الجَمالُ سيُنقِذُ العالَمَ، أَحَقٌّ هذا يا فيودور؟

 

يقولُ دوستويفسكي في إحدى مُذكِّراتِه لِروايَةِ «الأبله»، مُرسِلاً القَوْلَ دونَما تَفصيل: «الجَمالُ سيُنقِذُ العالَم. هُناكَ نَوْعانِ مِن الجَمال». وإنَّ هَذِهِ الإشاراتِ الفِكريَّةَ المُوجَزةَ لا تَدُلُّ عَلى جَوْهَرِ المُعضِلةِ في رِوايَةِ «الأبله» فَحَسْب، وإنَّما تُشيرُ أيضاً إلى الجَدَليَّةِ المُعقَّدةِ في فِكرِ دوستويفسكي الجَماليّ. أمَّا العِبارةُ الأُولى: «الجَمال سيُنقذ العالم»، فَهيَ مَثَلٌ يُحْتَذى في دِقَّةِ السَّبْكِ ونِظامِه؛ إذ تَعِدُ بِفِعلٍ مُباشِرٍ لا عائِقَ يَحولُ دونَه. غَيرَ أنَّ العِبارةَ الثّانيةَ قاطِعةٌ مُربِكة، تَصدَعُ وِحْدةَ الجَمالِ المُنقِذِ، وتُغرِقُ الفِعلَ في غَياهِبِ الغُموضِ واللُّغز. ويَسألُ إيبوليت تيرينتييف الأميرَ ميشكين في رِوايَةِ «الأبله»: «أحَقّاً يا أميرُ أنَّكَ قُلتَ يَوماً إنَّ الجَمالَ سيُنقذُ العالَم؟»، ثُمَّ يُردِفُ ساخِراً: «وأيُّ جَمالٍ هَذا الَّذي سيُنقذُ العالَم؟». فَيُجيبُ دوستويفسكي في إحدى مُلاحَظاتِه لِروايَةِ «الشَّياطين»: «سَيَغدو العالَمُ جَمالَ المَسيح». بَيْدَ أنَّ ميشكين لا يُجيبُ إيبوليت، ويَقولُ في مَوضِعٍ آخَرَ مِن الرِّوايَة: «يَصعُبُ الحُكمُ عَلى الجَمال؛ فَما زِلتُ غَيرَ مُستعِدٍّ لِذلك. إنَّ الجَمالَ لُغزٌ». كَذلِكَ يَطرَحُ ديميتري كارامازوف في «الإخوة كارامازوف» لُغزَ الجَمالِ وغُموضَه، واصِفاً إيّاهُ بِأنَّه «يَستعصي عَلى التَّعريف».

فَأينَ مَوقِعُ دوستويفسكي مِن هَذا الاضطِرابِ الجَماليّ؟ أهوَ مِمَّن يُؤمِنونَ بِجَمالٍ واحِدٍ قادِرٍ عَلى كُلِّ شَيء؟ أم أنَّهُ يُقِرُّ بِوُجودِ أكثَرَ مِن نَوْعٍ لِلجَمال؟ حَرِيٌّ بِنا أن نُشيرَ بادِئَ ذي بَدْءٍ إلى أنَّ دوستويفسكي، حينَ يَتحدَّثُ بِلِسانِه ناقِداً أو صَحفيّاً، ويَستخدِمُ لَفظةَ «الجمال» فَإنَّما يَعني بِها دَوْماً ذلِكَ الجَمالَ المِثاليَّ بِمَفهومِه القَديمِ، أوِ الأفلاطونيِّ المُحدَثِ. وهَذا النَّوعُ مِن الجَمالِ هُوَ ما سيُنقِذُ العالَم؛ وهُوَ عِندَ دوستويفسكي جَمالٌ يَتَجسَّدُ في صُورةٍ مَحسوسة، تَحكُمُها مَبادِئُ جَماليَّةٌ شَكليَّةٌ جَليَّة. ومِن النّاحيةِ الفَلسفيَّة، لا يَعتَرِفُ دوستويفسكي نَظريّاً إلّا بِهذا الجَمالِ الكلاسيكيّ. وفي الوَقتِ عَينِه، يَسْبُرُ غَوْرَ نَوْعَينِ مِن الجَمالِ في أدَبِه الرِّوائيّ، أو لِنَقُل إنَّهُ يَطرَحُ مُعضِلتَهُما. فَهوَ هُنا يُقِرُّ واقِعاً بِصِنفٍ مِن الجَمالِ أو بِتجرِبةٍ جَماليَّةٍ تَقِفُ عَلى طَرَفَيْ نَقيضٍ مَعَ الجَمالِ الكلاسيكيِّ، سَواءٌ في سِماتِهِ الشَّكليَّةِ أو مَضمونِهِ الأخلاقيّ؛ مُقِرّاً، في خُلاصةِ القَوْل، بِحُكمٍ عَلى الجَمالِ مَبْناهُ الأوَّلُ والأخيرُ هُوَ الذّاتيَّةُ المَحضة. فَما العَلاقةُ بَينَ هَذَينِ الصِّنفَينِ مِن الفِكرِ الجَماليِّ في رُؤيةِ دوستويفسكي؟

ولا مَندوحةَ لَنا لِفَهمِ مَوقِفِ دوستويفسكي الجَماليِّ مِن إدراكِ مَفْهومٍ يُشْبِهُ المُفارَقة: إنَّ الازدواجيَّةَ لا تَكمُنُ في الجَمال، وإنَّما في الإنسانِ الَّذي يَختَبِرُ نَوْعَينِ مِنه. وقَد كَتَبَ دوستويفسكي إلى النّاقِدِ ن. ن. ستراخوف في الثّامِنَ عَشَرَ مِن ماي عامَ ١٨٧١، في مَعرِضِ حَديثِه عَن خَرابِ كومونة باريس: «إنَّ هَذا الجُنونَ لا يَبدو لَهُم (ولِكَثيرينَ غَيرِهِم) فَعْلةً شَنعاء، وإنَّما يَرَوْنَهُ عَلى النَّقيضِ مِن ذلِك، جَمالاً». ومَضى يَقول: «وهَكَذا، استَحالَتِ الفِكرةُ الجَماليَّةُ في الإنسانيَّةِ الجَديدةِ غائِمةً ضَبابيَّة. وإنَّ الأساسَ الأخلاقيَّ لِلمُجتَمَعِ [المُستَمَدَّ مِن الفَلسفةِ الوَضعيَّة] لا يَفشَلُ في إيتاءِ ثِمارِهِ فَحَسْب، وإنَّما يَعجِزُ حَتّى عَن تَعريفِ نَفسِه، مُتَخبِّطاً في أهوائِه ومُثُلِه». ومَوقِفُ دوستويفسكي هُنا جَلِيٌّ لا لَبْسَ فِيه: إنَّ الإنسانَ، في حَضيضِهِ الأخلاقيِّ، يَجِدُ لَذَّةً في القُبحِ، والعُنفِ، وسَفْكِ الدِّماء، ويُسَمِّي ذلِكَ بُهتاناً جَمالاً. أمَّا «الفِكرةُ الجَماليَّةُ» وَحْدَها - وهِيَ فِكرةُ الجَمالِ الَّتي طالَما كانَت فِكرةً دِينيَّةً عِندَ دوستويفسكي في مَرحَلةِ ما بَعدَ المَنفى، إن لَم يَكُن قَبلَها أيضاً - فَتَبقى مُطلَقةً وعالَميَّةً، رُغمَ الغشاوَةِ الَّتي تُعَمِّي بَصيرَةَ الإنسان.

لِذا، يَتَوجَّبُ عَلَينا أن نُميِّزَ بَينَ وِجْهةِ نَظَرِ دوستويفسكي ووِجْهةِ نَظَرِ بَعضِ شَخصيّاتِه. ولا يُنكِرُ هَذا التَّمييزُ ما يَجمَعُ الكاتِبَ بِأبطالِهِ مِن تَواطُؤٍ خَفِيّ، حَتّى أُولئكَ الَّذينَ تَحومُ حَوْلَهُم الشُّكوكُ أخلاقيّاً أو فِكريّاً؛ فَقَد يَعكِسُ هَؤلاءِ وِجْهةَ نَظَرِهِ في كَثيرٍ مِن الأحيانِ بِشَكلٍ أو بِآخَر. غَيرَ أنَّ ذلِكَ يَأتي دَوْماً ضِمنَ بُنيَةٍ واضِحةِ المَعالِمِ مِن الأفكارِ والمُعتَقَداتِ، ومُرتَبِطاً بِها. وتَبرُزُ أهَميَّةُ تَمييزِ هَذِهِ البنيَةِ الأساسيَّةِ بِشَكلٍ خاصٍّ حينَما يَتَعلَّقُ الأمرُ بِفِكرِ دوستويفسكي الجَماليّ.

أعْلَنَ دوستويفسكي لِلمَلأِ أوَّلَ مَرَّةٍ عَن رَأيِهِ في دَوْرِ الجَمالِ في حَياةِ الإنسانِ ضِمنَ نَقدِهِ لِلجَماليَّاتِ النَّفعيَّةِ في مَقالِهِ الموسوم: «السَّيِّد دوبْروليوبوف ومَسألةُ الفَنّ» (١٨٦١). ويُمكِنُ القَوْلُ إنَّ مَقالَهُ الَّذي تَناوَلَ فيهِ الآراءَ النَّقديَّةَ لِلنّاقِدِ الرّاديكاليِّ نيكولاي دوبْروليوبوف (١٨٣٦-١٨٦١) يُشكِّلُ صِياغةً رَئيسةً لِنَظرتِهِ الجَماليَّةِ العُليا (إلى جانِبِ قَضايا أُخرى)، مَعَ التَّحفُّظِ الهامِّ بِأنَّهُ كانَ يُخفي عَن قُرّائِه الأساسَ المَسيحيَّ العَميقَ لِتلكَ الرُّؤيةِ الجَماليَّةِ الَّتي صاغَها إبّانَ وُجودِهِ في سِيبيريا. وفي خَواتيمِ كِتابِه «يَوْميّاتُ كاتِب» عامَ ١٨٧٣، كَتَبَ دوستويفسكي عَن غوصهِ في قِراءةِ الأناجيلِ في طُفولتِهِ المُبكِّرة، ومَساعيهِ بِوَجهٍ عامٍّ لِلعَوْدةِ إلى «النُّورِ والحَقيقة»، مُضيفاً أنَّهُ «مِن العَسيرِ جِدّاً أن أكتُبَ عَن مِيلادِ قَناعاتي مِن جَديد»؛ قاصِداً بِذلِك، في المِضمارِ الرُّوحيّ، انبِعاثَ الإيمانِ الدِّينيِّ المَسيحيّ. وقَدِ انسَجَمَت هَذِهِ القَناعاتُ تَمامَ الانسِجامِ مَعَ أفكارِهِ حَوْلَ دَوْرِ الفَنِّ والأدَبِ في التّاريخِ والمُجتَمَعِ المُعاصِر. كَما كَتَبَ إلى صَديقِهِ أ. إي. رانجيل في الثّالِثَ عَشَرَ مِن أبريل عامَ ١٨٥٦، بَعدَ مُضيِّ ما يُنيفُ عَلى عامَينِ مِن إطلاقِ سَراحِهِ مِن سِجْنِ أُومسك، أنَّهُ يَعكُفُ عَلى إعدادِ مَقالٍ بِعُنوان «رَسائِلُ في الفَنّ»، يُمثِّلُ «ثَمَرةَ عُقودٍ مِن التَّفكيرِ المَليّ. وقَد تَصوَّرتُهُ بِكامِلِه حَتّى الكَلِمةِ الأَخيرةِ مُنذُ أيّامي في أُومسك». وذَكَرَ أنَّ مَقالَهُ يَدورُ «في جَوْهَرِه حَوْلَ أهَميَّةِ المَسيحيَّةِ في الفَنّ». ولَم يَنشُر دوستويفسكي هَذا المَقال، كَما أنَّهُ لَم يُحفَظ، إلّا أنَّ أفكارَهُ تَتَردَّدُ أصداؤُها بَينَ سُطورِ نَقدِهِ لِجَماليَّاتِ دوبْروليوبوف النَّفعيَّة، وتَبرُزُ بِشَكلٍ أكرَثَ وُضوحاً في رَسائِلِه ومُذكِّراتِهِ وكِتاباتِهِ الأُخرى في السِّنينَ اللّاحِقة.

يَطرَحُ مَزيجُ دوستويفسكي الفَريدُ بَينَ الجَماليَّاتِ الكلاسيكيَّةِ والمَسيحيَّةِ مَسعىً دَؤوباً نَحوَ الجَمالِ في حَياةِ الإنسان، وفَنِّه، وتاريخِه. وإنَّ أسمى دَرَجاتِ الجَمالِ الَّتي يَنشُدُها الإنسانُ وأبْعَدَها مَنالاً، في رُؤيةِ دوستويفسكي، إنَّما تَتَجلّى في جَمالِ المَسيحِ وكَمالِهِ الأخلاقيّ.

عَلى أنَّ دوستويفسكي، في مَقالِهِ الصّادِرِ عامَ ١٨٦١، كانَ يُخاطِبُ - إلى جانِبِ دوبْروليوبوف - جِيلاً مِن الشَّبابِ شَديدَ التَّطرُّفِ ومُتَشَبِّعاً بِالفِكرِ المادِّيِّ؛ وهُم ثُلَّةٌ احتَفَت بِهِ عامَ ١٨٦١ كَبَطَلٍ عائِدٍ مِن المَنفى. وفي مَعرِضِ دِفاعِهِ عَن الفَنِّ في وَجهِ النَّقدِ النَّفعيّ، آثَرَ دوستويفسكي أن يُوارِيَ رُؤاهُ المَسيحيَّة، مُبْقِياً في الوَقتِ ذاتِهِ عَلى الجَوْهَرِ الأخلاقيِّ والرُّوحيِّ الدَّفينِ لِمَواقِفِه، وعَلى أُطروحتِهِ المَركزيَّةِ القائِلةِ بِأنَّ الجَمالَ والفَنَّ جُزءٌ عُضويٌّ لا يَتَجزَّأُ مِن مَساعي الإنسانِ الأخلاقيَّةِ والرُّوحيَّة. ويَكتُبُ دوستويفسكي في نَقدِهِ لِدوبْروليوبوف أنَّ الفَنَّ حاجَةٌ عُضويَّةٌ لِلإنسانِ كَحاجَتِهِ لِلطَّعامِ والشَّراب:

إنَّ الحاجةَ إلى الجَمالِ والإبداعِ الَّذي يُجسِّدُه لَمُتأصِّلةٌ في الإنسانِ ولا تَنفَكُّ عَنه، ولَوْلاها لَما رَغِبَ المَرءُ - رُبَّما - في العَيْشِ في هَذا العالَم. فَالإنسانُ يَتعطَّشُ لِلجَمال، ويَجِدُهُ ويَقبَلُهُ قَبولاً مُطلَقاً دونَما شُروطٍ، لِمُجرَّدِ أنَّهُ جَمال؛ ويَخِرُّ أمامَهُ إجلالاً، دونَ أن يَسألَ عَن مَنفعتِهِ أو عَمّا يُمكِنُ أن يُشتَرى بِه. ولَعَلَّ السِّرَّ الأعظَمَ لِلفَنِّ يَكمُنُ حَدًّا في أنَّ صُورةَ الجَمالِ الَّتي يَخلُقُها تَستَحيلُ مِن فَوْرِها مَعبوداً مَهيباً دونَ قَيْدٍ أو شَرط. ولِماذا تَغدو كَذلِك؟ لِأنَّ الحاجَةَ إلى الجَمالِ تَبلُغُ أشُدَّها في اللَّحظةِ الَّتي يَكونُ فيها الإنسانُ في شِقاقٍ مَعَ الواقِع، في تَنافُرٍ وصِراع، أي حِينَما يَكونُ في أَوْجِ حَياتِه؛ إذ إنَّ حَياةَ الإنسانِ تَتجلّى في أبهى صُوَرِها حِينَ يَسعى نَحوَ غايةٍ ويكابِدُ مِن أجْلِها؛ فَفي تِلكَ اللَّحَظاتِ يَستشعِرُ في قَرارةِ نَفسِهِ توقاً فِطريّاً لِكُلِّ ما هُوَ مُتَناغِمٌ، ولِلسَّكينة، وفي الجَمالِ يَلتقي التَّناغُمُ والسَّكينةُ مَعاً... أمَّا حِينَ يَظفَرُ الإنسانُ بِبُغْيَتِه، فَإنَّ وَتيرةَ الحَياةِ تَتَباطَأُ أمامَهُ لِبُرهةٍ، كَما لَو أنَّها تَسكُن. وقَد رَأينا أمثِلةً يَقَعُ فيها المَرءُ - بَعدَ بُلوغِهِ مُنتَهى آمالِهِ وشُعورِهِ بِالتُّخْمةِ وجَهلِهِ بِما يَسعى إلَيهِ بَعدَ ذلِك - في ضَرْبٍ مِن الكَمَدِ والضِّيق، بَل إنَّهُ لَيُذكِي نيرانَ هَذا الكَمَدِ في نَفسِه، باحِثاً عَن مَثَلٍ أعلى آخَرَ في حَياتِه. وفي غَمْرةِ الشَّبَعِ المُفرِطِ مِن اللَّذَّة، لا يَكُفُّ الإنسانُ عَن استرخاصِ ما كانَ يَستمتِعُ بِهِ فَحَسْب، وإنَّما يَحيدُ عَن الدَّربِ القَويمِ عَن سَبْقِ إصرارٍ وتَعمُّدٍ، مُثيراً في نَفسِهِ أذواقاً غَريبةً، عَليلةً، حادَّةً، مُتَنافِرةً، ومُشوَّهةً في بَعضِ الأحيان؛ فاقِداً بِذلِكَ مِعيارَ الجَمالِ الصِّحِّيِّ وحِسَّهُ الجَماليَّ، ومُطالِباً بِشَواذَّ تَحِلُّ مَحَلَّه. ومِن ثَمَّ، فَإنَّ الجَمالَ كامِنٌ في كُلِّ ما هُوَ صِحِّيٌّ، أي في كُلِّ ما يَنبِضُ بِالحَياة؛ وهُوَ حاجَةٌ ضَروريَّةٌ لِلكِيانِ البَشَريّ. إنَّهُ التَّناغُم؛ وفِيهِ تَكمُنُ ضَمانةُ السَّكينة؛ وهُوَ الَّذي يُجسِّدُ مُثُلَ الإنسانِ والبَشريَّةِ جَمعاء.

إنَّ هَذِهِ العَقيدةَ الجَماليَّةَ-الفَلسفيَّةَ تُمثِّلُ في آنٍ مَعاً رُؤيةً لِلجَمالِ بِمَعناهُ الأسمى المُطْلَق، وتَعريفاً رُوحيّاً حَيَويّاً لِلحالةِ البَشريَّة. ولَعَلَّ أكثَرَ ما يَلفِتُ النَّظَرَ في هَذا الطَّرحِ بِرُمَّتِهِ هُوَ المَكانةُ المَركزيَّةُ الَّتي يَحْظى بِها العُنصُرُ الجَماليُّ في حَياةِ الإنسان؛ فَبِهِ - في صُورتِهِ «الصِّحِّيَّة» - تَرتَبِطُ أنبَلُ مُثُلِ الإنسانِ وتَطَلُّعاتِه؛ أمَّا في صُورتِهِ الَّتي تُدعى عَليلةً (غَيرَ صِحِّيَّة)، فَإنَّ العُنصُرَ الجَماليَّ يَتَسلَّلُ إلى كِيانِ الإنسانِ كَقُوَّةٍ مُشوَّهةٍ ومُخرِّبة.

ويَنطَلِقُ دوستويفسكي مِن ذاتِ المُنطَلَقِ الَّذي أسَّسَ لَهُ أفلاطون في مُحاوَرةِ «المَأْدُبة»: ألا وهُوَ مَفهومُ حُبِّ الجَمالِ بِوَصفِه حُبّاً حَتميّاً لِشَيءٍ يَفتَقِرُ إلَيهِ الإنسان؛ ومَفهومُ الجَمالِ بِوَصفِهِ مُطلَقاً. وتَنبُثِقُ فِكرةُ الجَمالِ المِثاليِّ المُطلَقِ مِنَ افتراضِ أنَّ الإنسانَ كائِنٌ ناقِصٌ، يَعيشُ في شِقاقٍ مَعَ نَفسِه، ومِن ثَمَّ فَهوَ في سَعْيٍ دَؤوبٍ نَحوَ الاكتِمالِ، والوِحْدةِ، والشُّمولِ، والتَّناغُم. ويُلاحِظُ دوستويفسكي في تَعليقٍ هامٍّ في مُذكِّراتِهِ بِتاريخِ السّادِسَ عَشَرَ مِن أبريل عامَ ١٨٦٤ أنَّ «الإنسانَ يَسعى عَلى وَجهِ الأرضِ وراءَ مُثُلٍ عُليا تُناقِضُ طَبيعَتَه» - وهِيَ عِبارةٌ تَختَزِلُ رُؤيَتَهُ لِحالةِ الإنسانِ المَأساويَّة. وتَقومُ رُؤيَتُهُ الجَماليَّةُ والرُّوحيَّةُ في جَوْهَرِها عَلى مِثاليَّةٍ مَأساويَّة؛ وهِيَ رُؤيةٌ لِعَلاقةِ الإنسانِ بِذاتِهِ وبِالوُجودِ البَشريِّ تَتَّسِمُ بِتَناقُضٍ أو صِراعٍ داخِليٍّ دائِم - صِراعٍ لا يَعرِفُ الحَلَّ أبَداً، غَيرَ أنَّهُ يَتَسامى - إن جازَ التَّعبير - في تَوتُّرٍ مُستَمِرٍّ نَحوَ المَثَلِ الأعلى.

بَيْدَ أنَّهُ حِينَما يَفتُرُ هَذا التَّوتُّرُ نَحوَ الجَمالِ المِثاليِّ أو يَتَلاشى مِن حَياةِ الإنسان، يَفقِدُ المَرءُ تَوازُنَهُ الأخلاقيَّ والرُّوحيَّ، وتَحِلُّ المَطالِبُ بِالـ«شَواذِّ» مَحَلَّ الإجلالِ لـ«الْجَمالِ الصِّحِّيِّ». وفي «الرَّدِّ عَلى مَجَلَّةِ رُوسكي فيستنيك» عامَ ١٨٦١، وبِصَدَدِ الِارتجالِ الشِّعريِّ «كليوباترا وعُشّاقُها» في قِصَّةِ بوشكين «لَيالٍ مِصريَّة»، يُصَوِّرُ دوستويفسكي أزمَةَ الإنسانِ الأخلاقيَّةَ تَصويراً دراميّاً أليماً. فَقَد غاضَ كُلُّ رَجاءٍ وإيمانٍ مِن مُجتَمَعِ كليوباترا المُتَفَسِّخ، وباتَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ.

لَقَدِ اختَنَقَتِ الحَياةُ لانعِدامِ الغاية. فَلَيسَ في المُستَقبَلِ مِن شَيء؛ وباتَ لِزاماً عَلى المَرءِ أن يَطلُبَ كُلَّ شَيءٍ مِن الحاضِر؛ وأن يَملَأَ الحَياةَ بِاللَّذّاتِ العاجِلةِ وَحْدَها. كُلُّ شَيءٍ يَنصَبُّ في الجَسَدِ، وكُلُّ شَيءٍ يَنحَدِرُ نَحوَ العُهْرِ البَدَنيِّ؛ وبُغْيةَ سَدِّ الفَراغِ الَّذي خَلَّفَهُ غِيابُ المَشاعِرِ الرُّوحيَّةِ السَّامية، يَعمِدُ النّاسُ إلى استِثارةِ أعصابِهِم وأجسادِهِم بِكُلِّ ما مِن شَأنِهِ أن يُوقِظَ الحَواسّ. وشَيْئاً فَشَيْئاً، تَستَحيلُ أشنَعُ الانحِرافاتِ وأشَذُّ الظَّواهِرِ عاداتٍ مَألوفة. حَتّى إنَّ غَريزَةَ حِفظِ الذّاتِ تَتَلاشى وتَضمَحِلّ. وما كليوباترا إلّا النَّموذَجُ المُمثِّلُ لِهذا المُجتَمَع.

ويَتَحاشى دوستويفسكي استِخدامَ لَفظةِ «الجَمال» في حَديثِهِ عَن مَيْلِ الإنسانِ إلى «مَثَلٍ أعلى آخَر»؛ ولا يُصرِّحُ هُنا بِأنَّ الإنسانَ يَتَصوَّرُ هَذا المَثَلَ الآخَرَ ويَختَبِرُهُ كَجَمال. غَيرَ أنَّ فِكرةَ الجَمالِ العَليلِ تُسْتَوْحى ضِمْنِيّاً مِن مَفهومِ «الْجَمالِ الصِّحِّيِّ» ذاتِه. وما نَحْنُ بِصَدَدِهِ هُنا هُوَ مَفهومُ المَثَلِ النَّقيضِ في حَياةِ الإنسانِ، وهُوَ مَثَلٌ يُبايِنُ مَثَلَ الجَمالِ المُطلَقِ في كَوْنِهِ دُنيَويّاً مُتاحاً، ومُشْبَعاً بِقُوَّةِ العُنفِ، والتَّنافُرِ، والاضطِراب. ولا مَجالَ لِلحَديثِ عَن أيِّ «خَيرٍ» أخلاقيٍّ يَتَجسَّدُ في هَذا المَثَلِ الآخَر. فَالظّاهِرةُ المُستَحضَرةُ هُنا، في رُؤيَةِ دوستويفسكي، هِيَ الشَّرُّ الجَذّابُ جَماليَّاً في أقصى صُوَرِهِ تَطرُّفاً - أيِ الشَّهوانيَّة. وهَذا هُوَ «مَثَلُ سَدومَ»، في مُقابِلِ «مَثَلِ المادونا» الَّذي يَتَحَدَّثُ عَنهُ ديميتري في خُطبتِهِ العَصماءِ عَن «الجمال» في «الإخوة كارامازوف» (١٨٨٠)؛ إنَّها ظاهِرةُ الجَمالِ في سَدوم. وهَذانِ المَثَلانِ، إن نُظِرَ إلَيهِما في عَلاقتِهِما العُضويَّةِ بِبعضِهِما داخِلَ النَّفسِ البَشريَّة، يُشَكِّلانِ اللُّغزَ الَّذي يُمثِّلُهُ الجَمالُ لَديميتري. وعَلى الصَّعيدِ الجَماليِّ، يُطرَحُ حُبُّ الجَمالِ في سَدومَ في «الإخوة كارامازوف» بِوَصفِهِ العُنصُرَ النّاشِزَ في بَواطِنِ الإنسان. ومَعَ ذلِك، فَحَتّى في هَذِهِ الحالِ، لا يَتَخلّى الإنسانُ عَن مَثَلِ الجَمالِ المُطلَق، مَثَلِ المادونا. فَفي خِضم هَذا الشِّقاقِ الدّاخِليِّ، والصِّراعِ، والتَّنافُرِ، والتَّشوُّهِ حَدَدًا، تَتَبَدّى الحاجَةُ والسَّعيُ الحَثيثُ نَحوَ التَّناغُمِ، والنِّظامِ، والصُّورةِ السَّوِيَّة.

وإنَّ مُعضِلةَ الجَمالِ في سَدوم، وهِيَ مِنَ النّاحيةِ الجَماليَّةِ مُعضِلةُ القُبحِ، والتَّشويهِ، ومُخالَفةِ الفِطرة، هِيَ نُقطةُ انطِلاقِ ديميتري في خُطبتِهِ الدّراميَّةِ عَن لُغزِ الجَمالِ في «الإخوة كارامازوف»: فَهُنا تَتَجلّى حالةُ الإنسانِ، وأزْمتُهُ، وصِراعُهُ المَنظورُ إلَيهِ مِن جانِبِهِ الدُّنيَويّ. أمَّا نُقطةُ انطِلاقِ دوستويفسكي في مَقالِهِ عَن الجَمالِ في «السَّيِّد دوبْروليوبوف ومَسألةُ الفَنّ»، فَهِيَ الجَمالُ المُطلَقُ الَّذي يَنشُدُهُ الإنسان: وهُنا يَتَجلّى صِراعُ الإنسانِ مَنظوراً إلَيهِ مِن جانِبِ قَدَرِهِ الأسمى، مِن جانِبِ الخُلود. وإنَّ مَفهومَ الجَمالِ المُطلَقِ بِوَصفِهِ الخَيرَ الأسمى والحَقيقةَ الأزليَّةَ، وما يُقابِلُهُ مِن مَفهومِ الصُّورةِ المِثاليَّةِ الَّتي تَرمِزُ إلى التَّناغُم، ومِن ثَمَّ إلى الجَمال، لَيُشكِّلانِ الأساسَ الرّاسِخَ الَّذي لا يَتَزعزَعُ لِجَماليَّاتِ دوستويفسكي العُليا.

وتُعَدُّ وِحْدةُ المَقولاتِ الأخلاقيَّةِ والجَماليَّةِ لِلخَيرِ والجَمالِ سِمةً مُميِّزةً لِجَماليَّاتِ دوستويفسكي العُليا في كافَّةِ مَراحِلِ حَياتِهِ الإبداعيَّة. فالْحالِمُ، في غَمْرةِ تَخَبُّطِه، يَفقِدُ ذلِكَ «الحِسَّ الأخلاقيَّ الَّذي يَقدِرُ بِهِ المَرءُ عَلى تَقييمِ كُلِّ جَمالٍ حَقيقيّ»، هَكَذا يَكتُبُ دوستويفسكي في مُستَهَلِّ مَسيرَتِهِ ضِمنَ مَقالٍ في «يَوْميّات بطرسبرغ» عامَ ١٨٤٧؛ وفي خَواتيمِ مَسيرَتِه، قُبَيْلَ وَفاتِهِ بِوَقتٍ قَصير، يَكتُبُ في مُذكِّراتِهِ لِعامِ ١٨٨١: «لا يَكونُ الشَّيءُ أخلاقيّاً إلّا إذا تَطابَقَ مَعَ إحساسِكَ بِالجَمالِ ومَعَ المَثَلِ الأعلى الَّذي تُجسِّدُهُ فِيه».

إنَّ الجَمالَ مُتَأصِّلٌ في كُلِّ ما هُوَ صِحِّيٌّ ونابِضٌ بِالحَياة. والفَنُّ، إذ يُجسِّدُ الجَمالَ، إنَّما يُجسِّدُ الصِّحَّةَ الأخلاقيَّة. والإبداعُ الفَنِّيُّ يَصوغُ «صُورةً لِلجَمالِ» يَخِرُّ الإنسانُ أمامَها مُنحَنِياً؛ وإنَّما يَنحَني أمامَ هَذِهِ الصُّورةِ تَحديداً لِتَجسيدِها مَثَلَهُ الأعلى - أيِ النَّقاءَ والخَيرَ اللَّذَينِ يَنشُدُهُما. ويُؤكِّدُ دوستويفسكي، في رَدِّهِ عامَ ١٨٦١ عَلى مَجَلَّةِ «رُوسكي فيستنيك»، عَلى النَّقاءِ الأخلاقيِّ (الْعِفَّة) الكامِنِ في التَّماثيلِ المَنحوتةِ لـ«فينوس دي ميديشي» و«فينوس دي ميلو». فَيَقول: «تُخلِّفُ هَذِهِ الصُّوَرُ انطِباعاً فَنِّيَّاً سامِياً ورَبّانيّاً لِمُجرَّدِ أنَّها أعمالٌ فَنِّيَّة. هُنا يَتَجلّى الواقِعُ مُتَحوِّلاً بَعدَ مُرورِهِ عَبْرَ الفَنِّ، ومِن خِلالِ نارِ الإلهامِ النَّقيِّ العَفيف، ومِن خِلالِ الفِكرِ الفَنِّيِّ لِلشّاعِر. هَذا هُوَ سِرُّ الفَنِّ الَّذي لا يَخفى عَلى أيِّ فَنّان». فالفَنُّ استِحالةٌ وتَسامٍ. وفِعلُ الإبداعِ ذاتُه، أي صِياغةُ الصُّورةِ، إنَّما هُوَ خَلقٌ لِقيمةٍ أخلاقيَّة. ومِن ثَمَّ، فَإنَّ الحاجَةَ إلى الجَمالِ هِيَ حاجَةٌ إلى استِحالةٍ أخلاقيَّة. ومَعَ هَذا، يُحذِّرُ دوستويفسكي مِن أنَّ الفَنَّ لَن يُؤتيَ «أثَرَهُ الكامِلَ» عَلى «طَبيعةٍ غَيرِ مُهيَّأةٍ أو غَيرِ مُتَطوِّرة، أو عَلى نَفسٍ فَظَّةٍ فاسِدة. فَكُلَّما ارتَقَتْ نَفسُ الإنسانِ وهُذِّبَت، كانَ وَقْعُ الفَنِّ عَلَيها أكتمَلَ وأصْدَق».

والْجَمالُ، في تَجسيدِهِ لِلمَثَلِ الأخلاقيِّ الأعلى، هُوَ أيضاً الحَقيقة. وقَد أشارَ دوستويفسكي في مَقالِه «كَلِماتٌ قَلائِلُ عَن جورج ساند» الصّادِرِ في عَدَدِ يُونيو ١٨٧٦ مِن «يَوْميّاتِ كاتِب»، بِأنَّ جورج ساند كانَت مَأخوذةً في أعمالِها بِجَمالِ الحَقائِقِ الَّتي بَشَّرَت بِها. كَذلِك، يَتَكرَّرُ حَديثُ البَطَلِ الرّائي في «حُلْمُ رَجُلٍ مُضحِك»، حِينَ يَستَحضِرُ رُؤياهُ لِلفِردَوْسِ الأرضيِّ (وهُوَ فِردَوْسٌ مُفعَمٌ بِتَناغُمِ الجَمالِ الخالِصِ وسَكينَتِه)، عَن اكتِشافِهِ لِلحَقيقة. يَقول: «لَقَد رَأيتُ الحَقيقةَ، رَأيتُ وأيقَنتُ أنَّ النّاسَ يُمكِنُ أن يَكونوا جَميلينَ وسُعَداءَ دونَ أن يَفقِدوا القُدرَةَ عَلى العَيْشِ عَلى الأرْض». والحَقيقةُ هُنا هِيَ الواقِعُ الأخلاقيُّ المِثاليّ؛ إنَّها الحَقيقةُ الأخلاقيَّةُ المُتَجسِّدةُ في صُوَرٍ واقِعيَّة. «إنَّ الصُّوَرَ والأشكالَ الحَقيقيَّةَ لِحُلْمي، أي تِلكَ الَّتي رَأيتُها رَأيَ العَيْنِ في لَحظةِ الحُلْمِ ذاتِها، كانَت تَفيضُ بِتَناغُمٍ عَجيب، وكانَت بالِغَةَ السِّحْرِ والجَمال، وناصِعةَ الصِّدقِ، حَتّى إنَّني لَمّا أفقْتُ، عُدِمتُ القُدرَةَ عَلى تَجسيدِها في كَلِماتِنا القاصِرة».

إنَّ حُلْمَ الرَّجُلِ المُضحِكِ لَهُوَ رُؤيا لِلجَمالِ الشَّكليِّ في ذاتِه؛ فَقَد عايَنَ «صُورةً حَيَّةً» كَما يُؤكِّد، ويَرومُ أن يَمضيَ قُدُماً لِيُبَشِّرَ بِحَقيقةِ ما تَجلّى لَه. إنَّ ما يَبْتَغي التَّبشيرَ بِهِ هُوَ واقِعيَّةُ تَجرِبةٍ جَماليَّة، تَجرِبةِ الصُّورةِ المِثاليَّةِ والجَمالِ الخالِص. غَيرَ أنَّ الفَنَّ يُؤثِّرُ في الإنسانِ «تَشكيليّاً ومِن خِلالِ الصُّورة»، عَلى حَدِّ تَعبيرِ دوستويفسكي في مَقالِه «قِصَصُ ن. ف. أوسبنسكي» عامَ ١٨٦١. لَقَد كانَ وَقْعُ حُلْمِ الرَّجُلِ المُضحِكِ عَلَيهِ كَوَقْعِ العَمَلِ الفَنِّيّ، وبِوَصْفِ هَذا العَمَلِ عَمَلاً فَنِّيَّاً أرادَ أن يُؤثِّرَ في النّاس؛ ومِن هُنا نَبَعَ إحباطُهُ مِن «كَلِماتِنا القاصِرة». بَيْدَ أنَّ الرَّجُلَ المُضحِكَ لَيْسَ كاتِباً، ولا يَمْلِكُ القُدرَةَ عَلى تَجسيدِ رُؤياهُ في تَصاويرَ لَفظيَّة. وفي «ذِكرَياتٍ قَديمة» في عَدَدِ يَناير ١٨٧٧ مِن «يَوْميّاتِ كاتِب»، يَستَحضِرُ دوستويفسكي إشادةَ بيلينسكي المُتَحمِّسةَ بِعَمَلِهِ الأوَّلِ «المَساكين» (١٨٤٦)؛ حِينَ هَتَفَ بيلينسكي قائِلاً إنَّها قَد نَقَلَت بِلَمْسةٍ واحِدة، «في صُورةٍ»، ذلِكَ الجَوْهَرَ الَّذي يُكابِدُ الصَّحفيُّونَ والنُّقّادُ في شَرحِهِ «بِالكَلِمات». وهَذا هُوَ سِرُّ البَراعةِ الفَنِّيَّة، »هُنا تَكمُنُ الحَقيقةُ في الفَنّ!».

فالحَقيقةُ مَوْجودةٌ في لُغَةِ النّاقِدِ أو الفَيلسوف، أمَّا في الفَنِّ، سَواءٌ أكانَ تَشكيليّاً أم لَفظيَّاً، فَإنَّ الحَقيقةَ لا وُجودَ لَها إلّا في الصُّورة، في الشَّكلِ الَّذي يُجسِّدُها. ومِن ثَمَّ، فَإنَّ مُعضِلةَ نَقْلِ الحَقيقةِ في الفَنِّ هِيَ مُعضِلةٌ في خَلْقِ الشَّكل، ولا سَبيلَ إلى حَلِّها إلّا بِصَنعةٍ فَنِّيَّةٍ أصيلة. ويُؤكِّدُ دوستويفسكي في مَقالِ «السَّيِّد دوبْروليوبوف ومَسألةُ الفَنّ» أنَّهُ لا مَكانَ لِلحَقيقةِ في عَمَلٍ يَزدَري البَراعةَ الفَنِّيَّة. فاستِخفافُ الصِّناعةِ يَقضي عَلى حَقيقةِ العَمَلِ، عَلى حَقيقتِهِ الحَيَّة، ومِن ثَمَّ عَلى «مَنفَعتِه». فـ«ما مِن فِكرةٍ، وما مِن حَقيقةٍ، إلّا ويُمكِنُ ابتِذالُها وعَرْضُها في صُورةٍ مُضحِكة». وفي المُقابِل، يَقولُ في مَقالِهِ عَن ن. ف. أوسبنسكي: «إنَّ الصَّقْلَ الفَنِّيَّ لِلعَمَلِ يُضفي عَلى الفِكرةِ وُضوحاً، وبُروزاً، وتَجسيداً مَلموساً، وحَقيقة؛ والقُوَّةُ الفَنِّيَّةُ تَكمُنُ حَدْداً في الحَقيقةِ وتَمثيلِها الحَيّ». فالحَقيقةُ إذن لا تَقتَصِرُ عَلى كَوْنِها انعِكاساً لِلطَّبيعةِ أو لِلواقِعِ الاجتِماعيِّ في العَمَلِ الفَنِّيّ؛ وإنَّما الحَقيقةُ سِمَةٌ مِن سِماتِ العَمَلِ الفَنِّيِّ ذاتِه، والنَّتيجةُ النِّهائيَّةُ لِلتَّجلّي الفَنِّيِّ لِلواقِع.

وتُهَيْمِنُ مَركزيَّةُ مَفهومِ «أُوبْراز» (obraz) - والَّذي يَعني «الصُّورة» و«الشَّكل» و«الهَيْئة»، ويَعني أيضاً الصُّورةَ الأيقونيَّةَ أو الأيقونة؛ أيِ الرَّمزَ المَرئيَّ لِجَمالِ الرَّب في الأُرثوذكسيَّةِ الرُّوسيَّة - كَفِكرةٍ ورَمزٍ جَماليٍّ ودِينيٍّ عَلى فِكرِ دوستويفسكي حَوْلَ الفَنِّ طيلَةَ حَياتِه. فَلَفظةُ «أُوبْراز» هِيَ «مِحوَرُ الجَمالِ في اللُّغَةِ الرُّوسيَّة». وفي رِسالةٍ إلى الشّاعِرِ أبولون مايكوف بِتاريخِ الحادي عَشَرَ مِن دِيسَمبر عامَ ١٨٦٨، يُبدي دوستويفسكي إعجابَهُ بِقَصيدةِ الشّاعِرِ «عِندَ الكَنيسة» (أُو تشاسوفني)، الَّتي تَتوسَّطُها أيقونة. ولَم يُزعِجْهُ في ذلِكَ سِوى نَبْرةِ مايكوف: «تَبدو وكأنَّكَ تَعتَذِرُ عَن الأيقونةِ، وتُبرِّرُ وُجودَها». ويَمضي دوستويفسكي في بَيانِ تَوْقيرِهِ الدِّينيِّ العَميقِ والمُرهَفِ لِلأيقونة، مُتَسائِلاً: «أتُؤمِنُ بِالأيقونةِ أم لا؟!». وتَبرُزُ الأيقونة، ولا سِيَّما التَّمثيلُ الأيقونيُّ لِلمادونا، في عالَمِ دوستويفسكي الفَنِّيِّ كَرَمزٍ جَماليٍّ دِينيٍّ بالِغِ الأهَميَّة؛ صُورةٍ مَحسوسةٍ لِلجَمالِ يَلتَجِئُ إلَيها الإنسانُ في إجلالٍ وتَوْق. يَكتُبُ دوستويفسكي عَن بَطلتِهِ كاتيرينا في رِوايَةِ «صاحِبةِ المَنْزِل» (١٨٤٧): «اغْروْرَقَت عَيْناها بِكَمَدٍ صامِتٍ مُعَذِّب. نَهَضَت بِتُؤَدة، وخَطَت خُطوَتَينِ إلى الأمام، ثُمَّ خَرَّت بِعَويلٍ يُفَطِّرُ القَلْبَ أمامَ أيقونةِ المادونا». وإنَّ تَصوُّرَ دوستويفسكي بِكامِلِهِ لِدَوْرِ الجَمالِ في حَياةِ الإنسانِ لَيَتَجَلّى في تَصوُّرِهِ لِكاتيرينا: تِلكَ المَرأةِ المُمَزَّقةِ بَينَ استِعبادِها الطَّوْعيِّ لِعاطِفةٍ فاسِدة، وبَينَ تَوْقِها المُضني لِلنَّقاءِ والوِحْدة. فالإنسانُ، كَما يُردِّدُ دوستويفسكي في كِتاباتِه، مَخلوقٌ عَلى صُورةِ الرَّب ومِثالِه؛ وأسمى مَساعيهِ هُوَ «اقتِفاءُ أثَرِ الكَمالِ في تِلكَ الصُّورة».

وفي رِسالتِهِ المُؤثِّرةِ إلى ن. د. فونفيزينا في أواخِرِ يَناير أو أوائِلِ فَبْراير مِن عامِ ١٨٥٤، عَقِبَ خُروجِهِ مِن السِّجْن، يُقدِّمُ دوستويفسكي المَسيحَ بِوَصفِهِ مَثَلَهُ الجَماليَّ-الرُّوحيَّ الأعلى. فَيَتحدَّثُ عَن لَحَظاتٍ في السِّجْنِ تَعطَّشَ فيها لِلإيمانِ كَما تَتَعطَّشُ «الأعشابُ الذّابِلة»، ووّجَدَهُ لِمُجرَّدِ أنَّ الحَقيقةَ تَبزُغُ في رَحِمِ المِحنَة. ويَتحدَّثُ عَن كَوْنِهِ «ابنَ هَذا العَصر، ابنَ الجُحودِ والشَّكّ»، وعَن ظَمَئِهِ المُبَرِّحِ لِلإيمان، ذلِكَ الظَّمَأِ الَّذي «يَزدادُ ضَراوةً في نَفسي في مُواجَهةِ الأدِلَّةِ المُناقِضة. ومَعَ ذلِك، يَمنَحُني الرَّب أحياناً لَحَظاتٍ أبلُغُ فِيها غايَةَ السَّكينة؛ في تِلكَ اللَّحَظاتِ أُحِبُّ وأجِدُ أنَّ الآخَرينَ يُحِبُّونَني، وفي مِثلِ هَذِهِ اللَّحَظاتِ صُغتُ في قَرارَتي رَمزاً لِلإيمانِ يَبدو فِيهِ كُلُّ شَيءٍ جَلِيّاً ومُقَدَّساً لي. وهَذا الرَّمزُ بَسيطٌ لِلغاية، وهُوَ كَالتّالي: أن أُومِنَ بِأنَّهُ لا يُوجَدُ ما هُوَ أجمَلُ، وأعمَقُ، وأرأفُ، وأعظَمُ مَغزىً، وأشجَعُ، وأكمَلُ مِن المَسيح، وما غابَ ذلِك فَحَسْب، وإنَّما أقولُها بِحُبٍّ غَيور: ولَن يَكونَ لَهُ مَثيلٌ أبَداً. وأزِيدُ عَلى ذلِك، أنَّهُ لَو أثبَتَ لي أحَدُهُم أنَّ المَسيحَ كانَ خارِجَ نِطاقِ الحَقيقة، وكانَ واقِعُ الأمرِ أنَّ الحَقيقةَ خارِجَ نِطاقِ المَسيح، لَآثَرتُ البَقاءَ مَعَ المَسيحِ عَلى البَقاءِ مَعَ الحَقيقة».

يَتحدَّثُ دوستويفسكي عَن «ظَمَئِهِ لِلإيمان» في سِياقِ إرثٍ دائِمٍ مِن «الشُّكوكِ والجُحود». فاختِيارُهُ البَقاءَ مَعَ المَسيحِ في مُواجَهةِ «الأدِلَّةِ المُناقِضة» هُوَ تِلكَ الوَثْبةُ الإيمانيَّةُ الَّتي تَرُدُّهُ إلى رِحْبِ الحَقيقةِ المَسيحيَّة - وَثْبةٌ تَدُلُّ عَلى الجَوْهَرِ الخالِدِ لِكِيانِهِ ومَسعاه. وإنَّ مَفهومَ التَّوْقِ إلى جَمالِ المَسيحِ لَيُشكِّلُ ضَرْباً مِن المَعنى الدَّفينِ في مَقالِ دوستويفسكي عَن دوبْروليوبوف عامَ ١٨٦١، ذلِكَ المَقالِ الَّذي يَطرَحُ فِيهِ دوستويفسكي تَوْقَ الإنسانِ إلى الجَمالِ المُطلَق. وبَعدَ بِضعِ سِنين، في مُذكِّراتِهِ بِتاريخِ السّادِسَ عَشَرَ مِن أبريل عامَ ١٨٦٤، يَكتُبُ دوستويفسكي عَن المَسيحِ بِوَصفِهِ «المَثَلَ الأعلى النِّهائيَّ عَلى الأرض»، المَثَلَ السَّرمَديَّ الَّذي يَسعى إلَيهِ الإنسانُ، ولِزامٌ عَلَيهِ أن يَسعى إلَيهِ وِفْقاً لِنَواميسِ الطَّبيعة. «فَفِردَوْسُ المَسيح - والتّاريخُ بِأسرِه، والبَشريَّةُ جَمعاء، وكُلُّ فَرْدٍ بِدَوْرِه - إنَّما هُوَ تَطوُّرٌ، وصِراعٌ، ومَسعىً دَؤوبٌ، وبُلوغٌ لِهذِهِ الغاية». إنَّ سُنَّةَ السَّعيِ الأبَديِّ نَحوَ المَثَلِ الأعلى عِندَ دوستويفسكي، وذلِكَ التَّوتُّرَ نَحوَ هَذا المَثَلِ - وهُوَ تَوتُّرٌ أخلاقيٌّ، وجَماليٌّ، ورُوحيٌّ - لَيَكمُنُ في صَميمِ الوُجودِ البَشريّ.

ويَبدَأُ طَيْفُ دوستويفسكي الأخلاقيُّ-الجَماليُّ بِكَلِمةِ «أُوبْراز» (الصُّورة/الشَّكل) ويَنتَهي بِكَلِمةِ «بيزُوبْرازي» (bezobrazie)، أي حَرفيَّاً ومَجازيَّاً ذلِكَ الشَّيءَ الَّذي هُوَ «بِلا صُورة»، أو بِلا شَكل، المُشوَّه، والقَبيح. ويَجِدُ الإنسانُ لَذَّةً (يُسَمِّيها جَمالاً كَذلِك) في الـ«بيزُوبْرازي»، أي في تَشويهِ ذاتِهِ وتَشويهِ الآخَرين، وفي القَسوةِ، والعُنف، وقَبْلَ ذلِكَ كُلِّهِ في الشَّهوانيَّة – و«الشَّهوانيَّةُ عُنفٌ دَوْماً». ومِن النّاحيةِ الجَماليَّة، فَإنَّ «بيزُوبْرازي» هُوَ تَشويهٌ لِلصُّورةِ المِثاليَّة («أُوبْراز»). وإنَّ أَنْسَنَةَ الإنسانِ إنَّما تَتَجلّى في صِياغَةِ الصُّورة، صِياغَةِ الشَّكل. فالفِعلُ «أُوبْرازيت»، كَما يَكتُبُ دوستويفسكي في مَقالِ «الجَمعيَّةِ الرُّوسيَّةِ لِحِمايةِ الحَيَوان» الصّادِرِ في عَدَدِ يَناير ١٨٧٦ مِن «يَوْميّاتِ كاتِب»، «هُوَ كَلِمةٌ شَعبيَّةٌ تَعني أن يُقَوِّمَ المَرءُ نَفسَه، ويَستَرِدَّ صُورتَهُ الإنسانيَّة». «فَطالَما قيلَ لِلسِّكِّيرِ مُؤنِّباً: (عَلَيكَ أن تُقوِّمَ نَفسَك). وقَد سَمِعتُها مِن المُعْتَقَلين».

لَقَد خَلَقَ الرَّب الإنسانَ عَلى صُورَتِه. وعُنفُ الإنسانِ ضِدَّ أخيهِ الإنسانِ، في نِهايةِ المَطافِ، لَيْسَ إلّا تَشويهاً لِلصُّورةِ الإلهيَّة. ويَستَرجِعُ زوسيما كَيفَ أنَّهُ، في رَيْعانِ شَبابِه، وفي لَحظةٍ «مُشوِّهةٍ ومُفزِعةٍ»، لَطَمَ خادِمَهُ عَلى وَجهِه؛ ويَتَذكَّرُ كَيفَ لَامَ نَفسَهُ حينَذاكَ عَلى فِعلتِهِ العَنيفةِ تجاهَ كائِنٍ آخَرَ مَخلوقٍ، مِثلَه، «عَلى صُورةِ الرّب ومِثالِه». وقَد وَرَدَ ذِكْرُ أقصى دَرَجاتِ التَّوحُّشِ وتَشويهِ الإنسانيَّةِ في كِتابِ «ذِكرياتٌ مِن مَنزِلِ الأَمواتِ» (١٨٦١-١٨٦٢). حَيثُ يَكتُبُ رَاوي العَمَلِ عَن شَهوانيِّينَ أشباهٍ لِماركيز دي ساد وماركيزة دي برينفيلييه يَجِدونَ مُتعَةً جَماليَّةً في جَلْدِ الآخَرين، وإيقاعِ أقصى دَرَجاتِ الإذلالِ «بِكائِنٍ آخَرَ يَحمِلُ بَيْنَ جَوانِحِهِ صُورةَ الرّب». ومِن أُولئكَ الشَّهوانيِّينَ الحارِسُ المُلازِمُ جيربياتنيكوف الَّذي «أحَبَّ شَغَفاً فَنَّ التَّعذيبِ وأحَبَّهُ خُلوصاً لِوَجهِ الفَنّ. كانَ يَتَمتَّعُ بِه، وكأنَّهُ نَبيلٌ رُومانيٌّ سَئِمَ اللَّذّاتِ إبّانَ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّةِ فَنَضَبَت مَعينُها، فراحَ يَبتَدِعُ لِنَفسِهِ أصنافاً مِن التَّفنُّن، وألواناً مُنافيةً لِلطَّبيعةِ، لِيَستَثيرَ بِها نَفسَهُ الغارِقةَ في شُحومِها ويُدَغْدِغَها مُتعَةً وتَلَذُّذاً».

وفي غَمْرةِ يَأسِهِ العَميقِ مِن تَوحُّشِ البَشَر، يَغدو إيفان، مِن حَيثُ الرَّمز، مُتَأهِّباً لِنَبْذِ تَفريقِ دوستويفسكي الجَوْهَريِّ بَينَ «أُوبْراز» (الصُّورة) و«بيزُوبْرازي» (التَّشوُّه/الْقُبح) في تَعريفِ الإنسان. فَتَعقيباً عَلى قَسوةِ الإنسانِ الوَحشيَّةِ ذاتِ الطّابَعِ «الفَنِّيِّ» الفائِقِ تجاهَ أخيهِ الإنسان، يُصرِّحُ قائِلاً: «أظُنُّ أنَّ الشَّيطانَ إن لَم يَكُن مَوْجوداً، ومِن ثَمَّ يَكونُ الإنسانُ هُوَ مَن خَلَقَه، فَإنَّهُ قَد خَلَقَهُ عَلى صُورَتِهِ هو«. وهُنا، تَتَلاشى السِّمةُ الجَدَليَّةُ لِطبيعةِ الإنسان، ويَحِلُّ الـ«بيزُوبْرازي» مَحَلَّ السِّيماءِ الرُّوحيَّةِ الباطِنيَّةِ لِلإنسان. فَإيفان، في شِبْهِ إلحادِه، يُقِرُّ في جَوْهَرِ الأمرِ بِفِكرةِ أنَّ الإنسانَ مَخلوقٌ عَلى صُورةِ الشَّيطان.

إنَّ تَدنيسَ الصُّورةِ الأيقونيَّة، أي الأيقونة، أو الرَّمزِ الدِّينيِّ، لَيُعَدُّ في عالَمِ دوستويفسكي المَسيحيِّ رَمزاً لِأبشَعِ الجَرائِم. فَتَدنيسُ بيتر فيرخوفينسكي لِلأيقونةِ في رِوايَةِ «الشَّياطين» يُوازي عَلى الصَّعيدِ الرَّمزيِّ مقتَلَ زَوْجَةِ ستافروجين القِدِّيسة. أمَّا ستيبان فيرخوفينسكي، الَّذي استَشاطَ غَضباً مِن أُولئكَ الَّذينَ يُؤثِرونَ حِذاءً عَلى شِكسبير أو رافاييل، فَقَد رامَ أن يَصدَعَ بِرأيِهِ في الحَفْلِ الأدَبيِّ ضِدَّ «الخادِمِ النَّتِنِ الفاجِرِ الَّذي سيَرقى السُّلَّمَ أوَّلاً وبِيَدِهِ مِقَصٌّ لِيُمَزِّقَ المَحْيا الإلهيَّ لِلمَثَلِ الأعلى العَظيم» (في إشارةٍ إلى لَوْحةِ مادونا سيستينا، إحدى أحَبِّ اللَّوْحاتِ إلى قَلْبِ دوستويفسكي). أمَّا «بيزُوبْرازي» روجوزين الشَّهوانيُّ في رِوايةِ «الأبله»، فَيَنتَهي بِهِ المَطافُ إلى تَمزيقِ «صُورةِ الجَمالِ النَّقيِّ» لدى ميشكين، ناستاسيا فيليبوفنا الشَّبيهةِ بِالمادونا، بِطَعْنَةِ سِكِّين. وفي فَصْلِ «عَلى أقداحِ البْراندي»، يَهذي فيودور كارامازوف في شَبَقٍ حَوْلَ مَوْضوعِهِ الأثير - النِّساء - ويَختِمُ حَديثَهُ بِوَصفِ كَيْفَ بَصَقَ ذاتَ مَرَّةٍ عَلى أيقونةِ المادونا الخاصَّةِ بِزَوْجتِه.

إنَّ «البيزُوبْرازي» الشَّهوانيَّ، كَما أسلَفنا، هُوَ عِندَ دوستويفسكي المَيْدانُ المَركزيُّ الَّذي يُشوِّهُ فِيهِ الإنسانُ ذاتَهُ ومَثَلَهُ الأعلى عَلى حَدٍّ سَواء. فَإفسادُ الرَّجُلِ المُضحِكِ لِلفِردَوْسِ، بِما يَحْويهِ مِن أشكالٍ وصُوَرٍ بَديعةٍ ووُجودٍ مُتَناغِم، يَقَعُ في مَنزِلةٍ واحِدةٍ مَعَ اغتِصابِ ستافروجين لِفَتاةٍ صَغيرة. وفي كِلتا الحالَتَين، تَكمُنُ «الشَّهوانيَّةُ القاسيةُ» في تَشويهِ الجَمالِ البَريء، أي مِثاليَّةِ «أُوبْراز». فَالْقُبحُ يُشوِّهُ، والْقُبحُ يَقتُل. وبَعدَ قِراءةِ «اعتِرافِ» ستافروجين، يُبدي تيخون مُلاحَظةً مَفادُها أنَّهُ يَجِدُ شَيئاً مُضحِكاً في «جَوْهَرِ» الاعتِرافِ كَما في «شَكلِه». ويَهمِسُ لِستافروجين قائِلاً: «إنَّ القُبحَ سَيَقتُلُه». فَيَسألُ ستافروجين: «القُبح! أيُّ قُبح؟». فيُجيبُ تيخون: «قُبحُ الجَريمة».

إنَّ تَشويهَ الآخَرِ هُوَ في الآنِ ذاتِهِ تَشويهٌ لِلذّات - هُوَ ضَياعٌ لِلصُّورةِ، والشَّكلِ، والإنسانيَّة. فَيَتقوَّسُ جَسَدُ ديميتري في وَضعيَّةٍ مُشوَّهةٍ حِينَ يَنطِقُ بِتلكَ الكَلِماتِ المُروِّعة: «لِماذا يَعيشُ رَجُلٌ كَهذا؟» (ومِن ذي المَغزى أنَّ دوستويفسكي جَعَلَ عُنوانَ الحَلْقةِ الصّاخِبةِ الَّتي قِيلَت فيها هَذِهِ الكَلِمات: «مَشهَدٌ مُشوَّه/بِلا صُورة» - bezobraznaia stsena). ويَكتُبُ دوستويفسكي عَن كليوباترا بوشكين في رَدِّهِ عَلى مَجَلَّةِ رُوسكي فيستنيك: «لَقَد شَوَّهَتِ القَسوةُ الجُنونيَّةُ هَذِهِ الرُّوحَ الإلهيَّةَ مُنذُ زَمَنٍ بَعيدٍ وأحالَتْها إلى هيئةِ بَهيمة، وطالَما انحَدَرَت بِها إلى مَصافِّ الحَيَوانِ المُفتَرِس».

إنَّ انتِهاكَ رَجُلِ الأقبيَةِ (في رِوايَةِ رَسائِل مِن تَحتِ الأرض) الأخلاقيَّ والبَدَنيَّ لِليزا العَطوفِ هُوَ في أعمَقِ مَعانيهِ فِعلٌ يَائِسٌ مِن أفعالِ تَشويهِ الذّات، وطَمْسٌ مُتَعمَّدٌ لِمَثَلِهِ الأعلى الأثيرِ نُزوعاً مِن شُعورٍ باستِحالةِ بُلوغِه، وتَمزيقٌ واعين لِطَبيعَتِهِ هُو، ولِصُورتِهِ هُو. فالْكيانُ البَشَريُّ، إذن، مَصلوبٌ بَينَ المَساعي المُتَضارِبةِ لِطبيعتِهِ المُنقَسِمة: ذاتِهِ الجَسَديَّةِ بِدوافعِها الجَسديَّةِ الهَدّامة، وذاتِهِ الرُّوحيَّةِ بِمَساعيها السَّامية. وإنَّ اللَّذَّةَ الَّتي يَجِدُها الإنسانُ في الـ«بيزُوبْرازي»، في مَثَلِ سَدوم، لَتَتَعايَشُ في التِحامٍ مُمَزِّقٍ مَعَ مَثَلِهِ الأعلى؛ وفي الوَقتِ عَينِه، فَإنَّ السَّعيَ نَحوَ ذلِكَ المَثَلِ الأعلى إنَّما هُوَ في حَدِّ ذاتِهِ جُهدٌ لِلتَّسامي بِقُوَى الشَّهوانيَّة. (ويُعبِّرُ فيودور كارامازوف عَن هَذِهِ الفِكرةِ بِصُورةٍ غَيرِ مُباشِرةٍ حِينَ يَصِفُ الأبَ زوسيما بِأنَّهُ «شَهوانيّ»). وبطَبيعةِ الحال، تُقدِّمُ دراما ديميتري كارامازوف أجلى مِثالٍ عَلى هَذا التَّفاعُلِ الَّذي لا يَهْدَأُ بَينَ الأضدادِ في الطَّبيعةِ البَشريَّةِ كَما يَتصوَّرُها دوستويفسكي.

إنَّ إحساسَ الجَمالِ الَّذي يَختَبِرُهُ الإنسانُ في تَأمُّلِهِ لِلجَمالِ الأعلى يَنْتَمي عِندَ دوستويفسكي، مِنَ النّاحيَتَينِ الجَماليَّةِ والأخلاقيَّة، إلى مَقامٍ يَختَلِفُ كُلِّيَّاً عَن شُعورِ اللَّذَّةِ الَّذي يَجِدُهُ المَرءُ في «بيزُوبْرازي»ـهِ الأخلاقيّ. ولا سَبيلَ إلى الدَّمجِ بَينَ هَذَينِ المَقامَينِ مِن الإحساسِ الجَماليّ. غَيرَ أنَّ الإنسانَ، في غَمْرةِ انحِطاطِه، قَد يَفقِدُ إدراكَ الفَرْقِ بَينَ هَاتَينِ التَّجربَتَينِ الأخلاقيَّتَينِ-الجَماليَّتَينِ المُتَناقِضَتَين. ويَسألُ شاتوف ستافروجين في رِوايةِ «الشَّياطين»: «أحَقّاً ما زَعَمتَ مِن أنَّكَ لا تَعرِفُ فَرقاً في الجَمالِ بَينَ فِعْلٍ شَهوانيٍّ بَهيميٍّ وبَينَ فِعْلٍ نَبيل، كالتَّضحيةِ بِحَياةِ المَرءِ مِن أجْلِ البَشريَّةِ مَثَلاً؟ أحَقّاً أنَّكَ وَجَدتَ تَطابُقاً في الجَمالِ في كِلا النَّقيضَين؟». فَيَجِدُ ستافروجين هَذا السُّؤالَ «عَصِيّاً عَلى الإجابة» ويَلوذُ بِالصَّمْت. فَيُتابِعُ شاتوف: «أنا كَذلِكَ لا أعرِفُ لِمَ يَكونُ الشَّرُّ دَنيئاً بَيْنَما الخَيرُ جَميل، لكِنَّني أعرِفُ لِمَ يُمحى إدراكُ هَذا الفَرْقِ ويَضيعُ في أمثالِ سادةٍ كَآلِ ستافروجين... لَقَد فَقَدتُمُ التَّمييزَ بَينَ الخَيرِ والشَّرِّ لِأنَّكُم انقَطَعتُم عَن مَعرِفةِ شَعْبِكُم».

ومِمّا تَجِبُ الإشارةُ إلَيهِ أنَّ ستافروجين لا يَختَبِرُ نَوْعَينِ مِن الجَمال. فـ«تَطابُقُ الجَمالِ» هُوَ طَمْسٌ لِلتَّمييزِ بَينَ المَقولاتِ الجَماليَّة؛ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى ضَياعِ المَعاييرِ الجَماليَّةِ، وضَياعِ مِعيارِ الجَمالِ الصِّحِّيِّ والإحساسِ بِه. لَقَد ضَمُرَت مَلَكَةُ الذَّوْقِ في ستافروجين؛ فالمَشاعِرُ الَّتي يَستَقيها مِن كُلٍّ مِن الفِعلِ الخَيِّرِ والفِعلِ الشِّرِّيرِ - كَما يَعتَرِفُ - هِيَ مَشاعِرُ «بالِغةُ التَّفاهَة». لَقَد تَرَدّى في هُوَّةِ فُجورٍ لامُبالٍ، وعَلى هَذا المُستوى مِن الوَعيِ الأخلاقيِّ-الجَماليِّ المُحتَضِر، يُسجِّلُ التَّجرِبةَ الجَماليَّةَ بِضَعْفٍ وَوَهَن. وعَجْزُهُ عَن الإجابةِ عَلى سُؤالِ شاتوف دَليلٌ عَلى أزْمَتِهِ المَركزيَّةِ أو فَراغِهِ الدّاخِليّ: إنَّهُ لا يَعِي ماهيَّةَ شُعورِه (كَرَجُلٍ فَقَدَ حاسَّةَ الذَّوْق). فالتَّمييزُ بَينَ الفِعلِ الخَيِّرِ والفِعلِ الشِّرِّيرِ أضحى بِالنِّسبةِ لَهُ تَمييزاً أكاديميّاً نَظريّاً؛ ولا رَيْبَ أنَّهُ يَعرِفُ، مِنَ النّاحيةِ العَقليَّة، أنَّ مَشاعِرَ الجَمالِ في هَذَينِ الفِعلَينِ المُختَلِفَينِ تَنتَمي إلى مَقولَتَينِ جَماليَّتَينِ مُختَلِفتَينِ تَمامَ الاختِلاف. وهُناكَ مَنطِقٌ حَتميٌّ قاتِلٌ في ستافروجين: فَالتَّناقُضاتُ ذاتُها (والَّتي يَعيها تَمامَ الوَعي) الَّتي تَسوقُهُ إلى الِانتِحار، هِيَ ذاتُها الَّتي تُلجِمُهُ بِالصَّمتِ في حِوارِهِ المَفصِليِّ مَعَ شاتوف.

إنَّ تَصوُّرَ دوستويفسكي لِلطَّبيعيِّ والشّاذ، لِلصِّحَّةِ الأخلاقيَّةِ والمَرَضِ الأخلاقيّ، لا يَتَمحْوَرُ حَوْلَ التَّمييزِ بَينَ الخَيرِ والشَّرّ (فَالشَّرُّ مَوْجودٌ في كُلِّ مَكانٍ وفي طَوِيَّةِ كُلِّ إنسان)، وإنَّما يَقومُ عَلى التَّمييزِ بَينَ حالةٍ رُوحيَّةٍ يَتَخلَّلُها الصِّراع، وحالةٍ أُخرى يَسودُها الجُمود. فالخَطيئةُ الكُبرى في عالَمِ دوستويفسكي الرِّوائيِّ هِيَ الجُمود. فَيَكتُبُ في مُذكِّراتِه: «إنَّ تَعاليمَ الفَلسفةِ الحَقَّةِ [تَدعو إلى] استِئصالِ الجُمود». وهُوَ لا يَذُمُّ الإنسانَ لِوُجودِ الدَّناءةِ أو الشَّرِّ فيه، وإنَّما لِغِيابِ المُثُلِ العُليا وانعِدامِ السَّعيِ نَحوَها. وما يَعنيهِ حَقّاً هُوَ أنَّ الفَلّاحَ الرُّوسيَّ قَد «حافَظَ عَلى... جَمالِ صُورتِه» في خِضَمِّ التَّوحُّشِ والهَمَجيَّة. «أُكرِّر»، هَكَذا يَكتُبُ في مَقالِ «في حُبِّ الشَّعْب» بِعَدَدِ فَبْراير ١٨٧٦ مِن «يَوْميّاتِ كاتِب»، «لا تَحكُموا عَلى الشَّعْبِ الرُّوسيِّ بِتلكَ الدَّناءاتِ الَّتي كَثيراً ما يَقتَرِفُها، وإنَّما احكُموا عَلَيهِ بِتلكَ الأشياءِ العَظيمةِ والمُقدَّسةِ الَّتي يَتوقُ إلَيها باستِمرارٍ، حَتّى في أحْطَطِ لَحَظاتِ دَناءتِه... لا تَحكُموا عَلَيهِ بِما هُوَ كائِنٌ عَلَيهِ الآن، وإنَّما بِما يَرومُ أن يَصيرَ إلَيه. ومُثُلُهُ قَويَّةٌ ومُقدَّسة». ومَا كانَ دوستويفسكي لِيُبرِّرَ الفَظائِع، غَيرَ أنَّهُ يُصِرُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ النِّهائيَّ عَلى الإنسانِ لا يَستقيمُ إلّا بِالنَّظَرِ إلى كِيانِهِ الكُلِّيِّ المُتَطوِّر.

«الجَمالُ هُوَ السَّواءُ والصِّحَّة»، هَكَذا يَكتُبُ دوستويفسكي في خِتامِ نَقدِهِ لِجَماليَّاتِ دوبْروليوبوف النَّفعيَّة. «والجَمالُ نافِعٌ لِأنَّهُ جَمال، ولِأنَّ في البَشريَّةِ حاجَةً دائِمةً لِلجَمالِ ومَثَلِهِ الأعلى. فَإذا حافَظَ شَعْبٌ ما عَلى مَثَلِ الجَمالِ والحاجَةِ إلَيه، فَإنَّ هَذا يَعني وُجودَ حاجَةٍ لِلصِّحَّةِ، ولِلسَّواءِ، وبِهذِهِ الطَّريقةِ يُضْمَنُ التَّطوُّرُ الأسمى لِلشَّعْب». أمَّا ستافروجين فَهالِكٌ لا مَحالةَ لِأنَّهُ بِلا مُثُل، ولِانعِدامِ أيِّ تَوتُّرٍ أو صِراعٍ إبداعيٍّ في وُجودِه. فَهوَ بَعيدٌ كُلَّ البُعدِ عَن «الأمير» - تِلكَ النُّسخةِ المُبكِّرةِ مِن ستافروجين الَّتي نُطالِعُها في مُذكِّراتِ رِوايَةِ «الشَّياطين» - الَّذي يُعلِنُ قائِلاً: «لَئِن كُنتُ ناقِصاً، ودَنيئاً، وشِرِّيراً، فَإنَّني أعلَمُ بِيَقينٍ أنَّ ثَمَّةَ شَيئاً آخَرَ، مَثَلي الأعلى، الَّذي هُوَ جَميلٌ ومُقدَّسٌ ومُبارَك... ومِن صُورةِ مَن أنْحَني لَهُ إجلالاً، أستَلهِمُ رُوحَهُ أيضاً، ومِن ثَمَّ أستَمِدُّ كِياني الأخلاقيَّ بِأسرِه. ولِذا، فَإنَّ الانحِناءَ أمْرٌ حَتْميٌّ لا بُدَّ مِنه». لَقَد فَقَدَ ستافروجين الإحساسَ بِالجَمالِ الأعلى كَما فَقَدَ إلهَه. فَهوَ لا يَنحَني لِأحَد. وفي جَوْهَرِ الأمر، لا شَيءَ يَحْظى بِأهَميَّةٍ لَدَيه. ووَجْهُهُ ما هُوَ إلّا رَمزٌ لِكِيانِهِ الدّاخِليِّ الرّاكِد؛ قِناعٌ مُتَجَمِّدٌ لِشَهوانيَّةٍ مُظَفَّرة - أي الـ«بيزُوبْرازي» الأخلاقيّ. لَقَد سَقَطَ ستافروجين في كافَّةِ النَّواحي الجَوْهَريَّةِ «صَريعاً» بِيَدِ القُبْح.

وعَلى النَّقيضِ مِن ذلِك، فَإنَّ إمكانيَّةَ الخَلاصِ الأخلاقيِّ-الرُّوحيِّ لِديميتري - وبِشَكلٍ مَلموس، ذلِكَ التَّحوُّلَ الإدراكيَّ نَحوَ الضَّبْطِ، والنِّظامِ، والشَّكل - مُتجَذِّرةٌ في وَعيِهِ الأخلاقيِّ الحَيّ، وفي اعتِرافِهِ بِالمَثَلِ الأعلى وسَعيِهِ إلَيهِ حَتّى في خِضَمِّ عارِه. فَفي حِسِّهِ المُرهَفِ بِالعارِ (وهُوَ شُعورٌ مُنعدِمٌ لَدى ستافروجين)، وفي يَأسِهِ الأخلاقيِّ مِمّا يَكتَشِفُهُ في نَفسِهِ وفي الإنسان، هُنا تَكمُنُ مَساحةُ الأملِ في التَّغيير. فَالوَعْيُ بِالشَّرِّ في النَّفسِ هُوَ الخُطوةُ الأُولى نَحوَ التَّطهُّرِ مِن هَذا الشَّرّ. «إنَّ ما يَبدو لَكَ دَنيئاً في داخِلِك»، كَما يُلاحِظُ زوسيما، «قَد تَطهَّرَ بِمُجرَّدِ مُلاحَظتِكَ لَه». ولِديميتري أيضاً مَثَلُهُ الأعلى. فَيُعلِنُ في مُذكِّراتِ رِوايَةِ «الإخوة كارامازوف»: «إنَّني مُحِبٌّ لِشيلر، إنَّني مِثاليّ». وشيلر وشِعْرُهُ هُما ما يَستَحضِرُهُ ديميتري في أحطَّ دَرَكاتِ انحِطاطِه. «طالَما قَرَأتُ تِلكَ القَصيدةَ عَن سِيريس وعَن الإنسان. هَل أصلَحَت مِن شَأني؟ قَطّ! لِأنَّني كارامازوف».

ومَعَ ذلِك، فَإنَّ ديميتري يَنحَني. «هَبْ أنَّني مَلعون، وهَبْ أنَّني وَضيعٌ ودَنيء، غَيرَ أنَّهُ دَعْني أيضاً أُقَبِّلُ حاشِيَةَ ذلِكَ الرِّداءِ الَّذي يَتَسَروَلُ بِهِ إلهي». وفي عُمقِ عارِهِ وحَضيضِه - «وأنا أَعُدُّ هَذا جَمالاً لِنَفسي» - يَشرَعُ في إنشادِ تَرنيمَتِهِ لِذلِكَ المَثَلِ الإلهيِّ المُنيرِ «الَّذي لا يَقومُ العالَمُ ولا يَستَقيمُ وُجودُهُ بِدونِه». «ما أنا بِسيلينوس، إلّا أنَّني قَوِيّ» (ne silen, a silen)، هَكَذا يُعقِّبُ ديميتري، مُميِّزاً نَفسَهُ - عَبْرَ التَّلاعُبِ اللَّفظيِّ - عَن الصُّورةِ المُشوَّهةِ جَماليَّاً لِأبي السَّاتير.

إنَّ مَسعى ديميتري، ومَسعى الإنسانِ عامَّةً، لَهُوَ مَسعىً جَماليّ؛ مَسعىً نَحوَ الشَّكل، ومِن ثَمَّ نَحوَ البُنيانِ الأخلاقيِّ-الرُّوحيّ. ولا عَجَبَ أن يَتَرافقَ وَعْيُ ديميتري بِوُجودِ «إنسانٍ جَديدٍ» في داخِلِهِ مَعَ وَعْيٍ جَماليٍّ بِذاتِهِ كَـ«صُورةٍ لِلرّب ومِثالٍ لَه». ولَن «يَتَقوَّمَ» ديميتري أو يُعادَ تَشكيلُهُ أبَداً، إلّا أنَّهُ، في إنكارِهِ لِتَشوُّهِه (حَتّى وهُوَ «يَقتَفي أثَرَ الشَّيطان») وفي إدراكِهِ لِمُشابَهَتِهِ الرَّمزيَّةِ لِلرّب (حَتّى وهُوَ يَستَشعِرُ تَشوُّهَه)، إنَّما يُحافِظُ عَلى ذلِكَ التَّوتُّرِ الإبداعيِّ نَحوَ المَثَلِ الأعلى.

لا مَجالَ لِلخَطَأ في إدراكِ البُنيَةِ المَسيحيَّةِ المَركزيَّة، بِأساسِها الكلاسيكيّ، لِجَماليَّاتِ دوستويفسكي العُليا، والتِزامِهِ الرّاسِخِ الَّذي لا يَلينُ بِمَفهومِ الجَمالِ المِثاليّ. وفي الوَقتِ عَينِه، لا يَسعُنا إلّا أن نُلاحِظَ في كِتاباتِهِ وفِكرِهِ اعتِرافاً واقِعيّاً بِنَوْعٍ آخَرَ مِن الجَمال، نَوْعٍ غَيرِ عابِئٍ بِالسِّياقِ الأخلاقيِّ، يَخْبُرُهُ الإنسانُ بِوَصفِهِ تَنافُراً لَذيذاً. لَقَد أفلَحَ دوستويفسكي في المُواءَمةِ بَينَ التِزامِهِ بِالجَمالِ المِثاليِّ واعتِرافِهِ بِـ«مَثَلٍ آخَرَ» ضِمنَ إطارِ رُؤيَتِهِ المُزْدَوَجَةِ لِلإنسان، وفَصْلِهِ بَينَ الطَّبيعَتَينِ المادِّيَّةِ والرُّوحيَّةِ لِلكِيانِ البَشَريّ. فَالإنسانُ يَجِدُ مُتعَةً في الدَّوافِعِ الهَدّامةِ لِطَبيعَتِهِ الجَسديَّة، في حِينِ يَسعى، في الآنِ ذاتِه، نَحوَ مَثَلٍ رُوحيٍّ أعلى، نَحوَ طُمَأنينَةٍ، وتَناغُمٍ، ونَزاهَةٍ جَماليَّةٍ تُخالِفُ طَبيعَتَه. ولا يَعترِفُ دوستويفسكي إلّا بِذلِكَ الجَمالِ الَّذي تَتَّجِهُ إلَيهِ مَساعي الإنسانِ العُليا. وفي التَّناقُضِ بَينَ جَماليَّاتِهِ العُليا الكِلاسيكيَّةِ والمَسيحيَّة، وبَينَ شاعِريَّتِهِ العَمَليَّة، نَجِدُ الدِّيناميكيَّةَ الإبداعيَّةَ لِرِوايَتِه، وواقِعيَّتَهُ النَّفسيَّةَ والفَنتازِيَّة.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق