لِيُو تُولستُوي

 

ما كانَ لِمَحَطَّةِ القِطاراتِ في «أستابُوفُو» أن تَكونَ مَثوىً لِكُونتٍ يُحتَضَر؛ فَمِثلُهُ حَقُّهُ أن يُسلِمَ الرُّوحَ عَلى فِراشِه، مَحفوفاً بِحَشَمِهِ وأهلِه، بَعدَ أن رَتَّبَ ضَيعَتَه، وأعَدَّ روحَهُ لِلرَّحيل، واستَقَرَّت أُسطورَتُهُ عَلى الهَيئَةِ الَّتي سَتَخلُدُ في أذهانِ الأجيال. غَيرَ أنَّ «لِيُو تُولستُوي»، وقَد بَلَغَ الثّانيَةَ والثَّمانين، فَرَّ مِن دارِهِ في جَوفِ لَيلِ الثّامِنِ والعِشرينَ مِن أُكتُوبَر عامَ ١٩١٠، حامِلاً زاداً يَسيراً ومُذَكِّراتِه، تارِكاً وَراءَهُ زَوجَةً شاطَرَتهُ ثَمانِيَةً وأربَعينَ عاماً، وأبناءَهُ الثَّلاثَةَ عَشَرَ الباقينَ عَلى قَيدِ الحَياة، وضَيعَتَهُ المُترامِيَةَ الأطرافِ في «ياسنايا بُولْيانا»، وما اجتَمَعَ لَهُ مِن سُلطانٍ أدَبيٍّ وأخلاقيٍّ لَم يَكُن لَهُ نَظيرٌ في العالَمِ الحَديث. استَقَلَّ قِطاراً يَمَّمَ شَطرَ الجَنوب، قاصِداً «القُوقاز»، حَيثُ مَرابِعُ صِباه، مُتَّجِهاً إلى مَجهولٍ لا تَعيينَ فيه. ولَم يَصِل قَطّ. فَبَعدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، خَرَّ صَريعاً في القِطار، فحُمِلَ إلى «أستابُوفُو»، تِلكَ البَلدَةِ المَغمورَةِ عِندَ مُفتَرَقِ السِّكَك. هُناكَ، آثَرَهُ ناظِرُ المَحَطَّةِ «إيفان أُوزُولين» بِمَسكَنِه. وطَوالَ أُسبوعٍ كامل، عَسْكَرَت صَحافَةُ العالَمِ خَلفَ الأبواب، جَنباً إلى جَنبٍ مَعَ رِجالِ الشُّرطَةِ ومَبعوثي الحُكومَةِ وأفرادِ العائِلَةِ المَمنوعينَ مِنَ الدُّخول. ماتَ تُولستُوي في تِلكَ الغُرفَةِ المُستَعارَةِ في السّابِعِ مِن نُوفَمبَر، حادَّ الذِّهنِ حَتّى النَّفَسِ الأخير، يُملي الرَّسائِل، ويُجادِلُ الأطِبّاء، ويَأبى رُؤيَةَ زَوجَتِهِ حَتّى سَكَراتِهِ الأخيرَةِ حينَ غَيَّبَهُ الوَعي. وما كانَت آخِرُ كَلِماتِهِ المَحفوظَةِ في الدِّينِ أوِ الحُبِّ أو مَغزى الحَياة، إنَّما كانَت: «أمّا الفَلّاحون... فَكَيفَ يَلقى الفَلّاحونَ حَتفَهُم؟».

إنَّ ذلِكَ الفِرارَ والمَوتَ لَهُما مِن جِنسِ الحَوادِثِ الَّتي وُجِدَت لِأجلِها كُتُبُ التَّراجِم والسِّيَر؛ حَوادِثُ مُثقَلَةٌ بِالدَّلالات، مَلحَميَّةٌ، تَستَعصي عَلى الِاختِزال. إنَّها تَطوي مُعضِلَةَ تُولستُوي بِرُمَّتِها في أُسبوعٍ واحِد. فَالرَّجُلُ الَّذي حازَ كُلَّ شَيء؛ العَبقَريَّةَ، والمَجدَ، والأرضَ، والحَسَبَ، والصِّحَّةَ حَتّى عِقدِهِ التّاسِع، آثَرَ في خَواتيمِ أيّامِهِ ألّا يَملِكَ شَيئاً. أو قُل: رامَ التَّجَرُّدَ مِن كُلِّ شَيء، فَإذا بِهِ، حَتّى في سَعيهِ هَذا، يَغدو قِبلَةَ أضخَمِ مَشهَدٍ إعلاميٍّ شَهِدَتهُ رُوسيا. لا مَناصَ لَكَ مِنَ اعتِزالِ العالَمِ في هُدوءٍ إن كُنتَ أشهَرَ كاتِبٍ حَيّ؛ فالعالَمُ سَيَقتَفي أثَرَكَ إلى مُفتَرَقِ الطُّرُق، والعالَمُ سَيَنصِبُ آلاتِ التَّصويرِ خَلفَ نافِذَتِك، والعالَمُ سَيُطالِبُكَ بِأن تَجْعَلَ مِن مَوتِكَ رِوايَة. وهَكَذا أُجبِرَ تُولستُوي، الَّذي أفنى العُقودَ الثَّلاثَةَ الأخيرَةَ مِن حَياتِهِ فارّاً مِنَ الرِّوايات، عَلى نَسجِ حِكايَةٍ أخيرَة، شاءَ ذلِكَ أم أبى.

أرُومُ الحَديثَ عَن أُسلوبِ تُولستُوي، غَيرَ أنِّي لا أستَطيعُ إلى ذلِكَ سَبيلاً دونَ الخَوضِ في سيرَتِه، ولا سَبيلَ إلى الخَوضِ في سيرَتِهِ دونَ الوُقوفِ عَلى العَقَبَةِ الكَأداءِ الَّتي تُعَسِّرُ كُلَّ حَديثٍ عَنه: ألَا وهِيَ ضَخامَتُه. إنَّهُ أضخَمُ مِن أن يُحاطَ بِه، وأوسَعُ مِن أن يُحصى. كُلُّ حُكمٍ تُطلِقُهُ عَلَيه - سَواءٌ أقُلتَ إنَّهُ عَبقَريّ، أو مُستَبِدّ، أو قِدّيس، أو مُدَّعٍ، أو عاشِقٌ لِلدُّنيا، أو ماقِتٌ لِلجَسَد، أو أعظَمُ كاتِبٍ واقِعيٍّ عَرَفَهُ التّاريخ، أو كاتِبُ مَنشوراتٍ هَجَرَ الفَنَّ إلى الدِّعايَة - هُوَ حُكمٌ يَصدُقُ في مَوضِعٍ ما ضِمنَ سِنيهِ الثِّنتَينِ والثَّمانين، وضِمنَ مُجَلَّداتِهِ التِّسعينَ الَّتي ضَمَّت أعمالَهُ الكامِلَة. وما هَذِهِ المُتَناقِضاتُ بِقُصورٍ في فَهمِنا، إنَّما هيَ جَوهَرُ الرَّجُل. لَقَد صَوَّرَهُ «إيسايا بِرلِين»، في مَقالَتِهِ الشَّهيرَةِ «القُنفُذ والثَّعلَب»، عَلى أنَّهُ الثَّعلَبُ الَّذي تَحَسَّرَ ألّا يَكونَ قُنفُذاً؛ أيِ المُتَعَدِّدُ النَّزَعاتِ الَّذي يَتَطَلَّعُ إلى الوَحدَة، والمُراقِبُ لِتَفاصيلَ لا تَتَناهى بَينَما يَتَعَطَّشُ لِحَقيقَةٍ واحِدَة. وقَد تَبدو هَذِهِ الصِّياغَةُ مُفرِطَةً في التَّبسيط، كَما أَقَرَّ بِرلِين نَفسُهُ بَعضَ الإقرار، إلّا أنَّها تَقبِضُ عَلى شَيءٍ جَوهَريّ: كانَت عَبقَريَّةُ تُولستُوي كامِنَةً في الكَثرَةِ والتَّعَدُّد، أمّا عَذابُهُ فكانَ نابِعاً مِنِ اعتِقادِهِ أنَّ التَّعَدُّدَ خَطيئَة.

والأُسلوبُ حينَ يَتَجَلّى، إنَّما هُوَ لِسانُ هَذا العَذاب. فَنَثرُ تُولستُوي - وأعني بِهِ نَثْرَهُ في رِوايَتَيهِ العَظيمَتَين «الحَرب والسَّلام» و«آنا كارِينينا»، وبِدَرَجَةٍ أقَلَّ في أعمالِهِ الأُخرى قَبلَ أن يَهجُرَ الأدَبَ الخَياليّ - لا يُشبِهُ شَيئاً مِمّا سَبَقَهُ في الأدَبِ الرُّوسيّ، أو لَعَلَّهُ أيُّ أدَبٍ آخَر. لا يَتَحَلّى بِجَمالِ «فلُوبير»، ولا بِرَنينِ «تُورغِينيف» وموسيقاه. لا يَستَجدي الِالتِفاتَ إلَيه، إنَّما يَتَّسِمُ بِالشَّفافِيَّة، كَأنَّما اللُّغَةُ نافِذَةٌ صُقِلَت حَتّى نَسيتَ وُجودَ الزُّجاجِ فيها. وقَد قَدَّمَ «فلاديمير نابُوكُوف»، الَّذي مَقَتَ نَزعَةَ تُولستُوي الأخلاقيَّةَ وحَسَدَهُ عَلى مَكانَتِه، أَدَقَّ وَصفٍ لِهَذا الأثَر، إذ قالَ إنَّ نَثرَ تُولستُوي يَتَحَرَّكُ «بِرَشاقَةِ دُبٍّ ثَقيل»؛ وهِيَ صُورَةٌ تَنطِقُ بِالجَلالِ وما يَبدو مِنِ انطِماسِ الصَّنعَة. فَالدُّبُّ لا يَرقُص، إنَّما يَمشي في الغابَةِ مِشيَتَه، فَيَنحَني لَهُ كُلُّ شَيءٍ في طَريقِهِ أو يَنكَسِر، ولا تَملِكُ إلّا أن تُديمَ النَّظَرَ إلَيه؛ لِأنَّ الدُّبَّ هُوَ الغابَة، وهُوَ العالَم، وهُوَ كُلُّ شَيء.

ومَعلومٌ أنَّ هَذِهِ الشَّفافِيَّةَ مَحضُ إيهام، وقَد تَهَيَّأت بِفَضلِ خِياراتٍ فَنِّيَّةٍ دَقيقَةٍ قابِلَةٍ لِلتَّحليل، رُغمَ أنَّ تَحليلَها يُشبِهُ تَشريحَ حَيَوانٍ حَيّ. إنَّ صَنيعَةَ تُولستُوي الكُبرى - وهِيَ صَنيعَةٌ بَلَغَت مِنَ التَّأثيرِ حَدّاً جَعَلَها خَفِيَّة، شَأنَها شَأنَ الصَّنائِعِ الَّتي حَواها إنجيلُ المَلِك جيمس - تَتَمَثَّلُ في استِخدامِ ما أسماهُ الشَّكلِيّونَ الرُّوس بِـ«التَّغريب» أو «نَزعِ الأُلفَة». وهُوَ مُصطَلَحٌ نَحَتَهُ «فيكتُور شِكلُوفسكي» عامَ ١٩١٧ خِصِّيصاً لِوَصفِ مَنهَجِ تُولستُوي، ويُقَصَدُ بِهِ تِلكَ البَراعَةُ في وَصفِ الأشياءِ كَأنَّكَ تَراها لِلمَرَّةِ الأُولى، دونَ ذلِكَ الغِشاءِ مِنَ الِاعتِيادِ الَّذي يُغَلِّفُ إدراكَنا عادَةً. ويَضرِبُ شِكلُوفسكي مَثَلاً لِذلِكَ بِوَصفِ تُولستُوي لِمَشهَدِ جَلدٍ في قِصَّةِ «بَعدَ الحَفل»؛ فَهُوَ لا يَكتَفي بِالقَولِ «جُلِدَ الجُنديّ»، بَل يَصِفُ الظَّهرَ العاري، وتَبَدُّلَ لَونِ اللَّحمِ تَحتَ وَقعِ السِّياط، وإيقاعَ الذِّراعِ الهاوِيَة، ووَقعَ الصَّوت. لا يَسمَحُ لَكَ بِالرُّكونِ إلى مَفهومِ «الجَلد» الَّذي يُغريكَ بِهَزِّ رَأسِكَ والمُضِيِّ قُدُماً، إنَّما يُرغِمُكَ عَلى مُعايَنَةِ الفِعلِ ذاتِهِ في تَفاصيلِهِ المُجَسَّدَة، فَيَغدو المَشهَدُ فَوقَ ما يُحتَمَل.

هَذا هُوَ مَنهَجُ رِواياتِه، يُطبِّقُهُ عَلى كُلِّ شَيء: الحَربِ، والمَخاضِ، والزِّراعَةِ، والرَّقصِ، والمَوتِ، والصَّلاةِ، والصَّيدِ، والوُقوعِ في الحُبّ. يُصِرُّ تُولستُوي عَلى عَرضِ كُلِّ تَجرِبَةٍ وكَأنَّ أحَداً لَم يَكتُب عَنها مِن قَبل. وأصفى أمثِلَةِ ذلِكَ هُوَ المَشهَدُ الشَّهيرُ في «الحَرب والسَّلام»، حَيثُ يَرقُدُ الأميرُ «أندريه» جَريحاً في ساحَةِ مَعرَكَةِ «أُوستَرلِتز» شاخِصاً بَصَرُهُ إلى السَّماء. كانَتِ السَّماءُ «عاليَةً، غَيرَ صافِيَة، ولَكِنَّها في غايَةِ العُلُوّ، تَزحَفُ عَبْرَها سُحُبٌ رَمادِيَّةٌ في بُطء». لَقَد رَأى أندريه السَّماءَ مِن قَبل، وشَهِدَ المَعارِكَ مِن قَبل، ولَكِنَّهُ في تِلكَ اللَّحظَة، وهُوَ يَنزِفُ وشارَفَ عَلى الهَلاك، يَرى السَّماءَ كَأنَّما يَبصُرُها لِأوَّلِ مَرَّة، فَتُعيدُ هَذِهِ الرُّؤيَةُ صِياغَةَ فَهمِهِ لِما هُوَ حَقٌّ وجَديرٌ بِالِاهتِمام. يَأتي نابُليُون، الَّذي كانَ بَطَلَهُ المُفَضَّل، فَيُطِلُّ عَلَيهِ ويَنطِقُ بِكَلِماتٍ عَنِ المَوتَةِ الجَميلَة، فَيَقَعُ صَوتُهُ في أُذُنِ أندريه كَأنَّهُ «طَنينُ ذُبابَة»، حَقيرٌ لا شَأنَ لَهُ أمامَ صَمتِ تِلكَ السَّماءِ العَظيمَة. لا يُخبِرُنا تُولستُوي أنَّ أندريه مَرَّ بِتَحَوُّلٍ رُوحيّ، إنَّما يُرِينا السَّماء، وتَتَكَفَّلُ السَّماءُ بِالباقي.

وما هَذا المَنهَجُ بِواقِعِيَّةِ التَّوثيق، إنَّما هُوَ واقِعِيَّةُ التَّجَلّي والإفصاح. كانَ تُولستُوي يُؤمِنُ - وهُوَ إيمانٌ حَرَّكَ كُلَّ ما خَطَّتهُ يَداهُ، بِما في ذلِكَ مَقالاتُهُ الأخلاقيَّةُ المُتَأخِّرَةُ الَّتي تَبدو وكَأنَّها تَتَنَصَّلُ مِن رِواياتِه - أنَّ الحَقيقَةَ قَدِ احتَجَبَت تَحتَ رُكامِ العادَةِ، والعُرفِ، والحِكاياتِ الَّتي نَسرِدُها عَلى أنفُسِنا لِنُطيقَ مَشَقَّةَ العَيش. ومُهِمَّةُ الكاتِبِ إزالَةُ هَذِهِ الحُجُب، فَلا يَختَلِقُ إنَّما يَكشِف. فَالرِّوائيُّ في هَذا المَقامِ مُستَكشِفٌ لا خالِق، وعالِمُ آثارٍ يَنقُبُ عَنِ الواقِع. حينَ يَصِفُ تُولستُوي الحِوارَ الباطِنيَّ لِـ«آنا كارِينينا» في السّاعاتِ الَّتي سَبَقَتِ انتِحارَها، في تِلكَ الفِقرَةِ الشَّهيرَةِ الَّتي تُستَهَلُّ بِقَولِه: «وتَوَهَّجَتِ الشَّمعَةُ الَّتي كانَت تَقرَأُ عَلى ضَوئِها ذلِكَ الكِتابَ المُترَعَ بِالقَلَقِ والخِداعِ والفَجيعَةِ والشَّرّ، وتَأجَّجَت أسطَعَ مِمّا كانَت يَوماً»، فَهُوَ لا يَصطَنِعُ حالَةً نَفسِيَّةً مُحتَمَلَة، إنَّما يَنقُلُ أطواراً مِن عالَمٍ زارَهُ واختَبَرَه. يُخبِرُكَ كَيفَ يَكونُ العَقلُ حينَ يَحسِمُ أمرَهُ لِلمَوت، ويَأتي إخْبارُهُ مُجَلَّلاً بِيَقينِ شاهِدِ العِيان.

والسُّؤالُ الَّذي أَرَّقَ تُولستُوي، والَّذي يَنبَغي أن يُؤرِّقَ كُلَّ مَن يَأخُذُ أدَبَهُ مَأخَذَ الجِدّ: ما الَّذي يَمنَحُ الكاتِبَ سَبيلاً إلى ذلِكَ العالَم؟ كَيفَ لَكَ أن تَعلَمَ ما حَسَّت بِهِ آنا؟ وكَيفَ تُدرِكَ ما رآهُ الأميرُ أندريه في السَّماء؟ الجَوابُ عِندَ تُولستُوي قَطعيٌّ لا يَتَوَقَّفُ عِندَ حُدودِ «الخَيال»، إنَّما يَتَجاوَزُهُ إلى شَيءٍ يُشبِهُ التَّوَحُّد، تَوَحُّداً تامّاً تَتَلاشى مَعَهُ الحُدودُ بَينَ الذّاتِ والآخَر. يَتَقَمَّصُ شَخصِيّاتِهِ أو تَتَقَمَّصُهُ هِي، فَيَنبَثِقُ نَثرُهُ حامِلاً طابَعَ البَوحِ والِاعتِرافِ حَتّى وهُوَ يَسرِدُ أحداثاً مِن نَسجِ الخَيال. ولِهَذا السَّبَبِ نَلمَسُ في رِواياتِ تُولستُوي صِدقاً يَفوقُ صِدقَ الحَياةِ ذاتِها؛ لا لِكِياسَتِها ودِقَّتِها فَحَسب - وإن كانَت كَذلِكَ إلى حَدٍّ يُعجِزُ البَشَر - بَل لِأنَّها حَياةٌ مَعيشَةٌ بِالفِعل. لَقَد كانَ المُؤَلِّفُ هُناك، لَقَد كانَ المُؤَلِّفُ هُوَ كُلُّ هَؤُلاء.

أمّا ثَمَنُ هَذِهِ المَلَكَةِ عَلى صاحِبِها، فَكانَ صِراعاً لَم يَهدَأ لَهُ فيهِ بال.

وإن قُدِّرَ لَكَ أن تَقرَأَ يَوميّاتِ تُولستُوي - وهِيَ مُتاحَةٌ اليَومَ بِالعَرَبية في سِتة أَجزاء مَليئةً بِالتَّكرارِ، والإرهاقِ، والرَّوعَةِ - لَوَجَدتَ نَفسَكَ أمامَ رَجُلٍ لا يَكُفُّ عَن مُراقَبَةِ نَفسِه. تَبدَأُ المُذَكِّراتُ عامَ ١٨٤٧، حينَ كانَ في الثّامِنَةَ عَشرَة، وتَستَمِرُّ بِلا انقِطاعٍ يُذكَرُ حَتّى مَماتِه. وتَلوحُ التَّدويناتُ الأُولى في صُورَةٍ مُضحِكَةٍ لِتَهذيبِ النَّفس: جَداوِلُ لِليَوم، وقَواعِدُ لِلسُلوك، وقَوائِمُ لِما يَجِبُ دِراسَتُه. «يَجِبُ أن أكتَسِبَ أُسلوباً حَسَناً، وأن أعتادَ الكِتابَة»، «يَجِبُ أن أتَذَكَّرَ أنِّي لَستُ وَحدي، بَل أعيشُ مَعَ الآخَرين»، «يَجِبُ أَلّا أقامِر». وتُنتَهَكُ القَواعِدُ سِراعاً، ويُسَجَّلُ الِانتِهاكُ بِذاتِ الدِّقَّةِ الَّتي وُضِعَت بِها. يُقامِرُ تُولستُوي الشّاب، ويُعاقِرُ الخَمرَ، ويَلهو مَعَ البَغايا، ويُهدِرُ الوَقت، ثُمَّ يُدَوِّنُ في تَفصيلٍ دَقيقٍ ما اقتَرَفَت يَداهُ ومَدى مَقتِهِ لِنَفسِهِ جَرّاءَ ذلِك. لَقَد كانَت مُذَكِّراتُهُ ضَرباً مِن تِقنِيّاتِ المُراقَبَةِ الذّاتِيَّةِ قَبلَ أن يوجَدَ لِهَذِهِ التِّقنِيّاتِ أثَر.

ومَعَ تَقَدُّمِهِ في العُمُر، تَشتَدُّ وَطأةُ هَذِهِ المُراقَبَة. فَتَغدو المُذَكِّراتُ مِحراباً لا يُدَوِّنُ فيهِ أفعالَهُ فَحَسب، بَل أفكارَهُ، وأحلامَهُ، وعاداتِهِ الجَسَدِيَّة، وأحوالَهُ الرُّوحِيَّة. لا شَيءَ أصغَرُ مِن أن يُدَوَّن، ولا شَيءَ أشدُّ حَياءً مِن أن يُكتَب. جاءَ في تَدوينَةِ السّادِسِ مِن يَنايِر عامَ ١٨٥٧ المَكتوبَةِ في بارِيس: «رَأيتُ حُكمَ إعدامٍ يُنَفَّذُ بِالمِقصَلَة. شابٌّ قَويٌّ مَوفورُ الصِّحَّة. فُصِلَ الرَّأسُ عَنِ الجَسَد. أمرٌ يَستَحيلُ وَصفُه. لَن أشهَدَ مِثلَ هَذِهِ المَشاهِدِ ثانِيَةً». تَدوينَةٌ قَصيرَة، تَكادُ تَكونُ جافَّة، ولَكِنَّها تُؤذِنُ بِنُقطَةِ تَحَوُّل. الرَّجُلُ الَّذي خَطَّها كانَ سائِحاً، ونَبيلاً شابّاً يَستَكشِفُ أُورُوبّا. وبَعدَ ذلِكَ الصَّباحِ في باريس، استَحالَ شَيئاً آخَر. نَفَذَتِ المِقصَلَةُ إلى أعماقِهِ كَما نَفَذَتِ السَّماءُ إلى الأمير أندريه؛ تَجَلِّياً أعادَ صِياغَةَ كُلِّ شَيء. سَيُفني ما بَقِيَ مِن عُمُرِهِ مُحاوِلاً فِقهَ ما رَأى، وسَيَسلُكُ في ذلِكَ مَسالِكَ الفَنِّ والفَلسَفَةِ والدِّين، لِيَنتَهيَ بِهِ المَطافُ إلى نَوعٍ مِنَ الفَوضَوِيَّةِ المَسيحيَّةِ الَّتي تَرفُضُ سُلطَةَ الدَّولَة، مَردُّ ذلِكَ إلى ادِّعاءِ الدَّولَةِ حَقَّ إزهاقِ الرُّوح.

غَيرَ أنَّ المُذَكِّراتِ أبعَدُ مِن أن تَكونَ سِجِلّاً لِلحَوادِث، إنَّها سِجِلٌّ لِوَعيٍ يَلتَهِمُ نَفسَه. يُراقِبُ تُولستُوي نَفسَهُ وهِيَ تُراقِبُ نَفسَها. يُحَلِّلُ تَحليلَه. تِلكَ حَلقَةٌ مُفَرَّغَةٌ لا تَنغَلِقُ أبَداً؛ إذ ثَمَّةَ دائِماً طَبَقَةٌ أُخرى مِنَ الوَعيِ الذّاتيِّ تَنتَظِرُ مَن يُميطُ عَنها اللِّثام، وهَذا الكَشفُ لا يَجلِبُ السَّكينَةَ قَطّ. وما «الحَرب والسَّلام» و«آنا كارِينينا»، مِن بَينِ أُمورٍ أُخرى، إلّا خُلاصَةُ هَذِهِ المُذَكِّراتِ وقَد صُرِفَت إلى صَنعَةِ الفَنّ. فَشَخصِيّاتُ تِلكَ الرِّواياتِ تَتَفَكَّرُ في فِكرِها كَما كانَ تُولستُوي يَتَفَكَّرُ في فِكرِه. فَها هُوَ ذا «نيكُولاي رُوستُوف»، في حَميَّةِ الوَغى، يَشعُرُ بِجَوادِهِ يَخِرُّ تَحتَه، فَيَعدو صَوبَ خُطوطِ الفَرَنسِيِّين، ولا يُدرِكُ حَقيقَةَ ما يَجري إلّا لاحِقاً، حينَ يَقُصُّ الحِكايَةَ عَلى الآخَرين، فَيَراها قَدِ اتَّخَذَت قالَباً سَردِيّاً. وها هُوَ ذا «ليفِين»، في «آنا كارِينينا»، يَقضي الرِّوايَةَ بِأسرِها باحِثاً عَنِ الإيمانِ بِكَدِّ عَقلِه، فَلا يَجِدُهُ إلّا حينَ يَكُفُّ عَنِ التَّفكير؛ إذ يُلقي إلَيهِ فَلّاحٌ بِكَلِمَةٍ بَسيطَةٍ عَنِ الحَياةِ في سَبيلِ اللَّهِ لا في سَبيلِ البَطن، فَيَفقَهُ ليفينُ المَغزى بَغتَةً ودونَ حُرُوف، فِقهاً يَتَعَذَّرُ صَبُّهُ في قالَبِ اللُّغَةِ دونَ أن يَشوبَهُ زَيف.

تِلكَ هِيَ المُفارَقَةُ القابِعَةُ في صَميمِ أُسلوبِ تُولستُوي وحَياتِه: لَقَدِ اتَّخَذَ مِنَ اللُّغَةِ مَطِيَّةً لِتَجاوُزِ اللُّغَة. شَغَلَهُ التَّفكيرُ المُضني في حُدودِ الفِكر. ودَبَّجَ آلافَ الصَّفَحاتِ لِيُبرِهِنَ أنَّ أصدَقَ الأشياءِ تَستَعصي عَلى المِداد. وما هَذا التَّناقُضُ بِعِلَّةٍ في نَسَقِه، إنَّما هُوَ النَّسَقُ ذاتُه. كانَ مَوضُوعُ تُولستُوي الأجَلّ، والَّذي طالَما عاوَدَهُ في كُلِّ صِنفٍ ومَقام، هُوَ قُصورُ التَّعبير - تِلكَ الهُوَّةُ بَينَ ما يُمكِنُ البَوحُ بِهِ وما هُوَ حَقّ - وتَكمُنُ عَظَمَتُهُ كَكاتِبٍ في جُرأتِهِ عَلى التَّحليقِ في رِحَابِ تِلكَ الهُوَّةِ بَدَلاً مِن إنكارِ وُجودِها.

وتَتَجَلّى هَذِهِ الهُوَّةُ بوضُوحٍ في أعمالِ مَرحَلَتِهِ المُتَأخِّرَة، في السِّنينَ الَّتي أعقَبَت أزمَتَهُ الرُّوحِيَّةَ في سَبعينِيّاتِ القَرنِ التّاسِعَ عَشَر، حينَ نَبَذَ رِواياتِهِ وأخَذَ يُؤَلِّفُ المَواعِظَ، والِاعتِرافاتِ الدِّينِيَّة، والمَطاعِنَ في الكَنيسَة، والدَّولَة، والمِلكِيَّةِ الخاصَّة، والشَّهوَةِ الجِنسِيَّة، بَل وفي الفَنِّ نَفسِه. وكَثيراً ما يُكابِدُ عُشّاقُ رِواياتِهِ المَشَقَّةَ في استِساغَةِ هَذِهِ الأعمال؛ فَهيَ مُكَرَّرَةٌ، جافَّةٌ، ومُطلَقَة. يُمْلي عَلَيكَ تُولستُوي ما يَجِبُ أن تُفَكِّرَ فيه. وتَفزَعُ الشَّفافِيَّةُ عَن نَثرِه، فَيُمسي وعائِيّاً تَعليمِيّاً، وتَنقَلِبُ النافِذَةُ إلى مِنبَر. في مَقالَتِهِ المُطَوَّلَةِ المُؤَرَّخَةِ عامَ ١٨٩٧ «ما الفَنّ؟»، يَذهَبُ إلى أنَّ جُلَّ ما نَدعوهُ فَنّاً - شامِلاً أعمالَ «شِكسپِير»، و«بِيتْهُوفِن»، ورِواياتِهِ هُوَ نَفسِه - ما هُوَ إلّا زَيف، ونِتاجُ انحِطاطٍ وتَرَفٍ طَبَقيّ، صُمِّمَ لِمُداهَنَةِ الأغنِياءِ وإلهاءِ الفُقَراء. ويُصِرُّ تُولستُوي حينَذاكَ عَلى أنَّ الفَنَّ الأصيلَ يَجِبُ أن يَكونَ يَسيراً، مُتاحاً، مُرَقِّياً لِلأخلاق، وتَجمَعُهُ رُوحٌ دِينيَّةٌ واحِدَة. فَتِلكَ الأغاني الَّتي يَشدُو بِها الفَلّاحونَ في «ياسنايا بُولْيانا» هِيَ الفَنّ، أمّا «المَلِك لِير» فَلَيسَ كَذلِك.

