الصِّغَرُ لا يَعني القِلَّة

 

لا أدري... لا أدري إن كُنتُ مَيْتًا. إنَّ انعِدامَ الألَمِ الجَسَديِّ عَقِبَ هَذا الحادِثِ المُرَوِّعِ يُشيرُ إلى ذَلِك. لَكِن لِمَ أُكابِدُ إذن ألَمَ الرُّوحِ؟! ولِمَ تَبقى ذِكرى ما عانيتُهُ قَبلَ الاصطِدامِ ماثِلَةً؟!

هَذا النَّصُّ القَصيرُ، المَنشورُ عامَ ألفَينِ وسَبعَةٍ في المَجموعَةِ القَصَصِيَّةِ «العَناصِرُ الأربَعَة» لِلأديبِ والناقِدِ الأرجَنتينيِّ ديفيد لاغمانوفيتش، يَستَوفي كافَّةَ الشُّروطِ المَنوطَةِ بِجِنسِ «الأُقصوصَةِ المُتَناهِيَةِ الصِّغَر». فَإنَّ هَذا النَّصَّ السَّرديَّ المُتَخَيَّل، الَّذي يَتَألَّفُ مَعَ عُنوانِهِ مِن أربَعٍ وأربَعينَ كَلِمَةً، ويَقَعُ في نُسخَتِهِ المَطبوعَةِ في سِتَّةِ أسطُرٍ فَحَسب، يُحَقِّقُ دونَ رَيبٍ السِّماتِ الَّتي أرسى دَعائِمَها العالِمُ المِكسيكيُّ المُختَصُّ في النُّصوصِ السَّرديَّةِ الدَّقيقَةِ لاورو زافالا حَذافيرَها، ألا وَهِيَ: الإيجازُ، والتَّنَوُّعُ، والتَّواطُؤُ، والتَّشَظّي (البِنيَةُ الكَسرِيَّة)، والزَّوالُ، والافتِراض. وإن جازَ لِلمَرءِ - وسَأعودُ إلى هَذا لاحِقًا - ألّا يَتَّفِقَ بالضَّرورَةِ مَعَ تِلكَ المَعاييرِ قاطِبَةً، ولا مَعَ تَعريفاتِ زافالا لَها، فَإنَّ مِمّا يُقطَعُ بِهِ أنَّ النَّصَّ الفَريدَ المَقطَعِ، الَّذي أدرَجَهُ المُؤَلِّفُ ضِمنَ قِسمِ «حَيَواتٌ وميتات» الجامِعِ لِتِسعَ عَشرَةَ أُقصوصَةً، يُلَبّي ما يَعِدُ بِهِ العُنوانُ الفَرعِيُّ لِلكِتاب؛ مُنتَمِيًا بِذَلِكَ لِجِنسِ الأقاصيصِ الدَّقيقَةِ الَّذي طالَما أسهَمَ الشّاعِرُ العالِمُ الأرجَنتينيُّ نَفسُهُ في إرساءِ قَواعِدِهِ النَّقدِيَّة.

ولَو أَمْعَنّا النَّظَرَ في كِتابِهِ «الأُقصوصَةُ الدَّقيقَة: نَظَرِيَّةٌ وتاريخ»، الصّادِرِ قَبلَ عامٍ، وما يتضمنُ مِن تَحديدٍ مُستَفيضٍ لِهَذا الجِنسِ، لَتَبَيَّنَ لَنا قابِلِيَّةُ انطِباقِ تَعريفِهِ عَلى نَصِّهِ ذاتِه، ناهيكَ عَنُ استِنادِهِ إلى نَظَراتٍ سَبَقَ أن طَرَحَها الباحِثانِ ريبيكا مارتين وفرناندو فالس القائِلانِ بِأنَّ التَّقاطُعاتِ بَينَ الأُقصوصَةِ الدَّقيقَةِ والقَصيدَةِ، أوِ الحِكايَةِ الَمَثَلِيَّةِ، أوِ القَولِ المَأثورِ، أوِ المَقالِ، أو حَتّى الوَصلَةِ الإعلانِيَّة، تَبدو جَلِيَّةً أحيانًا. غَيرَ أنَّ الأُقصوصَةَ الدَّقيقَةَ تَقتَضي ما لا تُوَفِّرُهُ تِلكَ النُّصوصُ دائِمًا: سَردَ حِكايَةٍ. فَالحَدَثُ، إن وُجِد، يَكونُ مُكَثَّفًا لِلغايَة، والشَّخصيّاتُ، مَجهولَةُ الأسماءِ غالِبًا، لا تَحظى إلّا بِمَلامِحَ خاطِفَة، بَيدَ أنَّ وُجوبَ سَردِ الكاتِبِ حِكايَةً لِلقارِئِ يَبقى شَرطًا لازِمًا. وهُنا، بِلا رَيب، تَكمُنُ التَّعقيداتُ التَّأويلِيَّةُ الَّتي يُثيرُها هَذا الجِنس، وفيها تَتَجَلّى أهمِيَّتُهُ وأصالَتُه.

ومِن ثَمَّ، فَإنَّ المِعيارَ الفاصِلَ لِتَمييزِ الأُقصوصَةِ الدَّقيقَةِ عَن غَيرِها مِنَ الأشكالِ الأدَبِيَّةِ وغَيرِ الأدَبِيَّةِ هُوَ طابَعُها السَّرديُّ، مَهما بَلَغَت دَرَجَةُ تَصغيرِه. فالأُقصوصَةُ تَروي حِكايَةً أبدًا، وما تَبسُطُهُ مِن مَعارِفَ يَصطَبِغُ بِبِنيَةٍ سَردِيَّة. ويُضيفُ لاغمانوفيتش إلى هَذا الجانِبِ كَونَها «نَصًّا دَقيقًا ذا طَبيعَةٍ مُتَخَيَّلَة»، لِتَتَمَيَّزَ بِطابَعِها الخَياليِّ الصَّريح. وتِلكَ الطَّبيعَةُ المُزدَوِجَةُ تُبيحُ فَصلَها عَنِ الأشكالِ غَيرِ المُتَخَيَّلَةِ (كَالأقوالِ المَأثورَةِ والحِكَم)، وعَنِ الأشكالِ المُتَخَيَّلَةِ غَيرِ السَّردِيَّة (كَالقَصيدَةِ أو نُصوصِ المَسرَحِ المُتَناهِيَةِ القِصَر). وإذا ما اندَرَجَت، مِن حَيثُ الكَمِّ، في أدنَى سُلَّمِ السَّردِ، فَإنَّها تَتَمَيَّزُ كَذَلِكَ بِرَفضِها لِتَداخُلِ الأجناسِ؛ إذ لا تَقاطُعَ لِلأجناسِ فيها ولا قاعِدَةَ تَتَخَطّاها. هَكَذا يَبدو هَذا الجِنسُ الآخِذُ في التَّطَوُّرِ المُذهِلِ مُحَدَّدَ المَعالِمِ بِدِقَّة.

وإن كانَ رَفضُها لِتَداخُلِ الأجناسِ مَحَلَّ خِلافٍ بَينَ الدّارِسين - إذ يَرى زافالا أنَّ إجماعًا يَنعَقِدُ عَلى طَبيعَتِها الهَجينَةِ ضِمنَ مِعيارِ التَّنَوُّع - فَإنَّنا نُوقِنُ أنَّ نَصَّ «لا أدري» سَردٌ مُتَخَيَّلٌ يَقلُّ حَجمُهُ كَثيرًا عَن حَجمِ القِصَّةِ التَّقليدِيَّة. خُلاصَةُ القَول: نَحنُ أمامَ شَكلٍ سَرديٍّ تَجريبيٍّ يَمنَحُ فِعلَ القِراءَةِ - ظاهِرِيًّا - شَفافِيَةً ويُسرًا لِفَرطِ إيجازِه، ويَنأى بِهِ طابَعُهُ المُتَخَيَّلُ عَنِ التَّأمُّلاتِ الفَلسَفِيَّة، مِثلَما تَفصِلُهُ بِنيَتُهُ السَّردِيَّةُ عَنِ الشِّعر. ومِن هُنا تَصلُحُ تِلكَ النُّصوصُ كَأفضَلِ صِيغَةٍ لِلرَّسائِلِ النَّصِيَّةِ والمُدَوَّناتِ الرَّقمِيَّةِ وتَتَداوَلُ حَتّى بِلُغاتٍ عِدَّة.

صَحيحٌ أنَّ المَعاييرَ المَذكورَةَ تُتيحُ تَصنيفَ نَصِّ «لا أدري» أُقصوصَةً دَقيقَةً، غَيرَ أنَّها لا تُقَدِّمُ سِوى مُرتَكَزاتٍ صُورِيَّةٍ عامَّةٍ لا تَكفي لِتَحليلٍ نانوفيلولوجيٍّ (لُغَويٍّ دَقيقٍ) مُتَعَمِّق. فالغُموضُ الَّذي يَكتَنِفُ النَّصَّ وعُنوانَهُ يَستَعصي عَلى تِلكَ المَعايير. لِنَقتَرِب إذن مِن تَظافُرِ المَبنى والمَعنى. هُنا يَجوزُ رَبطُ العُنوانِ، المُتَرَدِّدِ صَداهُ في مُستَهَلِّ النَّصِّ، بِمَوروثٍ أدَبيٍّ يَتَمَثَّلُ في قَصيدَةِ الشّاعِرِ سيزار فاييخو الشَّهيرَةِ «رُسُلٌ سُود» الَّتي يَقولُ مَطلَعُها:

في الحَياةِ ضَرَباتٌ قاصِمَة... لا أدري!

كَأَنَّها مِن حِقدِ الإلَه؛ كَأَنَّما أمامَها

تَتَرَسَّبُ في الرُّوحِ أمواجُ كُلِّ ما كابَدناه... لا أدري!

وبِمُقارَنَةِ نَصِّنا بِتِلكَ الأبياتِ، تَتَجَلّى تَقاطُعاتٌ لَفظِيَّةٌ أُولى (لا أدري، أُكابِد، الرُّوح). التَّناصُّ حاضِرٌ بِلُعبَتِهِ وإيحاءاتِه، لَكِنَّ التَّبايُنَ يَظهَرُ سَريعًا؛ فَمَوقِفُ الذّاتِ الشّاعِرَةِ المُتَسائِلَةِ عَن كُنهِ الحَياةِ يَختَلِفُ عَن دينامِيَّةِ الرّاوي الَّذي يَتَساءَلُ، عَقِبَ حادِثٍ، عَنِ البَرزَخِ الفاصِلِ بَينَ المَوتِ والحَياة.

إنَّ الأدَبَ مَجالٌ أثيرٌ لِمُساءَلَةِ حُدودِ الحَياة، وجَعلِ بِدايَتِها ونِهايَتِها قَبَسًا يُدرَكُ جَمالِيًّا؛ كاسِرًا حَواجِزَ استِحالةِ إدراكِ الإنسانِ لِلَحظَةِ مِيلادِهِ ومَوتِه. وفي هَذا المَقامِ، مَقامِ المَعرِفَةِ المُتَأرجِحَةِ بَينَ الحَياةِ والمَوت، يَقِفُ نَصُّ لاغمانوفيتش. هُوَ يَسعى، بِأداةٍ فَنِّيَّةٍ يَتَماهى فيها البَدءُ والخَتمُ، إلى إعادَةِ طَرحِ السُّؤالِ عَن حُدودِ الحَياةِ والمَوتِ بِصياغَةٍ مُكَثَّفَةٍ زاخِرَةٍ بِالدَّلالات، لِيُحيلَ مَعرِفَةَ الحَياةِ إلى تَجرِبَةٍ مَحسوسَةٍ يَحياها القارِئ.

ولا يَستَنِدُ النَّصُّ في عُنوانِهِ إلى مَرجِعِيَّةٍ أدَبِيَّةٍ فَحَسب، وإنَّما إلى شَكلٍ مِن أشكالِ تَداوُلِ المَعرِفَةِ يَرتَدي لِباسَ الجَهل، مُتَمَثِّلًا في القَولِ المَأثورِ: «كُلُّ ما أعرِفُهُ أَنِّي لا أعرِفُ شَيئًا»، المُمتَدِّ مِن أزِقَّةِ الفَلسَفَةِ اليونانِيَّةِ إلى تَساؤُلِ مونتين: «ماذا أعرِف؟»، وُصولًا إلى الحَداثَةِ وما بَعدَها. ويُقابِلُ تَكرارَ «لا أدري» سَعيٌ لِتَجَلّي المَوتِ في الحَياة، مُعَبَّرًا عَنها سَردِيًّا بِتَسَلسُلٍ زَمَنيٍّ، ويَستَنطِقُ مَعرِفَةً جَسَدِيَّةً يَغدو فيها «الألَمُ الجَسَديُّ» مِجسّاً لِلحَياةِ ولِاستِشعارِ المَوت.

غَيرَ أنَّ الأُقصوصَةَ تُبقي كُلَّ شَيءٍ مُعَلَّقًا. فَبَعدَ إيحاءِ بِدايَتِها بِوُقوعِ المَوتِ، يَأتي الخِتامُ لِيَنقُضَ اليَقينَ بِطَرحِ تَساؤُلٍ يَتَعَلَّقُ بِذِكرى ما قَبلَ الحادِث، مُقابِلًا غِيابَ ألَمِ الجَسَدِ بِحُضورِ ألَمِ الرُّوح. ورَغمَ استِحضاءِ ثُنائِيَّةِ الجَسَدِ والرُّوح، إلّا أنَّ حَرفَ الاستِدراكِ «لَكِن» يَمنَعُ الرُّكونَ إلى التَّقسيمِ التَّقليديِّ بَينَ فَناءِ الجَسَدِ وخُلودِ الرُّوح؛ فَالنِّهايَةُ مَوسومَةٌ بِعَلامَةِ استِفهامٍ تُشَكِّكُ في نِهايَةِ الذّات. لا جَوابَ قاطِعًا هُنا، ولا وُجودَ لِخاتِمَةٍ مُحكَمَة. جُلُّ ما نَعلَمُهُ أنَّ الذّاتَ في هَذا السَّردِ لا تُدرِكُ حَياتَها وبَقاءَها إلّا بِقُوَّةِ جَهلِها.

فإذا كانَ الأدَبُ وِعاءً حَيًّا مُتَجَدِّدًا لِمَعرِفَةِ الحَياة، فَحَرِيٌّ بِشَكلٍ مُكَثَّفٍ كَالأُقصوصَةِ الدَّقيقَةِ أن يَحتَضِنَ مَعرِفَةً فائِقَةَ الكَثافَة، تَتَرَكَّزُ في مِساحَةٍ تَتَراوَحُ بَينَ سَطرٍ وصَفحَة. فَهَل غَدَتِ الأقاصيصُ الدَّقيقَةُ إذن خَيرَ وِعاءٍ لِهَذِهِ المَعرِفَة، سِيَّما تِلكَ الَّتي تَصونُ الانفِتاحَ المُطلَقَ لِمَساراتِ العَيش؟

الإجابَةُ عَن ذَلِكَ بِالإيجابِ والنَّفيِ مَعًا؛ فالمَعرِفَةُ المُصَغَّرَةُ في النُّصوصِ الدَّقيقَةِ تَخوضُ غِمارَ مُنافَسَةٍ وتَمايُزٍ مُعَقَّدٍ مَعَ أشكالٍ أُخرى غَيرِ مُتَخَيَّلَةٍ، كَالأقوالِ المَأثورَةِ، والحِكَمِ، والأمثال. هَذِهِ الأشكالُ الصَّغيرَةُ تَضغَطُ بِحُضورِها الرّاسِخِ في التّاريخ، مِمّا حَتَّمَ عَلى الأُقصوصَةِ الدَّقيقَةِ - بِوَصفِها جِنسًا وُلِدَ حَديثًا في مُنتَصَفِ القَرنِ العِشرين - أن تَفصِلَ نَفسَها عَنها جِنسِيًّا. فَتِلكَ الأشكالُ غَيرُ المُتَخَيَّلَةِ تَقَعُ ضِمنَ أُفُقٍ يَتَوَقَّعُ تَقديمَ مَعرِفَةٍ صَريحَةٍ وحِكَمٍ تُنقَلُ مُباشَرَةً مِن حَيِّزِ الكِتابَةِ إلى واقِعِ العَمَلِ والسُّلوك.

ما يَجمَعُ الحِكَمَ بِالأقاصيصِ الدَّقيقَةِ هُوَ اكتِنازُهُما بِمَعرِفَةٍ مُكَثَّفَة؛ لَكِنَّ الأخيرَةَ تَفارَقَت عَنِ الأُولى بِلُجوئِها إلى أدَبِيَّتِها المَحضَةِ وتَعَدُّدِ دَلالاتِها لِصَدِّ أيِّ مُحاوَلَةٍ لِقِراءَتِها كَـ«حِكمَةٍ مَوعِظِيَّة» يُمكِنُ تَطبيقُها نَفعِيًّا. وأبلَغُ مِثالٍ عَلى هَذا التَّمَنُّعِ أُقصوصَةُ أوغوستو مونتيروسو الشَّهيرَة:

الدّيناصور: حينَ أفاقَ مِن نَومِهِ، كانَ الدّيناصورُ لا يَزالُ هُناك.

في مُواجَهَةِ أعظَمِ الكائِناتِ يَبرُزُ أقصَرُ النُّصوص. هَذا التَّصغيرُ المُفرِطُ، الَّذي يَتَعانَقُ فيهِ البَدءُ والخَتمُ في جُملَةٍ واحِدَة، يَفرِضُ الحاجَةَ إلى أدَواتٍ تَحليلِيَّةٍ مُتَخَصِّصَة. وإنَّ التَّبايُنَ في الحَجمِ بَينَ سِلسِلَةٍ رِوائِيَّةٍ عَظيمَةٍ كَـ«المَلهاةِ الإنسانيَّةِ» لِأونوريه دي بالزاك... وبَينَ أُقصوصَةٍ مُفرِطَةِ القِصَرِ كَـ«ديناصور» مونتيروسو، يُضاهي نِسبِيًّا الفارِقَ بَينَ حَجمِ كَوكَبِ الأرضِ، وحَجمِ تُفّاحَةٍ، ووِحدَةِ النّانومِتر (جُزءٍ مِن مِليارِ جُزءٍ مِنَ المِتر). ولا نَقصِدُ بِذَلِكَ حِسابَ الكَلِمات، بَل نَرمي إلى التَّأكيدِ عَلى أنَّ التَّصغيرَ في الأدَبِ - كَحالِهِ في عُلومِ النّانو - لا يَتَطَلَّبُ مَناهِجَ مُناقِضَةً تَمامًا، وإنَّما أدَواتٍ دَقيقَةً لِإدراكِ العَمَلِيّاتِ الشَّكلِيَّةِ والدَّلالِيَّة.

ولِهَذا، أرى مِنَ الرَّأيِ الحَصيفِ الدَّفعَ نَحوَ تَخَصُّصٍ نانوفيلولوجيٍّ (فِقهِ لُغَويٍّ مُتَناهي الدِّقَّة) في مَيدانِ فِقهِ اللُّغَة، يَنهَضُ بِمُهِمَّةِ دِراسَةِ الأشكالِ الأدَبِيَّةِ الصَّغيرَةِ والدَّقيقَةِ الَّتي يَتَنامى شَأنُها في العالَمِ أجمَع، ويَبتَكِرُ استِراتيجيّاتٍ تُلائِمُها. ومِن هَذا المَنظورِ، يَغدو إصرارُ البَعضِ عَلى حَصرِ التَّنظيرِ الأدَبيِّ، وإقصاءِ آدابِ العالَمِ الأُخرى، ضَربًا مِنَ التَّعَسُّف. فَعَلى النّانوفيلولوجيا أن تَنهُضَ كَعِلمٍ عابِرٍ لِلأقاليم، لا كَحَبيسِ جُغرافيّا ضَيِّقَة. ومَعَ ذَلِكَ، لَن تَنفَكَّ عَن وُجوبِ رَبطِ نَتائِجِها بِالغاياتِ الكُبرى لِفِقهِ اللُّغَةِ، والمُتَمَثِّلَةِ في استِكشافِ مَساراتِ الحَياةِ ومَعارِفِها.

يَتَّضِحُ مِمّا سَلَفَ أنَّ النّانوفيلولوجيا عِلمٌ لا يَجعَلُ غايَتَهُ الأُولى دِراسَةَ أصغَرِ المَطبوعاتِ أو طَرائِقِ الطِّباعَةِ الدَّقيقَة، إنَّما يَرمي أساسًا إلى استِكشافِ أساليبِ الكِتابَةِ الدَّقيقَةِ المُتَخَيَّلَةِ وغَيرِ المُتَخَيَّلَة. وإذا كانَتِ العُلومُ الطَّبيعِيَّةُ قَدِ استَعارَتِ اللَّفظَةَ اليونانِيَّةَ (نانو) لِتَسمِيَةِ مُنجَزاتِها، فَلا غَضاضَةَ في استِعارَتِنا لَها في حَقلِ فِقهِ اللُّغَة. وإذا كانَت ثَوَراتُ الحَداثَةِ التِّقنِيَّةِ مَبنِيَّةً عَلى التَّصغير، فَإنَّ التَّصغيرَ الأدَبِيَّ يَكتَنِزُ بِقُدُراتٍ مَعرِفِيَّةٍ وافِرَة. ولَعَلَّ صِغَرَ شاشاتِ الأجهِزَةِ المَحمُولَةِ سَيُعَزِّزُ هَذِهِ الظَّواهِرَ مُستَقبَلًا. غَيرَ أنَّ الأَعظَمَ أثَرًا هُوَ جَعلُ هَذا العِلمِ مُختَبَرًا يُستَفادُ مِنهُ في تَحليلِ النُّصوصِ الكُبرى أيضًا.

ولا يُشترَطُ هُنا أن نَلهَثَ - كَما فَعلتِ البِنيَوِيَّةُ يَومًا - وَراءَ استِنباطِ «مُعادَلَةٍ أدَبِيَّةٍ» شامِلَةٍ عَلى غِرارِ العُلومِ الطَّبيعِيَّة؛ فَقَد بَيَّنَتِ الأيّامُ أنَّ المَسعى أثمَرُ مِنَ الغايَة. إنَّ التَّخَصُّصَ النّانوفيلولوجيَّ يُعَوِّلُ عَلى فِهمٍ أعمَقَ لِلعالَمِ الأصغَرِ (لِلأشكالِ الدَّقيقَة)، لِيَرتَقي مِنهُ إلى فَهمِ العالَمِ الأكبَرِ (لِلأدَبِ بِرُمَّتِه). ففيهِ قَد يَكمُنُ مِفتاحُ «شاعِرِيَّةِ الحَرَكَة» الَّتي نَفتَقِرُ إلَيها لِمُقاربَةِ الآدابِ العالَمِيَّةِ المُتَسارِعَةِ بَعيدًا عَنِ الجُمودِ المَفاهيميّ.

بِناءً عَلَيه، تُعَدُّ النّانوفيلولوجيا بَحثًا أَساسًا يُعنَى بِالتَّجريبِ في شُروطِ ومَساراتِ الكِتابَة، ثُمَّ نَقلِ هَذِهِ المَعارِفِ إلى حُقولٍ أُخرى. إنَّها تَتَجاوَزُ الأقاصيصَ الدَّقيقَةَ لِتَشمَلَ أشكالًا عِدَّة، وتَدرُسُ التَّقاطُعاتِ مَعَ فُنونٍ أُخرى كَالموسيقى والسّينِما. إذ لا بُدَّ مِن نَظرَةٍ عابِرَةٍ لِلأقاليمِ تُدرِكُ تَعَقُّدَ الرَّوابِطِ الأدَبِيَّةِ في عَصرٍ تَتَهاوى فيهِ الحُدود. ومِن هُنا تَنبَثِقُ قَضِيَّتان: أُولاهُما الصِّلَةُ بَينَ النّانوفيلولوجيا وتِقنِيّاتِ النّانو الطَّبيعِيَّة، وثانِيَتُهُما اختِبارُ مَدى قُدرَةِ النّانوفيلولوجيا عَلى اختِراعِ أُسلوبِ كِتابَةٍ "دَقيقٍ" في بَحثِها النَّظَريِّ ذاتِه.

في قَلبِ مُحاوَلَتِهِ لِلسّيرَةِ الذّاتِيَّةِ «رولان بارت بِقَلَمِ رولان بارت»، نَسَّقَ عالِمُ العَلاماتِ والأديبُ الفَرَنسيُّ مَجموعَةً مِنَ النُّصوصِ القَصيرَةِ تَحتَ عُنوانِ «دائِرَةُ الشَّذَرات»، مُتَأمِّلًا أُسلوبَهُ الشَّذرِيَّ القائِل:

نَصُّهُ الأَوَّلُ مَنسوجٌ مِن شَذَرات... لِأنَّ التَّناثُرَ خَيرٌ مِنَ النِّظامِ المُشَوِّه. ومُذ ذاكَ لَم يَنفَكَّ عَنِ التَّصنيفِ في الكِتابَةِ الوَجيزَة.

وهَذا المُصطَلَحُ الأثيرُ لَدى بارت (الكِتابَةُ الوَجيزَةُ) يَشمَلُ أشكالًا شَتّى بَثَّها في مُؤَلَّفاتِه، مُتَمَرِّدًا بِها عَلى التَّفكيرِ النَّسَقيِّ الشّامِل، حَيثُ آثَرَ الِاحتِفاظَ بِالتَّقَطُّعِ والتَّناثُرِ بَدَلًا مِنَ افتِعالِ التِئامٍ مُزَيَّف. ولَعَلَّ شَغَفَ الاستِمرارِ في القَطعِ، والتَّشظّي المَشهَدِيِّ المُتَكَرِّرِ، لا يَرمي لَدَيهِ إلى لذَّةِ الإيقافِ بِقَدرِ ما يَرمي إلى لَذَّةِ البِدايات:

يَهوى وُجودَ بِدايات... ولِذا يَكتُبُ الشَّذَرات: بِقَدرِ ما تَتَعَدَّدُ الشَّذَرات، تَتَعَدَّدُ البِدايات، وتَتَعَدَّدُ المَلَذّات (لَكِنَّهُ يَمقُتُ النِّهاياتِ والخَواتيم).

يَربِطُ بارت هَنا البِدايَةَ بِمَبدَأِ اللَّذَّة، جاعِلًا مِن كُلِّ بِدايَةٍ تَكثيفًا دَلالِيًّا مَفتوحًا لا تُكَبِّلُهُ خَواتيم. وهُوَ بِذا يُرسي مَبدَأً جَمالِيًّا ومَعرِفِيًّا يَسري عَلى نُصوصِهِ الأدَبِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ عَلى حَدٍّ سَواء. وهَذِهِ الكِتابَةُ الوَجيزَةُ لا تَسعى لِبَسطِ «حِكمَةٍ» أو حَقيقَةٍ قاطِعَة، بَل تَنشُدُ روحَ المُوسيقى، وتَتَّسِمُ بِالفَورِيَّةِ والحَرَكَة، حَيثُ تُباغِتُ الشَّذْرَةُ كاتِبَها في المَقهى أوِ القِطار، مُنتِجَةً نَظَرِيَّاتٍ شَبَكِيَّةً مُتَحَرِّكَةً تَعصى عَلى التَّأطير.

لا يَعني ذَلِكَ أن تَتَبَنّى النّانوفيلولوجيا لُغَةً مُتَشَظِّيَةً بِالضَّرورَة، لَكِنَّهُ يُتيحُ استِلهامَ كِتابَةٍ وَجيزَةٍ في التَّنظيرِ والِانفِتاحِ عَلى أشْكالٍ هَجينَةٍ تَجمَعُ بَينَ السَّردِ المُتَّصِلِ وتَقاطُعاتِ النُّصوصِ القَصيرَة، كَما فَعَلَ خوليو كورتاثار في رِوايَتِهِ «لُعبَةُ الحَجَلَة». مِمّا يَشي بِوُجوبِ إدراكِ النّانوفيلولوجيا كَعِلمٍ يَنهَضُ عَلى التَّشَظّي واللّامَركَزِيَّة (كَبِنيَةِ الأرخَبيل)؛ فَتُستَقى مَفاهيمُهُ مِن بُؤَرٍ ثَقافِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ دُونَ تَراتُبِيَّةٍ هَرَمِيَّة، لِيَكونَ عِلمًا عابِرًا لِلأقاليم.

وإنَّ الأقاصيصَ الدَّقيقَةَ تَتَماهى مَعَ الأشكالِ الكَسرِيَّةِ (الفركتالِيَّة) - كَما عَرَّفَها عالِمُ الرِّياضِيّاتِ بينوا ماندلبروت - حَيثُ يَحتوي الجُزءُ الصَّغيرُ في طَيّاتِهِ صِفاتِ الكُلِّ وبِنيَتَه. فَهَذِهِ النُّصوصُ بِمُنتَهى التَّكثيفِ تُحيلُ إمّا إلى سِياقٍ أوسَعَ ضِمنَ كِتاب، أو إلى رِوايَةٍ ضَخمَةٍ يَصنَعُها القارِئُ في مُخَيِّلَتِهِ انطِلاقًا مِن تِلكَ البُذور، مِمّا يَخلُقُ «مورفولوجيا لِلَّاشَكل» تُمَكِّنُ النّانوفيلولوجيا مِن إدراكِ الأَنماطِ الكَسرِيَّةِ الكامِنَةِ في السَّرد.

غالِبًا ما تَقتَحِمُ الأقاصيصُ الدَّقيقَةُ صُلبَ المَوضوعِ مُباشَرَةً، لِتَقطَعَ مَسارَ الزَّمَنِ كَحَدَثٍ عارِضٍ خاطِف. وفي هَذا السِّياق، نُطالِعُ في مَجموعَةِ لاغمانوفيتش قِسمًا مَوسومًا بِـ«أَحداثٌ عابِرَة»، تَبرُزُ فيهِ أُقصوصَةُ «تِلكَ النَّظرَة»:

أثَّرَت فِيَّ تِلكَ النَّظرَةُ الَّتي رَمَتني بِها المَرأةُ - ذاتُ الهَيئَةِ الهِندِيَّةِ، القَصيرَةُ، الدَّميمَةُ، والمُتَّسِخَة - حينَ تَقاطَعَت سُبُلُنا في الشّارِعِ، وتَرَيَّثتُ لَحظَةً قَبلَ أن أُفسِحَ لَها المَجال. قُلتُ في نَفسي: هَل ذَنبي أَنِّي أبيَضُ البَشَرَة؟ إنِّي لَأَخبَرُ هَذِهِ الإيماءَةَ؛ تِلكَ النَّظرَةَ الشَّزْرَ الغامِضَةَ الَّتي تُتَرجِمُ الضَّجَرَ، والحَسَدَ، والوَحشَةَ، والمَقت. إنَّها نَظرَةُ الزَّميلِ الجامِعيِّ حينَ أُخبِرُهُ بِصُدورِ كِتابٍ جَديدٍ لي؛ ونَظرَةُ الصَّحَفيِّ الَّذي يَخفِقُ في جَعلي أنطِقُ بِما يُريد؛ ونَظرَةُ المَرأةِ الَّتي تَرتابُ في امرَأةٍ أُخرى تَدنو مِنها؛ ونَظرَةُ الأخِ الَّذي يَشعُرُ بِالإقصاء؛ ونَظرَةُ قاتِلِ أخيهِ (قابيل) في النِّهايَة. وأمامَ كُلِّ هَذِهِ النَّظَراتِ المُهلِكَة، تَبدو نَظرَةُ المَرأةِ الهِندِيَّةِ بَريئَة. ومَعَ ذَلِكَ، فَقَد بَعَثَتِ القِشعَريرَةَ في بَدَني.

يَتَشَكَّلُ هَذا النَّصُّ مِن نَظرَةٍ أطلَقَتها امرَأةٌ هِندِيَّةٌ نَحوَ الرّاوي بَعدَ لَحظَةِ تَرَدُّدٍ مِنه. وتَستَحيلُ هَذِهِ اللَّحظَةُ بَذرَةً كَسرِيَّةً تَتَوالَدُ مِنها نَظَراتٌ مُشابِهَةٌ (نَظرَةُ الزَّميل، الصَّحَفي، المَرأة الغَيور، الأخ، قابيل). هَذا اللِّقاءُ العابِرُ، الَّذي قَلَبَ مَشهَدَ اللِّقاءِ الكِلاسيكيِّ المَعهودِ في الشِّعرِ إلى صورَتِهِ السَّلبِيَّة، يَترُكُ أثَرًا لا تَمحوهُ المُقارَنَة، بَل تُعَمِّقُه. اللَّونُ «الأبيَض» هُنا يُكَرِّسُ التَّفاوُتَ العِرقِيَّ والطَّبَقيَّ، ويَجعَلُ الرّاوي «هَدَفًا» لِهَذِهِ النَّظَرات. وما البُعدُ عَن إخلاءِ الطَّريقِ إلّا دَلالَةٌ عَلى اضطِرابِ التَّعايُشِ بَينَ الأطياف.

يَتَدَرَّجُ النَّصُّ في رَصدِ التَّصَدُّعاتِ الِاجتِماعِيَّة؛ مِنَ الجامِعَةِ إلى الصَّحافَةِ إلى العَلاقَةِ بَينَ النِّساءِ، وُصولًا إلى حادِثَةِ قابيلَ وهابيل، حَيثُ يَبلُغُ المَقتُ ذُروَتَهُ الدَّمَوِيَّة. رَغمَ ذَلِكَ الكَصيدِ المُتَصاعِد، لا تَتَوارى نَظرَةُ المَرأةِ الأُولى، بَل تَلحَمُ السَّردَ بِرِعشَةِ الخَوفِ في الخِتام. هُنا تَغدو الشَّخصيّاتُ، المَنزوعَةُ الأسماءِ سِوى «قابيل»، رُموزًا لِتَعايُشٍ إنسانيٍّ مَأزومٍ ومُهَدَّدٍ أبدًا؛ إذ يَكفي فُقدانُ الِاحتِرامِ لِيُشعِلَ فَتيلَ الخَراب، وكَأنَّ الخَطيئَةَ الأُولى لا تَزالُ تَسكُنُ الجَميع.

وهَكَذا، يُصاغُ مِن عَرَضِيَّةِ نَظرَةٍ عابِرَةٍ لَحظَةٌ كَسرِيَّةٌ مُتَشَظِّيَة، تَولَدُ مِن رَحِمِها سِياقاتٌ أُخرى لا حَصرَ لَها. يُسَجِّلُ النَّصُّ بِحِسِّهِ المِجهَريِّ تِلكَ الإيماءاتِ الدَّقيقَةَ الَّتي كانَت سَتَضيعُ حَتمًا في غُبارِ الواقِع. وعَبرَ هَذِهِ اللَّحظَة، يُوَشوشُنا الأدَبُ بِمَعارِفِهِ عَنِ الحَياةِ ومَسالِكِ البَقاء، وهُوَ العِلمُ الَّذي لَخَّصَتهُ الكاتِبَةُ الأرجَنتينِيَّةُ إستر أندرادي في مُستَهَلِّ كِتابِها «عَنِ الأحياء» عِندَ حَديثِها عَنِ الرُّجوعِ إلى الأُصول، قائِلَة:

وَحدَها العَودَةُ تُتَمِّمُ الحَياة، كَما تَقولُ الأسفارُ القَديمَة. ولِذا تَلهَجُ هَذِهِ النُّصوصُ - الآنَ وقَد حانَ أوانُ الرَّحيل - بِالعَودَة. بِالألَمِ، بِالغُصَّةِ، بِالتَّهَكُّمِ، بِالبَهجَةِ وبِلُغزِ الإياب. فَمَن ذا الَّذي يَملِكُ اليَقينَ لِيَقولَ كَم حَياةً نَكابِدُ لِيَكتَمِلَ مَسارُ العَودَةِ إلى الأصل؟

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق