الاتِّساقُ قَتلٌ بَطيء
والعَجَبُ أنَّ الشَّخصيَّةَ الّتي تَبوءُ بمفاجأتِنا هيَ أولى الشَّخصيّاتِ بِوثوقِنا؛ وتِلكَ أُولى الغَرائب. فإنْ أخلَفَ الصَّديقُ مَوعِدَ العَشاءِ ثلاثَ مرّاتٍ متوالياتٍ، طَفِقْنا نُعيدُ النَّظَرَ في أمرِهِ في سَكينةٍ، فَنراُه إمّا مُضطَرِبَ العَهدِ، وإمّا مَغلوباً على أمرِهِ، وإمّا مُعرضاً مُتَولّياً. أمّا إنْ أخلَفَتْ شَخصيَّةٌ خياليَّةٌ مَوعِدَ العَشاءِ ثلاثَ مرّاتٍ، ثُمَّ وافَتْ في الرّابِعةِ تَحملُ قِنِّينةَ خَمرٍ وعلى جَسَدِها كَدْمَةٌ تَأبى تفسيرَها، شَخَصَتْ إليها أبصارُنا، واشرَأَبَّتْ لَها أعناقُنا. وما هذا التَّباينُ بِقادِحٍ في بُنيانِ الشَّخصيَّةِ، إنَّما يَزيدُها كَثافةً وعُمقاً؛ إذ لا يَخاطِرُ بِبالِنا أنَّ الكاتِبَ ضَلَّ خَيطَ رِوايَتِهِ، إنَّما نرى أنَّهُ يُجَلِّي لَنا أمراً يَجلُّ عَن أن تُحيطَ بِهِ جُملَةٌ واحِدةٌ.
والمَسأَلةُ مَدارُها على مَوضِعِ الحَدِّ الفاصِلِ، وعِلَّةِ تَفريقِنا بينَ أُناسٍ نُعايشُهُم وأُناسٍ نَقرَؤهُم.
وثَمَّةَ فِقرةٌ في رِوايةِ «ميدلمارش» لِجورج إليوت لا أزالُ أُقلِّبُها في ذِهني مُنذُ أسابيع. ذلكَ أنَّ دوروثيا بروك، العَروسَ الّتي زُفَّتْ حديثاً إلى العالِمِ الذّابِلِ كازوبون، تَجِدُ نَفسَها تَنتَحِبُ في مَخدَعِها بِروما، غافلَةً عَن كُنهِ بُكائِها؛ وقَد تَزوَّجَتْهُ طائعةً مُختارةً، وأُجبِرَتْ بِرَجاحةِ عَقلِهِ، وطَمِعَتْ أن تَكونَ عَوناً لِمشروعٍ فِكريٍّ عَظيمٍ، فإذا بها اليومَ تُذرفُ الدَّمعَ على مَتاعِ بَيتٍ رومانيٍّ، عاجِزةً عَن تَسميةِ يَنبوعِ شَقائها. ويَقولُ إليوت في صَفحَتِه: «لقَد ساءَها وذَلَّلها أن تَجِدَ نَفسَها فريسةً مَحضَةً لِلعاطِفةِ، كَأنَّها لا تُدرِكُ شيئاً إلّا مِن وِجاءِ ذلِكَ السَّبيلِ، فَقَد تَبدَّدَت قُواها في نَوباتٍ مِنَ الاضطِرابِ والمُكابَدةِ واليَأسِ، ثُمَّ أعقَبَ ذلكَ أطيافٌ مِنَ الزُّهدِ التّامِّ، تُحيلُ المَشاقَّ كُلَّها إلى واجبٍ مَحتومٍ».
وإنَّ في هذهِ الجُملَةِ لَصَنيعاً عَجيباً؛ فهيَ تُبرِزُ لَنا شَخصيَّةً تَجهَلُ حَقيقةَ دوافِعِها، وتُخطِئُ تأويلَ مَقاصِدِها في حينِ وقوعِها. فَدوروثيا تَظُنُّ أنَّ دُموعَها مَبعَثُها الضَّعفُ وقِلَّةُ الصَّبرِ على ضَبطِ مَشاعِرِها، وأنَّها مُقَصِّرةٌ عن مُتَطلَّباتِ حَياةٍ ارتَضَتها لِنَفسِها، على حينِ أنَّنا نُبصِرُ ما عَمِيَ عَليها؛ نُبصِرُ أنَّها تَبكي لِأنَّها وَقَعَت في خَطأ فادِحٍ، وأدرَكَ جَسَدُها الخَطْبَ قَبلَ أن يَعِيَهُ عَقلُها. فالتَّباينُ هاهنا لا يَقعُ بينَ مَشهَدٍ ومَشهَدٍ آخرَ، ولَكِنَّهُ يَقعُ بينَ رِوايةِ الشَّخصيَّةِ لِنَفسِها وحَقيقةِ حالِها الّتي هيَ عليها. ولَم يَتَدخَّل إليوت لِتَفسيرِ هذهِ الفَجوةِ، إنَّما تَرَكَ صورتَي دوروثيا تَستَويانِ على الصَّفحةِ مَعاً: صورَةَ مَن تَحسَبُ أنَّها تُجَدِّدُ عهدَها بالواجِبِ، وصورَةَ مَن يَستَنزِفُها رويداً رويداً زَواجٌ مِن رَجُلٍ لا يَعرِفُ لِلحُبِّ سَبيلاً.
ونَحنُ نَثِقُ بِهذا كُلَّ الثِّقةِ، حتّى إنَّنا قد لا نَشعُرُ بِما نُكابِدُهُ مِن جَهدٍ؛ وذلِكَ الجَهدُ أنَّنا نَجمَعُ في أذهانِنا بينَ صورتَينِ مُتَناقِضَتَينِ لِإنسانٍ واحِدٍ في آنٍ معاً، وعِوَضَ أن نَطلُبَ حَلّاً يُزيلُ التَّناقُضَ، نَجعَلُ مِنَ الفَجوةِ ذلِكَ المَعنى المَقصودَ.
وتِلكَ هيَ الغَريبةُ الثّانيَةُ؛ فإنَّ النّاسَ في حَقيقةِ العَيشِ يُناقِضونَ أنفُسَهُم دائِماً، فنَعيبُ ذلِكَ عليهم ونُؤاخِذُهُم بهِ؛ أمّا شَخصيّاتُ الخَيالِ فتُناقِضُ أنفُسَها فَنَحمَدُها ونُثني عليها، ما دامَ التَّناقُضُ يُوحِي بِانفِتاحِهِ على أُفُقٍ أعمَقَ. والسِّرُّ كُلُّهُ يَكمُنُ في لَفظَةِ «يُوحِي»؛ فليسَ الأمرُ أنَّنا نَقدِرُ في كُلِّ حالٍ على الإفصاحِ عَن جَوهَرِ ذلِكَ الاتِّساقِ الدَّفينِ، إنَّما الشَّأنُ أنَّنا نَثِقُ بِوجودِهِ أو لا نَثِقُ.
دَعوني أطرحْ أمراً لستُ على يَقينٍ تامٍّ مِنهُ؛ إنَّني أرَى أنَّ القُرّاءَ على استِعدادٍ لِتَقبُّلِ قَدرٍ عَظيمٍ مِنَ التَّناقُضِ ما داموا يُؤمِنونَ بأنَّ الكاتِبَ خَبيرٌ بِصَنعَتِهِ، وأرَى أنَّ ذلِكَ الإيمانَ يرتَكِزُ في جوهَرِهِ على أصلٍ جَماليٍّ؛ فإنَّهُ مَلمَسٌ لِلنَّصِّ، ومَوقِفٌ، وضربٌ مِن ثِقةٍ تَسري في عُروقِ النَّثرِ. فإذا استَقامَتِ الجُمَلُ وجَرَت على سلطانٍ مَتينٍ، ساغَ لِلشَّخصيَّةِ أن تَكونَ مُضطَرِبةً مُشوَّشَةً؛ وإذا اضطَرَبَتِ الجُمَلُ وخاذَلَت، حالَ ذلِكَ الاضطِرابُ عَينُهُ في عَينِ القارئِ إلى عَجزٍ في صَنعَةِ الكاتِبِ.
وقَد يَكونُ في هذا حَيفٌ؛ إذ مَفادُهُ أنَّ الخَيطَ الفاصِلَ بينَ «العُمقِ» و«الخَطأ» يَرجِعُ شَطرٌ مِنهُ إلى الأسلوبِ، وإلى بُلوغِ الكاتِبِ مَبلَغاً يَجعَلُ فيهِ التَّناقُضَ أشبهَ بِدَعوةٍ لِلتَّأمُّلِ لا زَلّةً مِن زلّاتِ القَلَمِ. غيرَ أنَّني أحسَبُهُ حَقّاً؛ فخُذْ شَخصيَّةً مِن رِوايةٍ سَقيمةِ النَّسجِ في مَواضِعَ يَصعُبُ تَحديدُها؛ تَراها هَيّابَةً مُتردِّدةً في الفَصلِ الثّاني، ثُمَّ تَغدو جَسورَةً بِلا عِلّةٍ في الفَصلِ الخامِسِ، وتَراها حانيَةً على أطفالِها في مَشهَدٍ، ثُمَّ قاسيَةً بارِدةً في مَشهَدٍ يَليهِ، ولا ناظِمَ يَجمَعُ الشَّتاتَ، ولا عِلمَ يُوحِي بأنَّ هذهِ التَّحوُّلاتِ مَرصودةٌ بِعينِ خَبيرٍ مُدَبِّرٍ. هاهنا يَتمرَّدُ القارِئُ ويَقولُ: «هذهِ الشَّخصيَّةُ لا تَستَقيمُ»، ومَقصدُهُ الحَقيقيُّ: إنَّني لا أثِقُ بأنَّ الكاتِبَ قَد أرادَ شيئاً مِن هذا قَصدَاً.
ثُمَّ خُذْ شَخصيَّةً مِن رِوايةٍ مُحكَمةِ البِناءِ؛ تَراها هَيّابَةً في مَشهَدٍ، جَسورَةً في آخرَ. إنَّها المُعطَياتُ نَفسُها، إلّا أنَّ الكاتِبَ قد أحرَزَ صَنيعاً - بِفَضلِ الصَّوتِ السَّرديِّ، وتَرتيبِ الحَوادِثِ، ودِقَّةِ النَّظَرِ الّتي يَصُبُّها النَّثرُ على الحَياةِ الباطِنيَّةِ لِلشَّخصيَّةِ - يَجعَلُنا نَتلقَّى التَّناقُضَ على أنَّهُ تَعقيدٌ وثَراءٌ لا عَبةٌ ولَغوٌ. فَلَقدِ استَحَقَّ الكاتِبُ جَهدَنا في التَّأويلِ، وباتَت لنفوسِنا سَعَةٌ لاحتِضانِ المُتَناقِضاتِ والتَّريُّثِ.
ولَعَلَّ ما كَتَبَهُ مُحَلِّلُ النَّفسِ د. و. وينيكوت عنِ «الذّاتِ الحَقيقيَّةِ» و«الذّاتِ الزّائِفَةِ» يُساعِدُنا في هذا المَقامِ. فالذّاتُ الحَقيقيَّةُ عِندَ «وينيكوت» ليست جَوهَراً جامِداً، إنَّما هيَ القُدرةُ على الشُّعورِ بالحَياةِ والوُجودِ الحَقِّ، وعلى خَوضِ التَّجارِبِ النّابِعَةِ مِن دَوافِعِ الإِنسانِ الأصيلَةِ. أمّا الذّاتُ الزّائِفَةُ فَبُنيانٌ مُزَيَّفٌ قُوامُهُ المُسايَرةُ، صُمِّمَ لِيَقيَ الذّاتَ الحَقيقيَّةَ مِن مُحيطٍ لا يَتَّسِعُ لَها ولا يَقبَلُها. والمَغزى الأَهَمُّ أنَّ الذّاتَ الحَقيقيَّةَ لا تَجري على اتِّساقٍ ظاهِرٍ، ولا يَسهُلُ التَّنبُّؤُ بِها، ولا تَكونُ مَكشوفةً جَليَّةً على الدَّوامِ حتّى لِصاحِبِها الّذي يَحياها؛ فَالّذي يَجعَلُها حَقيقيَّةً هوَ اتِّصالُها بِنَبضٍ حَيٍّ - مِن رَغبةٍ أو خَوفٍ أو غَضَبٍ أو حُبٍّ - تَعلَّمَتِ الذّاتُ الزّائِفَةُ كَيفَ تَكبِتُهُ وتُداريهِ.
فالشَّخصيَّةُ المَكتوبةُ بِبراعةٍ تَطوي بينَ جَوانِحِها ذلِكَ الجَوهَرَ الحَقيقيَّ الّذي نَستَشفُّهُ مِن تَحتِ أستارِ المُتَناقِضاتِ. أمّا الشَّخصيَّةُ المُفتَقِرةُ إلى صَنعَةِ البيانِ فما هيَ إلّا ذاتٌ زائِفةٌ خَالِصةٌ، تُسايِرُ حاجاتِ الحَبكَةِ، وتَتَّسِقُ اتِّساقاً لم تَعرِفْهُ النُّفوسُ الحَيَّةُ قَطُّ، وبِذا تَغدو خاويةً جَوفاءَ. إنَّ التَّناقُضَ الّذي نَقرَؤهُ عُمقاً هوَ ذلِكَ الّذي يَلوحُ نابِعاً مِن شَيءٍ حَيٍّ خَفِيٍّ، وأمّا التَّناقُضُ الّذي نَقرَؤهُ خَطأً فهو الّذي يَبدُو صادِراً عَن غَفلةٍ في ذِهْنِ الكاتِبِ وانصِرافِهِ إلى غيرِ مَوضِعِهِ.
غيرَ أنَّ هذا الحُكمَ لا يَخلو مِن تَبسيطٍ مُفرِطٍ؛ إذ يُوحِي بأنَّ الفَرقَ مَقصورٌ على مَدى عُمقِ خَيالِ الكاتِبِ في تَصوُّرِ شَخصيَّتِهِ. ولا ريبَ أنَّ هذا بَعضُ الأمرِ، ولَكِنَّهُ ليسَ الأمرَ كُلَّهُ؛ لأنَّ القُرّاءَ كذلِكَ يَتَّخِذونَ مَواقِفَ - أكثَرُها يَجري على غيرِ وَعيٍ - في تَحديدِ مِقدارِ الاتِّساقِ الّذي يَطلبونَهُ.
وفي عِلمِ النَّفسِ المَعرفيِّ مَفهومٌ يُدعَى «العَزوَ». فنَحنُ إذا شاهَدنا سُلوكاً لِإنسانٍ ما، أرجَعناهُ إمّا إلى طَبْعِهِ وسَجيَّتِهِ، وإمّا إلى ظَرفِهِ ومَوقِفِهِ. والمَعلومُ المشهورُ في هذا الشَّأنِ أنَّنا نُخفِقُ إخفاقاً شديداً عندَ تَطبيقِهِ على النّاسِ في حَقيقةِ العَيشِ؛ إذ نَعزو عَثَراتِ الآخَرينَ إلى شَخصيّاتِهِم - فنَقولُ: تأخَّرَ لِقلَّةِ مُراعاتِهِ لِلغيرِ - على حينَ نَعزو عَثَراتِنا نَحنُ إلى أحكامِ الظُّروفِ - فنَقولُ: تأخَّرتُ لِزِحامِ الطَّريقِ. ذلكَ هوَ «خَطأُ العَزوِ الجَوهريُّ»، حَيثُ نُسرِفُ في افتِراضِ الاتِّساقِ لدى الآخَرينَ، ونَجعَلُ مِنَ التَّصَرُّفِ الفَرديِّ دليلاً قاطِعاً على طَبعٍ ثابِتٍ.
أمّا مَعَ شَخصيّاتِ الخَيالِ فيَقَعُ أمرٌ عَجيبٌ؛ إذ نَغدو أكثَرَ سَماحةً وإنصافاً، ونُرجِعُ التَّناقُضَ إلى الظُّروفِ، وإلى الدَّوافعِ الخَفيَّةِ، وإلى النُّضجِ والتَّحوُّلِ، وإلى وطأةِ الحَوادِثِ؛ فنَفسَحُ لِلشَّخصيّاتِ مَجالاً لِتُناقِضَ أنفُسَها على نَحوٍ قَلَّما نَمنَحُهُ لِأزواجِنا أو زُمَلائِنا. ولَعَلَّ مَرَدَّ ذلِكَ مِن وَجهٍ إلى أنَّ الخَيالَ الأَدبيَّ يُدرِّبُنا على هذهِ السَّعةِ؛ إذ يَقولُ لَنا الشَّكلُ الفَنِّيُّ بِلِسانِ حالِهِ: «تَنَبَّهوا، فإنَّ في الأمرِ ما هوَ أبعدُ مِمّا تُبصِرونَ، والتَّناقُضُ هاهُنا دَليلٌ وكاشِفٌ، لا عَيبٌ وعَورةٌ». ومَرَدُّهُ مِن وَجهٍ آخرَ إلى أنَّنا نَبغي لِشَخصيّاتِ الخَيالِ أن تَسمُوَ فَوقَ القَوالِبِ الّتي نَحصرُ فيها النّاسَ في حَياةِ الواقِعِ؛ نَرغبُ فيها أن تتَجاوزَ حُدودَ أفهامِنا؛ فإنْ قَصُرَت عَن ذلِكَ وجاءَت مُطابِقةً لِتَشخيصٍ جاهِزٍ أو صِنفٍ مَعلومٍ، نَبَذناها وحَكَمنا عليها بِالمسطَّحةِ.
فالشَّخصيّاتُ المُسطَّحةُ مُتَّسِقةٌ، والشَّخصيّاتُ المدوَّرةُ مُتَناقِضَةٌ على نَحوٍ يَبدو مُتَّسِقاً متى ما طالَتْ مُعاشَرَتُكَ لَها. ولَقد أوضَحَ إي. إم. فورستر هذا الفَرقَ في كِتابِهِ «أركانُ الرِّوايةِ»، وعاشَ هذا التَّقسيمُ قَرْناً مِنَ الزَّمانِ لِما فيهِ مِن نَفعٍ جَليلٍ. فالشَّخصيَّةُ المُسطَّحةُ يُحيطُ بها وَصفٌ في جُملةٍ واحِدةٍ؛ فَتَقولُ: «هُوَ بَخيلٌ»، أو: «هِيَ مُتَسَلِّقةٌ في مَدارِجِ المَجدِ الصُّوريِّ»، وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَظهَرُ فيها تِلكَ الشَّخصيَّةُ فإنَّها تُؤَدِّي دورَها المَحصورَ في تِلكَ الجُملَةِ. أمّا الشَّخصيَّةُ المدوَّرةُ فلا تَختَزِلُها الجُمَلُ؛ إذ قَد تَأتي فِعلاً يَنِمُّ عَن بُخلٍ شَديدٍ، ثُمَّ تُعقِبُهُ بِفِعلٍ يَنِمُّ عَن سَخاءٍ كَريمٍ، ولا يَمحو الأوَّلُ الآخرَ، إنَّما يَجتَمِعانِ في نَفسِ القارِئِ على قَلَقٍ، فتَغدو الشَّخصيَّةُ أوسَعَ وأكْبَرَ مِن كِلا الفِعلَينِ.
غيرَ أنَّ فورستر أغفَلَ جانِباً مِنَ الأمرِ، وهوَ أنَّ «تَدويرَ» الشَّخصيَّةِ ليسَ صِفةً مَقصورةً عليها وَحدَها، إنَّما هوَ أخذٌ وعَطاءٌ؛ فَالكاتِبُ يَبذُلُ المُعطَياتِ: مِن أفعالٍ، وأقوالٍ، وخواطِرَ، وتَعليقاتٍ مِنَ الرّاوي، فيَنهَضُ القارِئُ بِصياغةِ ذلِكَ الإنسانِ وتَشييدِهِ. وما يَجلِبُهُ القارِئُ إلى ذلِكَ البِناءِ إنَّما هوَ مَجموعُ تَصوُّراتِهِ واعتِقاداتِهِ في ما كائنٌ هوَ الإنسانُ.
وهاهنا يَتَبَدَّى سِرُّ المَسألةِ وأطْرَفُ ما فيها؛ فإنَّ القُرّاءَ على اختِلافِ مَشارِبِهِم وثَقافاتِهِم يُقبِلونَ بِتَصوُّراتٍ مُتَباينةٍ. فالقارِئُ الّذي تَرَبَّى على أعرافِ «الواقِعيَّةِ النَّفسيَّةِ» - والّذي يُؤمِنُ في دَخيلَةِ نَفسِهِ، صَرَّحَ بِهذا أم سَكَتَ عنه، بأنَّ لِلنّاسِ أعماقاً لا وَعيَ فيها، وأنَّ الدَّوافعَ مَزيجٌ مُتَداخِلٌ، وأنَّ مَعرِفةَ المَرءِ لِنَفسِهِ قاصِرةٌ مَحدودةٌ - ذلِكَ القارِئُ يَتَّسِعُ صَدرُهُ لِقَدرٍ كَبيرٍ مِنَ التَّناقُضِ، ولا يَقفُ عِندَ هذا الحَدِّ، إنَّما يَطلُبُهُ ويَشتَرِطُهُ؛ فالشَّخصيَّةُ المُغرِقةُ في الاتِّساقِ لا تَقَعُ مِنهُ مَوقِعَ الحَقِّ، إذ يَستَشعِرُ فيها الذّاتَ الزّائِفَةَ والخُضوعَ لِمُقتَضَياتِ السَّردِ اليَسيرةِ.
أمّا القارِئُ الّذي نَشأَ على مَناهِجَ أُخرى - كالتَّصنيفِ الأَخلاقيِّ، أوِ الكِتابَةِ الّتي تَجري على سَبيلِ المَثَلِ والرَّمزِ، أو بَعضِ أصنافِ الرِّواياتِ الّتي تُعَرَّفُ شَخصيّاتُها بِوَظائِفِها في الحَبكَةِ - فَقَد يَقفُ مَبهوتاً أمامَ التَّناقُضِ عَينِهِ؛ فيَقولُ: «هذا إنسانٌ لا يَستَقيمُ لَهُ مَعنى»، في الوَقتِ الّذي يَقولُ فيهِ نصيرُ الواقِعيَّةِ النَّفسيَّةِ: «ما مِن مَعنىً لِلإنسانِ أصدَقُ مِن هذا».
ومِن ثَمَّ فإنَّ العَتَبةَ لا تَقِرُّ على مَوضِعٍ؛ إنَّما تَنتَقِلُ بِانتِقالِ نَظريَّةِ القارِئِ في كُنهِ الإِنسانِ. وإنَّ جُزءاً ممّا يَقومُ بهِ الكاتِبُ هوَ تَدريبُ قارِئِهِ على النَّظريَّةِ الّتي يَستلزمُها الكتابُ.
وأوَدُّ هاهنا أن أنظُرَ في مَسألةٍ بِعَينِها؛ ذلكَ أنَّني قد أطلَقتُ العِنانَ لِلعُمومياتِ، والعمومياتُ أعدى أعداءِ ما أرومُ تِبيانَهُ في مقامي هذا.
خُذْ رِوايةَ «صورةِ سَيِّدَةٍ» لِهِنري جيمس، وشَخصيَّةَ إيزابيل آرشر. إنَّ إيزابيل، كَما هوَ ذائعٌ مَشهورٌ، شَخصيَّةٌ تُقدِمُ على قرارٍ يَبدُو مُناقِضاً لِكُلِّ ما قُصَّ علينا مِن سيرَتِها؛ فقد تَعَرَّفنا إليها فَتاةً راجِحةَ العَقلِ، حُرَّةَ الإِرادةِ، شَغوفةً بِالمَعرِفةِ، ظَمأى إلى خَوضِ تَجارِبِ الحَياةِ. ولَقَد رَدَّتْ خِطبَتَينِ مُنصِفَتَينِ كُلَّ الإِنصافِ: إحداهُما مِن لوردٍ إنجليزيٍّ، والأُخرى مِن صِناعيٍّ أمريكيٍّ كَريمِ الخُلُقِ، لِأنَّها تَبتَغي رُؤيَةَ العالَمِ، وتَنشُدُ الحُرّيَّةَ، وتَرغَبُ في صياغَةِ حَياتِها بِكفِّها؛ ثُمَّ إذا بها تَقترِنُ بِجيلبرت أوزموند.
وأوزموند هذا رَجُلٌ مُتذوِّقٌ لِلفُنونِ على سَبيلِ التَّصَنُّعِ، جَمّاعٌ لِلعاديّاتِ، صاحبُ ذَوقٍ رَفيعٍ ومَتَاعٍ قَليلٍ وعاطِفةٍ بارِدَةٍ كَالصَّقيعِ؛ قاسي القَلبِ في أُسلوبٍ مُهذَّبٍ ساكِنٍ، يَبتَغي إيزابيل تُحفةً يُضيفُها إلى مَقتَنياتِهِ. والّذينَ يَحفونَ بها يُبصِرونَ ذلكَ، والقارِئُ يُبصِرُهُ؛ وأمّا إيزابيل فَتَسعى إلى هذا المَصِيرِ سَعياً، بِعَمىً مُصِمٍّ يَبدُو شَديدَ العِنادِ والمُكابَرَةِ.
وذلِكَ هوَ التَّناقُضُ؛ الفَتاةُ الّتي أنفَقَت جُهدَها في طَلَبِ الحُرّيَّةِ اختارَتِ القَفَصَ بِيَدِها، والّتي كانَت أذكى مِن أن تَقَعَ في حَبائِلِ العَاداتِ وَقَعَت في أشدِّ الفِخاخِ تقليديَّةً ورَتابَةً: زَواجٍ تَعيسٍ مِن رَجُلٍ مُتسلِّطٍ. ولَم يَنهَض جيمس لِتَفسيرِ هذا؛ إنَّما عَرَضَ لنا المَسيرةَ خُطوةً بخطوةٍ: كيفَ استُدرِجَت إيزابيل رُوَيداً بِرِقَّةِ أوزموندَ الظّاهِرةِ، وكيفَ حاکَت صَديقَتُها مدام ميرل الدَّسائِسَ، وكيفَ بَدا خَواءُ أوزموندَ عُمقاً في عَينِ مَن لَم تَختَبِر الخَواءَ الحَقيقيَّ مِن قَبلُ؛ لكنَّهُ لَم يَقُل قطُّ: «هذا هوَ السَّببُ الّذي دَفعَ إيزابيل إلى صَنيعِها»، وبَقِيَتِ الفَجوةُ قائمةً.
ولَقَد طالَ جَدَلُ القُرّاءِ فيها مِائَةً وأربَعينَ عاماً: أتَراها ضَحيَّةَ خِداعٍ ومَكرٍ؟ أم تَراها تُنفِّذُ نَزعةً تَدميريَّةً دَفينةً في نَفسِها؟ أم إنَّها خافَت مِن رَغَباتِها فاختارَت رَجُلاً لا يُطالِبُها بذاتٍ تخشى مُواجَهَتَها؟ أم تُرى جيمس يُعاقِبُها على حُرّيَّتِها واعتِدادِها، أم إنَّهُ يَكشِفُ لَنا حَقيقةً ثابتةً عَن كيفيَّةِ وقوعِ النِّساءِ الفَطِناتِ في أشنَعِ الخياراتِ وأسوَئِها؟ لم تَحسِمِ الرِّوايةُ أَمراً؛ إذِ التَّناقُضُ هوَ عَيْنُ الرِّوايةِ. وذلِكَ هوَ الغَورُ الأَعمَقُ لِما أحاوِلُ وَصفَهُ هاهُنا؛ فالتَّناقُضُ الّذي نَقرَؤهُ عُمقاً ليسَ تناقُضاً في حَقيقَةِ الأمرِ عِندَ مُستَوىً مِنَ المُستَوِياتِ، إنَّما هوَ اتِّساقٌ لَم تبلُغْهُ مدارِكُنا بَعدُ، وهوَ انسِجامٌ لِذاتٍ لا نَملِكُ خريطَتَها الكامِلةَ؛ ومَهمَّةُ الكاتِبِ أن يَغرِسَ فينا الثِّقَةَ بِوُجودِ تِلكَ الخريطةِ، وإنْ كُنّا لا نَقبِضُ عليها بأيدِينا.
وكيفَ يَتَسَنَّى لِلكاتِبِ هذا؟ يَكونُ شَطرٌ مِنهُ بِما أسمَيتُهُ «السُّلطانَ»؛ أيْ أنْ تنهَضَ الجُمَلُ بِقَوامٍ يُشعِرُكَ بأنَّ الكاتِبَ مُمسِكٌ بِزِمامِ مادَّتِهِ. غيرَ أنَّ هذا القَولَ عامٌّ مُجمَلٌ؛ وتَفصيلُهُ: أن يَحُفَّ الكاتِبُ الفِعلَ المُتَناقِضَ بِقدْرٍ وافٍ مِنَ النَّسجِ المُتَّسِقِ، حتّى نَقبَلَ الفِعلَ انحِرافاً ذا مَعنىً لا شَططاً عابِثاً. فإيزابيل آرشر قَبلَ أن تَلقى أوزموندَ ظَهَرَت لَنا في صورةِ مَن يُضفي رِداءَ الشَّاعِريَّةِ على تَجارِبِ الحَياةِ، ومَن يَرغَبُ في أن يتَأثَّرَ بِالعالَمِ، ومَن يَربِطُهُ بِحُرّيَّتِهِ رِباطٌ يَجنَحُ إلى التَّجريدِ؛ فهيَ تَرومُ الحُرّيَّةَ دونَ أن تُدرِكِ كنهَ الإِحساسِ بها تمامَ الإِدراكِ. ولَقَد راقَها أوزموندُ لِأنَّهُ بَدا لَها حَيّاً في عالَمٍ مِنَ القِيَمِ الجَماليَّةِ الخالِصَةِ، المُنَزَّهةِ عَن شَواغِلِ المادَّةِ الّتي تَراها مُبتَذَلةً. ولَقد أخطَأَت في قِراءَتِهِ، على أنَّ خَطأَها ذلِكَ جاءَ مُتَّسِقاً مَعَ طَبعٍ في خَليقَتِها: مَيلٍ إلى إيثارِ فِكرَةِ الشَّيءِ على الشَّيءِ في ذاتِهِ. ولَقَد بَثَّ هِنري جيمس هذهِ البُذورَ في مَطاوِي الفُصولِ الأُولى؛ حتّى إذا أقدَمَت على خيارِها الكارِثيِّ، شَعَرنا بِالأَرضِ تَميدُ مِن تَحتِنا، دونَ أن نَشعُرَ بِتَلاشي الشَّخصيَّةِ؛ إنَّنا نَراها تَغدو أكثَرَ اتِّصالاً بِذاتِها، وإن ازدادَت قُيودُها وضاقَت حُرّيَّتُها.
فالتَّناقُضُ - بِعبارةٍ أُخرى - قَدِ استُحِقَّ وحصَلَ الإِعدادُ لَهُ؛ لم يُفَسَّرْ ولم يُبَرَّرْ، إنَّما أُعِدَّ لَهُ. فالخَيطُ الّذي يَفصِلُ بينَ تناقُضٍ يُفضي إلى العُمقِ وآخرَ يَنِمُّ عَن خَطأ، إنَّما يَتعلَّقُ شَطرٌ مِنهُ بِجَودةِ التَّمهيدِ؛ فإذا أتى إنسانٌ عهدناهُ رَحيماً فِعلاً قاسيّاً، ولَم نُبصِر قَبلَ ذلِكَ شيئاً مِنَ التَّيّاراتِ الّتي تَنقُلُ الرَّحمةَ إلى القَسوةِ - مِنَ الضَّغينةِ، أوِ الإِعياءِ، أوِ الغَضَبِ الدَّفينِ الّذي يُساكِنُ صِدقَ العاطِفةِ - كانَت قَسوَتُهُ مَطلَباً مِن مَطالِبِ الحَبكَةِ لا كشفاً عن مَكنونِ نَفسِهِ؛ وذلكَ هوَ الخَطأُ. أمّا إنْ نهضَ الكاتِبُ ببيانِ الشَّخصيَّةِ بِكامِلِ أبعادِها، حلَّتِ القَسوةُ أمراً كُنّا نَتَوقَّعُهُ في لَطائفِ النَّفسِ وإن عَجَزنا عنِ التَّنبُّؤِ بهِ؛ وذلِكَ هوَ التَّعميقُ.
وإني لأحومُ حولَ مَعنىً واحِدٍ، وما أدري هل دَنوتُ مِنهُ أم لا؛ ولَعَلَّ ذلِكَ هوَ المَغزى. فبناءُ شَخصيَّةٍ مُتَّسِقةٍ مِن مُعطَياتٍ مُتَناقِضَةٍ ليسَ مُعضِلةً يُقضى بَفصلِها؛ إنَّما هوَ مَسيرةٌ تَجري في الزَّمانِ على امتدادِ قِراءةِ النَّصِّ، وقَد تَنتَكِسُ في أيَّةِ لَحظَةٍ. فَنَغمةٌ واحِدةٌ ناشِزةٌ - كحِوارٍ يَبعَثُ على الريبةِ، أو رَدِّ فِعلٍ يَبدو مُقتَحَماً - كَفيلةٌ بأنْ تَهدِمَ ثِقَةَ القارِئِ؛ فتَعودَ الشَّخصيَّةُ دُميةً مُحرَّكَةً، وتستحيلَ التَّناقُضاتُ الّتي بَدَت عُمقاً إلى زَلَّةٍ في قَلَمِ الكاتِبِ.
وما أشهَى الثِّقةَ إلى الكَسرِ؛ وهيَ غيرُ مُتَكافِئةِ الأطرافِ؛ إذ يَستَطيعُ الكاتِبُ أن يُنفِقَ ثَلاثَمِائَةِ صَفحةٍ في تَشييدِ شَخصيَّةٍ نُؤمِنُ بها، ثُمَّ يَفقِدَنا في فِقرةٍ واحِدةٍ؛ ولا يَتأتَّى العَكسُ؛ فلا يَقدِرُ الكاتِبُ أن يَسوقَ إلينا في ثَلاثِمِائَةِ صَفحةٍ شَخصيَّةً لا نُؤمِنُ بها، ثُمَّ يَستَرِدَّنا بِفِقرةٍ واحِدةٍ حَسَنةِ الصِّياغةِ. فالثِّقةُ يَسيرةُ الهَدمِ، عَسيرةُ البِناءِ، وتِلكَ إحدى السُّبُلِ الّتي يُشابِهُ بها الخَيالُ حَقيقةَ الحَياةِ.
وما الّذي يَهدِمُ الثِّقةَ؟ أحسَبُ أنَّهُ غالِباً ما يَكونُ طُغيانَ مَآرِبِ الكاتِبِ؛ فإن أَتَتِ الشَّخصيَّةُ فِعلاً استِجابةً لِمُقتَضياتِ الحَبكةِ، وشَعَرنا بِيَدِ الحَبكةِ تُسَيِّرُها مِن ظَهرِها، حَمَلنا التَّناقُضَ على أنَّهُ خَطأٌ؛ وإن أَتَت فِعلاً لِأنَّ الكاتِبَ يَبتَغي إثباتَ فِكرةٍ تَطغى على مَنطِقِ الشَّخصيَّةِ الداخِليِّ، كانَ الحُكمُ كذلِكَ. فإنَّ لِلقارِئِ أُذناً بَصيرةً تَميِّزُ التَّصَرُّفَ المُستَخدَمَ لِغايةٍ أُخرى، فنَحنُ نَعرِفُ متى تُستَغلُّ الشَّخصيَّةُ لِمَأرَبٍ خارِجيٍّ.
ولِهذا وَجَبَ على التَّناقُضِ الّذي نَقرَؤهُ عُمقاً أن يَبدوَ - على سَبيلِ المُفارَقةِ - خاليَاً مِن دوافِعِ الكاتِبِ؛ ينبغي أن يَبدوَ صادِراً عَن أسبابِ الشَّخصيَّةِ الخاصَّةِ لا عَن حيرَةِ الكاتِبِ، حتّى وإن كانَت تِلكَ الأسبابُ مُستَغلَقَةً على الفَهمِ، بل لا سِيَّما إن كانَت مُستَغلَقَةً؛ فالاستِغلاقُ هوَ الّذي يُضفي عليها رَونَقَ الحَقيقةِ. فنَحنُ في الواقِعِ قَلَّما نَعرِفُ عِلَلَ أفعالِ النّاسِ مَعرِفةً تامَّةً؛ ونَحنُ في الخَيالِ نَحتَمِلُ الاستِغلاقَ ما دُمنا نُحِسُّ أنَّهُ استِغلاقُ الشَّخصيَّةِ، لا تَخَبُّطُ الكاتِبِ.
وإنَّ مِنَ القِراءةِ ضَرباً يَرومُ شَخصيّاتٍ واضِحةَ المَعالِمِ مَكشوفةَ السَّريرةِ، ومِنها ضَرباً يَرومُ شَخصيّاتٍ نابِضَةً بالحَياةِ، وهَذانِ المَطلبانِ في تَدافعٍ وتَنازُعٍ دائِمَينِ. فالضَّربُ الأوَّلُ يُثمِرُ مَوسوعاتِ المُعجَبينَ، وأنماطَ الشَّخصيَّاتِ، والأحكامَ الأَخلاقيَّةَ؛ وأمّا الضَّربُ الثّاني فيُثمِرُ مَعاوَدةَ القِراءةِ؛ فنَحنُ نَرجعُ إلى الكِتابِ لأنَّ الشَّخصيَّةَ تَفوقُ إحاطتَنا، ولأنَّنا نَشعُرُ بأنَّ في زَواياها ما يستحقُّ التَّأمُّلَ، ولأنَّ التَّناقُضَ لَم يَنفَد عِندَ مُطالَعَتِنا الأُولى.
وأحسَبُ أنَّ هذا هوَ مَقصدُ النّاسِ حينَ يَقولونَ إنَّ الشَّخصيَّةَ «حَيَّةٌ»؛ ليسَ المَعنى أنَّها مَوصوفةٌ بوصفٍ دقيقٍ، ولا أنَّها تَحمِلُ حشواً مِنَ الصِّفاتِ المَعلومةِ، إنَّما المَعنى أنها لا تَفتَأُ تُولِّدُ في أذهانِنا احتِمالاتٍ جَديدةً. إنَّها لم تَفرُغ بَعدُ؛ فنَستَطيعُ أن نَتخيَّلَها في مَواطِنَ لم يَذكُرها الكِتابُ، ونَستَطيعُ أن نَتخيَّلَها تُفاجِئُنا هُناكَ أيضاً. أمّا الشَّخصيَّةُ المُفرِطةُ في اتِّساقِها فمَيِّتَةٌ مُنذُ المَطلَعِ؛ نَعرِفُها على عَجَلٍ، ثُمَّ يَنقَضي أمرُها.
فلَعَلَّ العَتَبَةَ الّتي يَتَحوَّلُ عِندَها التَّناقُضُ مِن عُمقٍ إلى خَطأ، هيَ بَقيّةُ الحَدِّ الّذي تكفُّ عِندَهُ الشَّخصيَّةُ عن أن تَكونَ أداةً وتَبدَأَ في أن تَكونَ حُضوراً وكياناً. وتِلكَ عَتَبةٌ ذاتيَّةٌ، تَحتَكِمُ إلى الثَّقافةِ، وتَرتَهِنُ بالتَّاريخِ، وتَتَبدَّلُ؛ غيرَ أنَّنا نَعلمُ يَقينَ العِلمِ متى جاوزناها. نُحِسُّ الفَرقَ بينَ إنسانٍ ومَخلوقٍ صُنِعَ على هيئةِ إنسانٍ. والعَجَبُ أنَّ المَخلوقَ المَصنوعَ هوَ كُلُّ ما في أيدِينا؛ كَلِماتٌ على صَفحةٍ، وحِبرٌ مسطورٌ، لا شَيءَ سِواه؛ غيرَ أنَّ الكَلِماتِ قد تَتَراصُّ أحياناً على هيئةٍ تُنسينا أنَّها كَلِماتٌ، فنُعامِلُها مُعامَلةَ الحَياةِ: نُجادِلُها، ونَشغَلُ بالَنا بها، ونَشتاقُ إليها إذا انقَضى الكِتابُ، ونَحمِلُ تَناقُضاتِها في أذهانِنا دونَ أن نُطالِبَ بِحَسمٍ يُقوِّمُ عِوَجَها؛ بل إنَّنا نُحِبُّها - مَهما يَكُن مَعنى الحُبِّ حينَ يَكونُ المَحبوبُ رُسوماً مُطَرَّزَةً على وَرَقٍ!
فإذا خَسِرَ الكاتِبُ ثِقَتَنا، انحَلَّ السِّحرُ، وعادَتِ الشَّخصيَّةُ مُجَرَّدَ كَلِماتٍ؛ واستَحالَ التَّناقُضُ الّذي بَدا سِرّاً غامِضاً إلى عَورةٍ وخَطأ. عِندَها نُغلِقُ الكِتابَ، أو نَتِمُّهُ بِقلوبٍ مُعرِضَةٍ، أو نَكتُبُ مَقالةً نَقولُ فيها: «كانَت دَوافِعُ البَطَلِ مُبهَمةً لا إيضاحَ فيها»؛ وتِلكَ صياغةٌ أُخرى لِقَولِنا: لقد كَفَفتُ عَنِ الإيمانِ بأنَّ خَلفَ الكَلِماتِ حَقيقةً تَستَتِرُ، وكَفَفتُ عَن بُلوغِ الجَهدِ الّذي يَجْمَعُ الشَّتاتَ في كيانٍ واحِدٍ.
وذلكَ الجَهدُ جَهدٌ حَقيقيٌّ؛ فَقِراءةُ الرِّوايةِ كَدحٌ ذِهنيٌّ شاقٌّ على نَحوٍ قَلَّما نَعتَرِفُ بهِ؛ فنَحنُ نَتَتَبَّعُ عَشَراتِ التَّفاصيلِ، ونَبني نَموذَجاً لِوَعْيٍ إنسانيٍّ، ونُجَدِّدُ هذا النَّموذجَ مَعَ كُلِّ نَبَأٍ يَفرُغُ إلينا. ونَحْنُ نَفعلُ ذلِكَ في الأكثَرِ على غيرِ وَعْيٍ ومَشَقَّةٍ، ولا نَعي بِذلكَ الجَهدِ إلّا حينَ يَعتَرِضُنا عائِقٌ؛ حينَ يَأبى النَّبَأُ الجَديدُ أن يوافقَ النَّموذجَ المَبنيَّ، فيَنهَدُّ النَّموذجُ، ونَقفُ حائرينَ بينَ أن نُعيدَ بِناءَهُ أو نَترُكَهُ وإيّاهُ. فإنْ أَعَدنا بِناءَهُ، عاينّا العُمقَ؛ وإن تَركناهُ، عاينّا التَّناقُضَ عيباً ونَقصاً.
وما الّذي يُفضي بِنا إلى إحدى الطَّريقَتَينِ؟ يَعودُ شَطرٌ مِنهُ إلى براعةِ الكاتِبِ، وشَطرٌ إلى سَعَةِ صُدورِنا نَحنُ، وشَطرٌ إلى الثَّقافةِ الّتي نَقرَأُ في كَنَفِها والّتي أرسَت فينا توقعاتِنا مِنَ المَرءِ؛ غيرَ أنَّ ثَمَّةَ أمراً قَلَّما يُقدَّرُ حَقَّ قَدرِهِ: وهوَ الأُنسُ الّذي مَنَحنا إيّاهُ الكِتابُ. فإن أمعَنَ الكِتابُ في الإِحسانِ إلينا مائتَيْ صَفحةٍ، أقرَضناهُ ثِقتَنا، وتَجَشَّمنا جَهدَ إعادتِهِ وبِنائِهِ؛ وإن كانَ مُضطَرِباً مُهيَّأً لِلسُّقوطِ مِن مَطلَعِهِ، لَم نَفعلْ؛ وتِلكَ مُفارَقةٌ أُخرى عَديمةُ التَّكافُؤِ: فالكِتابَةُ النَّفيسَةُ تُجَمِّعُ الثِّقةَ في رَصيدِها، والثِّقةُ تُبَدِّلُ ما تَستَعِدُّ أعيُنُنا لِرُؤيَتِهِ.
لقد بدَأتُ مَقالتي هذهِ وأنا أطْمَعُ أن أرسمَ خُطوطَ تِلكَ العَتَبةِ، وأنا أختِمُها اليومَ وأنا أقَلُّ يَقيناً بإمكانِ تِلكَ الخَريطةِ. فالعَتَبَةُ حَقٌّ مَوجودٌ - نُحِسُّ بها متى ما تَخَطَّيناها - ولَكِنَّها ليست خَطّاً مَرسوماً، إنَّما هيَ أُفُقٌ فسيحٌ، ومُفاوَضَةٌ تَجري بينَ الكاتِبِ والقارِئِ، بينَ الألفاظِ المَسطورةِ على الوَرَقِ ونَظريَّةِ الإِنسانِ الّتي نَجمَعُها في أفئِدَتِنا؛ وهيَ أبَداً وحتمَاً دائِمةُ التَّحَوُّلِ. فالشَّخصيَّةُ الّتي يَراها جيلٌ مِنَ الأجيالِ مُضطَرِبةً لا قَوامَ لَها، يَراها الجيلُ الّذي يَليهِ آيَةً في العُمقِ؛ والرِّوايةُ الّتي يَطرحُها قارِئٌ في ضيقٍ وضَجَرٍ، يُتِمُّها قارِئٌ آخرُ ودُموعُهُ تُبلِّلُ وجنَتَيهِ. فالمُعطَياتُ لا تَتغَيَّرُ، إنَّما الّذي يَتَغَيَّرُ هوَ مِظَلَّةُ التَّأويلِ.
وليسَ في قَولي هذا سَفْسَطَةٌ ولا نِزاعٌ نِسبيٌّ؛ إذ لستُ أزعُمُ أنَّ الأمرَ مَحضُ أهواءٍ وآراءٍ؛ فبَعضُ التَّناقُضاتِ أخطاءٌ وسَقَطاتٌ، وبَعضُ الكُتُبِ رَديئةُ النَّسجِ وسَقيمةُ البيانِ؛ غيرَ أنَّ الحُكمَ أشقُّ تأصيلاً ممّا نَعترفُ بهِ عادَةً. فهو يَعتمِدُ على أمورٍ يَصعُبُ الإِشارةُ إليها بالإِصبعِ: كمَلمَسِ النَّثرِ، وإيقاعِ المَشاهِدِ، ومَسارِ اهتِمامِ الكاتِبِ ونَظَرِهِ؛ ويَعتمِدُ على أمورٍ هيَ أشقُّ إشارةً وأشدُّ خَفاءً: كَصَبرِنا نَحنُ، وتاريخِنا الذّاتيِّ، وما نَرومُهُ مِنَ الكِتابِ في مَبدَأِ الأمرِ.
وإنَّ الشَّيءَ الوَحيدَ الّذي لا يَساوِرُني فيهِ شَكٌّ هوَ أنَّ الشَّخصيّاتِ الخالِدَةَ هيَ تِلكَ الّتي لا نَقْدِرُ على فكِّ ألغازِها؛ إنَّها تُبقِي على تَناقُضاتِها حيَّةً نابِضَةً، فنُداوِمُ نَحنُ على تأمُّلِها، ولا يَنقَضي ذلكَ التَّأمُّلُ أبَداً. دوروثيا بروك، وإيزابيل آرشر، وهاملت، وآنا كارينينا؛ نَحنُ لا نُجادِلُ في أمرِهِم على الرَّغمِ مِن تَناقُضاتِهِم، وإنَّما نُجادِلُ في أمرِهِم مِن أجلِها؛ فالتَّناقُضُ هوَ المَحْرِكُ الدَّفّاعُ، وهُوَ الّذي يَردُّنا إليهِم كَرَّةً بعدَ كَرَّةٍ. ولَعَلَّ الفَرقَ بينَ العُمقِ والخَطأِ يؤولُ إلى هذا الحَدِّ: أنَّ التَّناقُضَ العَميقَ يُولِّدُ مَزيداً مِنَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ، على حينَ يُخمِدُ التَّناقُضُ الخاطِئُ جذوَةَ الفِكرِ إخماداً. فالأوَّلُ يَفتَحُ أبوابَ السُّؤالِ، والثّاني يُغلِقُها؛ لا لِأنَّها أُجيبَت، إنَّما لِأنَّنا فَقَدنا الرَّغبةَ في السُّؤالِ. وليسَ عِندي خاتِمَةٌ مُحكَمَةٌ؛ فالسُّؤالُ يَتَجَدَّدُ كانفِتاحِ الجُرْحِ. كُلَّما حَسِبتُ أنَّني اهتَدَيتُ إلى العَتَبَةِ، نَأَت وانتقَلَت. فالشَّخصيَّةُ الّتي ناقَضَت نَفسَها فازدادَت عُمقاً، أُعيدُ فيها النَّظَرَ فإذا التَّناقُضُ كامِنٌ فيها مُنذُ البَدْءِ، قُدِّمَ لَهُ في المَشاهِدِ الأُولى ومَضى مُستَتِراً تحتَ ضَوءِ النَّهارِ؛ والشَّخصيَّةُ الّتي بَدَت ضَحْلةً مُسَطَّحةً، أُعيدُ فيها النَّظَرَ فإذا فيها مِنَ المَعاني ما جاوزَ رُؤيَتي، أو لَعَلَّهُ أَقَلُّ، أو مُغايِرٌ لِما ظَنَنتُ. فالأمرُ بُرمَّتِهِ قَلِقٌ مُتَقلِّبٌ، والأمرُ بُرمَّتِهِ نابِضٌ بِالحَياةِ.
وأحسَبُ أنَّ ذلِكَ هوَ جَوهَرُ المَرامِ.
