المُعتَقَدُ احتِمالٌ واحِد
لا قَولَ يُدهِشُني، ولا مُعتَقَدَ يَسوءُني، وإنِ اشتَدَّت مُخالَفَتُهُ لِما أَدينُ بِه. وما مِن خَيالٍ - بَلَغَ مَبلَغَهُ مِنَ التَّفاهَةِ والشُّذوذ - إلّا وأَراهُ مُوافِقاً لِطَبيعَةِ العَقلِ البَشَرِيِّ.
ميشيل دي مُونتين، «المَقالات».
«التَّفكيرُ النَّقدِيّ» عِبارةٌ مُبتَذَلةٌ في سائِرِ مَواضِعِها، مُستَهلَكةٌ لِفَرطِ ما تُقحَمُ آليّاً في الخُطَبِ، والمَناهِجِ، والبَيانات. غَدَت في مَحافِلِ التَّعليمِ شِعاراً يُرَدَّدُ بِلا رَوِيَّة، وفي مَجالِسِ السِّياسَةِ قَولاً مَمجوجاً، وفي أحاديثِ العَوامِّ إحالَةً عَديمَةَ الجَدوى؛ مَعنىً مَنبوذٌ لِخَوائِهِ مِن كُلِّ مَغزىً ودَلالَة.
ونَكادُ جَميعاً نَظُنُّ أَنَّنا عَلى هَذا النَّحوِ نُفَكِّر؛ إِذ هُوَ شَرطٌ مُضمَرٌ في فِعلِنا الذِّهنيّ، ومَبدَأٌ لِكُلِّ حُكمٍ نُطلِقُهُ عَلى ما يَحوطُنا. غَيرَ أنَّ القاعِدَةَ الَّتي تُبنى عَلَيها جُلُّ أَحكامِنا تَخلو مِن أَيِّ فِكرٍ حَقيقيٍّ أو نَتيجَةٍ صادِرَةٍ عَن تَحقيقٍ صارِم. نَحنُ نَعتَقِدُ، ونَظُنُّ، ونَدينُ، ثُمَّ نَجزِمُ يَقينًا، تَحتَ غِطاءٍ واهِمٍ نَدَّعي عِصمَتَه. نَستَخرِجُ نَتائِجَ نَظُنُّها مَبنيَّةً عَلى النَّقد، وما يُثبِتُ انحِيازاتِنا في الحَقيقَةِ سِوى عَقائِدَ جامِدَة، وأَهواء، وسُبُلٍ مُختَصَرَة. ومَآلُ الخَواتيمِ مُوافِقٌ -في غالِبِ أمرِه- لِلمُعتَقَداتِ السّابِقَةِ الَّتي قامَت عَلَيها.
وتُرفَعُ رايَةُ «التَّفكيرِ النَّقدِيِّ» بِإلحاحٍ لِتُظَلِّلَ كُلَّ فِكرَة، وتُحاطُ بِهالةٍ مِنَ الثِّقَةِ والضَّرورَةِ يَقِلُّ مَن يَجرُؤُ عَلى قَدحِها، مَعَ الغَفلَةِ التّامَّةِ عَن عَقَباتِها ومَطالِبِها. إنَّ النَّظَرَ النَّقدِيَّ يَقتَضي - في مَواطِنَ كَثيرَة - الاستِعدادَ لِانتِهاجِ سُبُلٍ في التَّفكيرِ تُجافي ما تَهواهُ نُفوسُنا. ويَستَلزِمُ النَّقدُ مَطلَباً يَصعُبُ احتِمالُه: تَبَصُّرَ العالَمِ بِعُيونٍ تُخالِفُ عُيونَنا. وهُنا تَكمُنُ عُقدَتُهُ الكُبرى؛ إذ يَستَوجِبُ انشِطاراً في الذّات، لا كانعِكاسِ المَرائي، إِنَّما بِاستِدعاءِ كُلِّ غَريبٍ، ومُبايِنٍ، ومُختَلِف. والعَقَبَةُ الكَأداءُ هِيَ تِلكَ الهُوِيَّةُ الصُّلبَةُ الَّتي تُطَوِّقُنا وتَأبى أن تَتَجَرَّدَ مِن دُروعِها.
وفي هَذا المَقام، نَكادُ جَميعاً نَدَّعي تَناسُقاً مَحسوماً، يَنبُعُ مِن وَعيٍ بِالهُوِيَّةِ نَأبى خِيانَتَه. ونَظُنُّ أَنَّ مَلَكَةَ النَّقدِ تَنشَأُ مِن حُلولِنا في هَذا التَّناسُقِ، وتَثبيتِ وُجودِهِ بِجَمعِ شَتاتِ أَحكامِنا المُسبَقَة؛ وهُوَ ظَنٌّ بالِغُ الخِفَّةِ والبُطلان. وأَغلَبُ الظَّنِّ في هَذِهِ الحالِ أَنَّنا نُرَسِّخُ عَقائِدَنا استِجلاباً لِلأَمانِ، والرّاحَةِ، وادِّعاءً لِلعُمقِ أيضاً. أمّا التَّفكيرُ المُغايِر، المُنطَلِقُ مِن رُؤىً تُصادِمُ الوِحدَةَ الَّتي نَتَمَسَّكُ بِها، فَهوَ تَشَظٍّ وتَمَزُّق. ومِن هَذا التَّشَظِّي المُقَوِّضِ لِلرّاحَةِ، يَتَّسِعُ أُفُقُ النَّظَر، وهُوَ رُكنٌ مَكينٌ في صَرحِ النَّقد. فالفِكرُ النَّقدِيُّ لا يَنطَلِقُ مِن مَواقِفَ مُجَرَّدَةٍ أو عامَّة، ولا خَيرَ يُرتَجى لِلتَّفكيرِ مِنَ الثُّنائيّاتِ المُتَقابِلَة، إن هُوَ رامَ الإفلاتَ مِن نيرِ المَذاهِبِ المُسَيِّرَةِ لِلتَّيّاراتِ الآلِيَّة.
تُهَيِّئُ الأُطُرُ العامَّةُ حِصناً مَنيعاً لِمَن يَتَّخِذونَ النَّقدَ مُجَرَّدَ وَسمٍ باهِتٍ لا يُصادِمُ هَواهُمُ العَقَديّ. أَبيَضُ وأَسوَد، يَمينٌ ويَسار، رَأسمالِيَّةٌ واشتِراكِيَّة، مادِّيَّةٌ ورُوحانِيَّة... جَماعاتٌ غارِقَةٌ في عَجزِها عَن إدراكِ واقِعٍ أَشَدَّ تَعقيداً، وأَقَلَّ غِلظَة. إنَّ النَّقدَ يُمَيِّزُ، ويُحَلِّلُ، ويَنقُضُ التَّراكيبَ المُجَرَّدَةَ الَّتي تُبنى عَلَيها أَطياشُ الظُّنون. النَّقدُ يَكشِفُ العِلَلَ حَيثُ تُتَوَهَّمُ الحُلول، ويُصَدِّعُ الأُسُسَ الَّتي تَقومُ عَلَيها كُلُّ بَديهَة. ولا سَبيلَ لِفِكرٍ نَقدِيٍّ بِلا شَكٍّ فيما نُفَكِّرُ فيه. الشَّكُّ هُوَ أن تَنظُرَ بِريبَةٍ إلى غَيرِك، وبِريبَةٍ أَشَدَّ إلى نَفسِك. وما الِاقتِناعُ التّامُّ بِبَشيرِ خَير. ويا لَها مِن جَسارَةٍ تِلكَ الَّتي يُتَطَلَّبُ إتيانُها لِتَنزيلِ المُعتَقَدِ مَنزِلَةَ احتِمالٍ واحِدٍ مِن بَينِ احتِمالاتٍ شَتّى! نَحنُ البَشَرَ لَم نَتَخَلَّ عَن دَوافِعِنا الخَفِيَّة؛ ولَعَلَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى كَونِ الشَّكِّ مُثَبِّطاً لِلعَزائِم، بَينَما تَتَطَلَّبُ الحَياةُ حَرَكَةً، واندِفاعاً، وفِعلاً. غَيرَ أَنَّها تَحتاجُ إِلى البَصيرَةِ أيضاً، وهَذِهِ لا تُنالُ إِلّا بِالقُدرَةِ عَلى رُؤيَةِ الخِلافِ، والتَّعَدُّدِ، وتِلكَ الفَرائِدِ الجَمَّةِ الَّتي تَزيدُ العالَمَ ثَراءً. تِلكَ البَصيرَةُ ذاتُها هِيَ الَّتي تَنسِفُ عَصَبِيَّةَ الطّائِفَةِ المُفسِدَةَ لِلرَّوِيَّةِ (أي فِعلَ التَّمحيصِ والتَّمييز)، والمُعَطِّلَةَ لِلقُدرَةِ اللّاحِقَةِ عَلى التَّجَرُّدِ والنَّأيِ عَنِ الهَوى.
وذَلِكَ عَينُ الفِكرِ النَّقدِيّ: التَّنَحّي عَنِ المَواقِفِ المُطلَقَةِ المُستَعصِيَةِ عَلى الطَّعن. وإِنَّ انبِثاقَ الشَّكِّ مِن رَحِمِ النَّظَرِ والتَّأَمُّلِ الدَّقيقِ لَهُوَ المُرادُ مِنَ الكَلِمَةِ اليونانِيَّةِ σκεπτέος الشَّكُّ لا يَنفي؛ إِنَّما يَتَقَصَّى ويُفَتِّش. ولَئِن صَرَّحَ «مُونتين» يَوماً أنَّ عِبارَةَ «أنا أُمَيِّز» هِيَ العُنصُرُ الأَشمَلُ في مَنطِقِه، فَقَد قَصَدَ التَّحذيرَ مِنَ الرُّكونِ إلى المَواقِفِ المُطلَقَةِ الَّتي تَفصِلُ العالَمَ إلى فِئَتَينِ لا تَلحَمُهُما مُصالَحَة. ومِن مَوقِفٍ اسْمِيٍّ، وتَحليلِيٍّ بِطَبيعَةِ الحال، استَطاعَ أَن يُسَلِّطَ بَصيرَتَهُ عَلى تَعقيدِ ما يُحيطُ بِنا. فالنَّقدُ، إِذَن، يَستَلزِمُ مَراتِبَ، وفُروقاً، ومَشاقَّ.
إِنَّ العَزمَ الشّاقَّ عَلى التَّقَصّي يُوَسِّعُ رِحَابَ العالَم؛ ولَكِنَّهُ يَضيقُ بَغتَةً حينَ يُعثَرُ عَلى إِجاباتٍ تَأبى المُساءَلَة. وما مِن مَقولَةٍ تَستَحِقُّ تِلكَ المَنزِلَةَ المُقَدَّسَةَ الَّتي يُنَزِّلُها فِيها المُؤمِنُ العاجِزُ عَنِ الشَّكّ. وإِنَّ الإِقرارَ بِتَصَدُّعاتِ كُلِّ مَوقِفٍ لَهُوَ سَبيلٌ لِرُؤيَةِ المُختَلِفِ دونَ وَجَلٍ مِنهُ، أَو مَحوٍ لِوُجودِه. ومَن أَنكَرَ الخِلافَ، مُرتَهَناً لِأَحكامٍ سَبَقَت لا تُدحَض، عُدَّ عاجِزاً عَن تَقَبُّلِ هَشاشَةِ مَقالَتِهِ وقُوَّةِ مَقالَةِ خَصمِه. فَمَن يَرى كُلَّ شَيءٍ جَلِيّاً، لا يَرى شَيئاً عَلى الحَقيقَة. والقَناعاتُ القاطِعَةُ نَتاجُ شَلَلٍ فِكريٍّ يَخلَبُ لُبَّ مَن يَأبى الخُروجَ مِن دَعَةِ ذِهنِهِ ومَنظومَةِ عَقائِدِه، مُنتَفِيَةُ الصِّلَةِ بِأَيِّ فِكرٍ نَقدِيّ. والفَلسَفَةُ، تِلكَ الفَريضَةُ الَّتي تَستَوجِبُ مُواجَهَةَ أَنفُسِنا، تَأبى الرُّكونَ إلى راحَة؛ فَهيَ تُصادِمُ وتُقَوِّضُ وتَنسِفُ ذَلِكَ الامتِلاءَ الأَجوَفَ لِمَن ظَنَّ -في غَفلَةٍ وسَذاجَة- أَنَّهُ أَماطَ اللِّثامَ الأَخيرَ عَن وَجهِ الحَقيقَة.
