشُّروعُ في كِتابَةِ تاريخِ الفَنِّ «إبداعِيّاً» مُرادِفاً لِلكِتابَةِ «بِحُرِّيَّة»؟ وألا تَتَضَمَّنُ حُرِّيَّةُ التَّفكيرِ والنَّقدِ أيضاً حُرِّيَّةَ الحَذفِ، أوِ الإضافَة، أوِ استِبدالِ الحَرفِ والكَلِمَةِ في الجُملَة؟ وإن كانَ الأمْرُ كَذلِك، فَما هِيَ العَلاقَةُ بَينَ هَذا الإبداعِ الأدَبِيِّ والمُؤَسَّسَةِ كَسُلطَة؟

ولِلِإجابَةِ عَن هَذا التَّساؤُل، وعَلى سَبيلِ الخِتام، أوَدُّ الِالتِفاتَ إلى لَحظَةٍ تاريخِيَّةٍ أُخرى، حينَ كادَتِ السُّلطَةُ أن تَطغَى عَلى الحَياةِ الأكاديمِيَّة. كاتِبٌ آخَرُ كانَت حَياتُهُ زاهِدَةً كَحَياةِ فلوبير - لِكَي لا نَقولَ مُملَّةً كَما هُوَ مَشهورٌ - ألا وهُوَ «إِيمَانُويل كانْط»، الَّذي نَشَرَ مَقالَتَهُ «صِراعُ الكُلِّيّات» عام ١٧٩٨. كانَتِ المَقالَةُ ثَورِيَّة؛ إذ أُرسِيَ مِن خِلالِها مَفهومُ الإنسانيّاتِ لِلمَرَّةِ الأُولى كَمَساحَةٍ لِلنَّشاطِ النَّقدِيّ؛ مَساحَةٍ حُرَّةٍ ومَصونَةٍ بِطَبيعَتِها. ما شَغَلَ كانْط في هَذِهِ المَقالَةِ هُوَ العَلاقَةُ بَينَ الدَّولَةِ والجامِعَة. بَدَأ بِتَسليطِ الضَّوءِ عَلى التَّقسيمِ التّاريخِيِّ لِلعَمَلِ داخِلَ الجامِعَةِ - وتَوزُّعِها إلى «كُلِّيّات» - ثُمَّ تَساءَلَ عَن عَلاقَةِ كُلِّ كُلِّيَّةٍ في وظيفَتِها بِالسُّلطَةِ، أوِ الدَّولَةِ الأُمَّة. وأكَّدَ كانْط أنَّ الكُلِّيّاتِ «العُليا» الثَّلاثَ - اللاهوت، والطِّبّ، والحُقوق - تَحظَى باهتِمامٍ مُباشِرٍ مِنَ الحُكومَةِ؛ لِأنَّ ما تُدَرِّسُهُ يُمَثِّلُ السَّبيلَ الَّذي تُمَكِّنُ الحُكومَةَ مِن خِلالِهِ ضَمانَ تأثيرٍ دائِمٍ عَلى رَعاياها، أيِ الشَّعب.

ويَنتَقِلُ كانْط لاحِقاً لِلحَديثِ عَنِ الكُلِّيَّةِ الرّابِعَة، الَّتي تُدعى «الدُّنيا». وهِيَ كُلِّيَّةُ الفَلسَفَة، وتَشْمَلُ في نَظَرِهِ «التّاريخَ والجُغرافيا وفِقهَ اللُّغَةِ والإنسانيّات» (ويُمكِنُنا أن نُضيفَ «تاريخَ الفَنّ» إلى هَذِهِ المَساحَةِ الَّتي يُعيدُ كانْط تَعريفَها). ويُعلِنُ كانْط أنَّ كُلِّيَّةَ الفَلسَفَةِ لا نَفعَ فيها لِلحُكومَة، كَما أنَّها مُستَقِلَّةٌ عَنها استِقلالاً جَوهَرِيّاً: يَكتُبُ كانْط: «مِنَ الضَّرورِيِّ تَماماً أن تَضُمَّ الجَماعَةُ الأكاديمِيَّةُ في الجامِعَةِ كُلِّيَّةً مُستَقِلَّةً عَن أوامِرِ الحُكومَةِ فيما يَتَعَلَّقُ بِتَدريسِها». ويُتابِعُ: «كُلِّيَّةٌ لا تُصدِرُ أوامِرَ، فَتَكونُ حُرَّةً في تَقويمِ كُلِّ شَيء، وتُعنَى... بِالحَقيقَة». غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ أنَّ هَذا كانَ بِمَثابَةِ إشْعالٍ لِلنّار، ولَيسَ مُستَغرَباً أن تُواجَهَ مَقالَةُ «صِراعُ الكُلِّيّات» بِالمَنعِ والتَّكميمِ فَورَ ظُهورِها. ولا غَضاضَةَ في أنَّ هَذِهِ المَساحَةَ الحُرَّةَ في الجامِعَةِ لَم تَكُن قَد وُجِدَت قَطّ، أو لَعَلَّها لَم توجَد مُنذُ ذلِكَ الحين: فالعِبرَةُ أنَّ كانْط، بِقولِهِ هَذا، يَفتَحُ مَساحَةً حُرَّةً لِلنَّشاطِ النَّقدِيّ - وإمكانِيَّةِ كِتابَةٍ شِعرِيَّةٍ حُرَّة - داخِلَ أروِقَةِ الجامِعَة، كَإمكانِيَّةٍ نَظَرِيَّةٍ وعَمَلِيَّةٍ في آنٍ واحِد. وما إن تُفتَحُ، كَما نُضيف، حَتّى يَكونَ لَها تاريخٌ، ومُستَقبَل.

ما المُستَقبَلُ، إذن، الَّذي يَنتَظِرُ هَذِهِ المَساحَةَ النَّقدِيَّةَ لِلكِتابَة؟ وما أمَلُ إيصالِ «تِلكَ المَساحَةِ» إلى غَدِها، وتَوكيلِ عَهدِ عامِ ١٧٩٨ لِزَمانٍ آتٍ؟

إنَّها مَساحَةٌ هَشَّة. في تَوضيحِهِ الدَّقيقِ لِـ«صِراع» كانْط لِعامِ ١٧٩٨، والمَوسومِ بـ «مُستَقبَلُ المِهنَة»، يَقِفُ «جاك دِرِيدا» مَذهولاً أمامَ التَّناقُضِ الكامِنِ في بَرادَةِ كانْط التَّأسيسِيَّةِ المُتَمَرِّدَة. فَيُلاحِظ، عَلى سَبيلِ المِثال، كَيفَ نَعَتَ كانْط كُلِّيَّةَ الفَلسَفَةِ بِالكُلِّيَّةِ «الدُّنيا» (ولَكِن لِمَ «دُنيا»؟)؛ وكَيفَ يُحاجِجُ كانْط بِأنَّ هَذِهِ الكُلِّيَّةَ «الدُّنيا» «حُرَّةٌ في تَقييمِ [أي نَقدِ] كُلِّ شَيء»، ولَكِن فَقَط لِأنَّها، خارِجَ نِطاقِ صَلاحِيّاتِها، «لا تَملِكُ أوامِرَ لِتُصدِرَها». فَبِخِلافِ اللاهوتِ أوِ الطِّبِّ أوِ الحُقوق، لا سُلطانَ لِلفَلسَفَةِ عَلى أحَد. وهَذا في نَظَرِ دريدا يَجعَلُ الفَلسَفَةَ (ويُمكِنُنا أن نُضيفَ أحَدَ فُروعِها، تاريخَ الفَنّ) حُرَّةً داخِلَ أروِقَةِ الجامِعَة، ولَكِن بِحُكمِ تَجَرُّدِها مِنَ السُّلطَة، تَغدو عُرضَةً لِخَطَرِ السُّلطَة، ومُذعِنَةً، كَما يَسَعُنا القَول، لِتَدَخُّلاتِ الحُكومَةِ وسَيطَرَتِها. فَالجامِعَةُ المَسلوبَةُ السُّلطَةِ - وهُوَ الشَّرطُ الجَوهَرِيِّ لِحُرِّيَّتِها - «تَستَسلِمُ طَواعِيَةً»، كَما يُبَيِّنُ دريدا. وإنَّ استِسلامَنا لَدَليلٌ عَلى حُرِّيَّتِنا؛ وإن كانَ دَليلاً مَشؤوماً. تَماماً كَما أنَّ كِتابَةً حُرَّةً وأكثَرَ إبداعاً لِتاريخِ الفَنِّ قَد لا تَتَبَلوَرُ إلّا مِن رِحَابِ جامِعَةٍ مُتَجَرِّدَةٍ مِنَ السُّلطَة؛ رُغمَ أنَّها حُرِّيَّةٌ تُكابِدُ الألَمَ وتُشكو الدُّوار.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق