ما يَسبِقُ السُّؤال
التَّهَكُّمُ صُورَةُ المُفارَقة.
والمُفارَقَةُ ما جَمَعَ بَينَ الحُسنِ والعَظَمةِ في آنٍ واحِد.
فريدريش شليغل، «شَذرات اللِّيسيُوم».
أمّا السَّبيلُ الآخَر، وأعني أنَّهُ مَعدوم،
وأنَّ العَدَمَ ضَرورَةٌ واجِبة، -
فَذلِكَ - لَعَمرُكَ - مَسلَكٌ لا يُوثَقُ بِهِ قَطّ
إذ لا سَبيلَ لِمَعرِفةِ ما انتَفى وُجودُه - فَذاكَ مُحال -
ولا قُدرَةَ على النُّطقِ بِه...
بارمينيدس، «في الطَّبيعَة».
استَحدَثَ دريدا مَقامَ «الِاختِلاف» (différance)، مُتَعَمِّداً تَحريفَ رَسمِ الكَلِمَةِ (difference)، لِغاياتٍ «تَدبيريَّة». والمَقصِدُ مِنَ التَّلاعُبِ المَقْرونِ بِاستِعمالِها إحداثُ صَدعٍ، ونَقضٌ لِلمَألوفِ، وخَوضُ غِمارِ المُجازَفة (تأمَّل مثلًا سُؤالَ بوفريه الثّالِثَ لِهايدغر في كِتابِ «رِسالَةٌ في النَّزعَةِ الإنسانيَّة»، حَولَ تَصييرِ الفَلسَفةِ نَفسِها إلى مُغامِرة). وهَذا «الِاختِلافُ» عِندَ دريدا يَتَعالى عَن كَونِهِ مَفهوماً أو كَلِمَة، لِيَكونَ مَقاماً يُلوِّحُ بِلُعبَةٍ يَزعُمُ سَبقَها لِلْوُجود، ولِلتَّبايُنِ الأنطولوجيِّ بَينَ المَوجوداتِ والوُجود. وهَذا المَقامُ - المُتَجَرِّدُ في ذاتِهِ عَنِ اللَّفظِ والمَفهوميَّةِ - أثَرٌ لِما لا حَظَّ لَهُ في نَفسِهِ مِن وُجودٍ أو حُضور. ويُخبِرُنا دريدا، فَوقَ ذلِك، أنَّهُ يَرمي بِمَقالَتِهِ ذاتِ الاسْمِ المُستَغْلِقِ على التَّسمِيَة، إلى المُضيِّ قُدُماً عَبرَ تَصعيدِ التَّلاعُبِ بِالعَلامة، وهُوَ تَلاعُبٌ يَبدو في ظاهِرِ أعرافِنا خَطَأً إملائيّاً، أو لَعَلَّهُ عَبَثُ صِبيَةٍ خالٍ مِن أيِّ مَغزىً نافِعٍ في حينِه.
وأوَّلُ دَليلٍ على أنَّ هَذا التَّحريفَ اللَّفظيَّ أبعَدُ مِن مُجَرَّدِ خُزَعبَلاتِ مُشَعوِذ، أنَّ التَّبايُنَ بَينَ صُورَتَيِ الكَلِمَةِ لا يُمكِنُ التَّثَبُّتُ مِنهُ إلّا بِقِراءَةِ النَّصّ (مِن خِلالِ مُلاحَظَتِنا لِحَرفِ الـ'e' أو الـ'a'). فَتَغدو الكِتابَةُ الحَيِّزَ المَوضِعيَّ لِتَحقيقِ المَعنى. ومَعَ ذلِك، فَإنَّ مِثالَ «الِاختِلافِ» يُجَلّي اضطِرابَ الإحالَةِ، حَتّى في الكَلِمَةِ المَكتوبة، في ظِلِّ تَصعيدِ التَّلاعُبِ بِالخَطَأِ المَزعومِ الّذي يُثيرُ قِراءاتٍ لا حَصرَ لَها، ومَعانيَ مُتَضارِبَةً شَتّى - أو بِعِبارَةٍ أُخرى، يُثيرُ تَعَدُّدَ مَعاني النَّصِّ المَفهومِ بوَصفِهِ مُشارِكاً في المُداوَلَةِ بَينَ الاقتِصادِ المُقَيَّدِ والعامّ (قارِن مثلًا بِالتَّفريقِ بَينَ الاقتِصادِ «المُقَيَّد» و«العام» في الجُزءِ الأوَّلِ مِن كِتابِ باتاي «الحِصَّةُ المَلعونة»). وفي مِثلِ هَذِهِ الحالِ مِنَ التَّشَكُّكِ والغُموض، تَتَفَجَّرُ المَعاني وتَتَكاثَرُ حَتّى لِلعَلامَةِ الواحِدة. وبِهَذا النَّسَق، وحَتّى حينَ تَستَحيلُ الكِتابَةُ أساساً لِلمَعنى في مُقابَلَةِ الجَوانِبِ الصَّوتيَّةِ اللَّفظيَّةِ لِلُّغة، تَظلُّ هيَ في ذاتِها هُوَّةً سَحيقةً (abgrund)، تَتَصَدَّعُ فيها المَعاني المُقَرَّرَةُ وتَتَحَوَّلُ دونَما انقِطاع.
ولَمّا كانَ التَّبايُنُ في العَلامَةِ لا يُدرَكُ إلّا إدراكاً رَسميّاً مَحضاً، يُلَمِّحُ دريدا إلى أنَّ حَرفَ «a» و« différance» (الِاختِلاف) يَبرُزانِ كَأثَرَينِ لِشَيءٍ لَم يُوجَد قَطّ، أثَرَينِ لِلُعبَةِ الِاختِلافِ السّابِقةِ لِلوُجودِ أوِ المَوجودات. وتَتَجَلّى هَذِهِ الطَّريقَةُ في اللَّعِبِ حينَ يَقرِنُ، على نَحوٍ يَبدو عَبَثيّاً، بَينَ هَيئَةِ حَرفِ الـ A الكَبيرِ وهَيئَةِ الهَرَم، ناعِتاً إيّاهُ بِالضَّريح، ثُمَّ يُلَمِّحُ في غُموضٍ إلى أنَّ هَذا الضَّريحَ يُشيرُ ضِمناً إلى اقتِصادِ المَوتِ الكامِنِ في صَمتٍ، في خَفاءٍ، بِلا حُضور، قَبلَ الوُجودِ والمَوجودات - وهُوَ يُوحي بِأنَّ اقتِصادَ المَوتِ هَذا، أي ضَريحَ حَرفِ «a» في «الِاختِلاف»، يُؤذِنُ بِمَوتِ الطّاغِيَة؛ طُغيانِ إطلاقِ المَعنى، المَعنى الواحِدِ المُتَفَرِّدِ الأصيل، طُغيانِ الحَرفِ الكَبير.
وقَبلَ أن نَقَعَ تَحتَ سِحرِهِ تَماماً، نُدرِكُ مِن فَورِنا أنَّ هَذا كُلَّهُ أبعَدُ مِن أن يَكونَ مَحضَ عَبَث، بِمِقدارِ ما هُوَ لُعبَةٌ ذاتُ مَقصِد، مَقصِدٍ يَستَوجِبُ إدخالَ حِسٍّ مُبايِنٍ لِلمَيدانِ الّذي نَحنُ فيهِ لاعِبون. وقَد يَكونُ مِنَ النّافِعِ هُنا أن نَتَصَوَّرَ دريدا مُؤَسِّساً لِلُعبَةٍ لُغَويَّةٍ على غِرارِ ما فَعَلَ فيتغنشتاين في «تَحقيقاتٍ فَلسَفيَّة». ومِن هَذا المَنظور، يَبسُطُ دريدا مَغزى غايَتِهِ الأساسيَّةِ عَبرَ استِنباتِ زُمرَةٍ مِنَ التِّيماتِ والمَجازاتِ والتَّحليلاتِ التَّدبيريَّة، لِيُضيءَ فِكرَةً يَرومُ إيصالَها إلَى القارِئ. وفي الوَقتِ ذاتِه، ومَعَ ما تَنهَضُ بِهِ هَذِهِ المَقالَةُ مِن نَقضٍ لِحُضورِ المُؤَلِّف، فَإنَّ سَعيَهُ نَفسَهُ لِلتَّواصُلِ مَعَ القارِئِ سَيُنقَضُ حَتماً كَذلِك، وهُوَ ما يُلَمِّحُ إلَيهِ حين يَرى أنَّ مَقامَ «الِاختِلافِ» نَفسَهُ لابُدَّ أن يُمحى.
وعلى نَحوٍ مَبدَئيّ، يُشَبِّهُ دريدا تَعَدُّدَ المَعاني الّذي يُوحي بِهِ مَقامُ «الِاختِلافِ» بِحُزمَةٍ، رَبطَةٍ مِن أشياءَ مُتَقارِبَةِ الطّول، كَرُزمَةٍ مِنَ الأوراق. وعلاوَةً على ذلِك، تُوصَفُ استِعارَةُ رُزمَةِ الأوراقِ بِأنَّها ذاتُ «بِنيَةٍ مُعَقَّدَةٍ لِنَسْجٍ» مِن مَعانٍ مُتَبايِنَةٍ، وقُوىً مُختَلِفة، تُشبِهُ في وُجوهٍ كَثيرَةٍ تَتَبُّعَ نيتشه الجينالوجيَّ لِلتَّفَجُّراتِ الّلا مُتَناهِيَةِ لِإرادَةِ القُوَّة. وكِلتا الاستِعارَتَينِ حاضِرَتانِ هُنا؛ إذ تُشيرُ كُلٌّ مِنهُما ضِمناً إلى مُمارَسةِ الكِتابَة، فَرُزمَةُ الأوراقِ مِن جِهَةٍ تُظهِرُ مَصفوفاتٍ شاسِعَةً مِنَ الكَلِمات، والنَّسجُ مِن جِهَةٍ أُخرى - كَما في المَنسوجات - يُمَثِّلُ استِعارَةً ثانِيَةً لِخُيوطِ الجُمَلِ والعَلاقاتِ الدّاخِليَّةِ ضِمنَ النَّصِّ الواحِدِ وبَينَ النُّصوص. وبِهَذا، يُوحي دريدا بِأنَّ المَعنى يَسكُنُ في التَّرابُطِ بَينَ العَلاماتِ الفاعِلةِ ضِمنَ الاقتِصادِ العامِّ لِلنَّصّ، في مَوضِعِ تَعَدُّدِ المَعاني المُتَجاوِزِ لِلاقتِصادِ المُقَيَّدِ لِلُعبَةٍ لُغَويَّةٍ مُكَرَّمَةٍ تَطغى على ما سِواها بوَصفِها المَعنى الأصيل.
ويُؤَكِّدُ مَقامُ «الِاختِلاف»، كَما أسْلَفنا، عَلى التَّبايُنِ بَينَ اللُّغَةِ المَنطوقَةِ والمَكتوبَة، وهُوَ نِقاشٌ سَتَشتَدُّ أهَمِّيَّتُهُ عِندَ التَّعَرُّضِ لِما يُدَّعى مِن فوريَّةِ الكَلِمَةِ المَنطوقَةِ عِندَ سوسير، وحميميَّةِ الكَلامِ مَعَ الوُجودِ عِندَ هايدغر. وهَذِهِ المَسألَةُ، عِندَ دريدا، سَتُسفِرُ عَنِ ارتِباطِها بِميتافيزيقا الحُضور، حَيثُ يُزْعَمُ أنَّ لِلذّاتِ صِلَةً حَميمَةً بِحُضورٍ يُمكِنُ الإفصاحُ عَنهُ بِالكَلِمات، فَيَغدو بِذلِكَ الحَدَثَ المُعَيِّنَ لِماهِيَّةِ الأصيل. وكَما بَيَّنَ بِجَلاء، لا سَبيلَ لَنا إلى إدراكِ التَّبايُنِ بَينَ المَقامِ والرَّسمِ المُعتادِ إلّا بِالوَسائِلِ الخَطِّيَّة. وفي هَذا السِّياق، سَيُتَّخَذُ النَّصُّ المَكتوبُ مِعياراً يُرقَبُ بِهِ الخِطابُ المَنطوقُ مِن حَيثُ استِعمالُه. ومَعَ ذلِك، يَشُكِّكُ دريدا في نَقاءِ اللُّغَةِ المَنطوقةِ بِسَبَبِ انغِماسِها في ثَقافَةٍ تاريخيَّةٍ لِلكِتابَةِ الصَّوتيَّة، يُعمَلُ بِها ضِمنَ الإطارِ النَّظَريِّ المُهَيمِنِ الّذي يُدَوَّنُ فيهِ الخِطابُ المَنطوقُ بِاللُّغَةِ المَكتوبَة. فَلُغَتُنا المَنطوقَةُ، في عُرفِ دريدا، مُتَشابِكَةٌ أبَداً وفي كُلِّ حينٍ ضِمنَ نَسيجِ الاقتِصادِ العامِّ لِـ«الِاختِلاف» ورُزمَتِه.
وعلاوَةً على ذلِك، ولَمّا كانَ التَّمييزُ نَفسُهُ قَدِ انهارَ بَينَ الكِتابَةِ والكَلام، يُشيرُ دريدا إلى أنَّ مَوضِعَ «الِاختِلافِ» يَكمُنُ في البَينِ «خارِجَ الأُلفَةِ السّاكِنةِ الَّتي تَربِطُنا بِكِلَيهِما، ومُطَمئِنَةً إيّانا بَينَ الفَينَةِ والأُخرى في وَهمِنا بِأنَّهُما اثنان». وهَذا التَّصدُّعُ في تَمييزِنا المُعتادِ بَينَ الكَلامِ والكِتابَةِ والأولَويَّةِ الَّتي نُسبِغُها على الأوَّلِ (في الاقتِصادِ المُقَيَّدِ لِميتافيزيقا الذّاتيَّةِ) هُوَ أُولى الثِّمارِ التَّخريبيَّةِ لِـ«الِاختِلاف». غَيرَ أنَّنا، كَقُرّاء، إبّانَ خَوضِنا غِمارَ تَصعيدِ اللَّعِبِ بِهَذا المَقام، سَنَبدأُ في إدراكِ أنَّ كَثيراً مِنَ الفُروقِ والأضداد، كَتِلكَ القائِمَةِ بَينَ المَحسوسِ والمَعقول، سَتَأخُذُ في التَّصَدُّع، وتُخرَجُ مِن دائِرَةِ اللَّعِب، وتُفَكَّكُ بُنيَتُها، لِيُعادَ تَوضيعُها ضِمنَ مَيدانِ الاقتِصادِ العامّ.
وفي هَذا الضِّياء، يُمسي «الِاختِلافُ» - الّذي بَدا في مَطلَعِ الأمْرِ لُعبَةً عابِثَة - تَهديداً مُلاحِقاً لِتَعييناتِنا المَألوفَةِ لِلمَعنى، ولِلهَرَمِيّاتِ القائِمَةِ بَينَ كُلِّيّاتِنا وجُزئيّاتِنا. ولا يَكفي مُجَرَّدُ الرَّفضِ لِلهَرَمِيَّة؛ إذ لا يَحتاجُ المَرءُ في دَحضِ هَذا الرَّفضِ إلّا إلى الإشارَةِ لِتِلكَ الهَرَميَّةِ ذاتِها، أو قَمعِ مَن يُحاوِلُ عَزلَ طَاغِيَة. غَيرَ أنَّ تَدبيرَ دريدا مُخالِف؛ فَهوَ يَنقُضُ الهَرَمِيَّةَ بِكَشفِ أضعَفِ حَلَقاتِها، مُلَمِّحاً عَمداً إلى الاستِثناء، إلى العَدَمِ الأصليّ، ذَلِكَ المَقامِ الّذي لا يُطَمئِنُنا في أوهامِنا، إنَّما يُذَكِّرُنا، على العَكسِ مِن ذلِك، بِأنَّ كُلَّ مَفاهيمِنا عَنِ اليَقينِ والمَعنى والهَرَميَّةِ - عَمّا هُوَ حَقٌّ وأصيل - وأنَّ سَكينَتَنا كُلَّها تَستَنِدُ استِناداً واهِناً إلى نَسيجٍ مِنَ الأوهامِ، يُفرَضُ ويُصانُ بِعُنفٍ وخِداعٍ لِلذّات.
وفي الوَقتِ عَينِه، لا يَقتَصِرُ دريدا في إعمالِ «الِاختِلافِ» على ما يَفعَلُهُ الجُنديُّ في تَدبيرِ المَعارِك، أو على الأقَلِّ مَن يَرمي لِغايَةٍ مَحتومَةٍ وواضِحة. وكَما أسلَفتُ القَول، فَإنَّ مَقامَ «الِاختِلافِ» عِندَ دريدا يَتَجاوَزُ التَّدبير، لِيَغدوَ - في استِفزازٍ لِهايدغر الّذي يَسعى لِقُربٍ مُحالٍ مِنَ الوُجود - مُغامِراً ومُتَهَوِّراً (قارِنه مثلًا بـ«شَذرَةِ أناكسيماندر»). والحَقُّ أنَّ دريدا، في سياقِ استِعارَتِهِ لِلَّعِبِ واللَّهو، يُطلِقُ عِنانَ تَدبيرٍ بِلا غايَةٍ نِهائيَّة، «تَكتيكاتٍ عَمياء»، و«تِجوال»؛ وهيَ كُلُّها ثيماتٌ تُشيرُ إلى لَمحَةِ نيتشه حَولَ بَراءَةِ الصَّيرورة. فَبَعدَ الإطاحَةِ بِالطّاغيَة، لَن يَكونَ ثَمَّةَ مَلِكٌ جَديد، ولا مَبدأٌ حَاكِمٌ جَديد (arche)، إنَّما سَتَكونُ لا سُلطَة (an-arche)، مُجَرَّدَةً مِن أيِّ مَبدأ ضابِطٍ لِلسِّيادَة، أو لِلأصيل، أو لِطُغيانِ الذّاتِ الميتافيزيقيَّةِ بِوَعْيِها لِذاتِها. وفي رابِطٍ آخَرَ مَعَ نيتشه، يُحَرِّضُ دريدا على انبِثاقِ تَعَدُّدِيَّةِ الذّات، وتَعقيدِ الذّاتِ المُتَناهِيَةِ في ارتِباطِها بِانغِماسِها ضِمنَ المَصفوفاتِ التّاريخيَّةِ والثَّقافِيَّةِ والنَّفسيَّةِ والجَسَديَّةِ لِلوُجود.
يَشرَعُ دريدا في تَحليلِ المَعنى أوِ المَغزى التَّقريبيِّ لِـ«الِاختِلافِ» مِن خِلالِ النَّظَرِ في الجُذورِ الدَّلاليَّةِ لِكَلِمَةِ (difference). فَثَمَّةَ مِن جِهَةٍ لَفظَةُ (diapherein) اليونانيَّةُ الَّتي تَعني الفَصلَ أوِ المَسافَةَ أوِ النِّزاعَ (polemos) بَينَ الأشياءِ المُتَبايِنَة، والّتي يُفَسِّرُها دريدا بِمَعنىً مَكانيٍّ غالِب. ومِن جِهَةٍ أُخرى، ثَمَّةَ لَفظَةُ (différer) الّلاتينيَّة، والّتي تَحمِلُ، إلى جانِبِ المَعنى المَكانيِّ لـ(diapherein)، مَعنىً زَمَنِيّاً إضافيّاً يُفيدُ التَّأجيلَ، والانعِطاف، بِما يَشمَلُ - على سَبيلِ المِثال - مَعنى الإرجاءِ الزَّمَنيِّ في كَلِمَةِ إعادَةِ التَّمثيل (re-presentation). ويُؤثِرُ دريدا هَذا المَعنى الّلاتينيَّ لِجَمعِهِ بَينَ البُعدَينِ المَكانيِّ والزَّمَنيِّ لِـ(différer)، وبِطَريقَةٍ تَسمَحُ، مَعَ «الِاختِلاف» (différance)، بِنَقضِ وإزاحَةِ التَّمييزِ التَّقليديِّ بَينَ الزَّمانِ والمَكانِ لِصالِحِ بَديلَيِ التَّزمينِ والفَصلِ المَكانيّ.
وبِهَذا، لا يَنحَصِرُ «الِاختِلافُ» في القَواعِدِ التّاريخيَّةِ لِلاستِعمال، إنَّما هُوَ «مُتَعَدِّدُ المَعاني على نَحوٍ عَصِيٍّ على الِاختِزال». وفي هَذا التَّعَدُّد، يَبدو أنَّ «الِاختِلافَ» يَعمَلُ بِشَكلٍ يَنقُضُ الوَهمَ المَألوفَ والسّاكِنَ الّذي اصطَنَعناهُ لِأنفُسِنا. وفي الوَقتِ ذاتِه، يَقصِدُ دريدا استِبانَةَ أنَّ «الِاختِلافَ» وإن بَدا المَصدَرَ المُنتِجَ لِلتَّبايُنِ بَينَ كافَّةِ الأشياءِ (كَما في صِراعِ إيمبيدوكليس)، غَيرَ أنَّهُ، في ضَوءِ حَرفِ الـ«a» الدّالِّ عَلى تَعَدُّدِ الدَّلالات، يَتَنَزَّهُ عَنِ الفاعِليَّةِ والمَفعوليَّةِ جَميعاً، بَل يَستَدعي «صَيغَةَ المَبنيِّ لِلمَجهول» أو صَيغَةً وُسطى غَيرَ مُتَعَدِّيَة، سابِقَةً لِلفِعلِ القَمعيِّ المُتَمَثِّلِ في إقامَةِ هَرَميَّةِ الفاعِلِ والمَفعولِ بِهِ (وهيَ الهَرَمِيَّةُ الَّتي يَتَأمَّلُ دريدا كَيفَ تَأسَّسَت عَلَيها الفَلسَفَةُ بوَصفِها ميتافيزيقا).
في عُرفِ السِّيميولوجيا التَّقليديَّةِ (عِلمِ العَلامات)، تُعرَفُ العَلامَةُ بِكونِها بَدِيلاً يَحِلُّ مَحَلَّ الشَّيءِ المَدلولِ عَلَيه. يَكتُبُ دريدا: «نَأخُذُ العَلاماتِ أو نُعطيها. نَحنُ نُشير. والعَلامَةُ، بِهَذا المَعنى، حُضورٌ مُؤَجَّل...» - أو «... الدَّلالَةُ بوَصفِها اختِلافَ التَّزمين». وتَتَّسِمُ العَلامَةُ عِندَ سوسير بِطَبيعَةٍ مُزدَوَجة: فَهِيَ أوَّلاً تَفاضُليَّة؛ إذ تَستَمِدُّ مَعناها مِن نِظامِ العَلاماتِ التَّفاضُليِّ في أيِّ لُغَةٍ أو نِظامٍ فِكريّ. وهِيَ ثانِياً اعتِباطيَّة؛ لِكّونِها تَنبَثِقُ مِنَ الِاختِلافِ ولا تَمُتُّ بِصِلَةٍ مُوجَبَةٍ إلى شَيءٍ خارِجَ نِظامِ العَلامات. وتَنقَسِمُ العَلامَةُ نَفسُها، فَضلاً عَن ذلِك، إلى دالٍّ ومَدلول. والمَدلولُ هُوَ المَفهومُ أو مَعنى العَلامَة؛ في حينِ أنَّ الدّالَّ هُوَ «صُورةٌ» أو «انطِباعٌ نَفسيّ» أو «الظّاهِرَةُ الصَّوتيَّةُ» لِكَلِمَةٍ مَنطوقة. وكَما يُحاجِجُ سوسير: «كُلُّ ما قيلَ حَتّى هَذِهِ اللَّحظَةِ يَؤولُ إلى هَذا: لَيسَ في اللُّغَةِ سِوى اختِلافات... والأهَمُّ مِن ذلِك: أنَّ الِاختِلافَ يَقتَضي عادَةً حُدوداً مُوجَبَةً يُقامُ بَينَها، في حينِ لا يُوجَدُ في اللُّغَةِ سِوى اختِلافاتٍ بِلا حُدودٍ مُوجَبة». وبِعِبارَةٍ أُخرى، تَنبَثِقُ الدّوالُّ والمَدلولاتُ مِن صَميمِ نِظامِ اللُّغَةِ ذاتِه. وبِهَذا النَّسَق، يَتَوَلَّدُ المَعنى نَتيجَةَ لُعبَةٍ نِظاميَّةٍ لِلِاختِلافات، ويُمكِنُنا بِسُهولَةٍ تَبَيُّنُ سِرِّ اهتِمامِ دريدا بِسوسير في ضَوءِ مَقامِ «الِاختِلافِ» الخاصِّ بِه. وعِلاوَةً على ذلِك، ومِن مِشكاتِ سوسير، نُدرِكُ كَيفَ تَسَنّى لِدريدا أن يَعُدَّ «الِاختِلافَ» لُعبَةً أصليَّةً لِلتَّبايُن، تُوَلِّدُ بِذاتِها المَفاهِيميَّةَ (على غِرارِ المُخَيِّلَةِ المُتَعاليَةِ في مَخطَطِ كانط ضِمنَ «نَقدِ العَقلِ المَحض»)، دونَ أن تَكونَ هيَ نَفسُها فاعِلَةً أو مُنْفَعِلَةً، حَاضِرَةً أو غَائِبَةً في مِيزانِ مِيتافِيزيقا الذّاتِيَّة.
يَقولُ دريدا: «إنَّ 'الِاختِلافَ' هُوَ الأصلُ المنقوصُ والمُرَكَّبُ والمُبَنْيَنُ والمُمَيِّزُ لِلِاختِلافات. ومِن ثَمَّ، لَم يَعُدِ اسمُ 'الأصلِ' يَلِيقُ بِه». وبِهَذِهِ الحال، نَجِدُ أنفُسَنا - عَوداً إلى استِعارَةٍ سالِفة - مُطَوَّقينَ بِنَسيجٍ دائِريٍّ مِن حياكَةِ الِاختِلافات، وهُوَ نَسيجٌ لا يَبعُدُ كَثيراً عَن إشارَةِ هايدغر لِلُّغَةِ بوَصفِها «مَسكَنَ الوُجود». وسَنَعودُ إلى هايدغر لاحِقاً؛ غَيرَ أنَّ دريدا يُلِحُّ إلحاحاً عَلى خُلوِّ ما وراءَ نِظامِ الِاختِلافِ مِن أيِّ حُضورٍ تَرُدُّ إلَيهِ أيُّ عَلامَةٍ على نَهجِ نَظَرِيَّةِ التَّطابُقِ الكِلاسيكِيَّة. فَالْمَعنى يُتَوَلَّدُ مِن بَاطِنِ مَصفوفَةِ الدَّلالَة، وبِالتّالي، لا مَخرَجَ - عِندَ دريدا - مِن نِظامِ الِاختِلافات؛ إذ لا يُوجَدُ «خارِجٌ» أصلَاً. لا مَكانَ هُنا سِوى لِلُعبَةِ «الِاختِلاف» الَّتي تُجيزُ رابِطَةَ التَّأجيلِ (التَّزمين) والتَّبايُنِ (الفَصلِ المَكانيّ) بَينَ ما نَتَوَهَّمُهُ لَحَظاتٍ حَاضِرَةً ومُنفَصِلة. غَيرَ أنَّنا سَنَرى أنَّ «الِاختِلافَ» عِندَ دريدا يَتَعالى عَن كَونِهِ هُوَ الوُجودَ، لِيَكونَ اقتِصادَ المَوتِ السّابِقَ لِلوُجودِ وتَبايُنِهِ عَنِ المَوجودات.
قَد يُرمى دريدا بِمُراوَغَةٍ لا طائِلَ تَحتَها، وبِالعَبَثِيَّةِ رُبَّما، لِما يَبدو مِن عُزوفِهِ عَن خَوضِ اللُّعبَةِ التَّقليديَّةِ لِلمَعنى؛ أو - عَلى حَدِّ تَعبيرِ نيتشه في كِتابِه «في الحَقيقَةِ والكَذِبِ بِمَعنىً غَيرِ أخلاقيّ» - عُزوفِهِ عَنِ الكَذِبِ وَفقَ العُرفِ المُستَقِرّ. بَيدَ أنَّهُ يَدعونا لِلنَّظَرِ في صُورَةِ السُّؤالِ المُوَجَّهِ إلَيهِ ذاتِها: «ماهِيَةُ...؟». فَصُورَةُ هَذا السُّؤال، كَما ما فَتِئَ هايدغر وفيتغنشتاين يُشيران، تَبتَغي جَواباً حاسِماً وتَعريفاً جَلِيّاً بَسيطاً وشامِلاً، يَقومُ - في زَعمِ دريدا - عَلى مَوجودٍ حاضِرٍ بَعينِه. أي أنَّ «الاسْمَ» الّذي نَسألُ عَنه، كَالفَرَسِ مَثَلاً، يَرتَبِطُ مِن فَورِهِ بـ«جَوهَرٍ» في عُرفِ ميتافيزيقا الذّاتيَّةِ والحُضور. وهَذا النُّزوعُ نَحوَ تَفسيرٍ واحِدٍ قاطِعٍ يَستَوجِبُ قَمعَ اللُّعبَةِ المُتَعَدِّدَةِ الدَّلالاتِ لِلِاختِلاف، بَل ويَقتَضي تَزييفاً لِلمَوضِعِ المُوَلِّدِ لِلمَعنى في سياقِ الِاختِلافات - سَواءٌ أكانَ «نِظاماً» أم «بَديلاً مُؤَقَّتاً».
والباعِثُ عَلى إلحاحِ دريدا هَذا، والمُرتَبِطُ بِمَفهومِ «ميتافيزيقا الذّاتيَّةِ» المُشارِ إلَيهِ مِراراً، هُوَ إنكارُهُ لِوُجودِ «ذاتٍ» (ومَفهومُ «الذّاتِ» ميتافيزيقيٌّ أبَداً، يَجري وَفقَ نَحْوٍ مُعَيَّن) تَحُلُّ - بِوَجهٍ مِنَ الوُجوه - خارِجَ نِطاقِ لُعبَةِ الِاختِلافات. فَاللُّغَةُ عِندَهُ تَتَنَزَّهُ عَن كَونِها «أداةً طَيِّعَةً لِلذّاتِ النّاطِقة». ويُردِفُ دريدا، بِمَسلَكٍ سَتَظهَرُ صِلَتُهُ بِالحَديثِ عَنِ «الوُجود»:
إنَّ هَذا يُفضي إلى أنَّ الذّاتَ (في هُوِيَّتِها مَعَ ذاتِها، أو، لاحِقاً، في وَعْيِها بِهُوِيَّتِها مَعَ ذاتِها، أي وَعْيِها بِالذّات) مَنقوشَةٌ في اللُّغَة، وتُمَثِّلُ 'وَظيفَةً' لِلُّغة، ولا تَغدو ذاتاً ناطِقَةً إلّا بِمُطابَقَةِ خِطابِها - حَتّى في ما يُدعى 'إبداعاً'، أو 'تَجاوُزاً' - مَعَ نِظامِ قَواعِدِ اللُّغَةِ كَنِظامٍ لِلِاختِلافات، أو عَلى الأقَلِّ بِمُطابَقَتِهِ مَعَ القانُونِ العامِّ لِـ'الِاختِلاف'، أو بِالتِزامِ مَبدَأ اللُّغَةِ الّذي يَصِفُهُ سوسير بِأنَّهُ 'اللُّغَةُ المَنطوقَةُ مَنزوعاً مِنها الكَلام'.
ويَتَطَرَّقُ دريدا إلى الاعتِراضِ المُحتَمَلِ بِوُجودِ حُضورٍ ذاتيٍّ لِلذّاتِ سابِقٍ لِلكَلامِ واللُّغَة، مُلَمِّحاً إلى أنَّ هَذا الزَّعمَ يُعادِلُ القَولَ بِـ«إمكانِ وُجودِ شَيءٍ كَالوَعي». ويَتَساءل: «وما الوَعيُ؟». مُحاجِجاً بِأنَّهُ طالَما أُحيلَ بِهِ إلى الحُضورِ الذّاتيّ، وبِالتّالي إلى لَحظَةٍ حَاضِرَةٍ مُصطَفاة، لَحظَةٍ صَفوَتُها هِيَ «أثيرُ المِيتافيزِيقا»؛ أثيرُ ذَلِكَ الجَوهَرِ الّذي يَقمَعُ، أو يَنبِذُ (عَلى حَدِّ تَعبيرِ كريستيفا)، عَن مَعناهُ الخاصّ، كُلَّ آثارِ الماضي أوِ المُستَقبَلِ وغَرابَةِ كُلِّ ما هُوَ «ناءٍ» - أي، بِعِبارَةٍ أُخرى، يَقمَعُ «الِاختِلافَ» بِمَعنى تَزمينِ ومَكْنَنَةِ الذّاتِ المُتَناهِيَةِ المُتَعَدِّدَة، التّي تَحُلُّ وَسَطَ «نِظامِ الِاختِلافات»، أيِ اللُّغَةِ بوَصفِها مَسكَنَها.
وتَنبَثِقُ دَلالاتٌ جَليلَةٌ مِن خِلالِ رَدِّ «الذّاتِ» هَذا إلى سياقِ نَشأتِها الأُولى؛ إذ إنَّ الذّاتَ لا تَغدو أن تَكونَ اسْماً آخَرَ نَبَعَ اعتِباطاً مِن لُعبَةِ «الِاختِلاف»، مِن نِظامِ التَّبايُن. وصَيرورَتُها ذاتاً بِوصفِها ما يَقِفُ تَحتاً (hypokeimenon) أو خارِجَ لُعبَةِ «الِاختِلاف»، هيَ «ثَمَرةٌ» - في نَظَرِ دريدا - لِقَمعِ تَعَدُّدِيَّةِ النَّفسِ وانبِثاقِها مِنَ الاقتِصادِ العامِّ لِلتَّبايُنِ المُتَعَدِّدِ الدَّلالات. ويُشيرُ دريدا إلى سَوابِقَ لَهُ في تَاريخانيَّةِ الفِكر، مُتَمَثِّلَةً في أولَويَّةِ «اللاوَعْي» عِندَ نيتشه (ولَعَلَّهُ رَغِبَ أيْضاً في ذِكرِ شيلينغ)، وفي «الفَرَضيَّةِ القَمعيَّة» عِندَ فرويد، وفي «الإنفاقِ» عِندَ باتاي، وفي التَّجاوُزِ أو «الرَّفع» (Aufhebung) عِندَ هيغل، وفي «الآخَر» عِندَ ليفيناس. وكُلٌّ مِن هَؤلاءِ المُفَكِّرينَ يَنقُضُ ويُزيحُ مَفهومَ الذّاتِ الحَاضِرَةِ بِذاتِها أوِ الوَعيِ الّذي يَتَجاوزُ سياقَ التَّلَقّي والغَيرِيَّةِ والِاختِلاف - أو، بِعِبارَةٍ أُخرى، ذَلِكَ الوَعيِ الّذي يَتَفادى نِظامَ الِاختِلافِ المُتَمَثِّلَ في اللُّغَةِ في تَيّارِ «الِاختِلافِ» المُتَبايِنِ والمُؤَجِّل. فَعِندَ نيتشه، ما نَعُدُّهُ النَّفْسَ هُوَ تَعَدُّدٌ لا يُختَزَلُ، يَنبُعُ مِن أرضِ إرادَةِ القُوَّة، ومِن جينالوجيا القُوى الصِّراعِيَّة. وعِندَ فرويد، ما يُعَدُّ ذاتاً إنَّما هُوَ ثَمَرَةُ صِراعٍ بَينَ قُوى الشَّخصيَّةِ المُتَبايِنة؛ الهو والأنا الأعلى، مِمّا يُسفِرُ عَنِ «استِقرارٍ» واهِنٍ لِلأنا، أي لِتِلكَ النَّفسِ الَّتي تَبقى قَيدَ الحَياةِ بِفَضلِ إرجائِها لِدَوافِعِها الجِذريَّةِ نَحوَ اللَّذَّةِ والإنفاقِ (المَوت)، أو بِفَضلِ إبْقائِها عَلى شَيءٍ مِن ذاتِها في ظِلِّ تَبَنّيها لِمَبدَأِ الواقِع. وعِندَ باتاي، كَما سَلَف، تَبْرزُ مَفاهِيمُ الاقتِصادَينِ «المُقَيَّدِ» و«العَام»، حَيثُ يَسعى الأوَّلُ لِصيانَةِ نَفسِهِ مِنَ الإنفاقِ المُتَعَدِّدِ الدَّلالاتِ لِلثّاني. وعِندَ هيغل، كُلُّ إقرارٍ بِالهُوِيَّةِ يُثيرُ مِن فَورِهِ نَقيضَهُ مِنَ الِاختِلاف، والتَّناقُض، و«رَفعَ» (Aufhebung) الأوَّلِ إلَى الثّاني فِي حَرَكَةٍ جَدَليَّةٍ مُتَّصِلَةٍ لِلتَّزمِين (تَذَكَّر مَطلَبَ هيغل بِـ«التَّفكيرِ في التَّناقُض» في كِتابِهِ «عِلمُ المَنطِق»). وأخيراً، عِندَ ليفيناس، يَبْرزُ «الآخَرُ» وما يَفرِضُهُ مِن التِزامٍ أخلاقيٍّ لا مَناصَ مِنهُ تِجاهَهُ، سابِقٍ عَلى أيِّ «أنطولوجيا» لِلذّات، مِمّا يُقِرُّ حَتميَّةَ اعتِبارِ الأخلاقِ «الفَلسَفَةَ الأُولى». ولَستُ أرمي، ولا دريدا يَرمي، إلى الزَّعمِ بِتَطابُقِ هَذِهِ الأمثِلَةِ كُلِّها لِتَفكيكاتِ ما بَعدَ البُنيَويَّةِ لِمَفهومِ «الذّات»، إنَّما الغايَةُ بَيانُ استِنادِ كُلٍّ مِنها إلى تَتَبُّعِ انبِثاقِ «الذّاتِ» مِن لُعبَةِ الِاختِلاف. وما يَعتَرِضُ «الذّاتَ» هُنا يَنأى عَن كَونِهِ «إزالَةً لِلمَركَزيَّة» عَنِ الذّاتِ المُطلَقة؛ لِأنَّ ذلِكَ يَقتَضي التَّسليمَ بِالوُجودِ المُسبَقِ (الميتافيزيقيّ) لِما لَم يَتَوَلَّد أصلاً إلّا مِن قَمعِ الاقتِصادِ العامِّ ورَدِّهِ إلى اقتِصادٍ مُقَيَّد.
يَستَهِلُّ دريدا الحَرَكَةَ الخِتاميَّةَ مِن مَقالَتِهِ بِالِالتِفاتِ إلى هايدغر، مُتَأمِّلاً في «صِلَةِ» الِاختِلافِ (différance) بِالتَّبايُنِ الأنطولوجيِّ في فَلسَفَةِ هايدغر. ومِن خِلالِ إحالاتِهِ إلى هايدغر، يَتَبَيَّنُ جَلِيّاً أنَّ دريدا يَتَجاوَزُ مُجَرَّدَ الإشارَةِ إلى بَيانِ التَّبايُنِ الأنطولوجيِّ في كِتابِ «الكينُونةُ والزَّمان»، لِيَأخُذَ بِالحُسبانِ ذَلِكَ التَّفكيرَ الحِقبيَّ في الوُجودِ الّذي بَرَزَ مَعَ مُنعَطَفِ (Kehre) فِكرِ هايدغر. ويَبدو أنَّ سُؤالَ دريدا الجَوهَريَّ - في ضَوءِ تَفكيكِهِ لِلذّاتيَّةِ وميتافيزيقا الحُضور - يَدورُ حَولَ كَونِ «الِاختِلافِ» مُجَرَّدَ اسْمٍ آخَرَ لِلتَّبايُنِ الأنطولوجيِّ، أو في المُقابِل، إن كانَ التَّبايُنُ الأنطولوجيُّ ومَسألَةُ الوُجودِ بَرُمَّتِها مُجَرَّدَ «آثارٍ ضِمنَ-ميتافيزيقيَّةٍ» لِـ«الِاختِلاف». وبِعِبارَةٍ أُخرى: هَلِ «الِاختِلافُ» هُوَ الاقتِصادُ العامُّ الّذي يَنبَثِقُ مِنهُ الوُجودُ ذاتُهُ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ التَّبايُنُ بَينَ الوُجودِ والمَوجودِ أصالةً - عَلى الغِرارِ الّذي تَكَشَّفَ لَنا في حالَةِ الذّاتيَّةِ والحُضور؟ أو بِمَعنىً آخَر: هَلِ الوُجودُ (لا سِيَّما بوَصفِهِ الفاعِلَ الأكبَرَ في كِتابِ هايدغر «رِسالَةٌ في النَّزعَةِ الإنسانيَّة») ثَمَرَةٌ لِقَمعِ اللُّعبَةِ المُتَعَدِّدَةِ الدَّلالاتِ والمَفتوحَةِ لِـ«الِاختِلاف»؟ ويُقَدِّمُ دريدا بَدءاً تَردُّدِيّاً لِلجَوابِ قائِلاً:
لَعَلَّ تَجَلّيَ 'الِاختِلافِ' يَتَجاوَزُ مُجَرَّدَ كَونِهِ حَقيقَةَ الوُجود، أو حِقبِيَّةَ الوُجود. لَعَلَّنا مُلْزَمونَ بِمُحاوَلَةِ التَّفكيرِ في هَذا الفِكرِ غَيرِ المَسبوق، هَذا الأثَرِ الصّامِت: إنَّ تاريخَ الوُجود، الّذي يَرخَصُ فِكرُهُ في اللّوغوس اليونانيِّ-الغَربيِّ كَما أُنتِجَ عَبرَ التَّبايُنِ الأنطولوجيّ، ما هُوَ إلّا حِقبَةٌ مِن حِقَبِ الـ(diapherein). ومِن ثَمَّ، لَن يَسَعَ المَرءَ بَعدَ الآنَ أن يُسَمِّيَ هَذا 'حِقبَةً'، إذ إنَّ مَفهومَ الحِقبِيَّةِ يَنتَمي لِما هُوَ داخِلَ التّاريخِ بوَصفِهِ تَاريخَ الوُجود. ولَمّا كانَ الوُجودُ لَم يَمتَلِك قَطُّ 'مَعنىً'، ولَم يُفَكَّر فيهِ أو يُنطَق كَما هُو، إلّا مِن خِلالِ تَخَفّيهِ في المَوجودات، فَإنَّ 'الِاختِلافَ'، بِطَريقَةٍ مُؤَكَّدَةٍ وشَديدَةِ الغَرابَة، يَغدو 'أقدَمَ' مِنَ التَّبايُنِ الأنطولوجيِّ أو مِن حَقيقَةِ الوُجود. وحينَ يَمتَلِكُ هَذا القِدَم، يَسوغُ أن يُسمّى لُعبَةَ الأثَر. لُعبَةُ أثَرٍ لَم يَعُد يَنتَمي إلى أُفُقِ الوُجود، بَل هيَ لُعبَةٌ تَحمِلُ في طَيّاتِها مَعنى الوُجودِ وتُطَوِّقُه: إنَّها لُعبَةُ الأثَر، لُعبَةُ 'الِاختِلاف' الخالِيَةُ مِنَ المَعنى والمُنتَفِيَةُ مِنَ الوُجود. والّتي لا تَمُتُّ بِصِلَةِ انتِماء. لَيسَ ثَمَّةَ ما يَحفَظ، ولا عُمقَ يُرجى، تِجاهَ رُقعَةِ شِطْرَنجٍ لا قَرارَ لَها، يُطْرَحُ فيها الوُجودُ لِلَّعِب.
وجُلُّ ما يُحاجِجُ بِهِ دريدا هُنا يَتَمَركَزُ حَولَ: أوَّلاً) أنَّ مَفهومَ هايدغر لِلتَّبايُنِ الأنطولوجيِّ يُطابِقُ الـ (diapherein)اليونانيّ، مَفْهوماً عَلى أنَّهُ التَّبايُنُ بَينَ المَوجوداتِ أوِ الأشياء: وهَذا التَّبايُنُ الأنطولوجيُّ هُوَ ذَلِكَ القائِمُ بَينَ المَوجوداتِ ووُجودِ المَوجودات (وإن لَم يِكُن بَعدُ بَينَ الوُجودِ بوَصفِهِ وُجوداً)؛ وثانِياً) أنَّ حِقبِيَّةَ الوُجودِ، وحَقيقَةَ الوُجودِ، وتاريخَ الوُجودِ كُلُّها سَواء؛ وأنَّ «الِاختِلافَ» يَفوقُ التَّبايُنَ الأنطولوجيَّ بَينَ الوُجودِ والمَوجوداتِ حَسب، لِيَتَجاوَزَهُ - بوَصفِهِ أثَرَ لُعبَةِ التَّبايُن - فَوقَ ذَلِكَ مُتَخَطِّياً حِقبِيَّةَ الوُجودِ، ومَا إلى ذَلِك. يَكتُبُ دريدا:
يَجِبُ عَلَينا، بِأشَدِّ ما نَستَطيعُ مِن صَرامَة، أن نُجيزَ ظُهورَ/خَفاءَ الأثَرِ لِما يَتَجاوَزُ حَقيقَةَ الوُجود. ذَلِكَ الأثَرُ الّذي يَستَحيلُ حُضورُهُ قَطّ، الأثَرُ الّذي لا يَتَبَدّى هُوَ نَفسُهُ أبَداً: أي، ظُهورُهُ وانجِلاؤُهُ، بِهَذِهِ الصِّفَة، في ظاهِرَتِه. هُوَ الأثَرُ المُتَجاوِزُ لِتِلكَ الرّابِطَةِ العَميقَةِ بَينَ الأنطولوجيا الأساسيَّةِ والفينومينولوجيا. هَذا الأثَرُ، المُتَبايِنُ والمُؤَجِّلُ دائِماً، يَتَعالى عَن أن يَكونَ ذاتَهُ في عَرْضِهِ لِذاتِه. فَهوَ يَمحو نَفسَهُ حِينَ يُبديها، ويَكتُمُ صَوتَهُ حِينَ يَتَرَدَّدُ صَداه، مِثلَ حَرفِ الـ(a) المَكتوب، الّذي يَنقُشُ هَرَمَهُ في 'الِاختِلاف'.
وأوَدُّ هُنا أن أطرَحَ احتِمالَ شُطوطِ دريدا في تَأويلِهِ لِهايدغر في الِاقتِباساتِ السّالِفَة، وإن كَانَ استِجلاءُ هَذا الشُّطوطِ يَستَدعي قِراءَةً شَديدَةَ التَّدقيق، ولِذا فَهوَ خَلَلٌ قَلَّما يُفطَنُ إلَيه، حَتّى مِن قِبَلِ دريدا نَفسِه. فَالغائِبُ عَن بَيانِهِ حَتّى الآنَ هُوَ الوُجودُ بوَصفِهِ وُجوداً؛ والّذي، كَما يُمكِنُنا استِنباطُهُ مِن «رِسالَةٍ في النَّزعَةِ الإنسانيَّة»، يَتَعالى عَن كَونِهِ وُجودَ المَوجوداتِ (التَّحضيرُ أو أُفُقُ تَحضيرِ المَوجودات)، لِيَكونَ الوُجودَ ذاتَهُ في لا حُضورِهِ الجِذريّ، سابِقاً ومُتَجاوِزاً لِقَذفِهِ أو تَقديرِهِ لِحَقيقَتِه، كَحَقيقَةٍ أو تَجَلٍّ وانكِشافٍ لِلوُجود (Seyn).
وفي هَذا السِّياق، يُشيرُ هايدغر إلَى الوُجودِ بوَصفِهِ وُجوداً بِضَميرِ «الهُوَ» (It) كَما في عِبارَةِ (es gibt) أي «هُوَ يُعطي»، بوَصفِهِ الهِبَة. غَيرَ أنَّ التَّبايُنَ الأنطولوجيَّ، المُنْبَثِقَ مِنَ الهِبَة، يُطويهِ النِّسيانُ، إذْ بَينَما يُسبِغُ الوُجودُ حَقيقَتَه، يَتَوارى مَعَ دُخولِ المَوجودات، وبِذا يَغدو الإفصاحُ عَنهُ كَوُجود - شَأنُهُ شَأنُ «الِاختِلاف» - مُجَرَّدَ أثَرٍ لِما لَيسَ بِمَوجود. وأُحاجِجُ بِأنَّ عِلَّةَ قِراءَةِ دريدا تَكمُنُ في اتِّكائِهِ عَلى قِراءَةٍ سَقيمَةٍ لليفيناس في كِتابِهِ «مُخالَفَةُ الوُجود، أو ما وَراءَ الماهِيَّة»، والّتي خَلَطَت بَينَ المَعانِي المُتَبايِنَةِ لِـ(Sein) كَوُجودٍ لِلمَوجودات، والوُجودِ بوَصفِهِ وُجوداً. وهَذا الأخِير، بَعدَ مُنعَطَفِ هايدغر (Kehre) وطَرْحِهِ لِآخِرِ بَقايا «ميتافيزيقا الذّاتيَّة»، قَطَعَ كُلَّ صِلَةٍ لَهُ بِالحُضور، وتَنَزَّهَ عَن كَونِهِ غِياباً؛ بَل هَذا الـ«هُوَ» أضحى هُوَ «العَدَم» (النّافي لِلشَّيء) – aletheia - الّذي يَمنَحُ، ويُقَدِّرُ حَقيقَتَه. ومِن خِلالِ هَذا التَّواري نَنسى الوُجودَ، ونَفتَتِحُ بِذَلِكَ تاريخَ الوُجودِ بوَصفِهِ مِيتافيزِيقا.
وما يُؤَكِّدُ قِراءَتي النَّقديَّةَ لِدريدا: أوَّلَاً) إحَالَتُهُ المُفارِقَةُ لِلتّاريخِ إلى الأنطولوجيا الأساسيَّةِ الَّتي لا تَسري إلّا في «الكينُونَةُ والزَّمان»، والّتي هُجِرَت كَمُصطَلَحٍ بَعدَ المُنعَطَفِ نَحوَ الميتا-أنطولوجيا (حَسَبَ كريل). ومَعَ ذَلِكَ، فَإنَّ الأنطولوجيا الأساسيَّةَ في «الكينُونَةُ والزَّمان» مَقصورَةٌ بَعدُ عَلى العِنايَةِ بِوُجودِ المَوجودات؛ ثانِياً) أنَّ التَّبايُنَ الأنطولوجيَّ أوسَعُ مِن مُجَرَّدِ كَونِهِ (diapherein)؛ إذ يُشيرُ هايدغر صَراحَةً إلى الزَّمانيَّةِ كَأُفُقٍ مُتَعالٍ لِمَسألَةِ الوُجود، مِمّا يَتَضَمَّنُ الإحالَةَ إلَى الإرجاءِ أوِ التَّزمين؛ وثالِثاً) وُجودُ مَفهومٍ أشَدَّ تَعقيداً لِلتَّبايُنِ الأنطولوجيِّ فاعِلٍ في أعْمالِ هايدغر المُتَأخِّرَة، يَتَجاوَزُ التَّبايُنَ بَينَ وُجودِ المَوجوداتِ والمَوجوداتِ نَفسِها، لِيَشمَلَ التَّبايُنَ بَينَ كِلَيهِما وبَينَ الوُجودِ ذاتِه؛ غَيرِ المُنكَشِفِ أوِ الأرض. ويَتَأكَّدُ هَذا أيضاً حينَ يَكتُبُ دريدا صَراحَةً أنَّ التَّبايُنَ الأنطولوجيَّ بَينَ الوُجودِ والمَوجوداتِ هُوَ «التَّبايُنُ بَينَ الحُضورِ والحَاضِر». ويَبدو أنَّ الالِتباسَ يَنشَأُ مِن استِعْمالِ هايدغر لِكَلِمَةِ «الوُجود» (حَتّى Seyn أو Being)، مِمّا يوحي لِدريدا بِأنَّ هايدغر لا يَزالُ أسيرَ «مِيتافيزيقا الحُضور»، ولَعَلَّهُ أسيرُ الذّاتيَّةِ كَذلِك، كَذاتيَّةِ الوُجود.
والمَشَقَّةُ في مُحاوَلَةِ نَقدِ دريدا في هَذا المَقامِ مَرَدُّها إلى إلحاحِهِ عَلى إعادَةِ نَقشِ تَأويلِهِ - الّذي يَبدو سَقيماً - لِهايدغر، ضِمنَ مُعجَمِ مَقامِهِ الخاصِّ لِـ«الِاختِلاف» والأثَر. فَيَقتَبِسُ دريدا مِن هايدغر ما مُؤدّاهُ أنَّ نِسيانَ الوُجودِ يَمحو أيَّ أثَرٍ لِلتَّبايُنِ بَينَ الوُجودِ والمَوجودات. وعِلاوَةً عَلى ذَلِك، ومَعَ طَرحِ دريدا بِأنَّ «الِاختِلافَ» يَفوقُ التَّبايُنَ الأنطولوجيَّ (فَهوَ أثَرُهُ الخاصُّ مِن حَيثُ إنَّ الِاختِلافَ يَتَتَبَّعُ أثَرَ التَّبايُن)، ويَفوقُ التَّبايُنَ بَينَ الحُضورِ والغِياب، فَإنَّهُ يَكتُبُ أنَّ نِسيانَ التَّبايُنِ بَينَ الوُجودِ والمَوجوداتِ سَيُفضي إلى اختِفاءِ أثَرِ الأثَر. ويَكتَنِفُ الغُموضُ مَدى نَفعِ هَذا الفِعلِ المُتَمَثِّلِ في إعادَةِ النَّقشِ ضِمنَ مُعجَمٍ آخَرَ في فَهمِ هايدغر (إن ضَمِنّا بَقاءَ هايدغر)، أو في حَسمِ السُّؤالِ الأجَلِّ قَدراً: هَل أصابَ دريدا في تَأويلِهِ لِهايدغر أم أخطَأ؟ ومَرَّةً أُخرى، نَشرَعُ في استِشعارِ التَّبِعاتِ المُصَدِّعَةِ والنّاقِضَةِ لِمَقامِه، حَتّى في غَمرَةِ المَسعى الأساسيِّ لِتَقييمِ قِراءَتِه.
فَها هُوَ مِن فَورِهِ يُورِدُ اقتِباساً لِهايدغر يَكتُبُ عَنهُ دريدا أنَّهُ «يَبدو مُتَضَمِّناً» لِإعادَةِ نَقشِه. ويُشيرُ الِاقتِباسُ إلَى انطِماسِ الوُجودِ وكَيفِيَّةِ تَواري الوُجودِ مُباشَرَةً مَعَ تَقديرِ الوُجود. ومُؤدّى هَذا الإحالَةُ إلى الوُجودِ بوَصفِهِ وُجوداً، مُتَجاوِزاً وُجودَ المَوجوداتِ أو تَبايُنَ هَذا الأخيرِ عَنِ المَوجودات. بِعِبارَةٍ أُخرى، الوُجودُ بوَصفِهِ وُجوداً يَتَوارى، مُستَعصِياً أبَداً عَلى الحُضورِ أوِ التَّجَلّي كَشَيءٍ حاضِر. بَل إنَّ الوُجودَ بوَصفِهِ وُجوداً هُوَ العَدَمُ (das Nichts) المُتَجاوِزُ في ذاتِهِ لِميتافيزيقا الذّاتيَّةِ والحُضور. غَيرَ أنَّ دريدا، وما إن يُورِدُ هَذا الِاقتِباس، حَتّى يَؤوبَ مُسرِعاً إلى مَشروعِهِ في إعادَةِ النَّقشِ ضِمنَ مُعجَمِ «الِاختِلافِ»، والأثَر، والصُّورَةِ الزّائِفَة (Simulacrum)، والمَحو. وبِهَذا السَّبيل، يَتَحَجَّبُ الفَهمُ الجَلِيُّ لِنَقدِهِ لِهايدغر بِفِعلِ مَسعاهُ نَفسِهِ لِإرساءِ مَقامٍ «أقدَمَ» مِنَ الوُجود. يَكتُبُ دريدا:
هَذا 'الِاختِلاف'، 'الأقدَمُ' مِنَ الوُجودِ ذاتِه، يَستَغلِقُ عَلى التَّسمِيَةِ في لُغَتِنا. لَكِنَّنا 'نَعرِفُ سَلَفاً' أنَّ استِعصاءَهُ عَلى التَّسمِيَةِ يَتَعالى عَن كَونِهِ حَالَةً مُؤَقَّتَة؛ فَالْعِلَّةُ مُنتَفِيَةٌ عَن قُصورِ لُغَتِنا في وُجدانِ أو تَلَقّي هَذا الاسْمِ بَعد، أو عَن حاجَتِنا لِالتِماسِهِ في لُغَةٍ أُخرى، خارِجَ النِّظامِ المُتَناهي لِلُغَتِنا. إنَّما السَّبَبُ الخُلوُّ التّامُّ مِن أيِّ اسمٍ لَه، حَتّى اسْمُ الماهِيَّةِ أوِ الوُجود، بَل حَتّى اسْمُ 'الِاختِلاف'؛ والّذي يَتَجَرَّدُ عَن كَونِهِ اسْماً، أو وَحدَةً اسْميَّةً مَحضَة، مُتَزَحزِحاً دونَ هَوادَةٍ ضِمنَ سِلسِلَةٍ مِنَ الإبدالاتِ المُتَبايِنَةِ والمُؤَجِّلَة.
ولَئِن جازَ الجَدَلُ في قُصورِ دِقَّةِ قِراءَةِ دريدا لِهايدغر، وفي أنَّ مَشروعَهُ لِإعادَةِ النَّقشِ كانَ أقرَبَ إلى العَقَبَةِ مِنهُ إلى العَونِ في تَأويلِ هايدغر، فَإنَّ السُّؤالَ المِحوَرِيَّ لِسِجالِ دريدا يَظَلُّ قائِماً: هَل استِعْمالُ هايدغر لِكَلِمَةِ «الوُجود» مَسعىً لِطَرحِ «اسْمٍ سَيِّدٍ» يُفلِتُ مِن قَبضَةِ نِظامِ التَّبايُنِ الّذي أرْساهُ دريدا؟ وعلاوَةً عَلى ذَلِك، هَل تَصَوُّرُهُ لِلوُجود - والّذي يَبدو مُتَّكِئاً عَلى تَأويلٍ سَقيم - كافٍ في مُحاوَلَتِهِ ذاتِها لِنَقدِ هايدغر (لا سِيَّما في ضَوءِ رَبطِنا لِلوُجودِ بوَصفِهِ وُجوداً بِمَفهومِ إيمبيدوكليس لِلُعبَةِ الشِّقاقِ والمَحَبَّةِ في «رِسالَةٍ في النَّزعَةِ الإنسانيَّة»)؟ وأخِيراً، هَلِ الوُجودُ اسْمٌ، أم هُوَ - بَدَلاً مِن ذَلِك - استِذكارٌ مِن تاريخانيَّتِنا الخاصَّةِ لِلهِبَة؟ يَكتُبُ دريدا:
لَن يُوجَدَ اسْمٌ فَريد، حَتّى وإن كانَ اسْمَ الوُجود. ويَجِبُ عَلَينا أن نُفَكِّرَ في هَذا مُتَجَرِّدينَ مِن لَوعَةِ الحَنين؛ أي، خارِجَ أُسطورَةِ لُغَةٍ أُموميَّةٍ أو أبَويَّةٍ مَحضَة، ذَلِكَ الوَطَنِ الأمِّ المَفقودِ لِلفِكر. بَل يَتَوَجَّبُ عَلَينا إقرارُهُ، بِالمَعنى الّذي يُدخِلُ بِهِ نيتشه الإقرارَ في دائِرَةِ اللَّعِب، في ضَحكَةٍ مُعَيَّنَةٍ وفي خَطْوَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن خُطواتِ الرَّقص.
والسُّؤالُ، بِعِبارَةٍ أُخرى، هُوَ: هَل يَسعى هايدغر - في ضَوءِ ما سَمِعناهُ في «رِسالَةٍ في النَّزعَةِ الإنسانيَّة»، وبِالأخَصِّ في ما يَتَعَلَّقُ بِمُباحَثَةِ التَّشَرُّدِ وشِعرِ هولدرلين بوَصفِهِ المُفصِحَ عَنِ اللُّغَةِ كَمَسكَنٍ لِلوُجود - إلَى اكتِشافِ «... الكَلِمَةِ الأصيلَةِ والاسْمِ الفَريد»؟ يُورِدُ دريدا اقتِباساً لِهايدغر يَكتُبُ فيه: «... لِكَي تُسَمِّيَ الطَّبيعَةَ الجَوهَريَّةَ لِلوُجود، سَيَتَحَتَّمُ عَلى اللُّغَةِ أن تَجِدَ كَلِمَةً مُفرَدَة، الكَلِمَةَ الفَريدَة. ومِن هَذا، يُمكِنُنا أن نُدرِكَ مَدى التَّجاسُرِ في كُلِّ كَلِمَةٍ مُتَأمِّلَةٍ تُوَجَّهُ لِلوُجود. ومَعَ ذَلِك، فَإنَّ هَذا التَّجاسُرَ غَيرُ مُحال؛ لِأنَّ الوُجودَ يَتَحَدَّثُ أبَداً وفي كُلِّ مَكانٍ عَبرَ اللُّغَة». ويَبقى السُّؤالُ ما إن كانَت هَذِهِ الكَلِمَةُ الفَريدَةُ - عَلى رَغمِ إمكانِها - سَتَغدو في يَومٍ ما كَلِمَةً «أُولى» أو «جَوهَريَّة»؛ أو ما إن كانَت - في ضَوءِ مَقامِ «الِاختِلافِ» لِدريدا - مُجَرَّدَ شاهِدٍ آخَرَ عَلى قَمعٍ مُتَكَرِّرٍ لِلُعبَةِ الِاختِلاف، وعَلى احتِمالِ أنَّنا - بَدَلاً مِن تَعليقِ الآمالِ عَلى وِجدانِ الكَلِمَةِ الفَريدَةِ في لُغَةٍ واحِدَةٍ (كَألمانيَّةِ هولدرلين) - قادِرونَ عَلى التَّعبيرِ بِكَلِماتٍ كَثيرَة، حَيثُ يُقالُ الوُجودُ بِطُرُقٍ شَتّى.