وتَتوقُ النَّفسُ إلى عَدِّ هَذا صَدعاً أو قَطيعَة؛ كَأنَّ الكاتِبَ العَظيمَ قَد هَلَكَ بِيَدِ تَعَصُّبِه، وأنَّ الفَنّانَ قُتِلَ عَلى يَدِ القِدّيس. غَيرَ أنَّ «جُورج أُورْوِيل»، في كِتاباتِهِ عامَ ١٩٤٧، رَأى في هَذا الصِّراعِ وَجهاً آخَر؛ فَاحتَجَّ بِأنَّ لاهوتَ تُولستُوي المُتَأخِّرَ لَم يَكُن تَنَصُّلاً مِن قِيَمِهِ السّابِقَة، إنَّما هُوَ امتِدادٌ لَها، ومُبالَغَةٌ في ذاتِ النَّزعَةِ نَحوَ الحَقيقَةِ والأصالَةِ الَّتي أنتَجَت رِواياتِه. فَالرَّجُلُ الَّذي وَصَفَ المَعرَكَةَ بِدِقَّةٍ لا تُحتَمَل، هُوَ عَينُهُ الرَّجُلُ الَّذي لَم يُطِق لاحِقاً المَشاعِرَ المُزَيَّفَةَ في الأُوبِرا. والرَّجُلُ الَّذي كَشَفَ زَيفَ التَّقاليدِ الِاجتِماعِيَّةِ في رَدَحاتِ «آنا كارِينينا»، هُوَ عينُهُ الرَّجُلُ الَّذي كَشَفَ لاحِقاً زَيفَ عُرفِ المِلكِيَّةِ الخاصَّة. وما هَذا المَسارُ بِقَطيعَة، إنَّما هُوَ خاتِمَةٌ مَنطِقِيَّة. فَإن أنتَ قَشَّرتَ ما يَكفي مِنَ الطَّبَقات، سَيَنتَهي بِكَ المَطافُ إلى تَعريَةِ كُلِّ شَيء، حَتّى تَقِفَ عَلى أرضٍ جَرداء؛ وتِلكَ الأرضُ الجَرداءُ هِيَ الحَقيقَةُ القائِلَةُ بِأنَّ الحَياةَ مُقَدَّسَةٌ لا تُباعُ ولا تُشتَرى ولا تُسلَب، وما عَدا ذلِكَ فَلَيسَ سِوى تَزويقٍ وخِداع.

وأرى أنَّ أُورويل قَد أصابَ في أمرِ الِاتِّصال، ولَكِنَّهُ أخطَأ في تَقديرِ قيمَةِ ما فُقِد. إنَّ الأرضَ الجَرداءَ حَقيقَةٌ ثابِتَة، وأعمالُ تُولستُوي المُتَأخِّرَةُ تَشهَدُ بِهَذِهِ الحَقيقَةِ في صَفاءٍ مُخيف. ولَكِنَّ الرِّواياتِ تَشهَدُ بِشَيءٍ آخَر: وهُوَ أنَّ ذلِكَ التَّزويقَ، والخِداعَ، وطَبَقاتِ الحَياةِ الِاجتِماعِيَّةِ والتَّعقيدِ النَّفسيّ، أُمورٌ حَقيقِيَّةٌ أيضاً، وهِيَ مِن صُلْبِ المُقَدَّس، وجَديرَةٌ بِالرِّعايَةِ والِاهتِمام. كانَ تُولستُوي يُدرِكُ ذلِكَ حينَ خَطَّ رِواياتِه، وبَقِيَ يُدرِكُهُ في مَرحَلَتِهِ المُتَأخِّرَة، رُغماً عَنه. فَالقِصَصُ المُتَأخِّرَةُ - مِثلُ «مَوت إيفان إِيلْيِتش»، و«السَّيِّد والخادِم»، و«الأب سِيرْجِيُوس»، و«حاجي مُراد» - أعمالٌ خَياليَّةٌ كُتِبَت بَعدَ تَنَصُّلِهِ المَزعومِ مِنَ الخَيال، وتَضُمُّ بَينَ دَفَّتَيها رَوائِعَ إبداعِه. فَلَم يَكُنِ التَّنَصُّلُ كامِلاً يَوماً؛ لِأنَّ الهِبَةَ لَم تُسلَب مِنهُ قَطّ. واصَلَ الدُّبُّ مَسيرَهُ في الغابَة، حَتّى بَعدَ أن أعلَنَ الدُّبُّ أنَّ الغاباتِ رِجسٌ وأنَّ المَسيرَ باطِل.

وتُعَدُّ قِصَّةُ «مَوت إيفان إِيلْيِتش» - المَكتوبَةُ عامَ ١٨٨٦، بَعدَ الأزمَة - أصفى تَعبيرٍ مُتَأخِّرٍ عَن مَنهَجِ تُولستُوي. إيفان إيليتش قاضٍ، رَجُلٌ مُتَوَسِّطُ الطُّموحِ مُفرِطٌ في التَّقليدِيَّة، يَمرَضُ ويُحتَضَرُ عَلى مَدارِ مِئَةِ صَفحَة. وما مَبعَثُ الرُّعبِ في القِصَّةِ وُقوعُ أحداثٍ جَسيمَة، إنَّما مَبعَثُهُ انتِفاءُ تِلكَ الأحداث. فَحَياةُ إيفان عاديَّة، وعَذابُهُ عاديّ، ومَوتُهُ عاديّ؛ وهَذا العادِيُّ هُوَ قِمَّةُ المَأسَاة. يُرِينا تُولستُوي بِشَفافِيَّتِهِ المَعهودَةِ كَيفَ يَتَجَرَّعُ المَرءُ غُصَصَ المَوتِ البَطيءِ بَينَ قَومٍ يَأبَونَ الِاعتِرافَ بِاحتِضارِه، لِأنَّ في مَوتِهِ تَنغيصاً عَلَيهِم. المُقَدِّمَةُ الشَّهيرَة، الَّتي يَتَلَقّى فيها زُمَلاءُ إيفان نَبَأَ وَفاتِهِ فَيَشرَعونَ مِن تَوِّهِم في حِسابِ ما سَيَجُرُّهُ ذلِكَ مِن مَكاسِبَ لِمَناصِبِهِم، تُمَثِّلُ سُخريَةَ تُولستُوي في أمضى تَجَلِّياتِها. أمّا الخاتِمَة، حَيثُ يُبصِرُ إيفان في نَزْعِهِ الأخيرِ نُوراً، ويَستَشعِرُ انقِشاعَ خَوفِه، ويَقولُ في نَفسِه: «إذَن هَذا هُوَ الأمر! ...يا لَهُ مِن فَرَح!» ويَموت - فَهِيَ شَأنٌ آخَر. إنَّهُ التَّجَلّي، مَسوقاً بِلا تَعقيب، ولا لاهُوت، ولا عُدَّةٍ أخلاقِيَّةٍ أفنى تُولستُوي عَقداً في حِياكَتِها. لَقَد عادَتِ النافِذَةُ صَقيلَةً صَافِيَة، لِتَرى ما رآه.

النافِذَة، والشَّفافِيَّة، والأرضُ الجَرداء - مَجازاتٌ تُشيرُ كُلُّها إلى سِمَةٍ واحِدَة، وهِيَ السِّمَةُ الَّتي تَجعَلُ مُحاكاتَهُ مُستَحيلَةً، وتَجعَلُ عِشقَهُ مَحفوفاً بِالمَخاطِر. إنَّ أيَّ كاتِبٍ يَبتَغي النَّسجَ عَلى مِنوالِه - ولَكَم حاوَلَ الكَثيرون، بَدءاً مِن حَداثِيِّي الرُّوس، مُروراً بِـ «هِمِنْغواي»، ووُصولاً إلى يَومِنا هَذا - سُرعانَ ما يَكتَشِفُ أنَّ هَذا الأُسلوبَ لَيسَ صَنعَةً تُكتَسَب، إنَّما هُوَ رِياضَةٌ رُوحيَّة، أو حالَةٌ نَفسِيَّة، أو شُذوذٌ عَصَبيّ. لا يُمكِنُكَ أن تَعقِدَ العَزمَ عَلى رُؤيَةِ العالَمِ كَأنَّكَ تُبصِرُهُ لِأوَّلِ مَرَّة. ولا يُمكِنُكَ أن تَتَدَرَّبَ عَلى «التَّغريب» كَما تَتَدَرَّبُ عَلى صِياغَةِ الجُمَلِ الثّانَوِيَّة. لا يَستَقيمُ هَذا المَنهَجُ إلّا إذا كانَتِ البَصيرَةُ صادِقَة، ولا تَكونُ صادِقَةً إلّا إن كانَ فيكَ شَيءٌ مَكسورٌ أو مَفتوحٌ عَلى نَحوٍ يَندُرُ في سائِرِ النّاس.

وتُؤَكِّدُ سِيَرُهُ بِاستِفاضَةٍ أنَّ تُولستُوي لَم يَكُن مَألوفَ الطِّباع. فالمُذَكِّرات، والرَّسائِل، ومَروِيّاتُ ذَويه - ومُذَكِّراتُ زَوجَتِهِ «صُونْيا أو صُوفيا» وَحدَها تَبلُغُ عِدَّةَ مُجَلَّدات - كُلُّها تُصَوِّرُ رَجُلاً بالِغَ الحِدَّة، مُتَقَلِّبَ الأطوار، عاصِفَ المِزاج. كانَ قادِراً عَلى أن يَجمَعَ بَينَ الرِّقَّةِ والوَحشِيَّةِ في السّاعَةِ ذاتِها. أنجَبَ ثَلاثَةَ عَشَرَ طِفلاً وكَتَبَ قِصَّةً قَصيرَةً هِيَ «سُونَاتا كْرُويْتزَر» يَدعو فيها إلى التَّبَتُّلِ المُطلَق. دَعا إلى الزُّهْدِ والفَقرِ وهُوَ يَرفُلُ في ضَيعَةٍ يَخدِمُهُ فيها ألفُ قِنّ. طَعَنَ في الكَنيسَةِ الأُرثوذُكسِيَّةِ وابتَدَعَ نُسخَتَهُ الخاصَّةَ مِنَ المَسيحيَّة. وتَعَلَّمَ اليُونانِيَّةَ في ثَلاثَةِ أشهُرٍ ووَضَعَ كِتاباً في النَّحوِ لِأبناءِ الفَلّاحين. وتَراسَلَ مَعَ «غاندي»، الَّذي اقتَبَسَ مَذهَبَ اللّاعُنفِ مِن كِتابِ تُولستُوي «مَلَكوتُ الرَّب في داخِلِكُم». وقَد خاصَمَ كُلَّ مَن أحَبَّه، لا سِيَّما زَوجَتَهُ الَّتي قَضَت سِنيَّ زَواجِها الأخيرَةَ في حالَةٍ تُقارِبُ الهيستيريا؛ تَتَسَمَّعُ خَلفَ الأبواب، وتُهَدِّدُ بِالِانتِحار، وتَقرَأُ مُذَكِّراتِه، وتَكتُبُ مُذَكِّراتِها. كانَ زَواجُهُما رِوايَةً عاشَها تُولستُوي بَدَلاً مِن أن يَكتُبَها؛ مَأسَاةً كُبرى ومُرَوِّعَةً مِنَ الحُبِّ والحِقد، انتَهَت فُصولُها كَما رَأيْنا في مَحَطَّةِ قِطار.

وما القَصدُ إثباتَ أنَّهُ كانَ مُرائياً - وإن كانَ كَذلِك، إنَّما العِبرَةُ في أنَّ السِّمَةَ ذاتَها الَّتي مَكَّنَتهُ مِنَ النَّفاذِ بِبَصيرَتِهِ إلى كُلِّ شَيء - إلى الأعرافِ الِاجتِماعِيَّة، إلى اللُّغَة، وإلى دَوافِعِهِ الشَّخصِيَّة - هِيَ ما جَعَلَتِ الحَياةَ البَشَرِيَّةَ العادِيَّةَ مُستَحيلَةً عَلَيه. لا طاقَةَ لَكَ بِالعَيشِ مَعَ رَجُلٍ يَخْتَرِقُكَ بِنَظَراتِه. ولا طاقَةَ لَكَ بِأن تَكونَ ابناً لِرَجُلٍ يُبصِرُ ما وَراءَ الطُّفولَة. ولا طاقَةَ لَكي بِأن تَكوني زَوجَةً لِرَجُلٍ يُدَوِّنُ في مُذَكِّراتِهِ تَقييماتٍ دَقيقَةً لِشَخصِيَّتِكِ، لا يُفْتَرَضُ بِكِ قِراءَتُها ولَكِنَّكِ تَفعَلين، لِأنَّهُ يَترُكُ المُذَكِّراتِ في المُتَناوَلِ وتَكادينَ تُجَنِّينَ مِن شِدَّةِ الرَّغبَةِ في مَعرِفَةِ ما يُفَكِّرُ فيهِ حَقّاً. لَقَد كانَت شَفافِيَّةُ تُولستُوي نِعمَةً في فَنِّه، ونِقمَةً ومَأسَاةً في حَياتِه. تُحَقِّقُ رِواياتُهُ صَفاءَها المُعجِزَ لِأنَّ مُؤَلِّفَها كانَ بِلا قِشرَةٍ تَقيه، أو بِالأحرى لِأنَّ مُؤَلِّفَها كانَ رَقيقَ القِشرَةِ حَتّى إنَّ الحاجِزَ بَينَ الذّاتِ والعالَمِ كانَ دائِمَ التَّلاشي؛ مِمّا أتاحَ لَهُ أن يَسكُنَ وَعيَ شَخصِيَّتِهِ بِالكَامِل، ومَنَعَهُ في الوَقتِ عَينِهِ مِنِ احتِمالِ الخِداعِ المُعتادِ الَّذي يَجعَلُ الزَّواجَ، والأُسرَةَ، والمُجتَمَعَ أُموراً مُمكِنَة.

وتُمَثِّلُ مُذَكِّراتُ «صُونْيا تُولستايا»، الَّتي تُرجِمَت إلى العَربيةِ تَستَحِقُّ أن تُقرَأَ جَنباً إلى جَنبٍ مَعَ مُذَكِّراتِ زَوجِها، الوَجهَ الآخَرَ لِهَذِهِ الحِكايَة. لَم تَكُن مُجَرَّدَ ضَحِيَّة، بَل كانَتِ امرَأةً مَهيبَةً بِذاتِها، ونَسّاخَةً خَطَّت بِيَدِها مَخطوطَةَ «الحَرب والسَّلام» سَبعَ مَرّات، ومُدَبِّرَةً لِشُؤونِ الضَّيعَة، وأُمّاً دَفَنَت خَمسَةً مِن أبنائِها. إلّا أنَّ مُذَكِّراتِها وَثيقَةُ عَذاب، وهَذا العَذابُ مَوصولٌ بِصِلاتٍ وثيقَةٍ بِعَبقَرِيَّةِ زَوجِها. تَكتُبُ قائِلَةً: «لا حاجَةَ لَهُ بي. لَدَيهِ عَمَلُه، ومُذَكِّراتُه، وأفكارُه. وما أنا سِوى مَصدَرِ إزعاج». وتَقولُ في مَوضِعٍ آخَر: «يَنظُرُ إلَيَّ فَيُبصِرُ كُلَّ ما أبتَغي إخفاءَه». إنَّ الزَّواجَ مِن تُولستُوي كانَ بِمَنزِلَةِ الزَّواجِ مِن جِهازٍ لِكَشفِ الكَذِب؛ جِهازٍ لا يَنطَفِئُ أبَداً، ويُحِبُّ الحَقيقَةَ أكثَرَ مِمّا يُحِبُّك.

وما هَذِهِ بِمُجَرَّدِ حاشِيَةٍ في سيرَتِه، إنَّما هِيَ مُعضِلَةٌ أدَبِيَّة. فَصَفاءُ نَثرِ تُولستُوي يَتَحَقَّقُ عَبْرَ ضَربٍ مِنَ القَسوَة؛ قَسوَةٍ عَلى شَخصِيّاتِه، وعَلى قُرّائِه، وعَلى نَفسِه. لا يَرحَم. ولا يُواسي. ولا يَسمَحُ بِعَزاءاتِ الأُسلوب، أو مَلَذّاتِ اللُّغَة، أو مُتَعِ الشَّكل. كَتَبَ «فلُوبِير» إلى «تُورغِينِيف» بَعدَ قِراءَتِهِ تَرجمةً فَرَنسِيَّةً لِـ «الحَرب والسَّلام»، يَقول: «أشكُرُكَ أن حَمَلتَني عَلى قِراءَةِ رِوايَةِ تُولستُوي. إنَّها مِنَ الطِّرازِ الرَّفيع. يالَهُ مِن رَسّامٍ وعالِمِ نَفس! المُجَلَّدانِ الأوَّلانِ سَامِيان، لَكِنَّ الثّالِثَ يَنحَدِرُ انحِداراً مُريعاً. إنَّهُ يُكَرِّرُ نَفسَهُ، ويَتَفَلسَف». النَّقدُ هُنا مُنصِف، ويَضَعُ أصبُعَهُ عَلى مَوطِنِ الإزعاجِ في تُولستُوي: إنَّهُ يَأبى البَقاءَ ضِمنَ حُدودِ الفَنّ. لا يَفتَأُ يَشذُّ نَحوَ الفَلسَفَة، والمَوعِظَة، والخِطابِ المُباشِر. الرِّواياتُ عِندَهُ لا تَحتَرِمُ قالَبَها الفَنّيّ. فَخاتِمَةُ «الحَرب والسَّلام»، بِحِجاجِها المُطَوَّلِ حَولَ حُرِّيَّةِ الإرادَةِ والسَّبَبِيَّةِ التّاريخِيَّة، لَيسَت نِهايَةً رِوائِيَّة، بَل مَقالَةٌ أُقحِمَت عَلى تُحفَةٍ فَنِّيَّة، ولَم يَستَقِم لَها الحالُ - إن كانَ قَدِ استَقام - إلّا لِأنَّ المَقالَةَ صَنعَةُ ذلِكَ العَقلِ ذاتِهِ الَّذي أبدَعَ المَشاهِد، ولِأنَّها نِتاجُ النَّزعَةِ العَنيفةِ نَحوَ الفَهم، وتَجَسُّدٌ لِلرَّفضِ التّامِّ لِاتِّخاذِ الجَمالِ بَديلاً عَنِ الحَقيقَة.

أمّا أعمالُهُ المُتَأخِّرَةُ، أي سِجالاتُ ما بَعدَ الأزمَة، فَتَمضي بِهَذا التَّوَجُّهِ إلى أقصى مُنتَهاه. يَكُفُّ تُولستُوي عَن كِتابَةِ الرِّواياتِ لا لِفُقدانِهِ المَلَكَة، إنَّما لِنَفادِ صَبرِهِ عَلى التَّلويحِ والإشارَة. لِمَ يَقُصُّ حِكايَةً عَن رَجُلٍ يَتَعَلَّمُ حُبَّ جارِه، ما دامَ قادِراً عَلى القَولِ مُباشَرَةً: أحِبَّ جارَك؟ لِمَ يَنسِجُ مَعرَكَةً مِنَ الخَيال، وَهُوَ قادِرٌ عَلى الِاحتِجاجِ جَهراً بِأنَّ كُلَّ حَربٍ هِيَ جَريمَةُ قَتل؟ هَذِهِ السِّجالاتُ فَنٌّ جُرِّدَ مِن كُلِّ أدواتِه، وكَثيراً ما تَعسُرُ قِراءَتُها، غَيرَ أنَّها - مِن ناحِيَةٍ ما - الخاتِمَةُ المَنطِقِيَّةُ لِمَشروعِ تُولستُوي بِأسرِه. ولَطالَما كانَ مَشروعُهُ قَولَ الحَقيقَة. ثُمَّ آثَرَ أن يَرى الخَيالَ دَرباً مُلتَوِياً لِبُلوغِ هَذِهِ الغايَة، والدُّروبُ المُلتَوِيَةُ خُلِقَت لِمَن يَمْلِكونَ الوَقت. وتُولستُوي، وقَد بَلَغَ سِتِّينِيّاتِهِ وسَبعينِيّاتِه، أيقَنَ أنَّ الوَقتَ لا يُسعِفُه. كانَ المَوتُ يَدنو - ومَوتُ إيفان إيليتش الَّذي تَخَيَّلَهُ بِتِلكَ الدِّقَّةِ ما كانَ إلّا بُروفَةً لِمَوتِهِ هُوَ - فَطَغَت ضَرورَةُ الرِّسالَةِ عَلى صَبرِهِ عَلى أداةِ التَّبليغ.

وَمَعَ ذلِكَ.. مَعَ ذلِكَ تَبقى «حاجي مُراد»؛ تِلكَ القِصَّةُ الطَّويلَةُ الَّتي نَحَتَها طَوالَ عِقدِهِ الأخيرِ ولَم يُنشَر لَها أثَرٌ في حَياتِه، عَمَلاً مِن خالِصِ الخَيال، وتُعَدُّ مِن أعظَمِ ما خَطَّ يَراعُه. حِكايَةٌ - عَن قائِدٍ شِيشانيٍّ يَنحازُ إلى الرُّوسِ ويَلقى مَصرَعَهُ في النِّهايَة - تُروى بِتِلكَ الشَّفافِيَّةِ المَعهودَة، وذلِكَ الِانغِماسِ العَتيقِ في الواقِعِ المادّي، وذلِكَ الإباءِ القَديمِ لِإصدارِ الأحكام. وما كانَ حاجي مُراد قِدّيساً ولا رَمزاً، إنَّما هُوَ رَجُلٌ فيهِ عُنفٌ وأنَفَةٌ وبَسالَة، ومَصيرُهُ الهَلاك. ويَرصُدُهُ تُولستُوي بِذاتِ العِنايَةِ الَّتي خَصَّ بِها آنا أو أندريه أو ليفين. تُستَهَلُّ القِصَّةُ بِوَصفِ نَبتَةِ شَوكٍ - «شَوكِ التَّتار» - يُصادِفُها تُولستُوي في حَقلٍ ويُحاوِلُ اقتِلاعَها فَلا يَقوى، لِشِدَّةِ بَأسِها وتَشَبُّثِها العَنيدِ بِالحَياة. وتَستَحيلُ الشَّوكَةُ رَمزاً لِحاجي مُراد، الرَّجُلِ الَّذي يَأبى الِانحِناء، غَيرَ أنَّ الرَّمزَ هُنا يُنتَزَعُ انتِزاعاً بِوَصفٍ بَلَغَ مِنَ الدِّقَّةِ حَدّاً يَجعَلُكَ تَستَشعِرُ انغِرازَ الشَّوكِ في أنامِلِك. فَحَتّى في قِمَّةِ تَنَصُّلِهِ، لَم يَقوَ تُولستُوي عَلى التَّنَصُّلِ مِن كِيانِه.

وكِيانُهُ في النِّهايَةِ هُوَ أنَّهُ «كاتِب». وكُلُّ الهُوِيّاتِ الأُخرى - مِن نَبيل، إلى جُندِيّ، ومُعَلِّم، ونَبِيّ، وزَوج، وأب، ومُهَرتِق - كانَت عارِضَةً، جُزئِيَّة، عُرضَةً لِلتَّبديل. أمّا الكاتِبُ فَخالِدٌ باقٍ. المُجَلَّداتُ التِّسعُون، والمُذَكِّراتُ الَّتي قَيَّدَت كُلَّ شَيءٍ حَتّى فِعلَ التَّقييدِ ذاتَه، والرِّواياتُ الَّتي تَضُجُّ بِحَياةٍ تَفيضُ عَن وِسْعِ أيِّ حَياة، والمَقالَاتُ المُتَأخِّرَةُ الَّتي تُجادِلُ في قِيمَةِ الكِتابَةِ وهِيَ ذاتُها مَصوغَةٌ بِذاتِ الطّاقَةِ العَنيفة - ذلِكَ كُلُّهُ صَنيعُ رَجُلٍ لَم تَكُنِ الكِتابَةُ عِندَهُ حِرفَةً، لَهِيَ عَمَلِيَّةٌ حَيَوِيَّةٌ لِلبَقاء. كانَ تُولستُوي يُعالِجُ العالَمَ بِإحالَتِهِ إلى لُغَة. لا يَستَطيعُ أن يَختَبِرَ أمراً دونَ أن يَشرَعَ، مِن فَوْرِهِ وبِلا إرادَةٍ مِنه، في حِياكَةِ الجُمَلِ الَّتي سَتَقتَنِصُه. وهَذا أمرٌ مُفارِقٌ لِلمَألوف، ويُجافي عافِيَةَ البَدَن. إنَّهُ عِلَّةٌ وحالَةٌ مَرَضِيَّة، ولَكِنَّ هَذِهِ الحالَةَ هِيَ ما أثمَرَ الأثَرَ، والأثَرُ هُوَ ما بَقِي.

أمّا مَحَطَّةُ أستابوفو فَأصبَحَتِ اليَومَ مَتحَفاً. حُفِظَتِ الغُرفَةُ الَّتي ماتَ فيها تُولستُوي كَما كانَت - السَّرير، والطّاوِلَة، والمِصباح، والنافِذَةُ الَّتي حاوَلَ مُصَوِّرو الصَّحافَةِ مِن خِلالِها التِقاطَ صُوَرٍ لِلرَّجُلِ المُحتَضَر. وتَوَقَّفَت ساعَةُ ناظِرِ المَحَطَّةِ عِندَ السّادِسَةِ والخَمسِ دَقائِق؛ وهِيَ لَحظَةُ احتِضارِه. وإنَّ تَوَقُّفَ هَذِهِ السّاعَةِ لَتَفصيلٌ يَليقُ بِتُولستُوي جُلَّ اللِّياقَة؛ فَما هُوَ إلّا سَعيٌ لِتَثبيتِ لَحظَةٍ تأبى الثَّبات، واقتِناصٍ لِواقِعٍ قَدوَلّى. ولَرُبَّما أدرَكَ تُولستُوي عَبَثِيَّةَ هَذا الفِعل، وأحسِبُهُ كانَ سَيَتَأثَّرُ بِهِ أيضاً. ذلِكَ الرَّجُلُ الَّذي فَرَّ مِن دارِهِ هَرَباً مِن زَيفِ حَياتِه، انتَهى بِهِ المَطافُ إلى ابتِداعِ مَشهَدٍ أخير، وصُورَةٍ أخيرَة، وحِكايَةٍ أخيرَة. إذ لا مَهرَبَ مِنَ الحِكايات، وكُلُّ ما تَملِكُهُ هُوَ أن تَجعَلَها صادِقَة.

وآخِرُ ما دَوَّنَه تُولستُوي، في أستابوفو، كَانَت رِسالة لِزَوجَتِه «صُونْيا» في الثّالِثِ مِن نُوفَمبَر ١٩١٠، قَبلَ مَماتِهِ بِأربَعَةِ أيّام، كانَ شَذْرَةً نَصُّها: «أنا أفعَلُ ما يَفعَلُهُ الشُّيوخُ في سِنّي عادَةً: أهجُرُ الحَياةَ الدُّنيَوِيَّةَ لِأقضِيَ آخِرَ أيّامي في العُزلَةِ والصَّمت». ولَم يَظفَر بِتِلكَ العُزلَة، أمّا الصَّمتُ فَقَد وافاهُ سَريعاً. وبَقِيَتِ الكَلِمات، مُجَلَّداتُهُ التِّسعُون، وما بَقِيَت كَأوابِدَ تُزار، إنَّما كَأقوالٍ مُستَفِزَّة، نابِضَةٍ بِذاتِ الطّاقَةِ المُزعِجَةِ الَّتي قَذَفَت بِمُؤَلِّفِها في جَوفِ اللَّيل، باحِثاً عَن شَيءٍ يَعجِزُ عَن تَسمِيَتِه، مُبصِراً لِكُلِّ شَيء، وغَيرَ راحِمٍ لِأيِّ شَيء.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق