ما تنبذُه هو لُبُّ القصيد
حينَ تَكتُب، فإنَّكَ تَبسُطُ سَطراً من كَلِمات. وهَذا السَّطْرُ مِعْولُ مَنقِّب، ومِيقَبُ نَحَّات، ومِسْبارُ جَرَّاح. تُعْمِلُه، فَيَحفرُ دَرْباً تَقتَفيه، وما تَلبثُ أن تَجِدَ نَفسَكَ في مَجاهِلَ قاصِيَة. أَهيَ طَريقٌ مَسدودة، أم عثرتَ على مَكْنُونِ المَوضوع؟ سَتعلَمُ غَداً، أو في مِثلِ هذا الوَقتِ مِن عامِكَ القابِل.
تَشُقُّ الدَّرْبَ في جَسارة، وتَقْتَفِيهِ في وَجَل. تَمضي حَيثُ يَقودُكَ المَسير. وفي نِهايةِ المَطاف، تَجِدُ نَفسَكَ في شِعْبٍ ضَيِّقٍ مُحاصَر. هُناكَ تَصوغُ تَقاريرَكَ وتُرسِلُ بَلاغاتِك. لَقَد تَبدَّلتِ الكِتابةُ بَينَ يَديك، وفي طَرْفَةِ عَين، مِن مُجَرَّدِ تَعْبيرٍ عَن خَواطِرِك إلى أَداةٍ مَعرفِيَّةٍ كاشِفة. يَسْتَهوِيكَ المَقامُ الجَديدُ لِغُموضِه؛ فَتَرْهَفُ السَّمْع، وبِكُلِّ تَواضُعٍ تَضَعُ الكَلِماتِ بِحَذر، راصِداً كُلَّ الزَّوايا. حينَها تَبدو لَكَ كِتاباتُكَ الأُولى رَخْوَةً عابِثة. إنَّ المَسارَ لَيسَ هو الغاية؛ فَعَفِّ على آثارِك، فالدَّرْبُ لَيْسَ هو العَمَل. أَرْجو أن تَكونَ آثارُكَ قدِ انمَحَت، وأن تَكونَ الطَّيرُ قد التَقطَت فُتاتَ مَسيرِك؛ أَرْجو أن تَنبِذَ ذلكَ كُلَّه وراءَ ظَهْرِكَ ولا تَلتَفِت.
سَطْرُ الكَلِماتِ مِطرَقَة، تَهْوي بِها على جُدرانِ بَيتِك. تَنقُرُ الحَوائطَ خَفيفاً في كُلِّ مَوضِع. وبَعدَ سَنواتٍ مِن رَهفِ الحِسِّ لِهذه الشُّؤون، سَتُدرِكُ ما الذي تَتسَمَّعُه. بَعضُ الجُدرانِ حامِلَةٌ لِلبِناء؛ لا بُدَّ مِن بَقائِها وإلَّا انهارَ كُلُّ شَيء. وجُدرانٌ أُخرى يُمكِنُ هَدْمُها بِلا تَبِعات؛ وأَنتَ تَستطيعُ تَمييزَ الفَرْق. ولَكِن لِلأَسَف، كَثيراً ما يَكونُ الجِدارُ الحامِلُ هو الذي يَنبَغي أن يُزال. لا حِيلَةَ في ذلك، ولَيسَ ثَمَّةَ إلَّا حَلٌّ واحِدٌ يَبْعَثُ في نَفْسِكَ الذُّعْر، ولَكِن لا مَناصَ مِنه: حَطِّمْه.. وتَوارَ. إنَّ الشَّجاعةَ تُضادُّ ذلكَ الأَمَلَ الجَسُورَ بِأنَّ هَذا المَكتوبَ نَفيسٌ بِحَيثُ يَحتاجُه العَمَلُ أو يَحتاجُه العالَم. الشَّجاعةُ، وهيَ في غايَةِ الإنْهاك، تَقِفُ على عَيْنِ الحَقيقة: هَذه الكِتابةُ تُوهِنُ العَمَل. يَجِبُ عَلَيكَ هَدْمُ البِناءِ والبَدءُ مِن جَديد. يُمكِنُكَ استِبقاءُ بَعضِ الجُمَلِ كاللَّبِنات، وسَيَكونُ مِن قَبِيلِ المُعجزاتِ أن تَستَبقِيَ بَعضَ الفَقَرات، مَهما بَلغَت جَودَتُها في ذاتِها أو كُبْدَتُها. يُمكِنُكَ إضاعةُ عامٍ في القَلَقِ حِيالَ ذلك، أو يُمكِنُكَ الفَراغُ مِنه الآن.
إنَّ الجُزءَ الذي يَتوجَّبُ عَليكَ طَرْحُه لَيْسَ فَقَط أجْوَدَ ما كَتَبْت، بَل هو أَيضاً – ولِلمُفارَقَة – ذلكَ الجُزءُ الذي كانَ يُفتَرَضُ أن يَكونَ لُبَّ القَصِيد. إنَّه المَقْطَعُ الرَّئيسُ الأَصيل، المِحْورُ الذي كانَ سَيَقومُ عَلَيه البِناء، والذي استَمدَدْتَ مِنه الشَّجاعةَ لِتَبْدَأ. هنري جيمس عَرَفَ هَذا جَيِّداً، وحينَ سُئِل: «ما العَمَلُ الذي لَم يَتخلَّ فيه الكاتِبُ، تَحتَ وَطْأَةِ الصُّعوباتِ المُرَّة، عَن أَعزِّ شَيءٍ كانَ يَنوي استِبقاءَه؟»
لِذلكَ يَكتُبُ الكاتِبُ كُتُباً كَثيرة. في كُلِّ كِتاب، كانَ يَنوي طَرْحَ نِقاطٍ مُلِحَّةٍ وجَلِيَّة، ضَحَّى بِكَثيرٍ مِنها حينَ تَصلَّبَ قَالَبُ الكِتاب. «يَجمَعُ الشابُّ مَوادَّه لِيَبنيَ جِسراً إلى القَمَر، وفي نِهايةِ المَطاف، يَقنَعُ رَجُلُ الكُهولةِ بِبناءِ مَخزَنٍ لِلأَخشاب». يَعُودُ الكاتِبُ إلى مَوادِّ حَياتِه، وإلى تِلكَ المَوضوعاتِ الشَّجِيَّة، كَأَنَّها عَمَلٌ لَم يَكتَمِل؛ فَهيَ شُغْلُه الشَّاغِل.
إنَّ ما يَنبِذُه الكاتِبُ هو بِدايةُ العَمَل. اللَّوحةُ تَمحو آثارَ رِحْلَتِها؛ فالرَّسَّامونَ يَبْدَأُونَ مِن القاعِ صُعوداً، وآخِرُ نُسخةٍ مِن اللَّوحةِ تَحجُبُ ما قَبْلَها وتَمْحوه. أمَّا الكاتِبُ، فالفُصولُ المَطروحةُ تَبقى على يَمينِه، والعَمَلُ الأَدبيُّ الجَديدُ يَبْدَأُ مِن حَيْثُ نَضِجَ في المُنتَصَف. وبِدايةُ العَمَلِ تُحيِّي القارِئَ «باليَدِ الخاطِئة». في تِلكَ الصَّفحاتِ الأُولى، قَد يَجِدُ المَرْءُ وَثَباتٍ جَسُورةً نَحوَ العَدَم، وبِداياتٍ لِمَوضوعاتٍ مَهجورة، ولَحناً تَمَّ التَّخلِّي عَنه بَعدَ عَناء.
ثَمَّةَ أَوْهامٌ تُوهِنُ عَزيمةَ الكاتِبِ عَن طَرْحِ عَمَلِه. فإذا قَرأَ صَفحاتِه مِراراً، اكتَسَبَت تِلكَ الصَّفحاتُ صِفةَ «الضَّرورة»، ورَنَّت في أُذُنِه كَشِعْرٍ يُحفَظُ عَن ظَهْرِ قَلْب؛ فتَجيبُ على إيقاعاتِها المَألوفة. وقَد يَحتَفِظُ بِها لِما فيها مِن قُوَّةٍ ذاتِيَّة، رُغْمَ افتِقارِها لِلرُّكْنِ الرَّكين: وهو الالتِحامُ بِمَسارِ الكِتاب. وأَحْياناً يَتْرُكُ الكاتِبُ فُصولَه الأُولى امتِناناً لَها؛ فَهو لا يَستطيعُ رُؤيَتَها دونَ أن يَستَشْعِرَ ذَلكَ الفَرَجَ الذي غَمَرَه حينَ ظَهَرَت الكَلِماتُ أَوَّلَ مَرَّة. لَقَد أَوْصَلَتْه تِلكَ البِدايةُ إلى مَقصَدِه؛ فَيَظُنُّ أنَّ القارِئَ بِحاجةٍ إلَيها أَيضاً كَتَمْهيد. ولَكِنَّ الأَمْرَ لَيسَ كَذلك.
يَحكي أَنَّ مُصَوِّراً طَمُوحاً كانَ يَحمِلُ صُوَرَه كُلَّ عامٍ إلى مُصَوِّرٍ شَيخٍ جَليلٍ لِيَحكُمَ عَلَيها. وفي كُلِّ مَرَّة، كانَ الشَّيخُ يَضَعُ صُورَةً لِمَنظَرٍ طَبيعِيٍّ في كَوْمَةِ الصُّوَرِ «الرَّديئة». وأَخيراً سَأَلَه: «لِماذا تُقَدِّمُ هَذه الصُّورَةَ كُلَّ عامٍ وأَنا أَنْبِذُها؟ لِماذا تُحِبُّها هَكذا؟» فَقالَ الشابُّ: «لِأَنَّني اضطُرِرْتُ لِتَسَلُّقِ جَبَلٍ شاهِقٍ لِأَقتَنِصَها».
وكَذلِكَ فَعَلَ سائِقُ سَيَّارَةِ أُجْرَةٍ، حِينَ غَنَّى لي أَغانِيَه. أَطْفَأَ العَدَّادَ وطَفِقَ يَجوبُ المَدينةَ مُغَرِّداً. أَعادَ أُغْنِيةً طَويلةً مَرَّتَيْن، وكانَت هيَ الأُغْنِيةَ الوَحيدَةَ المُمِلَّة. قُلتُ لَه: لَقَد غَنَّيتَها، فَلْنُغَنِّ غَيْرَها. فَقال: «لا تَعلم كَم استَغرَقَني مِن الوَقْتِ لِأُؤَلِّفَها».
كَم مِن كِتابٍ نَقرَؤُه لَم يَملِك كاتِبُه الشَّجاعةَ لِقَطْعِ حَبْلِه السُّرِّيِّ؟ وكَم مِن هَدِيَّةٍ نَفتَحُها نَسِيَ صَاحِبُها أن يَنْزِعَ عَنْها بِطاقَةَ الثَّمَن؟ أَمِنَ الأدَبِ أن نَعلمَ كَم كَلَّفَ العَمَلُ صَاحِبَه مِن عَناءٍ شَخصِيّ؟
أَنْتَ تَكتُبُ كُلَّ شَيء، وتَكتَشِفُه عِندَ نِهايةِ سَطْرِ الكَلِمات. سَطْرُ الكَلِماتِ خَيْطٌ ضَوْئِيّ، مَرِنٌ كَالسِّلْك، يُنيرُ الدَّرْبَ أَمامَ طَرَفِهِ الرَّهيف. تَبْحَثُ بِه، في رِقَّةِ دُودةٍ تَتلمَّسُ طَريقَها. وحينَ تَعْلَقُ في كِتاب، وتَعجزُ عَنِ المُضِيِّ رُغْمَ عِلمِكَ بِما سَيَأتي، فَاعلمْ أنَّ المَعضِلَةَ هي إِحْدى اثْنَتَيْن: إِمَّا أنَّ البِناءَ قد تَصدَّع، أو أَنَّكَ تَقترِبُ مِن خَطأٍ قاتِل.
اذْكُرْ دَائماً: أَنْفِقْ كُلَّ ما عِندَكَ، واطْرَحْه كُلَّه بَذلاً، ولا تَدَّخِرْ نَفِيساً لِمَوضِعٍ لاحِقٍ في الكِتاب؛ بَل جُدْ بِه الآن. إنَّ الرَّغبةَ في ادِّخارِ الحَسَنِ لِوَقتٍ أَفضَل هي الإشارَةُ لِإِنفاقِه في الحَال. فَثَمَّةَ مَن يَمُدُّكَ مِن خَلْفِك، كَماءِ البِئرِ يَفيضُ كُلَّما استَقَيْتَ مِنه. وكَذلكَ كِتْمانُ ما تَعَلَّمْت، لَيسَ فَقَط مَذمَّةً، إنّما هو مَحْقٌ لِلبرَكَة. كُلُّ ما لا تَبذُلُه بِسخاءٍ يَضيعُ مِنك، وتَفْتَحُ خِزانَتَكَ فَلا تَجِدُ إلَّا الرَّماد.
بَعدَ وَفاةِ مِيكيلانجيلو، وُجِدَت في مَرْسَمِه ورَقةٌ كَتَبَ فِيها لِتلميذِه بِخَطِّ يَدِه الواهِن: «ارْسُمْ يا أَنطونيو، ارْسُمْ يا أَنطونيو، ارْسُمْ ولا تُضِعِ الوَقْت...».
