أَحبِب وافعَل ما شِئت
في رِسالَةٍ وَجيزَةٍ خُطَّت عامَ ١٩٩٩ ولَم تَرَ النُّورَ إِلّا عامَ ٢٠١٠ ضِمنَ مَجمُوعَةِ مَقالاتِهِ المَوسُومَةِ بـ«طَعم الحَياة»، تَحتَ عُنوان «أن تَتَفَلسَفَ عَلى الطَّريقَةِ الفَرَنسيَّة»، يَسرُدُ أندريه كونت-سبونفيل ثَلاثَ سِماتٍ تُمَيِّزُ الفَلسَفَةَ الفَرَنسيَّةَ كَما زاوَلَها أَبرَزُ رُوّادِها: مُونتِين، ودِيكارت، وباسكال. أُولاها، عَلى حَدِّ قَولِه، عادَةُ التَّفَلسُفِ بِصيغَةِ المُتَكَلِّم، فَإِن لَم يَكُن بِالإِحالَةِ إِلى التَّجرِبَةِ الذّاتيَّة، فَأَقَلُّهُ بِإِسماعِ صَوتٍ شَخصيٍّ خِلالَ بَسطِ الآراءِ النَّظَريَّة. وثانيتُها العِنايَةُ بِالأُسلُوب، وذاكَ المَطمَحُ الأَدَبيُّ الَّذي يُمَيِّزُ فَلاسِفَةَ فَرَنسا عَن نُظَرائِهِمُ الأَلمانِ المائِلينَ إِلى بَقراطَةِ النَّسَق، وعَن أَقرانِهِمُ الإِنجليزِ المُؤثِرينَ لِلنَّزعَةِ التَّجريِبيَّةِ فَوقَ كُلِّ اعتِبار. وخاتِمَتُها تَحَرّي وُضُوحِ العِبارَةِ لِتَبلُغَ أَفهامَ العامَّة، مُتَجاوِزَةً حُدُودَ الخُبَراءِ والمُختَصِّين.
ولا رَيبَ أَنَّ كُلَّ مَسعىً لِتَفريقِ المَدارِسِ الفَلسَفيَّةِ وَفقَ الأَعراقِ والأَوطانِ لا يَخلُو مِن تَعَسُّف. فَيَسيرٌ عَلَينا أَن نَذكُرَ ثُلَّةً مِن فَلاسِفَةِ فَرَنسا مِمَّن خَلَت كُتُبُهُم مِن هَذِه السِّماتِ الثَّلاث، ومَيسُورٌ كَذلِكَ أَن نَجِدَ بَعضَها، أَو مُجتَمِعَةً، عِندَ فَلاسِفَةٍ مِن أَقوامٍ أُخرى، ولَنا في شُوبِنهاوَر وهِيُوم خَيرُ مِثال. غَيرَ أَنَّ مِمّا لا يَقبَلُ الجَدَلَ كَونَ أندريه كونت-سبونفيل نَفسِهِ يُجَسِّدُ هَذِه الخِصالَ الثَّلاثَ أَبَينَ تَجسيدٍ طيلَةَ مَسيرَةٍ فَلسَفيَّةٍ نَيَّفَتِ الآنَ عَلى نِصفُ قَرن.
وأُبيحُ لِنَفسي إِضافَةَ سِمَةٍ رابِعَةٍ أَلصَقَ بِجَوهَرِ صَنيعِه، أَلا وهِيَ عُمقُ فِكرِهِ المَعهُود. فَهُوَ دائِمُ التَّصَدّي لِأُمَّهاتِ المَسائِل، وقَد بَلوَرَ رُؤيَةً شُمُوليَّةً تَضُمُّ بَينَ دَفَّتَيها مَباحِثَ فَلسَفيَّةً شَتَّى كالأَخلاقِ والسِّياسَة، وماهيَّةِ الزَّمانِ والحُرِّيَّة، والفَنِّ، والرُّوحانيَّة، والحِكمَة. وقَد أَطلَقَ عَلى رُؤيَتِهِ الكُلِّيَّةِ هَذِه اسمَ «المادِّيَّة». ولَن أُخفِيَ مُعارَضَتي المَبدَئيَّةَ لِهَذا المَذهَب، كَما أَنِّي لا أُريدُ كتمانَ مِقدارِ ما انتَفَعتُ بِهِ مِن قِراءَةِ تَحليلاتِهِ المادِّيَّة، لِغَرَضِ تَحسينِ إِبصاري بِمَوقِفي الخاصِّ وتَجويدِ صِياغَتِه.
وكَما هُوَ دَأبُ كِبارِ الفَلاسِفَة، كانَ سِفرُهُ الأَوَّل، وأَعني بِهِ «رِسالَةً في اليَأسِ والغِبطَة»، مُؤَلَّفاً طَمُوحاً رَسَمَ الخُطُوطَ العَريضَةَ لِعِدَّةِ مَواضيعَ غَدَت لاحِقاً مَحَطَّ استِقصاءاتٍ أَكثَرَ تَفصيلاً. وتَلاهُ في حَقلِ الأَخلاقِ «رِسالَةٌ وَجيزَةٌ في الفَضائِلِ الكُبرى». ولَمّا كانَ مَقصِدي هاهُنا فِكرَهُ الأَخلاقيّ، فَسَيَكُونُ هَذانِ السِّفرانِ قُطبَ رَحى هَذا النِّقاش.
فَما هَذِه «المادِّيَّةُ» الَّتي يَنتَسِبُ إِلَيها أندريه كونت-سبونفيل؟ تُقَدِّمُ رِسالَتُهُ الأُولى التَّعريفَ الآتي:
المادِّيَّةُ هِيَ أَبَداً فَلسَفَةُ الرَّغبَة. فَإِن لَم يَكُن في الوُجُودِ سِوى المادَّة، انتَفى الوُجُودُ الحَقيقيُّ لِلخَيرِ والشَّرِّ، والقُبحِ والجَمال، والعَدلِ والجَور. وتَبقى الطَّبيعَةُ وَحدَها، مُتَجَرِّدَةً مِنَ الخَيريَّةِ والسُّوء، ومِنَ الحُسنِ والقُبح، ومِنَ الإِنصافِ والظُّلم؛ هِيَ طَبيعَةٌ غافِلَة، خُلُوٌّ مِنَ القِيَمِ والمَعاني، ومِنَ المَعاييرِ والغايات... غَيرَ أَنَّ الرَّغبَةَ هِيَ عَينُ ما يَصنَعُ الفارِقَ (عِندَنا). فَأَن تَكُونَ مادِّيَّاً يَعني أَن تُؤمِنَ بِأَنَّ الرَّغبَةَ هِيَ جَوهَرُ هَذا الفارِق... فالرَّغبَةُ هِيَ مُحَدِّدَةُ القِيمَة، مُستَغنيَةً عَنِ استِمدادِ حُكمِها مِن قِيمَةٍ سابِقَة. والشيءُ المَرغُوبُ هُوَ الخَيِّر، بِمَعزِلٍ عَن كَونِ الخَيرِ هُوَ المَرغُوب.
وسَأَنظُرُ لاحِقاً في طَريقَةِ تَطبيقِ مُؤَلِّفِنا لِهَذا المَذهَبِ عَلى حَقلِ الأَخلاق. (وقَد لَوَّحَ الاقتِباسُ السَّالِفُ بِبَوادِرِ ذَلِك). بَيدَ أَنَّهُ مِنَ المُفيدِ أَن أُبَيِّنَ في المُستَهَلِّ، عَلى وَجهِ التَّجريد، عِلَّةَ رَفضي لِفَلسَفَتِهِ المادِّيَّة. في اعتِقادي، يَضِلُّ المَرءُ عِندَما يَزعُمُ أَنَّ «الرَّغبَةَ هِيَ مُحَدِّدَةُ القِيمَة»، وأَنَّهُ «لا وُجُودَ لِغَيرِ المادَّة»، وذَلِكَ لِسَبَبٍ بَدَهيٍّ مَفادُهُ ضَرُورَةُ التَّسليمِ، بُغيَةَ التَّفكيرِ السَّليمِ المُتَّسِق، بِوُجُودِ مُسَوِّغاتٍ وَجيهَةٍ لِاعتِقادِ أَمرٍ ما أَو فِعلِهِ دُونَ سِواه، مُسَوِّغاتٍ مَوضُوعيَّةٍ يُمكِنُ استِكشافُها والزَّلَلُ في إِدراكِها، وهِيَ مُتَعاليَةٌ عَنِ المادَّةِ لِأَنَّ المُسَوِّغَ ذُو طَبيعَةٍ مِعياريَّةٍ في جَوهَرِه. فَالقَولُ إِنَّ لِلمَرءِ مُبَرِّراً لِاعتِقادِ شَيءٍ أَو فِعلِه، يُفيدُ وُجُوبَ ذَلِكَ الاعتِقادِ أَو الفِعلِ عَلَيه، إِذ المُبَرِّرُ هُوَ الطَّريقَةُ الَّتي تُرَجِّحُ بِها الحَقائِقُ الطَّبيعيَّةُ (مادِّيَّةً كانَت أَم نَفسيَّة) كِفَّةَ خِيارٍ مُعَيَّنٍ مِن خِياراتِ الفِكرِ أَو العَمَل.
ويَتَبَيَّنُ مِن هَذا أَنَّ رَفضي لِمادِّيَّةِ مُؤَلِّفِنا يَنأى عَن مَسيسِ إِلحادِهِ الَّذي طالَما جاهَرَ بِه. فَمَسأَلَةُ الأُلُوهَةِ هاهُنا خارِجَةٌ عَن مَحَلِّ النِّزاع. والقَضيَّةُ الجَوهَريَّةُ الَّتي تَشُقُّ صَفَّنا تَدُورُ حَولَ حَقيقَةِ «المِعياريِّ»، تِلكَ الحَقيقَةُ الَّتي باتَ مَعلُوماً، مُنذُ مُحاوَرَةِ أُوثيفُرون لِأفلاطُون، استِقلالُها عَن وُجُودِ الإِلَه. والحَقُّ أَنِّي أَنتَسِبُ شَخصيَّاً إِلى ضَربٍ مِنَ الأَفلاطُونيَّة. وسَيُدرِكُ أندريه كونت-سبونفيل هَذا الأَمرَ جَيِّداً، فَهُوَ قَد وَصَفَ الأَفلاطُونيَّةَ بِهَذا المَعنى، جاعِلاً مِنها الخَصمَ الأَنمُوذَجيَّ لِمادِّيَّتِه، حينَ يَقُولُ عَن «تِلكَ الثّابِتَةِ في الفِكرِ الأَفلاطُونيِّ، حَيثُ أَحكامُهُ المِعياريَّةُ (المُتَعَلِّقَةُ بِالقِيمَة) هِيَ في آنٍ واحِدٍ أَحكامٌ حَقيقيَّةٌ صائِبَة (مُتَعَلِّقَةٌ بِالكِينُونَة)». هَذا هُوَ ما يُعارِضُهُ هُو، وأُثبِتُهُ أَنا. ولَن أَعِرضَ هاهُنا لِـ«أَفلاطُونيَّةِ المُسَوِّغات» الخاصَّةِ بي عَلى نَحوٍ نَسَقيّ. غَيرَ أَنَّها سَتَكُونُ الهاديَ والمُرشِدَ في الفَحصِ النَّقديِّ التّالي لِلفِكرِ الأَخلاقيِّ عِندَ مُؤَلِّفِنا.
تَتَعَقَّبُ الفَلسَفَةُ الأَخلاقيَّةُ مَسأَلَتَينِ جَوهَريَّتَين، هُما ذاتُهُما ما يَطرَحُهُ كُلُّ امرِئٍ يُعمِلُ الفِكرَ بِجِدِّيَّةٍ في فِكرَةِ وُجُودِ واجِباتٍ مُلقاةٍ عَلى عاتِقِهِ تُجاهَ الآخَرينَ وتُجاهَ نَفسِه. أَمَّا المَسأَلَةُ الأُولى فَتَكمُنُ في مَعرِفَةِ ما يُشَكِّلُ جَوهَرَ المَنظُورِ الأَخلاقيِّ، والكَيفيَّةِ الَّتي يَجِبُ أَن نُحَدِّدَ بِها واجِباتِنا إِزاءَ غَيرِنا، لِنُقَيِّمَ عَلى إِثرِها خِياراتِنا في العَمَل. وتَتَمَثَّلُ الثّانيَةُ في التَّساؤُلِ عَنِ المُسَوِّغِ الدّاعي إِلى اعتِناقِ هَذا المَنظُورِ لِتَقريرِ سُبُلِ التَّصَرُّفِ في هَذا العالَم. إِذ مِنَ المَعلُومِ بِيَقينٍ أَنَّ مَصالِحَنا الشَّخصيَّةَ كَثيراً ما تَميلُ بِنا نَحوَ أَفعالٍ مُنافيَةٍ لِمُقتَضَياتِ الأَخلاق. وبَداهَةُ هَذَينِ السُّؤالَينِ لا تَستَلزِمُ، بِطَبيعَةِ الحال، بَداهَةَ الأَجوِبَةِ عَلَيهِما. بَعُدَ الأَمرُ عَن ذَلِك، فَكُلٌّ مِنهُما بُؤرَةٌ لِلخِلافِ مَشجَرَةٌ لِلجَدَل.
وفي العُصُورِ الحَديثَة، تَصَدَّرَ المَشهَدَ تَصَوُّرانِ مُتَعارِضانِ لِلمَنظُورِ الأَخلاقيِّ، والسِّجالُ بَينَهُما، المُتَشَعِّبُ في صِياغاتٍ مُختَلِفَةٍ لا تُحصى، بَعيدٌ عَنِ الهُمُودِ والانتِهاء. يَقُومُ أَحَدُهُما عَلى أَنَّ التَّأَمُّلَ الأَخلاقيَّ يَنحَصِرُ في تَعيينِ الفِعلِ الَّذي مِن شَأنِه، ضِمنَ الخِياراتِ المُتاحَةِ في مَوقِفٍ بِعَينِه، أَن يُثمِرَ النَّفعَ العَميمَ الأَكبَر، مُعطِياً وَزناً مُتَساوِياً لِكافَّةِ الأَفرادِ الَّذينَ قَد يَتَأَثَّرُ صَلاحُ حالِهِم بِهَذا الفِعل، وآخِذاً في الحُسبانِ، في الوَقتِ عَينِه، ما قَد يَنجُمُ عَنهُ مِن مَفاسِد. وقَد اكتَسَبَ هَذا التَّأويلُ لِلمَنظُورِ الأَخلاقيِّ، الَّذي وَجَدَ في مَذهَبِ المَنفَعَةِ البِريطانيِّ إِبّانَ القَرنِ التّاسِعَ عَشَرَ (مَعَ بِنثام، ومِيل، وسِيدجويك) صِياغَتَهُ النَّسَقيَّةَ الأُولى، ثُمَّ شَهِدَ حَتَّى يَومِنا هَذا تَطَوُّراتٍ جِلَّةً عَلى يَدِ عُلَماءِ الاقتِصادِ والفَلاسِفَةِ سَواء، لَقَبَ «العَواقِبيَّة». وبِحَسَبِ التَّصَوُّرِ الثّاني، يَتَحَدَّدُ المَنظُورُ الأَخلاقيُّ بِالحِرصِ عَلى احتِرامِ كُلِّ شَخصٍ لِذاتِه، وضَمانِ الوَسائِلِ الأَساسيَّةِ لِلأَفرادِ سَعياً لِتَحقيقِ خَيرِهِمُ الخاصِّ، مَعَ رَفضِ التَّضحيَةِ بِهَذِه القُدرَةِ عِندَ البَعضِ في سَبيلِ تَعظيمِها عِندَ الآخَرين. وقَد كانَ كانط المُمَثِّلَ الكِلاسيكيَّ لِهَذا المَوقِفِ «الواجِبيِّ»، الَّذي ظَفِرَ كَذَلِكَ بِصِياغاتٍ أُخرى رُبَّما كانَت أَشَدَّ جَلاءً مُنذُ عَهدِه.
وهَذانِ التَّصَوُّرانِ في غايَةِ التَّنافُر، وتَتَبَلوَرُ نُقطَةُ افتِراقِهِما في التَّصادُمِ المُحتَمَلِ بَينَ حُقُوقِ الفَردِ وصالِحِ الأَغلَبيَّة. ومِنَ المُهِمِّ أَيضاً الإِشارَةُ إِلى ما يَجمَعُهُما، أَلا وهُوَ مُناهَضَتُهُما لِتَصَوُّرٍ أَخلاقيٍّ أَكبَرَ ثالِث، وَرِثناهُ عَنِ العُصُورِ القَديمَة. وهُوَ تَصَوُّرٌ يَتَمَحوَرُ حَولَ مَفهُومِ «الفَضيلَة»، نالَ عِندَ أَرِسطُو أَكثَرَ عُرُوضِهِ إِحكاماً ونَسَقيَّة، واختَرَقَ الفِكرَ القَديمَ بِرُمَّتِه، لِيَجِدَ امتِداداتٍ بالِغَةَ الأَثَرِ لَدى مُفَكِّري القُرُونِ الوُسطى، مِن أَمثالِ القِدِّيس تُوما الأَكوينيّ. ووِفقاً لِهَذا المَسلَك، تَتَجَسَّدُ الحَياةُ الأَخلاقيَّةُ في مُمارَسَةِ جُملَةٍ مِنَ الفَضائِل (كالشَّجاعَة، والسَّخاء، والاعتِدال، والعَدل)، وهِيَ عاداتٌ في الإِدراكِ والعَمَلِ تُمَثِّلُ سَجايا حَميدَةً وتُحَقِّقُ، عِندَ المُتَحَلِّي بِها، كَمالَهُ وازدِهارَهُ بِوَصفِهِ إِنساناً. فَمِعيارُ الفِعلِ الأَخلاقيِّ، والغايَةُ القُصوى الَّتي يَرُومُها المَرءُ الفاضِل، تَتَجاوَزُ مُجَرَّدَ استِيفاءِ مَبدَأ مُجَرَّد (كَتَعظيمِ الخَيرِ أَو احتِرامِ الأَشخاص)، لِتَكُونَ إِدراكاً لِمُقتَضَياتِ مَوقِفٍ بِعَينِه، وما يَستَوجِبُهُ مِن استِجابَةٍ شُجاعَةٍ أَو كَريمَةٍ أَو غَيرِ ذَلِك.
وقَد شَهِدَت مَطالِعُ العُصُورِ الحَديثَةِ تَضافُرَ عَوامِلَ شَتَّى يُعزى إِلَيها أُفُولُ نَجمِ «أَخلاقِ الفَضيلَة» هَذِه، مُقابِلَ صُعُودِ نَجمِ أَخلاقِ المَبادِئ العَواقِبيَّةِ والواجِبيَّة. ومِن أَبرَزِ تِلكَ الدَّواعي، بِيَقين، التَّبَرُّمُ النّاجِمُ عَنِ افتِقارِها إِلى الدِّقَّةِ والضَّبط. فَكَيفَ السَّبيلُ، عَلى سَبيلِ المِثال، إِلى التَّمييزِ بَينَ الإِقدامِ الشُّجاعِ والتَّهَوُّرِ الأَرعَن؟ عِندَ أَرِسطُو، تَقتَضي الشَّجاعَةُ مُجانَبَةَ الإِفراطِ في الثِّقَةِ والجَسارَةِ إِبّانَ الذَّودِ عَن قَضيَّةٍ نَستَعظِمُها. فَكَيفَ التَّفريقُ بَينَ المُفرِطِ والمُعتَدِل؟ لِكَي نَتَبَيَّنَ الوَسَطَ العَدل، يَقُولُ أَرِسطُو، عَلَينا إِعمالُ حُكمِنا التَّقديريِّ (الفُرونيسيس، أَوِ الحِكمَة العَمَليَّة)، بَيدَ أَنَّ الاحتِكامَ إِلى هَذِه المَلَكَةِ الحَدسيَّةِ إِلى حَدٍّ بَعيد، لا يَمحُو شَأفَةَ الغُمُوض. ويَشتَدُّ التَّبَرُّمُ حينَ نَتَساءَلُ كَيفَ يُعَدُّ الفِعلُ مِن صَميمِ الشَّجاعَة، مُتَجاوِزاً الحَماسَةَ العابِرَة، ما لَم تَكُنِ الغايَةُ الَّتي يُقَرَّبُ الفِعلُ قُرباناً لَها غايَةً حَسَنَةً بِحَقّ؟ وكَيفَ البَتُّ في هَذِه المَسأَلَةِ الأَخيرَةِ دُونَ الرُّجُوعِ إِلى مَبادِئَ تُحَدِّدُ ماهيَّةَ الخَيرِ عُمُوماً، عَلى غِرارِ ما تَصنَعُهُ التَّصَوُّراتُ العَواقِبيَّةُ والواجِبيَّة؟ وإِن كانَ هَذانِ المَذهَبانِ الحَديثانِ قَد أَعلَيا مِن شَأنِ الإِجراءاتِ الوَاضِحَةِ الجَليَّة، فَغايَتُهُما المُجاوَزَةُ لِمُجَرَّدِ مُحاكاَةِ العُلُوم، لِتَكُونَ قَناعَةً مُتَأَصِّلَةً بِالمُساواة، مَفادُها أَنَّ المَنظُورَ الأَخلاقيَّ يَأبى أَن يَكُونَ حِكراً عَلى نُخبَةٍ تُسَلِّمُ لَها العامَّةُ القِياد، مُؤثِراً بَدَلاً مِن ذَلِكَ أَن يَكُونَ طَبيعَةً مُتاحَةً لِكُلِّ امرِئٍ كَي يُحَدِّدَ مَنهَجَ سُلُوكِه. وقَد مالَ أَرِسطُو إِلى تَعريفِ الفِعلِ الفاضِلِ بِالرُّجُوعِ إِلى ما كانَ لِيَفعَلَهُ رَجُلُ الحِكمَةِ في تِلكَ الظُّرُوف، وهُوَ تَطَرُّقٌ قاصِرٌ عَنِ الإِيضاح، ومَدعاةٌ إِلى التَّسليمِ بِالحاجَةِ لِمَوقِفٍ خُضُوعيٍّ تَبَعيّ. ومِن هُنا، لا يَبعُدُ عَنِ الصَّوابِ أَن نَرى في النَّهضَةِ الحَديثَةِ لِأَخلاقِ المَبادِئ تَجَلِّياً مِن تَجَلِّياتِ العَصرِ الدِّيمُقراطيّ.
فَكَيفَ نُفَسِّرُ إِذَن ذَلِكَ الانبِعاثَ الَّذي بَدا عَلى أَخلاقِ الفَضيلَةِ في الخَمسينَ عاماً المُنصَرِمَة، عَبْرَ زُمرَةٍ مِنَ المُصَنَّفاتِ الفارِقَة، أَشهَرُها بِلا رَيبٍ كِتابُ «بَعدَ الفَضيلَة» (١٩٨١) لِأَلاسدير ماكنتاير؟ هُنا أَيضاً، تَتَشابَكُ عَوامِلُ عِدَّة. غَيرَ أَنَّ مِن أَجَلِّها خَطَراً ذاكَ المُرَتَبِطَ بِالمَسأَلَةِ الجَوهَريَّةِ الثّانيَةِ المَذكُورَةِ آنِفاً. فَلَئِن حَدَّدنا المَنظُورَ الأَخلاقيَّ بِتَعظيمِ الخَيرِ الشّامِلِ أَو بِاحتِرامِ الأَشخاص، ثُمَّ تَساءَلنا عَنِ الدّاعي لِتَبَنِّيهِ واعتِناقِه، لَبَدَتِ الإِجابَةُ مُستَعصيَةً عَلى البَداهَة. فَكِلا المُوَجِّهَينِ يَتَّسِمُ بِالتَّجَرُّدِ والحِياد، وهُوَ طابَعٌ يَأبى استِصغارَ خَيرِنا الشَّخصيِّ، غَيرَ أَنَّهُ يَمنَعُ، بِيَقين، أَن يُوزَنَ بِمِكيالٍ أَرجَحَ مِن خَيرِ أَيِّ شَخصٍ آخَر. فَأَيُّ دافِعٍ لَنا، إِذَن، لِقَبُولِ هَذا القَيدِ عَلى كَمالِنا الفَرديِّ؟ وإِن وَجَبَ عَلَينا التِماسُهُ في المَنظُورِ المُشتَقِّ مِن مَصالِحِنا الشَّخصيَّةِ بَحتِها، فَهَل ثَمَّةَ حَقَّاً استِدلالٌ رَصينٌ يَنتَقِلُ بِنا مِن هَذا المَنظُورِ الخارِجيِّ عَنِ الأَخلاق، لِيَزُجَّ بِنا في حَرَمِها الدّاخِليِّ؟ في تاريخِ الفَلسَفَةِ الأَخلاقيَّةِ الحَديثَة، انَبَرى ضَربانِ كَبيرانِ مِنَ المَساعي لِمُواهَجَةِ هَذا التَّحَدِّي. فَفَريقٌ، عَلى شاكِلَةِ هُوبز، رامَ البُرهانَ عَلى صَوابيَّةِ خُضُوعِ الفَردِ لِقَواعِدِ التَّعاوُنِ الاجتِماعيِّ، تِلكَ القَواعِدُ الَّتي تُقَيِّدُ لَهثَهُ وَراءَ مَصالِحِه، لِتَعِدَهُ بِخَيرٍ أَعمَّ وأَبقى عَلى المَدى الطَّويل. وفَريقٌ آخَر، عَلى دَربِ كانط، سَعى لِتِبيانِ أَنَّ الحِيادَ والتَّجَرُّدَ هُما جُزءٌ لا يَتَجَزَّأُ مِن أَيِّ إِعمالٍ لِلعَقل، بِحَيثُ يَغدُو السَّعيُ وَراءَ الخَيرِ الفَرديِّ حامِلاً، في طَيّاتِه، اعتِرافاً ضِمنيَّاً بِسُلطانِ المَنظُورِ الأَخلاقيّ.
وقَد كانَ إِخفاقُ هَذِه المَحاوَلاتِ ذائِعاً، مِمّا أَفضى إِلى ثَلاثَةِ مَآلات: أَوَّلُها، نَزعَةٌ ذاتيَّةٌ أَقامَتِ المَنظُورَ الأَخلاقيَّ عَلى الحِياد، مُرجِعَةً تَعَلُّقَنا بِالأَخلاقِ إِلى عَواطِفِ الشَّفَقَةِ والوُدِّ، مُتَجاوِزَةً بِذَلِكَ دَورَ العَقل. وثانيها، ضَربٌ مِنَ العَدَميَّةِ خَلُصَ إِلى طَرحِ الفِكرِ الأَخلاقيِّ رُمَّةً، بِوَصفِهِ وَهماً مِنَ الأَوهامِ أَو لَوناً مِن أَلوَانِ القَهر. وثالِثُها، وهُوَ رَدُّ الفِعلِ السَّديد، حَيثُ تَساءَلَ بَعضُهُم عَمّا إِذا كانَ مَكمَنُ الزَّلَلِ قارَّاً في مَفهُومِ الواجِباتِ المُتَجَرِّدَةِ الَّتي يَجِبُ أَن تَتَنَحَّى أَمامَها سَعادَةُ الفَرد. فَهَذا المَفهُومُ قَد بَدا لَهُم رَسماً دَرِساً لِتَصَوُّرٍ لاهُوتيٍّ لِلأَخلاق، مَبنيٍّ عَلى إِلَهٍ مُشَرِّع، حَقُّهُ أَن يُستَبدَلَ بِتَصَوُّرٍ لِلأَخلاقِ أَكثَرَ التِصاقاً بِاليَنابيعِ الأُولى لِلنَّفسِ البَشَريَّة.
وبِهَذِه العِباراتِ استَعادَت أَخلاقُ الفَضيلَةِ رَونَقَها، أَقَلَّهُ في العالَمِ الأَنجلُوساكسُونيّ. فَلَئِن كانَتِ الأَخلاقُ في صَميمِها مُمارَسَةً لِفَضائِلَ تُمَثِّلُ، في حَقِّ الفَردِ ذاتِه، ارتِقاءً بِإِنسانيَّتِه، فَإِنَّ الدّاعيَ إِلى تَبَنِّي هَذا المُثُلِ الأَعلى لِلحَياةِ لَن يَشُوبَهُ غُمُوضٌ بَتاتاً. ولَن تَبقى ثَمَّةَ هُوَّةٌ بَينَ العِنايَةِ بِالنَّفسِ والعِنايَةِ بِالآخَرين. وأَجَل، يَجِبُ أَلا يُساءَ فَهمُ هَذِه السِّمَةِ المَركَزيَّةِ لِأَخلاقِ الفَضيلَة؛ فَهِيَ بَعيدَةٌ كُلَّ البُعدِ عَن أَن تَكُونَ شَكلاً مِن أَشكالِ الأَنانِيَّةِ المُستَنيرَة. فَالرَّجُلُ الفاضِلُ يَنأى عَنِ التَّصَرُّفِ بِشَجاعَةٍ طَمَعاً في لَذَّةٍ قَد يَجنيها تَبَعاً لِذَلِك، كَأَنَّ السَّعادَةَ الَّتي يَبتَغيها بِصَنيعِهِ ذَلِكَ غايَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ يَسعى إِلَيها. وإِن هُوَ نَظَرَ إِلى الفِعلِ الشُّجاعِ كَغايَةٍ في ذاتِه، فَدافِعُهُ سُمُوُّ الفِعل، مُتَرَفِّعاً عَن جَعلِهِ مَطيَّةً لِلتَّباهي بِشَجاعَتِه. فَلا يُعَدُّ المَرءُ شُجاعاً بِحَقٍّ إِلّا إِذا رَمى إِلى تَلبِيَةِ نِداءِ المَوقِف، والسَّعادَةُ الَّتي يَظفَرُ بِها إِنَّما تَكمُنُ في صَميمِ تَفانيهِ المُطلَقِ لِقَضيَّةٍ ما أَو لِصالِحِ غَيرِه، وإِن حَفَّت بِهِ المَخاطِرُ وأَحاطَت بِهِ المَهالِك. وإِن كانَ كَمالُهُ الشَّخصيُّ هُوَ الرِّهانَ الأَسمى، فَإِنَّ الظَّفَرَ بِهِ مَشرُوطٌ بِقَصرِ نَظَرِهِ عَلى ما يَستَنفِرُهُ المَوقِفُ مِنِ استِجابَةٍ فاضِلَة.
يَلتَقي الفِكرُ الأَخلاقيُّ لِأَندريه كونت-سبونفيل، في مَقاصِدِهِ ومَضامينِهِ عَلى حَدٍّ سَواء، مَعَ هَذا الانبِعاثِ لِتُراثٍ بَدَتِ الفَلسَفَةُ الحَديثَةُ تارِكَةً لَه. فَهُوَ يُصَرِّحُ قائِلاً: «لا أُعَلِّقُ آمالاً عراضاً عَلى الواجِبات». ولِمَعرِفَةِ ما يُشَكِّلُ الحَياةَ الخَيِّرَةَ تُجاهَ الآخَرينَ وتُجاهَ الذّات، يَبرُزُ مَفهُومُ «الفَضيلَة» بِوَصفِهِ المَفهُومَ العُمدَةَ في نَظَرِه. فَلِهَذا المَفهُومِ مَزيَّةُ الجَمعِ بَينَ هاتَينِ الغايَتَين: العِنايَةُ بِالنَّفسِ والعِنايَةُ بِالآخَرين، وهُما غايَتانِ تَقِفُ أَخلاقُ الواجِباتِ المُتَجَرِّدَةِ عاجِزَةً عَنِ التَّوفيقِ بَينَهُما، مُبقيَةً عَلَيهِما في حالَةِ افتِراق. ومِن هَذا المُنطَلَق، ولِإيضاحِ ما يَقصِدُهُ عُمُوماً بِكَلِمَةِ «فَضيلَة»، يَستَهِلُّ كونت-سبونفيل رِسالَتَهُ الوَجيزَةَ بِهَذا التَّحديد:
فَضيلَةُ المَرءِ هِيَ ما يَجعَلُهُ إِنساناً، أَو قُل هِيَ قُدرَتُهُ النَّوعيَّةُ عَلى إِثباتِ تَمَيُّزِهِ الخاصِّ، أَي (بِالمَعنى المِعياريِّ لِلكَلِمَة) إِنسانيَّتُه... ومِن هُنا جَلَّتِ الفَضائِلُ الأَخلاقيَّةُ المَرءَ في صُورَةٍ أَكثَرَ إِنسانيَّةً وأَوفى كَمالاً مِن غَيرِه، كَما يَقُولُ مُونتِين، ولَولاها لَكُنّا حَقيقينَ بِوَصفِنا بِانتِفاءِ الإِنسانيَّة، عَلى حَدِّ تَعبيرِ سبينُوزا.
تَتَضَمَّنُ الفَضيلَةُ، بِوَصفِها قُدرَةً، إِثباتاً لِلذّات، غَيرَ أَنَّهُ إِثباتٌ يَستَحِقُّ بِهِ الفَردُ ذاتَهُ عَبْرَ إِحسانِهِ صَنيعاً تُجاهَ الآخَرين. والحَقُّ أَنَّ هَذا المَقطَعَ يُقَدِّمُ صِياغَةً مُوجَزَةً لِما يُنتَظَرُ مِن أَخلاقِ الفَضيلَةِ الإِيفاءُ بِه: أَلا وهُوَ قُدرَتُها عَلى حَلِّ تِينكَ المَسأَلَتَينِ الجَوهَريَّتَينِ في آنٍ مَعاً، أَعني طَبيعَةَ المَنظُورِ الأَخلاقيِّ ومُسَوِّغاتِ اعتِناقِه. فالبَقاءُ في دائِرَةِ الواجِبِ يَضَعُنا وَجهاً لِوَجهٍ أَمامَ صِدامٍ صَريحٍ بَينَ ما يَجِبُ عَلَينا فِعلُهُ وما نَرغَبُ فيه، وهَذا هُوَ جَلاءُ مَعنى كَلِمَةِ «واجِب».
ولا يَبدُو أَنَّ مُؤَلِّفَنا قَد تَأَثَّرَ بِالحَرَكَةِ المُوازيَةِ في الفَلسَفَةِ الأَنجلُوساكسُونيَّة؛ إِذ تَغيبُ عَن شَواهِدِهِ أَيُّ إِحالَةٍ إِلى أَنسكُومب أَو ماكنتاير، أَو غَيرِهِما مِن رُوّادِ «أَخلاقِ الفَضيلَةِ» المُعاصِرين. فَهُوَ عَقلٌ حُرٌّ مُستَقِلّ، زانَتهُ ثَقافَةٌ كلاسيكيَّةٌ واسِعَة، يَستَقي مَراجِعَهُ مِن مَعينِ التُّراثِ الفَلسَفيِّ مُؤثِراً إِيّاهُ عَلى مُعاصِريه. ومَعَ ذَلِك، فَإِنَّ نَظَريَّةَ الفَضيلَةِ الَّتي يَطرَحُها تُشَكِّلُ بُنياناً أَصيلاً، بِالرَّغمِ مِن نُقاطِ التَّقاطُعِ الَّتي أَسلَفنا ذِكرَها.
ولَعَلَّ أَوَّلَ ما يَلفتُ انتِباهَ القارِئ هُوَ هُوِيَّةُ الفَيلَسُوفِ الأَقدَمِ الَّذي يَميلُ إِلَيهِ مُؤَلِّفُنا بِأَعظَمِ وِدٍّ وتَقدير. فَمِنَ الطَّبيعيِّ لِكُلِّ مُعتَنِقٍ لِأَخلاقِ الفَضيلَةِ أَن يَرى في أَرِسطُو إِماماً ورائِداً. بَيدَ أَنَّ مُؤَلِّفَنا يَبدُو أَكثَرَ أُنسَاً بالنُّسخَةِ الَّتي طَوَّرَها سبينُوزا عَن هَذِه الأَخلاق، وهُوَ الكاتِبُ الَّذي يَستَشهِدُ بِهِ مِراراً، وتَرجِعُ هَذِه الحُظوَةُ أَساساً إِلى كَيفيَّةِ تَصَوُّرِ سبينُوزا لِلعَلاقَةِ بَينَ الرَّغبَةِ والخَير، عَلى النَّقيضِ مِن أَرِسطُو. فالمَعقُودُ لَهُ بِالخَيريَّةِ هُوَ جَليَّاً ما نَرغَبُ في حيازَتِهِ أَو بُلُوغِه. فَأَيُّ المَفهُومَينِ يَحظى بِالأَوَّليَّةِ التَّفسيريَّة؟ عِندَ أَرِسطُو، تَأتِ الرَّغبَةُ استِجابَةً لِما يُدرِكُهُ الفَردُ خَيِّراً، بِحَيثُ يَكُونُ التَّساؤُلُ عَمّا هُوَ خَيِّرٌ حَقَّاً وجَديرٌ بِالرَّغبَةِ فيهِ تَساؤُلاً ذا مَعنىً أَصيل؛ لِتَنعَكِسَ الآيَةُ عِندَ سبينُوزا، حَيثُ يُدرَكُ الشَّيءُ خَيِّراً بِدافِعِ الرَّغبَةِ فيه. وأَسطَعُ طَريقَةٍ لِلتَّعبيرِ عَنِ المَوقِفِ الأَرسطيِّ هِيَ القَولُ إِنَّ الخَيرَ هُوَ ما لَنا مُبَرِّرٌ لِرَغبَتِه، فَإِن رَغِبنا في شَيء، فَذَلِكَ استِجابَةٌ لِما نَعتَقِدُ أَنَّهُ مُبَرِّرٌ لِتِلكَ الرَّغبَة. في المُقابِل، سَيَرُدُّ السِّبينُوزيُّ بِأَنَّ رَغبَةَ المَرءِ في شَيءٍ ظَنَّاً مِنهُ بِوُجُودِ مُبَرِّرٍ لِرَغبَتِه، تَرجِعُ بِبَساطَةٍ إِلى اعتِقادِهِ بِنَفعِهِ في إِشباعِ رَغبَةٍ أُخرى أَعمَقَ غَوراً وأَسبَقَ وُجُوداً في نَفسِه.
وما يَتَجَلَّى في هَذا الانحِيازِ لِسبينُوزا هُوَ «مادِّيَّةُ» مُؤَلِّفِنا، ورَفضُهُ سَحبَ مَفهُومِ الحَقيقَةِ عَلى مَسائِلِ القِيَم. وما الأَولَويَّةُ الَّتي يَمنَحُها لِلرَّغبَةِ عَلى الخَيرِ سِوى نَتيجَةٍ حَتميَّة، لَكِنَّها نَتيجَةٌ تَتَبَلوَرُ فيها خُلاصَةُ رُؤيَتِهِ الفَلسَفيَّة. فَعَنِ المَبدَأ السِّبينُوزيِّ القائِلِ بِإِنَّنا «نَحكُمُ بِخَيريَّةِ الشَّيءِ لِرَغبَتِنا فيه، مُتَجاوِزينَ استِنادَ الرَّغبَةِ إِلى حُكمٍ مُسبَقٍ بِالخَيريَّة»، يَقُولُ في نَصٍّ قَصيرٍ عامَ ٢٠١٠ إِنَّهُ يُمَثِّلُ «الفِكرَةَ الأَشَدَّ حَسماً في تاريخِ الفَلسَفَةِ بِأَسرِهِ في نَظَري». وسَأُورِدُ لاحِقاً اعتِراضاتي عَلى هَذَينِ المَذهَبَين. أَمَّا الآن، فالمَقصِدُ هُوَ الإِشارَةُ إِلى مَدى غَرابَةِ هَذا الجانِبِ مِن أَخلاقِ الفَضيلَةِ عِندَ أندريه كونت-سبونفيل. فَفي العالَمِ الأَنجلُوساكسُونيّ، جَرَتِ العادَةُ لَدى مُنَظِّري هَذِه الأَخلاق، عَلى خُطى أَرِسطُو، أَن يَتَصَوَّرُوا الفَضيلَةَ هادِفَةً إِلى خَيرٍ مُعَيَّنٍ يَتَّسِمُ بِشَيءٍ مِنَ المَوضُوعيَّة (ولا يَقتَصِرُ عَلى خَيرِ الآخَرينَ فَحَسب، بَل يَشمَلُ بِالأَساسِ خَيرَ الفاعِلِ نَفسِه): فالمَرءُ الفاضِلُ يَتَمَيَّزُ بِمَعرِفَتِهِ لِما هُوَ جَليلُ الخَطَرِ حَقَّاً في الحَياةِ الإِنسانيَّة، وبِقُدرَتِهِ عَلى إِبصارِ التَّجَلِّي الخاصِّ الَّذي يَتَّخِذُهُ الخَيرُ الإِنسانيُّ في المَواقِفِ المَشهُودَة. وهَكَذا لَجَأَت فِيلِيبا فُوت، إِحدى رائِداتِ هَذِه الحَرَكَة، إِلى مَفهُومِ الفَضيلَةِ بُغيَةَ بِناءِ تَصَوُّرٍ لِلفِعلِ الأَخلاقيِّ يَنأى بِهِ عَن كَونِهِ وَليدَ عامِلَينِ مُتَنافِرَين (إِدراكُ وَقائِعِ المَوقِفِ مِن جِهَة، وشُعُورٌ أَو رَغبَةٌ تَدفَعُنا لِتَقييمِها حَسَنَةً أَو سَيِّئَةً مِن جِهَةٍ أُخرى)، مُخالِفَةً بِذَلِكَ نُسَخَ النَّزعَةِ الذّاتيَّةِ السّائِدَة. فالفِعلُ الأَخلاقيُّ في نَظَرِها هُوَ إِعمالٌ لِلعَقلانيَّةِ العَمَليَّةِ مِن مَبدَئِها إِلى مُنتَهاها، استِجابَةً لِمُسَوِّغاتِ الفِعلِ الخَيِّرِ الَّتي يَكتَنِزُها المَوقِفُ المَعنيّ.
بِالمُقابِل، يَتَبَنَّى مُؤَلِّفُنا ذَلِكَ النَّمَطَ مِنَ النَّزعَةِ الذّاتيَّةِ الَّذي جاهَدَ مُعظَمُ أَقطابِ أَخلاقِ الفَضيلَةِ الأَنجلُوساكسُون لِتَجاوُزِه. فَعِندَه، يَجِبُ عَلى المَرءِ الفاضِلِ حَتماً مُراعاةُ تَفاصيلِ المَوقِفِ الَّذي يَستَجيبُ لَه: فَلا سَبيلَ إِلى الكَرَمِ تُجاهَ الآخَرينَ دُونَ الاستِنادِ إِلى ما نَعتَقِدُ مَعرِفَتَهُ عَن عَوَزِهِم أَو عَمّا يُدخِلُ السُّرُورَ عَلى قُلُوبِهِم. أَمَّا فيما يَخُصُّ فَضيلَةَ الكَرَمِ في ذاتِها، سَواءً أَكانَت في المُطلَقِ أَم في هَذِه المُناسَبَةِ الخاصَّة، فَلَيسَت أَمراً يَسَعُنا القَولُ إِنَّنا نَمتَلِكُ مَعرِفَةً بِه. فالخَيرُ الَّذي نَتَوَهَّمُ رُؤيَتَهُ في الفِعلِ الكَريمِ لَيسَ، في رَأيِ كونت-سبونفيل، سِمَةً كامِنَةً تُوَلِّدُ فينا الرَّغبَةَ في تَبَنِّيه؛ بَل هُوَ إِسقاطٌ لِرَغبَةٍ في المُساعَدَةِ تَختَلِجُ فينا سَلَفاً، واهتِمامٌ مُسبَقٌ بِنَفعِ الآخَرين، نَستَضيءُ بِهِ لِنَرمُقَ بِعَينِ الرِّضا كُلَّ مَسعىً يُلَبِّي حاجاتِهِم ومُبتَغَياتِهِم.
وهَذا التَّصَوُّرُ الذّاتيُّ لِلخَير، المُعلَنُ مُنذُ «رِسالَةٍ في اليَأسِ والغِبطَة»، يُؤَدِّي دَوراً تَأسيسيَّاً في أَخلاقِ الفَضيلَةِ الَّتي تُفَصِّلُها «رِسالَةٌ وَجيزَةٌ في الفَضائِلِ الكُبرى»، ويَطبَعُها بِطابَعِها الخاصّ. وسَأُيَمِّمُ شَطري الآنَ لِفَحصِ هَذِه الأَخلاق. وسَتَلُوحُ في الأُفُقِ بَعضُ الصِّعابِ الَّتي أَعُدُّها أَماراتٍ مُنذِرَةً بِمُعضِلَةٍ مُتَأَصِّلَةٍ في مادِّيَّتِه.
في رِسالَتِهِ الوَجيزَة، يَرسُمُ كونت-سبونفيل تَدَرُّجاً ثُلاثيَّ المَراحِلِ لِلوَعيِ الأَخلاقيّ. وهُوَ تَعاقُبٌ لِتَصَوُّراتِ الفِعلِ الخَيِّرِ يَتَّسِمُ بِالمَنطِقيَّةِ بِقَدرِ ما يَتَّسِمُ بِالزَّمَنيَّة. فَفي البَدء، يَتَعَلَّمُ الطِّفلُ اللَّباقَة، ومُجاراةَ العُرف، والخُضُوعَ لِآدابِ العِشرَة. فَاللَّباقَةُ هِيَ ضَربٌ مِنَ الإِرهاصِ الأَخلاقيِّ، تُبدي احتِراماً أَوَّليَّاً لِلآخَر، بَيدَ أَنَّها قاصِرَةٌ عَن تَشكيلِ مَوقِفٍ أَخلاقيٍّ أَصيل. فَالطِّفلُ يَكتَسِبُ اللَّباقَةَ بِضَغطٍ مِن مُحيطِه، سالِكاً دَرباً يَفتَقِرُ إِلى القَناعَةِ الذّاتيَّة. كَما أَنَّ أَفعالَ اللَّباقَة، حَتَّى عِندَ البالِغين، لا تَعدُو كَونَها مَظاهِرَ، وكَلِماتٍ، وحَرَكاتٍ، في غِنىً عَن أَيِّ اكتِراثٍ حَقيقيٍّ بِرَخاءِ الآخَرين. ومَعَ ذَلِك، تُمَثِّلُ اللَّباقَةُ، بِما تُجَسِّدُهُ مِن تَحَفُّظٍ وتَوقير، استِباقاً لِلحَياةِ الأَخلاقيَّة، وتُوَفِّرُ وَسيلَةً لا غِنى عَنها لِوُلُوجِ أَبوابِها. فَنَحنُ نَغدُو لَبِقينَ بِمُجاراةِ المَألُوف، واقتِفاءِ الخُطى الحَسَنَةِ في مُحيطِنا، وتِلكَ هِيَ الطَّريقُ ذاتُها الَّتي نَكتَسِبُ بِها الفَضيلَةَ الحَقَّة، بِوَصفِها سَجيَّةً تَصقُلُها العادَة. فَلِتَغدُو عادِلاً، كَما يَقُولُ أَرِسطُو، عَلَيكَ أَن تَستَهِلَّ أَمرَكَ بِإِتيانِ أَفعالِ العَدل، وهُوَ ما يَؤُولُ إِلى مُحاكاةِ أَفعالِ العُدُول. وهَكَذا تَمضي بِنا اللَّباقَةُ إِلى ما وَراءَ حُدُودِها. فَهِيَ «الفَضيلَةُ الأُولى، ولَعَلَّها مَنبَعُ كُلِّ الفَضائِل»، بِحَيثُ يَغدُو الفارِقُ كَما يُلاحِظُ كونت-سبونفيل:
بَينَ امرِئٍ في غايَةِ اللَّباقَةِ وآخَرَ طَيِّبِ النَّفسِ، مُحتَرِمٍ، مُتَواضِع... فَوارِقَ ضَئيلَةً في كَثيرٍ مِنَ المَواقِف: فالمَرءُ يَنتَهي إِلى مُشابَهَةِ ما يُحاكيه، واللَّباقَةُ تَقُودُ رُوَيداً رُوَيداً - أَو قَد تَقُودُ - إِلى الأَخلاق.
ورَغمَ هَذِه الوَظيفَةِ التَّمهيديَّة، لا يَسقُطُ التَّكليفُ بِاللَّباقَةِ أَبَداً، إِذ لا قِوامَ لِلمُجتَمَعِ بِلا أَشكالٍ مِنَ المُواضَعَةِ الأَوَّليَّة، وهِيَ أَشكالٌ لا شَكَّ أَقَلُّ مَشَقَّةً مِنَ الاستِقامَةِ الأَخلاقيَّةِ أَوِ الفَضيلَة، لَكِنَّها عَلى القَدرِ نَفسِهِ مِنَ الأَهَميَّةِ في التَّعامُلِ اليَوميِّ بَينَ البَشَر.
وحينَ نَتَجاوَزُ شَكليَّاتِ اللَّباقَةِ ونَشرَعُ في الاكتِراثِ بِخَيرِ الآخَرين، فَإِنَّنا نَلِجُ مَيدانَ الأَخلاق. وفي رَأيِ كونت-سبونفيل، لا يَتَبَدَّى لَنا هَذا الاكتِراثُ بِالآخَرِ أَمراً حَسَناً إِلّا بِفَضلِ رَغبَةٍ فاعِلَةٍ في هَذا النَّمَطِ مِنَ الحَياة. وتِلكَ نَتيجَةٌ لِمَبدَئِهِ السّبينُوزيِّ القاضي بِأَسبَقيَّةِ الرَّغبَةِ عَلى الخَير، ولِبَديهيَّتِهِ المادِّيَّةِ الأَعمَقِ القائِلَةِ إِنَّ الرَّغبَةَ هِيَ مَنبَعُ كُلِّ تَمييزٍ مِعياريِّ بَينَ ما لَنا مُبَرِّرٌ لِفِعلِهِ وما نَفتَقِرُ فيهِ إِلى المُبَرِّر. بَيدَ أَنَّ المَرءَ الفاضِلَ وَحدَهُ مَن سَيَجِدُ خَيراً كامِناً في الاهتِمامِ بِصالِحِ الآخَرين. وثَمَّةَ مَرحَلَةٌ وُسطى بَينَ اللَّباقَةِ والفَضيلَة، يَهتَمُّ فيها المَرءُ بِخَيرِ الآخَرين، مَدفُوعاً بِاعتِقادِهِ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيه، مُتَجاوِزاً مُجَرَّدَ الإِرادَةِ المُجَرَّدَة. وهُنا نَتَوَقَّعُ استِباقاً إِمكانيَّةَ الارتِقاءِ إِلى حُبِّ الفَضيلَة؛ إِذ نَوَدُّ لَو تَسَنَّى لَنا هَذا التَّفاني في سَبيلِ سَعادَةِ الآخَرين، ورُبَّما خالَجَنا هَذا الشُّعُورُ الفَينَةَ بَعدَ الفَينَة. لَكِنَّ اللَّذَّةَ عُمُوماً ما تَنفَكُّ غائِبَةً، وإِن نَحنُ شُغِلنا بِمَصالِحِ الآخَرين، فَمَرَدُّ ذَلِكَ إِلى انصِياعِنا لِحِسِّ الواجِب. وهَذا الضَّربُ مِنَ الوِجدانِ هُوَ ما يُسَمِّيهِ مُؤَلِّفُنا «الأَخلاق» (La morale)، وهُوَ مَوقِفٌ تُجاهَ الآخَرِ يَحتَلُّ فيهِ مَفهُومُ «الواجِب» الصَّدارَةَ عِوَضاً عَن مَفهُومِ «الفَضيلَة». ومِمَّا لا رَيبَ فيهِ أَنَّ هَذا هُوَ المَنظُورُ الَّذي يَألَفُهُ سَوادُنا الأَعظَمُ في أَغلَبِ الأَوقات.
ويُشَدِّدُ كونت-سبونفيل عَلى أَهَميَّةِ كَونِ هَذا التَّصَوُّرِ الانتِقاليِّ مُوَجَّهاً في جَوهَرِهِ نَحوِ رَفاهِ الآخَرين، لَكِنَّهُ يَقِفُ عاجِزاً عَن تَفسيرِ نَفسِهِ بِنَفسِه، مُلَوِّحاً بِمَنظُورٍ أَوفى وأَتَمّ، أَلا وهُوَ مَنظُورُ الفَضيلَة، ثُمَّ مَنظُورُ المَحَبَّةِ في نِهايَةِ المَطاف، كَما سَنَرى. فَهُوَ يُعِلنُها صَراحَةً: «لا أُعَلِّقُ آمالاً عِراضاً عَلى الواجِبات». فَمَفهُومُ الواجِبِ في نَظَرِهِ لا يَملِكُ سِوى صِفَةٍ تَبَعيَّة: فَما نَعتَقِدُ أَنَّنا مُلزَمُونَ بِفِعلِهِ لا يَعدُو في عُمقِهِ أَن يَكُونَ ما نَوَدُّ لَو أَرَدنا فِعلَه. فَكَما يَطيبُ لَهُ القَول، بِوَصفِهِ مادِّيَّاً، «إِنَّ الرَّغبَةَ هِيَ الَّتي تَصنَعُ الفارِق»، مُدخِلَةً كُلَّ تَمايُزٍ قِيَميٍّ في هَذا العالَم، ومُؤَسِّسَةً بِالتّالي لِكُلِّ فارِقٍ بَينَ ما يَبدُو حَسَناً وما لا يَبدُو كَذَلِك، وبَينَ ما نُلزَمُ بِفِعلِهِ وما نُعفى مِنه.
والواقِعُ أَنَّ فِكرَةَ الالتِزامِ بِرِعايَةِ خَيرِ الآخَرِ تُمَثِّلُ عِندَهُ بُنياناً بالِغَ التَّركيب، تَتَخَلَّلُهُ الرَّغبَةُ في طَبَقَتَينِ مُتَمايِزَتَين، مِمّا يَشهَدُ عَلى الطَّبيعَةِ الانتِقاليَّةِ لِهَذا المَفهُوم. هَذا عَلى أَقَلِّ تَقديرٍ ما يَنجَلي عَن مُقَدِّماتِهِ الأَساسيَّة؛ وأَنا أَرُومُ هاهُنا بَسطَ الأَمرِ بِأَجلى مِمّا أَورَدَهُ هُو. فَبِما أَنَّ هَذا الواجِبَ يَرمي إِلى رَفاهِ الآخَرين، فَهُوَ يُعَبِّرُ ابتِداءً (أَخذاً بِمُقَدِّماتِ كونت-سبونفيل) عَن رَغبَةٍ في تَرقِيَةِ هَذا الرَّفاه. ولَكِنَّهُ يَنطَوي، علاوَةً عَلى ذَلِك، عَلى فِكرَةٍ مَفادُها أَنَّهُ يَتَحَتَّمُ عَلَينا تَرقِيَتُه، وهِيَ فِكرَةٌ مِعياريَّةٌ لابُدَّ أَن تُتَرجِمَ بِدَورِها رَغبَةً إِضافيَّةً، ولا يَتَأَتَّى أَن تَكُونَ شَيئاً آخَرَ غَيرَ الرَّغبَةِ في العَمَلِ بِمُقتَضى الرَّغبَةِ الأُولى. فَما الحاجَةُ إِلى هَذِه الرَّغبَةِ الثّانيَة؟ هَذا التَّساؤُلُ يُشبِهُ التَّساؤُلَ عَنِ الحاجَةِ إِلى مَفهُومِ الواجِب، والجَوابُ جَليّ: حَتَّى لَو رَغِبنا حينَئِذٍ في تَرقِيَةِ خَيرِ الآخَرين، فَإِنَّنا نَفتَقِرُ إِلى رَغبَتِهِ كَجُزءٍ أَصيلٍ مِن خَيرِنا نَحن، ومِن هَذِه الزّاويَةِ تَتَجَلَّى أَوجُهُ قُصُورِ تِلكَ الرَّغبَة. ولِكَي نَعمَلَ بِمُقتَضى رَغبَتِنا في رِعايَةِ الآخَرين، يَتَعَيَّنُ عَلَينا إِذَن أَن نَرغَبَ في تَذليلِ التَّنافُرِ الظّاهِرِ بَينَها وبَينَ خَيرِنا الخاصِّ، وهُوَ ما نُنجِزُهُ عَبْرَ الإِلزامِ الباطِنيِّ الَّذي يُشَكِّلُهُ حِسُّ الواجِب.
واستِناداً إِلى هَذا التَّحليل، فَإِنَّ مَفهُومَ الواجِبِ كَفيلٌ بِالتَّبَدُّدِ حالَما يَغدُو خَيرُ الآخَرينَ في نَظَرِنا جُزءاً مِن خَيرِنا. وهَذا المُنعَطَف، حَيثُ يَحُلُّ مَفهُومُ الفَضيلَةِ مَحَلَّ مَفهُومِ الواجِب، هُوَ إِيّاهُ ما يُدخِلُنا في مَيدانِ «عِلم الأَخلاق» (L'éthique) بِمَعناها الأَصيل، وهِيَ المَرحَلَةُ الثّالِثَةُ والأَخيرَةُ في تَصنيفِ كونت-سبونفيل. وتَبقى مُقَدِّمَةُ إِقرانِ الفَضيلَةِ بِالسَّعادَةِ المُتَأَتِّيَةِ مِنَ التَّفاني في سَبيلِ إِسعادِ الآخَرين، واشتِهاءِ خَيرِهِم بِعَينِ الشَّوقِ المُوَجَّهِ لِخَيرِنا، مُقَدِّمَةً يَقبَلُها كُلُّ مُناصِرٍ لِأَخلاقِ الفَضيلَة. غَيرَ أَنَّ مُؤَلِّفَنا يَخطُو خُطوَةً إِضافيَّة؛ إِذ يُدخِلُ مَفهُومَ المَحَبَّةِ لِوَصفِ تَمامِ المَوقِفِ الأَخلاقيّ. ونُورِدُ هاهُنا بَعضَ المَقاطِعِ الكاشِفَة:
الواجِبُ... لا يُلزِمُنا إِلّا بِما تَكفي المَحَبَّةُ وَحدَها لِإثارَتِهِ بِلا إِكراهٍ لَو كانَت حاضِرَة.
ويَقُولُ أَيضاً:
إِحسانُ العَمَلِ هُوَ بَدءاً إِتيانُ المَألُوف (اللَّباقَة)، ثُمَّ إِتيانُ المُستَوجَب (الأَخلاق - La morale)، وخِتاماً هُوَ أَحياناً إِتيانُ ما نَهواهُ، مَتى ما خالَجَتنا المَحَبَّة (علم الأَخلاق - L'éthique).
فَما السِّرُّ في هَذا الخِيارِ اللَّفظيّ؟ ولِمَ تَتَوَّجَت نَظَريَّةُ الفَضيلَةِ هَذِه بِالمَحَبَّة؟ يَتَيَسَّرُ إِدراكُ مَرامي مُؤَلِّفِنا إِذا أَمعَنّا النَّظَرَ في السِّمَةِ المُمَيِّزَةِ لِمُمارَسَةِ الفَضيلَة: فَحينَ نَتَصَرَّفُ بِفَضيلَة، فَإِنَّنا نَبذُلُ أَنفُسَنا لِخَيرِ الآخَر، جاعِلينَ إِيّاهُ رُكناً رَكيناً مِن خَيرِنا. ويَزدادُ الفِعلُ نُبلاً وفَضلاً كُلَّما خَفَّت وَطأَةُ مَصالِحِنا الشَّخصيَّةِ عَلَيه، وكُلَّما رَمى إِلى سَعادَةِ الآخَرِ وكَأَنَّها عَينُ سَعادَتِنا، بِحَيثُ تَكُونُ الفَضيلَةُ التّامَّةُ حُبَّاً مُتَجَرِّداً نَهَبُ لَهُ أَنفُسَنا بِقَضِّها وقَضيضِها. وحَتَّى إِن قَصُرنا عَن بُلُوغِ هَذا الشَّأو، فَإِنَّنا نَحدِسُ أَنَّ هَذا الحُبَّ هُوَ الغايَةُ القُصوى لِمَساعينا في الفَضيلَة، وأَصلُ قيمَتِها. يَقُولُ كونت-سبونفيل: «أَن تَكُونَ فاضِلاً... يَعني أَن تَتَصَرَّفَ وكَأَنَّكَ تُحِبّ... فالمَحَبَّةُ تُعُوزُنا، وذاك، في أَحيانٍ كَثيرَةٍ، أَصدَقُ إِحساسٍ نُكابِدُهُ نَحوَها. وقَد جَعَلنا مِن هَذا الفِقدانِ قُوَّةً، أَو قُوًى، وهُوَ ما نُسَمِّيهِ بِالفَضائِل».
ولِتَجليَةِ هَذا المَسارِ الفِكريّ، يُمَيِّزُ الفَصلُ الأَخيرُ مِن «الرِّسالَةِ الوَجيزَة» بَينَ ثَلاثَةِ أَنواعٍ مِنَ الحُبّ، سُمِّيَت بِأَسماءٍ يُونانيَّة، يُشَكِّلُ ثالِثُها لُبَّ الأَخلاق. أَوَّلُها الحُبُّ بِمَعنى «الإِيرُوس» كَما نَجِدُهُ في مُحاوَرَةِ «الوَليمة» لِأفلاطُون؛ وهُوَ الرَّغبَةُ فيما نَفتَقِدُه، ويَعيبُهُ (فيما يَخُصُّ المَوقِفَ الأَخلاقيَّ) أَنَّهُ يَرُومُ الاستِحواذَ عَلى مَوضُوعِه، ويَنقَضي بِمُجَرَّدِ الظَّفَرِ بِه. والنَّوعُ الثّاني هُوَ القُدرَةُ عَلى التَّنَعُّمِ والابتِهاجِ بِالمَحبُوب؛ وهُوَ الحُبُّ كَما عَرَّفَهُ سبينُوزا: «الحُبُّ بَهجَةٌ تَصحَبُها فِكرَةُ عِلَّةٍ خارِجيَّة»، يَربِطُهُ مُؤَلِّفُنا بِمَفهُومِ «الفِيليا» اليُونانيّ. وهَذا النَّوعُ يَطمَحُ كَذَلِكَ إِلى الاستِحواذِ عَلى مَوضُوعِه، غَيرَ أَنَّهُ لا يَنقَضي بِالوُصُولِ إِلَيه، بَل يَزدادُ نَماءً وتَفَتُّحاً. وغالِباً ما يَكُونُ حُبُّ الزَّوجَينِ مَزيجاً مِن هَذَينِ النَّوعَينِ الأَوَّلَين. أَمَّا النَّوعُ الثّالِث، المَوسُومُ بِـ«الأَغابي» أَو الإِحسان، فَهُوَ الرّافِدُ الَّذي يَغتَرِفُ مِنهُ المَوقِفُ الأَخلاقيّ. فَهَذا الحُبُّ مُتَنَزِّهٌ عَن شَهوَةِ الاستِحواذِ أَو قُدرَةِ التَّنَعُّم، لِيَكُونَ انسِحاباً لِلذّاتِ في سَبيلِ الفَردِ المَحبُوبِ ولِصالِحِ هَذا الآخَرِ ذاتِه. إِنَّهُ حُبٌّ «لا يَفتَقِرُ إِلى شَيء، لَكِنَّهُ لا يَمتَلِئُ مَعَ ذَلِكَ بِالذّات، بَل بِالقُوَّة... الحُبُّ المُتَجَرِّد، الحُبُّ الخالِص، المَحَبَّةُ الصّافيَة، كَما يَقُولُ فِينلُون». وعادَةً ما تَعجِزُ فَضائِلُنا المُتَنَوِّعَة (كَالامتِنان، والكَرَم، والعَدل) عَن تَجسيدِ هَذا الحُبِّ في كَمالِهِ وتَمامِه. فَهِيَ تَشُوبُها بَقايا مِن مَصالِحِنا الخاصَّة، ولَو في المَوضُوعاتِ الَّتي تَنصَبُّ عَلَيها، وتَعلَقُ بِها رَواسِبُ مِن حِسِّ الواجِبِ في الشُّعُورِ المُتَضَمِّنِ وُجُوبَ الامتِنانِ أَو الكَرَمِ أَو الإِنصاف. بَيدَ أَنَّها كُلَّما انعَتَقَت مِن هَذِه العَوالِق، دَنَت مِن تِلكَ المَحَبَّةِ الَّتي تُمَثِّلُ مَعناها الأَسمى.
سَعيتُ فيما سَلَفَ إِلى بَسطِ الخُطُوطِ العَريضَةِ لِأَخلاقِ الفَضيلَةِ كَما شادَها أندريه كونت-سبونفيل، ووَضعِها في سياقِها الأَعَمّ، مَعَ الجَلاءِ عَن خَباياها في بَعضِ المَواضِع، مُستَبقِياً آرائي الخاصَّةَ طَيَّ الكِتمان. وقَد حانَ الأَوانُ لِبَيانِ بَعضِ هَناتِها الَّتي لا أَعُدُّها، في يَقيني، سِوى أَماراتٍ عَلى التَّهافُتِ المُتَأَصِّلِ في المادِّيَّةِ الَّتي يَنتَسِبُ إِلَيها.
وتَمهيداً لِذَلِك، أُشيرُ (ولا تَثريبَ في ذَلِك) إِلى أَنَّ كونت-سبونفيل، عَلى عَلانيَةِ إِلحادِه، يَستَطيبُ في «رِسالَتِهِ الوَجيزَةِ» الاستِشهادَ بِنُصُوصِ التُّراثِ المَسيحيِّ، ولا سيَّما حينَ يَخُوضُ في صِلَةِ الفَضيلَةِ بِالمَحَبَّة. وهَذا المَيلُ لا نَكارَةَ فيه. فَحَتَّى لَو أَيقَنَ المَرءُ بِانعِدامِ وُجُودِ الغايَةِ العُظمى لِهَذا التُّراثِ (أَيِ الإِلَه)، فَإِنَّ الرَّصانَةَ الَّتي تَفَكَّرَ بِها أَتباعُهُ أَحياناً في الشَّرطِ الإِنسانيِّ تُوحي بِانطِوائِهِ عَلى حِكمَةٍ بَليغَة. والواقِعُ أَنَّ كونت-سبونفيل يَرى فيهِ مَنبَعاً ثَريَّاً لِتِيمَةٍ تَأسيسيَّةٍ في فِكرِه، أَلا وهِيَ الدَّورُ المُؤَسِّسُ لِلمَحَبَّةِ في الحَياةِ الأَخلاقيَّة. فَشِعارُ «أَحبِب، وافعَل ما شِئت»، الَّذي صاغَهُ القِدِّيسُ أُوغسطين لِتَرجَمَةِ رُوحِ الأَناجيل، يُلَخِّصُ في نَظَرِهِ الجَوهَرَ الأَخلاقيَّ أَيَّما تَخيص، مُحِيلاً فِكرَةَ الواجِبِ («افعَل ما يَجِبُ عَلَيك») إِلى مُجَرَّدِ «طَيفِ مَحَبَّة»، يَأمُرُنا بِالتَّصَرُّفِ تُجاهَ الآخَرينَ عَلى النَّحوِ الَّذي كُنّا لِنَتَصَرَّفَ بِهِ لَو أَنَّنا أَحبَبناهُم حَقَّاً: «لا نَحتاجُ إِلى الأَخلاقِ إِلّا لِعِوَزٍ في المَحَبَّة». وقُبَيلَ خِتامِ الكِتاب، وعَلى سَبيلِ الإِجمال، يَؤُوبُ مُجَدَّداً إِلى القِدِّيسِ أُوغسطين لِيَتَبَنَّى حِكمَتَهُ: «أَجوَدُ وأَوجَزُ تَعرِيفٍ لِلفَضيلَةِ هُوَ الآتي: نِظامُ المَحَبَّة».
بَيدَ أَنَّ العِبارَةَ الأَثيرَةَ لَدَيهِ مِن هَذا التُّراث، لِوَصفِ المَوقِفِ الأَخلاقيِّ، هِيَ الوَصيَّةُ الكِتابيَّة: «أَحبِب قَريبَكَ كَحُبِّكَ لِنَفسِك». ولا أَستَبعِدُ مُشايَعَتَهُ لِقَولِ عيسى إِنَّهُ عَلى هَذِه الوَصيَّةِ يُعَلَّقُ «النّامُوسُ كُلُّهُ والأَنبياء»، شَريطَةَ اطِّراحِ الوَصيَّةِ الأُولى الَّتي قَدَّمَها عَلَيها («أَحبِبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِن كُلِّ قَلبِك»). ولَكِن ما مَعنى أَن يُحِبَّ المَرءُ غَيرَهُ «كَحُبِّهِ لِنَفسِه»؟ لَشَدَّ ما يُؤسِفُ أَنَّ كونت-سبونفيل لَم يُفصِح عَن كُنهِ هَذا المَعنى إِفصاحاً وافياً. وهُوَ مُوقِنٌ، لا مَحالَة، بِأَنَّها مَحَبَّةٌ تَتَطابَقُ أَفعالُها مَعَ ما تَدفَعُنا إِلَيهِ الأَخلاقُ بِواجِباتِها والفَضيلَةُ بِمَكارِمِها إِزاءَ الآخَرين. فَـ«لَو أَحبَبتَهُ كَنَفسِك، ماذا كُنتَ صانِعاً؟ الجَواب، وهُوَ بِقَسوَةٍ وبَساطَةٍ مُفرِطَة، هُوَ الجَوابُ الأَخلاقيِّ، وما تَستَوجِبُهُ الفَضيلَة، أَو ما كانَت لِتَستَوجِبَه». لَكِن ما سِرُّ هَذا التَّطابُق؟ وما دَلالَةُ لَفظِ «كَنَفسِك»؟ مِنَ الجَليِّ أَنَّ الأَمرَ مَنُوطٌ بِماهيَّةِ «حُبِّ النَّفس». وهُنا يَغدُو كِتابُه، عَلى غَزارَةِ تَحليلاتِهِ النَّيِّرَةِ لِمُختَلَفِ الفَضائِل، مُقتَضَباً غايَةَ الاقتِضابِ حينَ يُقارِبُ مَبحَثَ حُبِّ الذّات.
فَأَوَّلُ ما يُطالِعُنا في الكِتابِ هُوَ الكَمُّ المُذهِلُ مِنَ التَّنويعاتِ عَلى مَقُولَةِ باسكال بِأَنَّ «الأَنا مَمقُوتَة، دائِمَةُ الجَور، لا تَنفَكُّ مَشغُولَةً بِمَصالِحِها الذّاتيَّة». فَإِلى صَرخَةِ «الأَفكار» (Pensées) القائِلَةِ «إِنَّ قَلبَ الإِنسانِ أَجوَفُ طافِحٌ بِالخَبَث»، يُعَقِّبُ مُؤَلِّفُنا مُستَحسِناً: «وذَلِكَ لِأَنَّهُ لا يَمتَلِئُ غالِباً إِلّا بِذاتِه». ونَتَنَفَّسُ الصُّعَداءَ حينَ نُصادِفُ في مَوضِعٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ الكِتابِ تَدقيقاً حَيثُ يُفَصِّلُ كونت-سبونفيل: «الأَنا لَيسَت مَمقُوتَةً، أَو هِيَ لا تَكُونُ كَذَلِكَ إِلّا بِأَنانيَّتِها. فَالشَّرُّ مُنتَفٍ عَن حُبِّ المَرءِ لِنَفسِه: والوَبالُ كُلُّهُ أَلّا يُحِبَّ إِلّا نَفسَه». لَكِنَّ العِلَّةَ الكُبرى تَكمُنُ في أَنَّهُ حينَ يَبلُغُ الفَصلَ الأَخيرَ لِيُشَرِّحَ مَوقِفَ الخُرُوجِ مِن رِبقَةِ حُبِّ الذّاتِ الأَوحَدِ إِلى حُبِّ الآخَرِ الصّادِق، تَتيهُ عَن بَصيرَتِهِ (وَسطَ مُلاحَظاتٍ ثاقِبَةٍ أُخرى) تِلكَ الفِكرَةُ القاضيَةُ بِحُبِّ الآخَرِ «كَحُبِّ النَّفس». فَهُوَ لا يَتَّخِذُ مِن حُبِّ الذّاتِ مِشكاتاً لِإضاءَةِ حُبِّ الآخَر، مَعَ أَنَّ هَذا هُوَ عَينُ ما تَحُضُّنا عَلَيهِ الوَصيَّةُ الكِتابيَّة. بَل إِنَّهُ لا يَستَدعي هَذِه الوَصيَّةَ إِلّا لِيُسَلِّطَ الضَّوءَ، مُتَغافِلاً عَنِ الوَصيَّةِ ذاتِها، عَلى النَّتيجَةِ الَّتي استَخلَصَتها سِيمُون فايل: «إِنَّ حُبَّ الغَريبِ كَنَفسِك، يَقتَضي في مُقابِلِهِ أَن تُحِبَّ نَفسَكَ كَغَريب». ولا مَطعَنَ في هَذِه النَّتيجَة. فَهِيَ تُتَرجِمُ أَيَّما تَرجَمَةٍ كَيفَ يَغدُو المَرءُ ناظِراً إِلى نَفسِهِ بُعَيدَ اعتِناقِ المَوقِفِ الأَخلاقيّ. بَيدَ أَنَّها تَضِلُّ عَمّا تُومِئُ إِلَيهِ الوَصيَّة: مِن أَنَّ حُبَّ الذّاتِ كَفيلٌ، في حَدِّ ذاتِه، بِأَن يُلَقِّنَنا دَرساً بَليغاً عَن هَذا المَوقِف.
ومِنَ الجَليِّ أَنَّ مَقُولَةَ «أَحبِب قَريبَكَ كَحُبِّكَ لِنَفسِك» لا تُوحي البَتَّةَ بِأَنَّ حُبَّ الآخَر، كَما يَتَجَوهَرُ في المَوقِفِ الأَخلاقيِّ، يَرتَكِزُ عَلى حُبِّ الذّات، لِيَتَّخِذَهُ مَطيَّةً لِخِدمَةِ مَصالِحِ المُحِبّ. فالمَدارُ كُلُّهُ عَلى كافِ التَّشبيهِ في «كَنَفسِك»، والَّتي تُعَيِّنُ بَدءاً وَجهَ شَبَهٍ بَينَ حُبِّ الذّاتِ وحُبِّ الآخَر، وسِمَةً جَوهَريَّةً يُرصِدُ فيها الاهتِمامُ بِالنَّفسِ لِلاهتِمامِ الأَخلاقيِّ بِالآخَر. وهَذا العُنيصرُ المُشتَرَكُ يَسيرُ المَنال. فَمُمَيِّزُ حُبِّ الذّاتِ لا يَكمُنُ في جَسامَتِهِ الَّتي تَجعَلُهُ سَدَّاً مَنيعاً أَمامَ أَيِّ حُبٍّ صادِقٍ لِلآخَر، بَل يَكمُنُ في فَوريَّتِهِ ومُباشَرَتِه. فَالاهتِمامُ المَمنُوحُ لِخَيرِنا الشَّخصيِّ لا يَحتاجُ إِلى وَساطَةِ اعتِباراتٍ أُخرى. فَنَحنُ لا نَهتَمُّ بِأَنفُسِنا لِكَونِنا أَشخاصاً نَستَشعِرُ قُرباً خاصَّاً مِن ذَواتِنا، أَو طَمَعاً في جَنيِ مَنفَعَةٍ مُرتَدَّة، وتِلكَ هِيَ مَزالِقُ أَيِّ اكتِراثٍ بِخَيرِ الآخَرِ حينَ يَكُونُ حُبُّ الذّاتِ هُوَ القائِدَ المُوَجِّه. فَكُلُّ فَردٍ مِنّا يَعتَني بِنَفسِهِ لِسَبَبٍ بَدَهيٍّ: «لِأَنَّها أَنا!». فَلنَفرِض إِذَن أَنَّ اهتِمامَنا بِالآخَر، بَدَلَ أَن يَكُونَ خادِماً لِحُبِّ الذّات، قَدِ اكتَسى السِّمَةَ الفَوريَّةَ ذاتَها، فَغَدَونا نَكتَرِثُ لِخَيرِ الآخَرِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ خَيرُهُ هُو. في هَذِه الحال، سَنَكُونُ مُلتَزِمينَ، وِفاقاً لِلوَصيَّة، بِحُبِّ الآخَرينَ كَحُبِّنا لِأَنفُسِنا. أَوَلَيسَ المَوقِفُ الأَخلاقيُّ هُوَ الالتِزامُ بِالاهتِمامِ المُباشِرِ بِخَيرِ الآخَر، بِمَعزِلٍ عَن مَصالِحِنا وتَعَلُّقاتِنا الخاصَّة؟
وسَيُردِفُ مُناصِرُ أَخلاقِ الفَضيلَةِ قَولَهُ إِنَّ التَّكريسَ الخالِصَ لِسَعادَةِ الآخَرينَ يَنطَوي عَلى سَعادَةٍ ذاتيَّة، غَنيَّةٍ عَن كَونِها غايَةً مُؤَجَّلَة، إِذ هِيَ كامِنَةٌ في صَميمِ فِعلِ الإِحسانِ ذاتِه: فَفي نَظَرِه، تُمَثِّلُ مُمارَسَةُ الفَضيلَةِ كَمالَ الفَردِ وازدِهارَه. ولَعَمري إِنَّ هَذا لَجائِز. غَيرَ أَنَّنا نُبصِرُ هاهُنا مَدى الإِجحافِ في أَحَدِ الاعتِراضاتِ الرَّئيسيَّةِ الَّتي تُشهِرُها أَخلاقُ الفَضيلَةِ في وَجهِ التَّصَوُّراتِ المُحايِدَةِ لِلأَخلاق. (وأَنا لا أُفَرِّقُ هاهُنا بَينَ L’éthique وLa morale). فَهَذا الاعتِراض، المَذكُورُ سَلَفاً، مَفادُهُ عَجزُ هَذِه التَّصَوُّراتِ عَن تَعليلِ رَغبَتِنا في تَبَنِّي المَوقِفِ الأَخلاقيِّ إِذا كانَ يَأمُرُنا بِمَنحِ خَيرِ الآخَرينَ وَزناً مُعادِلاً لِخَيرِنا. بَيدَ أَنَّهُ مَتى رامَت أَخلاقُ الفَضيلَةِ تَبَنِّي الوَصيَّةِ القائِلَةِ «أَحبِب قَريبَكَ كَحُبِّكَ لِنَفسِك»، وهُوَ مَقصَدُ كونت-سبونفيل الصَّريح، لَزِمَها الإِقرارُ بِإِمكانيَّةِ الارتِقاءِ إِلى الاهتِمامِ الفَوريِّ بِخَيرِ الآخَرِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ خَيرُه، مُتَجاوِزينَ النَّظَرَ في مَصالِحِنا الفَرديَّة، حَتَّى وإِن صادَفَ أَن كانَ حُبُّ القَريبِ هَذا هُوَ عَينَ كَمالِ إِنسانيَّتِنا.
وبِالمُقابِل، يَغلِبُ عَلى ظَنِّي أَنَّ النَّقدَ المُعاصِرَ لِأَخلاقِ الفَضيلَة، المَذكُورَ سَلَفاً أَيضاً، هُوَ نَقدٌ سَديدٌ مِن جَميعِ الوُجُوه، وأَنَّ الوَصيَّةَ الكِتابيَّةَ تَجِدُ مَستَقَرَّها الحَقَّ في كَنَفِ أَخلاقِ الحِياد. ولَيسَ هَذا مَقامَ الخَوضِ في هَذِه المَسائِل. فَغايَتي هِيَ الأَخلاقُ المَخصُوصَةُ الَّتي شَيَّدَها مُؤَلِّفُنا ومَسعاهُ لِدَمجِ الوَصيَّةِ الكِتابيَّةِ فيها. ومِن هَذِه الزّاويَة، يَتَعَيَّنُ إِيضاحُ كُنهِ اعتِراضي الَّذي أَعكِفُ عَلى بَسطِه. فَأَنا أَنأى بِنَفسي عَن لَومِهِ لِكَونِهِ لَم يُدرِكِ المَوقِفَ الأَخلاقيَّ بِوَصفِهِ مَحَبَّةً مُتَجَرِّدَةً يَهَبُ فيها المَرءُ نَفسَهُ، بِغَيرِ طَوِيَّةٍ خَفيَّة، لِخَيرِ الآخَر. بَل إِنَّ هَذِه الفِكرَةَ هِيَ مِن أُمَّهاتِ أُطرُوحاتِه، ورِسالَتُهُ الوَجيزَةُ حُبلى بِمَقاطِعَ بالِغَةِ البَيانِ في هَذا الصَّدَد. إِنَّما تَكمُنُ المُعضِلَةُ الَّتي انطَلَقتُ مِنها في أَنَّهُ، بِعُزُوفِهِ عَنِ استِكناهِ أَعماقِ الوَصيَّة، أَغفَلَ أَنَّ هَذا الحُبَّ، عَلى تَجَرُّدِه، لابُدَّ أَن يَستَبطِنَ العُنيصرَ المُمَيِّزَ لِنَقيضِه؛ فَكَسابِقِ عَهدِهِ بِحُبِّ الذّات، عَلَيهِ هُوَ الآخَرُ أَن يُتَرجِمَ اهتِماماً فَوريَّاً ومُباشِراً بِمَوضُوعِه.
والأَمرُ يَتَجاوَزُ ذَلِك. فَالوَصيَّةُ تَكتَنِزُ حَقيقَةً كُبرى ثانيَة، مُتَّصِلَةً بِالأُولى ومُغفَلَةً بِدَورِها عِندَ مُؤَلِّفِنا، وهِيَ حَقيقَةٌ تَتَمَخَّضُ عَن تَساؤُلٍ خَطيرٍ تَبدُو مادِّيَّتُهُ قاصِرَةً عَن مُقارَبَتِه. فَعِبارَةُ «كَنَفسِك» تُؤَكِّدُ أَنَّ الأَمرَ لا يَقتَصِرُ عَلى مُشابَهَةٍ صُوريَّةٍ بَينَ الاهتِمامِ بِالنَّفسِ والاهتِمامِ الأَخلاقيِّ بِالآخَر، بَل يَتَعَيَّنُ عَلَينا الارتِكازُ عَلى هَذِه المُشابَهَةِ إِن نَحنُ رُمنا الظَّفَرَ بِالثّاني. فَحُبُّ الذّاتِ مَحَطَّةٌ يَجِبُ تَخَطِّيها لِبُلُوغِ المَوقِفِ الأَخلاقيّ، لَكِنَّهُ (وكَيفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهُوَ جِبِلِّتُنا الأُولى؟) رَكيزَةٌ لا غِنى عَنها لِبُلُوغِ المَرام، إِن أَحسَنّا النَّظَرَ إِلَيه. لا أَعني قَطعاً اتِّخاذَهُ أَساساً لِحِساباتٍ نُقَدِّرُ فيها نَفعَنا مِن رِعايَةِ الآخَر، بَلِ اتِّخاذَهُ قُدوَةً نَنسِجُ عَلى مِنوالِها صِلَتَنا بِالآخَر. فَنَحنُ نَهتَمُّ بِخَيرِ الآخَرِ لِذاتِهِ حينَ نَتَعَلَّمُ كَيفَ نُسبِغُ عَلى خَيرِهِ ذَلِكَ الاهتِمامَ الفَوريَّ الَّذي نَخُصُّ بِهِ خَيرَنا دُونَ إِعمالِ فِكر.
هَذا إِذَن ما يُشتَرَطُ لِوُلُوجِ المَوقِفِ الأَخلاقيّ. فَما المُبَرِّرُ الَّذي قَد يَحمِلُنا عَلى إِحداثِ مِثلِ هَذا الانقِلابِ في المَنظُور؟ وما الَّذي يَسَعُهُ أَن يَحُثَّنا فِعليَّاً عَلى استِنفارِ تِلكَ الرِّعايَةِ المُطلَقَةِ تُجاهَ الآخَر، والَّتي تَعتَمِلُ فينا عَفَويَّاً تُجاهَ أَنفُسِنا؟ لا رَيبَ أَنَّ السَّوادَ الأَعظَمَ مِنّا لَم يَمُرَّ بِلَحظَةِ تَحَوُّلٍ فُجائيَّة؛ فَبِفَضلِ مَزيجٍ مِنَ التَّجارِبِ المُتَنَوِّعَة، وبِضِمنِها التَّربيَةُ في الصِّغَر، نُدرِكُ بَعديَّاً، في لَحَظاتِ التَّأَمُّل، أَنَّنا شَرَعنا مُنذُ رَدحٍ مِنَ الزَّمَنِ (في بَعضِ الأَحيانِ وبِدَرَجَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلى الأَقَلِّ) في الاهتِمامِ الصّادِقِ بِالآخَرين. لَكِنَّ المَسأَلَةَ هِيَ كَيفَ نَتَمَثَّلُ هَذا التَّحَوُّل. وبِوَجهٍ أَخَصّ، ما هُوَ المُسَوِّغُ الَّذي نُقَدِّمُهُ لِأَنفُسِنا؟
يَبدُو لي الجَوابُ بَيِّناً. فَما لَم يَصُدَّنا مُعتَقَدٌ فَلسَفيٌّ مُسبَق، فَإِنَّنا نُحَدِّثُ أَنفُسَنا بِشَيءٍ مِن هَذا القَبيل: لَقَد تَبَيَّنَ لَنا، أَوَّلاً، أَنَّ لِكُلِّ فَردٍ اهتِماماً فَوريَّاً بِخَيرِهِ يُضاهي ما نَكِنُّهُ لِخَيرِنا، ثُمَّ إِنَّنا، بِاتِّخاذِنا مَسافَةً مِن ذَواتِنا ونَظَرِنا لِلأُمُورِ مِن مَنظُورٍ مُتَجَرِّدٍ غَيرِ شَخصيّ، نُبصِرُ مُبَرِّراً أَصيلاً لِتَرقِيَةِ خَيرِ الآخَرينَ يُكافِئُ مُبَرِّرَنا لِلسَّعيِ في خَيرِنا. ونَحنُ لَم نَتَعَلَّم فَقَطِ التَّفكيرَ بِتَجَرُّد، وهُوَ أَمرٌ كانَ بِإِمكانِهِ أَن يَقُودَنا إِلى الاستِنتاجِ بِأَنَّهُ ما دامَ خَيرُنا لَيسَ بِأَعظَمِ شَأناً مِن خَيرِ الآخَرين، فَإِنَّ رَفاهَ أَيِّ فَردٍ (مِن مَنظُورِ الكَونِ المُطلَقِ) لا وَزنَ لَه. كَلّا، فَنَحنُ لَم نَنحَدِر إِلى لامُبالاةٍ بارِدَة، بَلِ اعتَقَدنا، بِتَأَمُّلِنا هَذا، أَنَّنا تَبَيَّنّا مُبَرِّراً يَدعُونا إِلى الاهتِمامِ بِالآخَرِ كَما نَهتَمُّ بِأَنفُسِنا. وهَذا يَعني، إِذا سَلَّمنا بِأَنَّ الخَيرَ عُمُوماً هُوَ ما لَنا مُبَرِّرٌ لِرَغبَتِهِ (وهِيَ العِبارَةُ الَّتي سُقتُها في مَعرِضِ بَسطِ مَوقِفِ أَرِسطُو، وتُمَثِّلُ سياقاً طَبيعيَّاً لِلقَول)، أَنَّنا نَعتَقِدُ بِرُؤيَةِ خَيرِ الآخَرِ لَيسَ مُجَرَّدَ خَيرٍ مِن مَنظُورِهِ هُوَ فَحَسب، بَل خَيراً أَصيلاً مُطلَقاً تَتَّسِعُ لَهُ رُؤيَتُنا المُتَساميَةُ هَذِه. وإِن آثَرنا لُغَةَ المَحَبَّةِ قُلنا: لَقَد بَلَغنا مَقامَ المَحَبَّةِ المُتَجَرِّدَةِ لِقَريبِنا بِإِدراكِنا أَنَّ كُلَّ قَريبٍ هُوَ في ذاتِهِ حَقيقٌ بِالمَحَبَّة.
هَذا هُوَ إِذَن السَّبيلُ الَّذي نَجنَحُ إِلَيهِ طَبعاً لِتَعليلِ هَذا التَّحَوُّل. وفي يَقيني أَنَّ هَذا التَّعليلَ سَديد، وهُوَ يُمَثِّلُ جَوهَرَ ما أَراهُ صائِباً مِنَ الوِجهَةِ الفَلسَفيَّة. بَيدَ أَنَّ مُؤَلِّفَنا لا يَسَعُهُ الإِقرارُ بِذَلِك. فَبِوَصفِهِ مادِّيَّاً، يُلزَمُ بِنَفي فِكرَةِ أَنَّ انقِلابَ المَنظُورِ الَّذي نَلِجُ بِهِ حَرَمَ الأَخلاقِ يُمكِنُ إِدراكُهُ بِوَصفِهِ استِبصاراً لِقيمَةٍ مَوضُوعيَّة. فَما هِيَ إِذَن المُفرَداتُ الَّتي تُبيحُها مادِّيَّتُهُ لِتَفسيرِ ذَلِك؟ إِن لَم يَخِب ظَنِّي، فَلا مَناصَ مِن أَحَدِ احتِمالَين، وكِلاهُما يَفتَقِرُ إِلى الجاذِبيَّة:
(١) تَستَلزِمُ مادِّيَّتُهُ ذَلِكَ المَبدَأَ السّبينُوزيَّ القائِلَ إِنَّ الخَيرَ مَحضُ تَعبيرٍ عَنِ الرَّغبَة، مُتَجاوِزاً كَونَهُ شَيئاً نَرغَبُ فيهِ لِأَنَّهُ يَلُوحُ خَيِّراً. وهَذا المَبدَأُ، كَما رَأَينا، لا يَنفي قُدرَتَنا عَلى استِجلاءِ مُبَرِّرٍ لِرَغبَةِ شَيءٍ وعَدِّهِ خَيِّراً، شَريطَةَ أَن يُنظَرَ إِلَينا بِوَصفِنا نَحكُمُ بِنَفعِهِ في تَربيَةِ رَغبَةٍ دَفينَةٍ أُخرى سابِقَةِ الحُضُور. وبِتَطبيقِ ذَلِكَ عَلى حالَتِنا، يَنجَلي أَنَّنا إِن أَبصَرنا مُبَرِّراً لِلاهتِمامِ بِالآخَرِ واشتِهاءِ خَيرِه، بِنَفسِ الفَوريَّةِ الَّتي نَخُصُّ بِها أَنفُسَنا، فَلابُدَّ مِن وُجُودِ رَغبَةٍ سالِفَةٍ نُشبِعُها بِهَذا الصَّنيع. لَكِن كَيفَ يَتَسَنَّى إِذَن لِرَغبَتِنا في خَيرِهِ أَن تَكُونَ فَوريَّةً بِالمَعنى المَنشُود؟ وكَيفَ يَسَعُنا القَولُ إِنَّنا نُحِبُّ قَريبَنا كَنَفسِنا، بِغَيرِ مَطويَّةٍ خَفيَّةٍ ولا غايَةٍ مُؤَجَّلَة؟ فالاحتِمالُ الأَوَّلُ ساقِط، لِأَنَّهُ يَمحُو الظّاهِرَةَ المُرادَ تَفسيرُها مِنَ الوُجُود.
وفَضلاً عَن ذَلِك، فَإِنَّ كونت-سبونفيل نَفسَهُ يَطَّرِحُ هَذا الاحتِمالَ لِلسَّبَبِ عَينِه. فَعِندَه، حُبُّ الأَشياءِ أَو الأَشخاصِ لـ«قيمَتِها المُسبَقَة»، أَي لِأَنَّنا نَرى مُبَرِّراً لِحُبِّها، يَندَرِجُ في بابِ «الإِيرُوس» أَو «الفِيليا»، ويَنأى عَن المَحَبَّةِ المُتَجَرِّدَة («الأَغابي») الَّتي تَستَقِرُّ في قاعِ المَوقِفِ الأَخلاقيّ. وعَن هَذا الضَّربِ الثّالِثِ مِنَ الحُبِّ يَقُولُ صَراحَةً: «نَحنُ نُسبِغُ المَحَبَّةَ عَلى الشَّيءِ بِمَيلِنا إِلَيه، مُستَغنينَ عَن كَونِهِ مَحبُوباً في ذاتِهِ لِنَميلَ إِلَيه». وهَذا، في الحَقيقَة، تَجسيدٌ بَليغٌ لِلمَسلَكِ الأَوحَدِ الَّذي يُتيحُ لِلمادِّيِّ أَن يَعتَرِفَ مُجَرَّدَ اعتِرافٍ بِوُجُودِ الظّاهِرَةِ المَنُوطِ بِهِ تَفسيرُها.
(٢) أَمَّا الاحتِمالُ الثّاني، فَيَكمُنُ في إِنكارِ رُؤيَتِنا لِأَيِّ مُبَرِّرٍ يُبيحُ لَنا حُبَّ ما نُحِبُّ عِندَ وُلُوجِنا الصَّرحَ الأَخلاقيّ، والإِصرارِ، في مُقابِلِ ذَلِك، عَلى أَنَّ حُبَّ القَريبِ خُلُوٌّ مِن أَيِّ مُبَرِّرٍ لِكَونِهِ حُبَّاً فَوريَّاً. غَيرَ أَنَّ هَذا الخِيارَ لا يَخلِبُ اللُّبَّ بِدَورِه. ولَعَلَّ العِلَّةَ لا تَقتَصِرُ عَلى أَنَّنا سَنَكُونُ قَد تَخَلَّينا عَن صِنفِ التَّعليلِ الَّذي تَميلُ فِطرَتُنا إِلى تَقديمِهِ لِتَفسيرِ هَذا الانقِلابِ في المَنظُور (وهُوَ التَّعليلُ الَّذي يَعُدُّهُ اكتِشافاً لِقيمَةٍ حَقيقيَّةٍ أَصيلَة). بَل يَصعُبُ جِدَّاً تَبَيُّنُ التَّعليلِ البَديلِ الَّذي يُمكِنُ إِحلالُهُ مَحَلَّه. وفي حُدُودِ ما أُبصِرُه، لا يُقَدِّمُ كونت-سبونفيل نَفسُهُ أَيَّ إِيضاحٍ حَقيقيّ، ولا صِياغَةً خاصَّةً بِهِ لِلطَّريقَةِ الَّتي يُباحُ لَنا بِها أَن نَفهَم، وِفقَ مُقَدِّماتِهِ المادِّيَّة، كَيفَ تَسَنَّى لَنا مُغادَرَةُ مَدارِ مَصالِحِنا الذّاتيَّةِ لِنُولِيَ الآخَرينَ اهتِماماً خالِصاً لِذَواتِهِم.
في الفَصلِ الأَخيرِ مِن رِسالَتِهِ الوَجيزَة، يَستَعرِضُ تَأَمُّلاتٍ مَسيحيَّةً في هَذا الشَّأن، عَن مَحَبَّةِ الإِلَهِ الخالِصَةِ لِلعالَم، وعَن مَحَبَّتِنا لِلإلَهِ الَّتي تَحمِلُنا عَلى الاقتِداءِ بِه؛ وهِيَ تَأَمُّلاتٌ غَزيرَةُ المَعاني، غَيرَ أَنَّهُ بِطَبيعَةِ الحالِ غَيرُ مُستَعِدٍّ لِتَبَنِّيها. فَيَتَساءَل: «فَماذا يَتَبَقَّى مِن كُلِّ ذَلِكَ إِن عُدِمَ وُجُودُ الإِلَه؟». ويَبدُو جَوابُهُ بالِغَ القِصَر:
لَعَلَّها فِكرَةٌ مُعَيَّنَةٌ عَنِ الإِنسانيَّة... كَيفَ لَنا أَلّا نُحِبَّ، ولَو قَليلاً، مَن يُشبِهُنا، ويَحيا مِثلَنا، ويُكابِدُ الأَلَمَ نَظيرَنا، وسَيَلقى المَوتَ كَما نَلقاه؟ كُلُّنا إِخوَةٌ أَمامَ الحَياة، مَهما تَناءَت بِنا السُّبُلُ أَو حَلَّت بَينَنا العَداوَة، وكُلُّنا إِخوَةٌ أَمامَ المَوت: فَتَغدُو المَحَبَّةُ بِمَنزِلَةِ أُخُوَّةٍ تَجمَعُ بَينَ الفانِين.
وهَذا النَّزرُ اليَسيرُ يَخرِقُ بَديهيَّتَهُ المادِّيَّةَ ذاتَها. فَإِحالَتُهُ إِلى إِدراكِ السِّماتِ الأَساسيَّةِ لِلشَّرطِ الإِنسانيِّ كَدافِعٍ لِتَنميَةِ اهتِمامٍ أَصيلٍ ومُتَجَرِّدٍ بِكُلِّ إِنسانٍ بِوَصفِهِ إِنساناً، هُوَ في صَميمِهِ تَفسيرٌ لِمَحَبَّةِ القَريبِ عَبْرَ الإِشارَةِ إِلى عِلَّةِ كَونِ البَشَرِ أَجمَعينَ جَديرينَ بِالمَحَبَّة. وهُوَ إِقرارٌ بِهَذا التَّحَوُّلِ في المَنظُورِ مَعَ سَوقِ مُبَرِّراتٍ لِإنجازِهِ تَحمِلُنا عَلى عَدِّهِ أَمراً خَيِّراً. فَما المُبَرِّرُ إِن لَم يَكُن عَينَ الطَّريقَةِ الَّتي تُرَجِّحُ بِها حَقائِقُ العالَمِ كِفَّةَ فِكرَةٍ أَو فِعلٍ وتُزَكِّيهِما؟ وهَذا هُوَ تَماماً صِنفُ التَّأويلِ الَّذي يَطمَحُ كونت-سبونفيل إِلى إِقصائِه، مُصِرَّاً في المُقابِلِ عَلى أَنَّ حُبَّ القَريبِ هُوَ ما يَجعَلُ القَريبَ حَقيقاً بِالمَحَبَّة، لِأَنَّهُ (بِفِعلِ الإِلزامِ المادِّيِّ) لابُدَّ لِأَيِّ مُبَرِّرٍ نَستَنِدُ إِلَيهِ لِعَدِّ شَيءٍ حَسَناً أَن يَكُونَ تَرجَمَةً لِرَغبَةٍ سالِفَة. وإِن نَحنُ حافَظنا عَلى الوَفاءِ لِلقاعِدَةِ القائِلَةِ إِنَّنا «نُسبِغُ المَحَبَّةَ عَلى الشَّيءِ بِمَيلِنا إِلَيه»، سَيَتَوَجَّبُ عَلَينا الإِقرارُ بِأَنَّ المَرءَ قَد يُكِنُّ حُبَّاً، بَل حُبَّاً مُتَجَرِّداً، لِلأَشجارِ أَو حَتَّى لِلحَصى نَظيرَ حُبِّهِ لِلبَشَر. إِنَّ المادِّيَّةَ عِندَ أندريه كونت-سبونفيل تَقِفُ عاجِزَةً عَن دَرءِ تَحويلِ مَحَبَّةِ القَريبِ إِلى أَمرٍ اعتِباطيٍّ مَحض.
وهَكَذا تَتَبَدَّى جَليَّاً، في هَذا المَوضِعِ كَغَيرِه، مَواطِنُ الزَّلَلِ في المَبدَأ السّبينُوزيِّ القائِلِ بِأَنَّ الخَيرَ لَيسَ إِلّا مَحضَ تَعبيرٍ عَنِ الرَّغبَة. فَهَذا المَبدَأُ يُظهِرُ مِنَ التَّنافُرِ مَعَ مَدارِكِنا المَألُوفَةِ ما يَجعَلُ أَتباعَهُ واقِعينَ في شَرَكِ التَّناقُضِ مَعَ أَنفُسِهِم. فَنَحنُ نُقِرُّ بِوُجُودِ أَشياءَ يَجدُرُ بِنا اشتِهاؤُها لِأَنَّها خَيِّرَة، ولِقيامِ مُبَرِّراتٍ لِلرَّغبَةِ فيها، وهِيَ مُبَرِّراتٌ، كَما نُقِرُّ أَيضاً، مُستَقِلَّةٌ في بَعضِ الأَحيانِ عَن أَيِّ رَغَباتٍ سالِفَة، إِذ هِيَ تُرشِدُنا إِلى مَناشِطَ وأَنماطِ حَياةٍ تَستَعصي قيمَتُها في نِهايَةِ المَطافِ عَلى الفَهمِ إِن تُرِجَمَت بِغَيرِ مُفرَداتِها الخاصَّة. ومَحَبَّةُ القَريبِ خَيرُ مِثالٍ عَلى ذَلِك، كَما هِيَ الحالُ مَعَ غِبطَةِ رِعايَةِ الأَبناء، أَو سِجالِ الأَفكارِ الَّذي لا يَدري أَحَدٌ بِيَقينٍ إِلى أَيِّ بَرٍّ سَيُرسِي مَراكِبَه.
