شَيءٌ فيكَ لا يَنام
في مُستَهَلِّ هذه المقالَة، ألتَمِسُ مِنكُم أن تُطلِقوا العَنانَ للخيال؛ لِتَرُدّوا شَريطَ الأحداثِ إلى الوَراء، مُتَجاوِزين حُروفَ المَطبَعَةِ في هذه الصَّفحَة وُصولاً إلى خَطِّ اليَدِ في صَفحَةٍ أُخرى، ثُمَّ إلى الصَّفحَةِ البَيضاء قَبلَ أن يُخَطَّ عليها أيُّ حَرفٍ، تَماماً كَما بَدَأتُ هذه المقالَة. فَغايَتي أن أكتُبَ عن ماهِيَّة الكِتابَة وكَيفَ تَتَخَلَّق. ومِمّا له دَلالَتُه أنَّ الكَلِمات الّتي تَقرَؤونَها الآن، قد سُطِّرَت في جَوفِ اللَّيل، إبّانَ نَوبَةٍ من الأرَق. فاللَّيلُ هو الميقاتُ الحَقّ، كَما تَشدو الأُغنيَة القَديمَة. وهو حَقٌّ في واقِعِ الأمرِ أحياناً، كَما تَجَلّى لي في هذه اللّحظَة؛ وهو حَقٌّ على الدَّوامِ في مَجازِه، إذ يُومِئُ إلى الحَراكِ المُعتِم الّذي يَكمُن خَلفَ أيِّ فِعلٍ للكِتابَة.
وقَد استَوفى موريس بلانشو هذا المَجازَ حَقَّه، فالكِتابَةُ عِندَه صِنوُ اللَّيلِ أبَداً. على أنَّ هذا اللَّيلَ لا يُرادُ بِه ذاكَ الخُفوتُ اليَوميُّ نَحو العَتمَة الّذي نُطلِق عليه هذا الاسم. إنَّما يَتأمَّلُ بلانشو في ما يُسَمّيه «الليل الآخَر». وهذا اللَّيلُ الآخَرُ يَقتَضي مِنّا ابتِداءً أن نُقصِيَ كُلَّ ما نُدرِكُه عن أيِّ لَيلٍ مَألوفٍ وواقِعيّ. فاللَّيلُ الآخَرُ لا يَعني اضمِحلالَ شَواغِل النَّهارِ المَعهودَة في غَياهِب الظَّلام، فَتِلك إبادَةٌ مَحمودَةٌ نَركَنُ إليها، ونَستَريحُ فيها من عَناءِ يَومٍ مَضى، لِنَستَجمِع قُوانا لِيَومٍ آتٍ. ومِثلُ هذا اللَّيل لا يَزال صَنيعَةَ النَّهار، إذ تُحَدِّدُه شَواغِلُه. وما لَيلُ بلانشو بِذلِك المَرتَع القوطيِّ العَتيق للأشباح وغَيرِها من الكائِناتِ الشِّريرَة، لِسَبَبٍ جَليّ؛ وهو أنَّ هذه لا تَزال «كائِنات». وكَما يَقول بلانشو في مَقالَتِه «الخارِج، اللَّيل»:
إنَّ أُولئِك الّذين يَحسَبون أنَّهُم يُبصِرون الأطيافَ هُم مَن يَأبَون رُؤيَةَ اللَّيل. فَيَحشُدونه بِرَهبَة الصُّوَر الصَّغيرَة، ويَشغَلونَه ويَلهون عَنه بِتَجميدِه - أي بِوَقفِ تَأرجُحِ البَدءِ الأبَديّ. إنَّه خاوٍ، ومَعدوم؛ ونَحنُ مَن نَكسوه حُلَّةَ الكائِنات.
ونَجِدُ في طَيّاتِ هذا الرَّفضِ تَعليقاً جانِبيّاً يَحمِل دَليلاً على فِكرَة بلانشو عن اللَّيلِ الآخَر: ألا وهو «تَأرجُحُ البَدءِ الأبَديّ». وقُبَيل هذا، وَصَف بلانشو اللَّيلَ الآخَر بأنَّه «التَّبَدّي الّذي لا يَنقَطِع». وأحَدُ السُّبُل لِإدراكِ مَرامِ هذه العِبارات هو الالتِفاتُ إلى مُكابَدَة اللَّيلِ الّتي يُقاسيها المَرءُ في الأرَق. فالمُؤَرَّقُ الّذي جافاهُ الكَرى، يَستَحيلُ لَيلُه إلى اللَّيلِ الآخَر، ومَرَدُّ ذلِك يَقيناً إلى هذا الأرَقِ عَينِه، وإلى تِلكَ الحَرَكَة الدَّؤوبَة لِلفِكر، الّتي لا تُعَدُّ، في جَوهَرِها، مِلكاً لِلمَرءِ نَفسِه.
وقَد وَصَفَ إيمانويل ليفيناس هذا التَّحَوُّلَ في مُصَنَّفٍ كان بلانشو خَبيراً بِه، وهو «الوُجود والمَوجودات» (١٩٤٧). يُوَضِّحُ ليفيناس أنَّ يَقظَةَ الأرَقِ غُفلٌ من الهُوِيَّة، فَهي وُجودٌ مُجَرَّدٌ من أيِّ كينونَةٍ مُحَدَّدَة. ويَقول إنَّه لا يوجَد سِوى «حَقيقَةِ الحُضور العاريَة... المَرءُ مُقَيَّدٌ بالوُجود، مُلزَمٌ بالكينونَة» رَغمَ كُلِّ مَساعيه لِبُلوغِ غَياهِب النِّسيانِ في النَّوم.
ويَستَطرِدُ قائِلاً:
في سَهَرِ اللَّيلِ المَجهولِ هذا، حَيثُ أنكَشِفُ كُلِّيّاً أمام الوُجود، تَتَعَلَّقُ كُلُّ الأفكارِ الّتي تَشغَلُ أرَقي بالعَدَم. فلا سَنَدَ لها. وكَأنَّني المَفعولُ بِه لا الفاعِلُ لِفِكرٍ مَجهول.
ويَصلُحُ هذا الوَصفُ تَماماً لِحالِ المَرءِ في لَحظَةِ الكِتابَة. فالمُؤَرَّقُ والكاتِبُ صِنوانِ في مَعرِفَتِهِما باللَّيل، باللَّيلِ الآخَر. وقَد أسَرَّ كافكا ذاتَ مَرَّةٍ إلى صَديقٍ قائِلاً: «لَولا لَيالي الأرَقِ المُرَوِّعَة هذه، لَما كَتَبتُ قَطّ».
ومِمّا لا رَيبَ فيه أنَّه لم يَكُن يُشيرُ إلى استِغلالِ السّاعاتِ الّتي تَعقُب مُنتَصَف اللَّيل استِغلالاً ناجِعاً. والأرجَحُ أنَّه في تِلك الأوقات، شَأنُه شَأنَ مُؤَرَّقِ ليفيناس، قَد أضحى «المَفعولَ بِه لا الفاعِلَ لِفِكرٍ مَجهول».
وثَمَّة لَفظٌ آخَرُ يُعَبِّرُ عن هذا الفِكرِ المَجهول، هذا الفِكر الغَريب عن المَرء، ألا وهو «الإلهام». غَيرَ أنَّ التَّداعياتِ المَألوفَة لـ«الإلهام» تُفرِطُ في الإيجابِيَّة: فَهي مُقتَرِنَةٌ بِرَبَّةِ الشِّعر، أو بالنّاسِخِ المُبَجَّل الّذي تَنحَصِرُ غايَتُه في تَدوينِ المُصَنَّف لِصالِحِ المُؤَلِّف، وإخراجِه من غَياهِب اللَّيلِ إلى نورِ النَّهار. وفي المُقابِل، يُصَرِّحُ بلانشو بِأنَّ «الإلهام، تِلكَ الكَلِمَة الشّارِدَة الّتي لا تَبلُغ مُنتَهى، هو لَيلُ الأرَقِ الطَّويل».
وإن كان لِلإلهامِ صِلَةٌ بالمُصَنَّف، فَهي مُنتَفِيَةٌ عن النَّحوِ الّذي نَتَصَوَّرُه عادَةً. فالإلهامُ عِندَ بلانشو لم يَكُن دَرباً يَسلُكُه المَرءُ بُغيَةَ بُلوغِ مُصَنَّفٍ مُنجَز؛ فالكاتِبُ يَسعى «لِجَعلِ المُصَنَّفِ دَرباً نَحو الإلهام». ولا بُدَّ لِهذا الدَّربِ أن يَظَلَّ شارِداً بِلا نِهايَة، كَما يَتَجَلّى في المُقتَطَف الآتي:
يَدفَعُنا الإلهامُ بِرِفقٍ أو بِجُموحٍ إلى خارِجِ العالَم، وفي هذا الخارِج لا مَجالَ لِلنَّوم، ولا لِلرّاحَة. ولَعَلَّه يَنبَغي أن نَدعوَه لَيلاً، بَيدَ أنَّ اللَّيلَ - جَوهَرَ اللَّيل - لا يَدَعُنا نَنام، على وَجهِ الدِّقَّة.
وتَدفَعُ هذه الصّورَةُ من الإلهام المُصَنَّفَ إلى الوُجود، وتُطلِقُ في القارِئ دافِعاً مُقابِلاً - دافِعاً لا يَعرِف الرّاحَة، ولا يَبلُغ نِهايَة، ويَستَعصي على الاحتِواء شَأنُه شَأنَ ذلِك اللَّيلِ الآخَر الّذي انبَثَق مِنه المُصَنَّفُ المَكتوب.
ولنَصرِفِ الآن بَعضَ الوَقتِ لِاستِجلاء مَفهومِ الإلهامِ هذا كَما يَتَجَلّى في رِوايَةِ ستيفن كينغ «النّصف المُظلِم» (١٩٨٩). ومِثلَ كَثيرٍ من أعمالِ كينغ الأُخرى، تَدورُ هذه الرِّوايَةُ حَول كاتِبٍ وماهِيَّةِ الكِتابَة. عاشَ تاد بومونت، الرِّوائيُّ المَرموق، حَياةً أدَبِيَّةً مُزدَوَجَة. فَقَد صَنَّف، مُتَخَفِّياً تَحتَ الاسمِ المُستَعار «جورج ستارك»، سِلسِلَةً من رِواياتِ الإثارَة ذائِعَةِ الصّيت الّتي تَتَّخِذُ من قاتِلٍ لا يَرحَم ومُبتَكِرٍ يُدعى «ألكسيس ماشين» بَطَلاً لها. وهذا الاسمُ بِطَبيعَة الحال تَلاعُبٌ لَفظيٌّ بالكَلِمَةِ اليونانِيَّة «ليكسيس» الّتي تَعني العِبارَة أو الكَلِمَة؛ واقتِرانُه بِآلَةِ القَتل هذه يُومِئُ إلى أنَّ ديناميَّة الكَلِمات تَتَّسِمُ بِالتَّجَرُّدِ من الإنسانيَّة وبالخَطَر في آنٍ مَعاً. وجورج ستارك نَفسُه بالِغُ الخُطورَة كالشَّخصِيَّةِ الخَياليَّة الّتي ابتَدَعَها. ورَغم أن كَونَه اسماً مُستَعاراً يَجعَلُه مَحضَ خَيال، يَسَعُنا الحَديثُ عن «جورج ستارك نَفسِه» لأنَّ تاد يَكتَشِفُ في مُستَهَلِّ الرِّوايَة - على نَحوٍ لا يُصَدَّق ولا يُمكَنُ دَرؤُه - أن اسمَه المُستَعارَ قَد استَقَلَّ بِحَياةٍ خاصَّة. ويَحدُث هذا في اللَّحظَةِ ذاتِها الّتي يَظُنُّ فيها أنَّه قَضى على ستارك مَجازيّاً. ويَقتَرِف ذلِك من خِلال مَقالَةٍ لِمَجَلَّة «بيبول»، يُقِرُّ فيها بأنَّه المُؤَلِّف الحَقيقيُّ لِرِوايات ألكسيس ماشين، وأنَّه لن يُصدِرَ مِنها المَزيد. وزُيِّن المَقال بِصورَةٍ طَريفَة لِتاد وزَوجَتِه يَقِفانِ في مَقبَرَةٍ عِند شاهِدِ قَبرٍ نُقِش عليه اسمُ ستارك وتَواريخُه. ولَكِن لاحِقاً، تُفصِح آثارُ أقدامٍ مُوَحَّلَة عن خُروجِ أحَدِهِم من القَبرِ الوَهميِّ قُبَيلَ نُشوب سِلسِلَةٍ من جَرائِمِ القَتل المُروِّعَة. وتَتَّصِل كُلُّ الضَّحايا بالمَقال الّذي كان يُظَنُّ أنَّه قَضى على ستارك، غَير أنَّه قَد أتى بِأثَرٍ عَكسيّ.
إلى هُنا ونَحنُ أمامَ حالَةٍ قوطِيَّة نَموذَجِيَّة، تَتَجَلّى في القَرين الشِّرير: حَتّى إن عُنوانَ الرِّوايَة لَيُؤَكِّد هذا المَعنى. فَيَبدو أنَّ ستارك هو نصفُ تاد بومونت المُظلِم، أو اللاوَعْيُ المُعتِم لِهذا الرَّجُل الخَيِّرِ في جَوهَرِه. ومَع صِحَّة هذا الطَّرح إلى حَدٍّ بَعيد، يَنبَغي أن نَأخُذ في الحُسبان اعتِراضَ بلانشو المُتَمَثِّل في أنَّ «القَرين لا يَزال شَخصاً ما»، كينونَةً تُسبِغ التَّمامَ على كينونَتِنا الواعِيَة، شَطراً مُظلِماً يُكمِل كُلِّيَّتَنا.
وسَيَكون هذا بِمَثابَة اللَّيل كَما نَعهَدُه عادَةً، اللَّيلُ الّذي يُعارِض عالَمَنا النَّهاريَّ ويُكمِلُه في آن. ويَختَلِف هذا اختِلافاً جَذريّاً عن ذلِك اللَّيلِ شَديدِ الغَرابَة، حَتّى أن أيَّ صِلَةٍ بِه، ولَو كانَت صِلَة تَضادّ، تَغدو ضَرباً من المُحال. وما أرومُ إدراكَه في رِوايَةِ كينغ، إذن، هو ذلِك اللَّيلُ الآخَر، المُصَوَّرُ كَمَهوىً يَفِدُ إليه الكُتّاب لِيَلتَمِسوا إلهامَهُم - أو بِالأحرى لِيَلتَمِسوا إلهاماً مُفارِقاً لِذَواتِهِم وبالِغَ الآخَرِيَّة. وتَتَبَدّى مَلامِحُ هذه الآخَرِيَّة حَتّى في المَقالِ الأصليِّ لِمَجَلَّة بيبول، والّذي استَشهَد بِه كينغ مُطَوَّلاً في مُستَهَلِّ رِوايَتِه. وإلَيكُم شَطراً مِنه:
يَمُدُّ بومونت يَدَه نَحو [الأقلام] المَبرِيَّةِ بِعِنايَة في وِعاء الحِفظ، ثُمَّ يَقبِضُها. ويَسرَحُ بَصَرُه شَطر الجِدارِ الزُّجاجيِّ في مُؤَخَّرَة مَكتَبِه... 'التَّفكيرُ في الكِتابَة تَحتَ اسمٍ مُستَعار كان كالتَّفكيرِ في التَّخَفّي'، هَكَذا قال أخيراً بِتَرَدُّدٍ شِبه مَلحوظ. 'وكُلَّما استَرسَلتُ في هذه الفِكرَة، تَعَظَّم يَقيني بأنَّني سَأكون... حَسَناً... كَمَن يُعيد ابتِكارَ نَفسِه.' تَمتَدُّ يَدُه مُجَدَّداً، وتَتَوَفَّق هذه المَرَّة في اختِلاسِ أحَدِ الأقلام من الوِعاء، بَينَما عَقلُه سارِحٌ في شَأنٍ آخَر.
يَشي كَلامُ بومونت بِشَيءٍ مِمّا يَعتَري هُوِيَّة الكاتِب في أيِّ عَمَليَّةِ كِتابَة، ولا يَقتَصِر الأمرُ على ما يُكتَب بِأسماءٍ مُستَعارَة. فَهُوِيَّتُه النَّهاريَّة المَألوفَة تَتَلاشى، ويَغدو خَفيّاً؛ واستِحداثُه لِخَيالِه يَستَلزِم إعادَةَ ابتِكار نَفسِه كَكَيانٍ آخَرَ تَماماً. وتُعَدُّ تَفصيلَةُ حَرَكَةِ اليَدِ اللّاوَاعيَة ذات مَغزى؛ فالأقلامُ الّتي تَمتَدُّ إليها اليَدُ هي تِلك الّتي يَكتُبُ بِها جورج ستارك، وبِها خُطَّت كُلُّ رِواياتِ ألكسيس ماشين؛ أمّا تاد بومونت حين يَكتُب بِشَخصِه فلا يَسَعُه إخراجُ رِواياتِه إلّا بِالآلَة الكاتِبَة. بَيدَ أن تَفصيلَة سُلوك اليَد تَحمِلُ دَلالاتٍ تَتَجاوَزُ هذه الحالَةَ بِعَينِها.
ويَستَعينُ بلانشو بِحَرَكَةٍ لاواعِيَةٍ مُماثِلَة لِيُسَلِّطَ الضَّوءَ على الطَّبيعَة العَامَّة للكِتابَة، إذ يَصِف ظاهِرَةً تُدعى «القَبضَ الاضطِهاديّ»:
يَحدُث أن يُمسِك المَرء بِقَلَمٍ ويَرغَب بِشِدَّة في إفلاتِه، غَير أن يَدَه تَأبى ذلِك، وتَشتَدُّ قَبضَتُها دُونَ نِيَّةٍ لِلانفِراج. وتَتَدَخَّل اليَدُ الأُخرى بِنَجاحٍ أكبَر، ولَكِنَّنا نَرى حينَئِذٍ اليَدَ الّتي يَسَعُنا وَصفُها بالمَريضَة تُومِئُ بِبُطء، مُحاوِلَةً استِرجاعَ الشَّيءِ الّذي يَبتَعِد...
يُخَيَّل أن الكاتِبَ سَيِّدُ قَلَمِه، وبِمَقدورِه بُلوغُ سِيادَة عَظيمَة على الكَلِمات، وعلى ما يَرومُ جَعلَها تُعَبِّرُ عَنه. لَكِنَّ هذه السِّيادَة لا تُفلِحُ إلّا في وَضعِه وإبقائِه في تَماسٍ مَع سَلبيَّة جَذريَّة تَستَحيلُ فيها الكَلِمَة، وقَد تَجَرَّدَت مِمّا وَراءَ مَظهَرِها كَظِلِّ كَلِمَة، عَصِيَّةً على التَّرويضِ أو حَتّى الإمساك؛ تَبقى عَصِيَّةً على القَبض، وعَصِيَّةً على التَّرك، في لَحظَةِ افتِتانٍ مُضطَرِبَة.
عَصِيَّةٌ على القَبض، وعَصِيَّةٌ على التَّرك - يوحي هذا كُلُّه بِأن الكاتِبَ في شِقاقٍ دائِمٍ مَع نَفسِه، وبِأن لَه شَطراً مُظلِماً يَأبى الانقِياد، وهو ما نُؤثِر تَسمِيَتَه بالإلهام. ويُدرِكُ آلان بانجبورن، مُحَقِّقُ الشُّرطَةِ المُوَكَّل بِسِلسِلَة جَرائِم القَتل الّتي اقتَرَفَها ستارك، هذه الحَقيقَة عن تاد بومونت: «إنَّه رَجُلان - ولَطالَما كان رَجُلَين. وذلِك شَأنُ أيِّ امرِئٍ يَتَّخِذ من اختِلاقِ الأكاذيبِ مِهنَةً لَه. فالَّذي يَعيشُ في العالَم الطَّبيعيّ... والّذي يَخلُقُ العَوالِم. هُما اثنان».
وقَد كان تاد بومونت رَجُلَين بِحَقٍّ في الشَّطرِ الأوَّل من حَياتِه. فَفي صِباه كابَد صُداعاً شَديداً يُفضي بِه إلى فِقدانِ الوَعي؛ واكتَشَفَ أحَدُ الأطِبّاء أن هذه النَّوبات ناجِمَة عن بَقايا تَوأمٍ جَنينيٍّ امتَصَّه في الرَّحِم، فاستَأصَلها جِراحيّاً. وكان النَّذيرُ الّذي يَسبِقُ صُداعَ تاد دائِماً هو صَوت زَقزَقَة العَصافير. وهذه العَصافير، لا جورج ستارك، هي الّتي تَغدو أصدَقَ تَجسيدٍ في الرِّوايَة لِلعالَم الّذي تَنبَثِقُ مِنه الكِتابَة. وتُلَخِّص عِبارَةٌ مُلغَزَةٌ واحِدَةٌ سَطوَتَها: عِبارَةٌ كُتِبَت بالدَّم في مَسرَحِ جَريمَة ستارك الثّانيَة: «العَصافيرُ تُحَلِّق مُجَدَّداً». وهذا الـ«مُجَدَّداً» يَدفَعُنا في بادِئ الأمر إلى قِراءَة هذه الكِتابَة على الجِدار كَإشارَةٍ إلى عَودَةِ جورج ستارك - ولَكِن لِكَونِ العَصافيرِ بِصيغَة الجَمع، فلا بُدَّ لَنا من أن نَرى فيها عَودَةً للكِتابَة ذاتِها، الكِتابَةَ مَنظوراً إليها كَحَشدٍ من الكَلِمات.
فالعَصافيرُ دَوالّ، أشكالٌ سَوداء على خَلفِيَّة صَفحَة هي «السَّماء البَيضاء لِأواخِر الرَّبيع». وتَنبَثِق كَما يَبدو من تِلقاء نَفسِها. ويَشرَع تاد بومونت، في اللَّحظَة الّتي تَقَع فيها جَريمَة قَتلٍ أُخرى، في سَماعِ ضَجيجٍ مُتَنامٍ لِنِداءات الطُّيور، ثُمَّ يُبصِرُ آلافَ العَصافيرِ تَحتَشِد في الأُفُق، مُتَرَقِّبَةً الصُّعودَ إلى تِلك السَّماء البَيضاء. وهي تَصعَد في اللَّحظَة الّتي يَبدأ فيها بالكِتابَة:
لَمّا قَرَّب وَرَقَةً إلَيه وبَدَأ يَكتُب، لم يَكُن يَعي ما يَفعَل. تَدَلّى رَأسُه إلى الخَلفِ على عُنُقِه؛ وشَخَصَت عَيناه بِلا بَصَرٍ نَحو السَّقف. وطار القَلَمُ جيئَةً وذَهاباً، صُعوداً وهُبوطاً، وكَأنَّه يَفعَلُ ذلِك من تِلقاءِ نَفسِه.
وهذا مَثَلٌ آخَر على يَدِ الكاتِبِ وهي أسيرَةٌ لِقُوَّةٍ تَفوقُها؛ وهو بالطَّبع مَثَلٌ على الكِتابَة التِّلقائيَّة، الّتي يَستَشهِدُ بِها بلانشو كَحالَةٍ قُصوى لِما يَجري في كُلِّ كِتابَة. وحين يَثوبُ بومونت إلى رُشدِه، يَرى صَفحَةً تُغَطّيها طَلاسِمُ يَطرَحُها جانِباً في البِدايَة، إذ لا طاقَةَ لَه على استيعاب دَلالاتِها الكامِلَة. غَيرَ أنَّه يُمَيِّز عَناصِر من حُلُمٍ راوَدَه مُؤَخَّراً عن ستارك؛ وسُرعان ما سَيَربِطُ القارِئ كَلِماتٍ بِعَينِها بِمَسرَح جَريمَةٍ على وَشَكِ أن توصَف - ورُبَّما تَكون هذه الكِتابَةُ ذاتُها قَد استَدعَتها إلى الوُجود. وأخيراً، تَتَناثَرُ بَينَ هذه الشَّظايا المُوحِيَة كَلِماتٌ من العِبارَة «العَصافيرُ تُحَلِّق».
وبِطَبيعَة الحَال، يُساق تاد بومونت، والقارِئُ مَعَه، إلى فَكِّ شَفرَةِ مَعنى هذه العِبارَة. فَيَتَذَكَّر الصِّلَة بَين أصوات الطُّيور والنَّوبات الّتي ألَمَّت بِه في صِباه، لَكِنَّه يَظفَر لاحِقاً بَدَليلٍ آخَر على مَعناها من زَميلٍ لَه في الجامِعَة الّتي يَعمَلُ بِها. إذ يُخبَر بِأن العَصافير في الأساطير هي أدِلّاء الأرواح، وقادَةٌ إلى عالَم المَوتى. ومِمّا لا رَيبَ فيه أنَّها تَقود تاد خارِج العالَم الطَّبيعيِّ إلى العالَم الآخَر الّذي أدرَكَه بانجبورن بِحَدسِه، العالَم الّذي يَفِدُ إلَيه أيُّ مُؤَلِّف إبّانَ فِعلِ الكِتابَة.
وتَتَجَلّى الدَّلالَة الكامِلَة لِهذه المَعلومَة في استِغلالِ تاد لها في مَشهَدِ الذِّروَة من الكِتاب. فَبِمَكر، يُوافِق - أو يَتَظاهَر بالمُوافَقَة - على مَنح ستارك مُبتَغاه: سَيُعَلِّمُه الكِتابَة، مُستَقِلاً عن تاد بومونت - فَغايَةُ ما يَسَع ستارك كِتابَتَه بِنَفسِه هو تَنويعاتٌ على اسمِه. ومَع اتِّخاذِ زَوجَتِه وطِفلَيه رَهائِن، يَجلِسُ مَع ستارك ويَشرَعُ في كِتابَةِ رِوايَة ألكسيس ماشين الجَديدَة - وهي رِوايَةٌ يَوَدُّ كِتابَتَها، رَغمَ أنفِ نَفسِه. ثُمَّ يُناوِل الوَرَقَة لِستارك، الّذي يَستَغِلُّ الزَّخَم بِالفِعل لِيَكتُب جُمَلَه الأولى، وتَجيءُ بارِعَة. ولَكِن بَينَما يَنغَمِس ستارك في الكِتابَة، يَستَغِلُّ تاد الرّابِطَة المُتَبَقِّيَة بَين عَقلَيهِما لِيَدُسَّ في الجُمَل، شَيئاً فَشَيئاً، إشاراتٍ إلى العَصافيرِ والتَّحليق، إشاراتٍ لا يَفطَن إليها ستارك، مِثلَما لا يَفطَن إلى أسراب الطُّيور الحَقيقيَّة المُتَكاثِرَة الّتي تَكسو الأُفُقَ خارِج النّافِذَة. وأخيراً، يَكتُبُ تاد الجُملَة كامِلَةً على قِطعَة وَرَق ثُمَّ يَطعَن ستارك في حَلقِه بِقَلَم. ولم يَكُن هذا لِيُبَطِّئ من سُرعَة ستارك لَولا آلافُ العَصافيرِ الّتي تَقتَحِم النّافِذَة حينَئِذٍ وتُهاجِمُه. وفي النِّهايَة تَحمِلُه وتُحَلِّق بِه في السَّماء، سَماء «سَوداء بالطُّيور، غَير أنَّها بَدَت في مَوضِعٍ مِنها كالأبنوس، وكَأنَّ ثُقباً قَد مُزِّق في نَسيجِ الواقِع. واتَّخَذ هذا الثُّقب الأسوَد هَيئَةً جَليَّةً لِرَجُلٍ يُصارِع». ولا يَقتَصِرُ المَشهَدُ على مُجَرَّد الإجهازِ على جورج ستارك وإتقانِ ذلِك هذه المَرَّة؛ فالطُّيور لا تَقومُ بِدَور أدِلّاء الأرواحِ بِهذا المَعنى، لِتَزُفَّه إلى المَوتِ فَحَسْب. فالعالَمُ الّذي تَقتادُ إليه جورج ستارك لَيس هو المَوت، بل عالَمُ ذلِكَ «الثُّقب المُمَزَّق في نَسيجِ الواقِع»، الثُّقب الّذي يُمَزَّقُ كُلَّما بارَحَ كاتِبٌ في العالَم الحَقيقيِّ ذلِكَ العالَم هُنَيهَةً لِيَعودَ بِكَلِماتٍ على صَفحَة. هذا هو عالَم اللَّيلِ الآخَر، وإلى ظُلمَتِه يُرَدُّ شَطر تاد المُظلِم رَدّاً حاسِماً.
لَقَد انتَصَر تاد إذن - أم تُراه فَعَل؟ لَقَد استَخدَم قُوى اللَّيل، بَيدَ أن هذا لا يَعني أنَّه رَوَّضَها. فَكَما أسلَفَ بلانشو، فَإن سِيادَة الكاتِب المَزعومَة «لا تُفلِحُ إلّا في وَضعِه وإبقائِه في تَماسٍ مَع سَلبيَّة جَذريَّة تَستَحيلُ فيها الكَلِمَة، وقَد تَجَرَّدَت مِمّا وَراءَ مَظهَرِها كَظِلِّ كَلِمَة، عَصِيَّةً على التَّرويض أو حَتّى الإمساك».
وتُعَزِّزُ تَفاصيلُ مُعَيَّنَة في نِهايَةِ رِوايَة كينغ هذا المَعنى. فَبَعد أن تَلاشى ستارك في السَّماء، يَعودُ عُصفورٌ واحِد لِيَحُطَّ على كَتِف تاد:
قال لَه تاد: "شُكراً لَك. شـ -"
فَنَقَر العُصفور وَجهَه بَغتَةً وبِشَراسَة، فَأسال الدَّم أسفَل عَينِه مُباشَرَة. ثُمَّ طار لِيَلحَق بِرِفاقِه.
ويُفَسِّر تاد هذا كَنَذيرٍ ألّا يَفتَرِضَ أنَّه قَد أحكَمَ قَبضَتَه على هَؤُلاء الأعوان، وأنَّه سَيِّدُهُم. فَهُو بالأحرى مَسوقٌ ومَحكومٌ من قِبَل هَؤُلاء المَندوبين لِعالَمٍ يُجاوِزُ هذا العالَم. لِذا، وهو يَرقُبُ ألسِنَةَ اللَّهَبِ تَلتَهِمُ مَنزِلَه وتَبلُغُ مَكتَبَه لِتَأتي على البَقيَّةِ الباقِيَةِ من كِتابات جورج ستارك، تَتَضافَر كُلُّ مآسيه في رَدِّ فِعلِه:
عَلِقَت أوراقٌ في تَيّارِ الهَواء الّذي خَلَّفَه الحَريق، فَسُحِبَت إلى الخارِجِ والأعلى. وفي غَمرَةِ التَّوَهُّج، تَسَنّى له رُؤيَةُ أنَّها كانَت مُغَطّاةً بِكَلِماتٍ مَخطوطَةٍ باليَد. وتَغَضَّنَت الأوراق، واشتَعَلَت فيها النّيران، وتَفَحَّمَت، واسوَدَّت. وحَلَّقَت صُعوداً في اللَّيل فَوق ألسِنَةِ اللَّهَب كَسِربٍ دَوّارٍ من الطُّيور الدّاكِنَة.
... ورَفَع تاد بومونت يَدَيه بِبُطءٍ ووَضَعَهُما على وَجهِه. ووَقَف هَكَذا طَويلاً.
ويَرتاعُ تاد بومونت هُنا من القُوى المُظلِمَة الّتي استَحضَرَها - كُلٌّ من جورج ستارك والعَصافير الّتي أبادَت الأخير. غَيرَ أن الرَّجُل الّذي استَحضَر تاد بومونت نَفسَه سَيُواصِل الكِتابَة، سَيُواصِل غَزواتِه في غَياهِب اللَّيل - ذلِكَ اللَّيلِ الّذي لا يُعَدُّ المَنهَلَ لِمَوضوعاتِ ستيفن كينغ القوطِيَّة فَحَسب، وإنَّما هو المَجازُ الأبلَغُ لِقَهرِه الدّائِمِ على الكِتابَة، رَغم ما يَكتَنِفُ هذا الفِعلَ من غَرابَةٍ وخُطورَة.
لِمَ يَكتُبُ كينغ إذن، ولِمَ يَكتُبُ أيُّ امرِئ؟ يُقَدِّمُ كافكا إجابَةً في نَصٍّ مُقتَضَبٍ لِلغايَة بِعُنوان «في اللَّيل». يُصَوِّر مَشهَداً بِدائيّاً لِحِراسَةِ عَدَدٍ لا يُحصى من النِّيام المَطروحين أرضاً في مِنطَقَةٍ مُقفِرَة. فَهذا هو الوَجهُ الحَقيقيُّ لِنَومِنا اللَّيليّ: «إنَّها مَحضُ مَسرَحيَّة، وخِداعٌ بَريءٌ لِلذّات، أنَّهُم يَنامون في بُيوت، في أسِرَّةٍ آمِنَة، تَحتَ سَقفٍ آمِن، مُمَدَّدين أو مُكَوَّرين على مَراتِب، في مُلاءات، تَحتَ بَطّانيّات». لِذا لا بُدَّ لِمَن يَحرُسُهُم، لِمَن لا يَزال يَقِظاً في جَوفِ اللَّيل. ولَكِن دُونَ أن يُحكِم سَيطَرَتَه عَلَيه. فالأمرُ على النَّقيض، كَما تُفتَتَح كَلِماتُ النَّصّ، فالمَرءُ «ضائِعٌ في أعماقِ اللَّيل. تَماماً كَما يُخفِضُ المَرءُ رَأسَه أحياناً لِيَتَأمَّل، هَكَذا يَكون الضَّياعُ التّامُّ في اللَّيل».
هذا هو لَيلُ بلانشو الآخَر، اللَّيلُ الّذي يَغدو الظَّلامُ الحَقيقيُّ مَحضَ ظِلِّ لَه. وفي غَياهِب هذا اللَّيل، يَختَتِمُ كافكا: «لا بُدَّ لِمَن يَحرُس، كَما يُقال. لا بُدَّ لِمَن يَكون هُناك». ولا مُبَرِّر يُساق لِهذه الضَّرورَة، ولا غايَة مُحَدَّدَة لِلحِراسَة؛ فالمَرءُ يَحرُس وكَفى. وفي الأرَق أيضاً، بِحَسَبِ ليفيناس، «يَحرُس المَرءُ حَيثُ لا شَيءَ يَحرُسُه، ورَغمَ انتِفاء أيِّ مُبَرِّر لِلتَّيَقُّظ». وثَمَّةَ غِيابٌ ما أيضاً في هذا الـ«مَرء» الّذي يَحرُس عِند ليفيناس، وفي «أحَدِهِم» عِند كافكا؛ فَهذه الألفاظُ المُجَرَّدَة من الشَّخصانيَّة تَنفَتِحُ على تَجَرُّدِ اللَّيلِ الأعظَم. «اليَقظَةُ مَجهولَة الهُوِيَّة»، يَقولُ ليفيناس، «لا أقولُ إن يَقظَتي حاضِرَةٌ في اللَّيل. فَفي الأرَق، اللَّيلُ نَفسُه هو مَن يَحرُس». وهذا اللَّيلُ مُجَرَّدٌ من أيِّ شَخصانيَّةٍ على نَحوٍ يُجاوِزُ أيَّ مَساعٍ لِإلباسِه ما يُسَمّيه بلانشو «صُوَراً صَغيرَة»: كالأشباح، والوُحوش، والقُرَناء الأشرار كَجورج ستارك. فَما وَراء هَؤُلاء هو اللَّيلُ الّذي يَفتَعِلُهُم بِلا انقِطاعٍ ولا هَوادَة من شَيءٍ أشَدَّ رُعباً من أيٍّ من هذه الصُّوَر، وتَحديداً لِكَونِه بِلا صورَة ولا تَجَسُّد. إنَّه غَيرُ مُبالٍ بِمِثلِ هذه الأشياء، ولا بِنا. وهذه اللّامُبالاة هي إلهامُ الكاتِب، ولَكِن عَبرَ مَحوِ «ذاتِ» الكاتِبِ أوَّلاً. فَكَما في حالَةِ الأرَق، الكاتِبُ أقرَبُ إلى أن يَكونَ المَمَرَّ الّذي تَعبُر مِنه الحِراسَةُ من أن يَكون ذلِكَ الّذي يَحرُس. ومن حَولِه يَرقُد النِّيام، غافِلين عن حالَتِهِم البِدائيَّة، غافِلين عن نَومِهِم، غافِلين عن اللَّيل. ولِذا، كَما يَقولُ كافكا، «لا بُدَّ لِمَن يَحرُس»، لا بُدَّ من الإذعانِ لِأن يَستَحيل المَرءُ مَحض «أحَدِهِم»، كَياناً مُجَرَّداً تَعبُر مِنه الحِراسَة. ذلِكَ «الأحَدُهُم» هو الكاتِب، مُؤَرَّقُ الإلهام، الفاعِلُ الّذي استَحَالَ مَفعولاً بِه لِلَّيل الآخَر.
