لا أَدْري لِماذا أَكْتُب
لعلَّ كاتبًا يخطُّ: «أنا وحيدٌ» أو يقولُ مقالةَ «رامبو»: «إنني حقًّا آتٍ مِن ما وراءِ القبرِ» يحسبُ نفسَهُ في غايةِ الإضحاكِ. ومِنَ المضحكِ أن يعيَ المرءُ وحدتَهُ موجِّهًا الخطابَ إلى قارئٍ، وبوسائلَ تمنعُ الإنسانَ مِنَ الانفرادِ. ولفظةُ الوحدةِ عامَّةٌ شمولًا كلفظةِ الخبزِ؛ فما إن ينطقُ بها المرءُ حتى يستحضرَ كلَّ ما تقصيهِ وتنفيهِ. ومثلُ هذه المآزقِ اللغويةِ يندرُ أن تؤخذَ مأخذَ الجدِّ. ويكفي أن تؤدّيَ الكلماتُ خدمتَها لتستمرَّ الأدبيّاتُ في التبدّي ممكنةً. وقولُ الكاتبِ: «أنا وحيدٌ» يحملُ معنًى بسيطًا (أي خلوُّ المكانِ مِن مؤنسٍ)، وهو معنًى يخالفُهُ استعمالُ اللغةِ في الظاهرِ فحسبُ.
وإن وقفنا عندَ هذه العقباتِ، أشرفنا على اكتشافِ الآتي: أوَّلُ الملاحظاتِ أنَّ الكاتبَ متَّهمٌ بنصفِ كذبةٍ. يقولُ «بول فاليري» لِـ«باسكال» الذي يشكو نبذَ العالمِ لهُ: «إنَّ بأساءَ تحسنُ التعبيرَ عن نفسِها تحتفظُ ببقيَّةٍ مِن حطامِ الغرقِ»؛ ومثلُ هذا العتابِ ينطبقُ كذلك على بأساءَ ضعيفةِ التعبيرِ. كيف يكونُ وحيدًا مَن يسرُّ إلينا بوحدتِهِ؟ إنَّهُ يستدعينا ليقصيَنا، ويفكِّرُ فينا ليقنعَنا بانصرافِ فكرِهِ عنّا، وينطقُ بلسانِ البشرِ حين تنعدمُ في حقِّهِ اللغةُ وينتفي البشرُ. ويروقُ لنا أن نعتقدَ أنَّ هذا الذي كان ينبغي لليأسِ أن يفصلَهُ عن ذاتِهِ، يحتفظُ بفكرةٍ عن آخرَ يتوسَّلُ بوحدتِهِ هذه لإحداثِ أثرٍ يمحو تلك الوحدةَ تمامًا.
هل الكاتبُ صادقٌ في نصفِ قولِهِ؟ الأمرُ في جوهرِهِ قليلُ الشأنِ، وتلك ملامةٌ سطحيَّةُ الطابعِ. ولعلَّ شدَّةَ بأسِ «باسكال» آتيةٌ مِن براعةِ قلمِهِ. ففي خضمِّ هولِ حالِهِ، تبرزُ قدرتُهُ على استجلابِ الإعجابِ بتصويرِ بؤسِهِ كأشدِّ الأسبابِ جرحًا لنفسِهِ. ثمةَ مَن يتألمُ لعجزِهِ عن الإفصاحِ التامِّ عمّا يستشعرُهُ، مقاسيًا عتامةَ عواطفِهِ، راجيًا أن ينالَ الراحةَ لو أحالَ التيهَ الذي يضيعُ فيهِ إلى كلماتٍ دقيقةٍ. وهناك، على الضفةِ الأخرى، مَن يتألمُ لكونِهِ الترجمانَ الموفَّقَ لشقائِهِ، فيختنقُ بتلك الحريةِ الذهنيةِ التي يحتفظُ بها وتتيحُ لهُ رؤيةَ موضعِهِ. تمزِّقُهُ جماليَّةُ صورِهِ، ورائحةُ السعادةِ التي تفوحُ ممّا يكتبُ، مستشعرًا هذا التناقضَ كثقلٍ حتميٍّ يرزحُ تحتَهُ في غمرةِ النشوةِ التي يجدُها وتتمِّمُ اشمئزازَهُ.
يملكُ الكاتبُ خيارَ العدولِ عن الكتابةِ. ذلك حقٌّ. وما الذي يحملُ الإنسانَ، في أقصى درجاتِ العزلةِ، على أن يكتبَ: «أنا وحيدٌ»، أو كما يقولُ «كيركغارد»: «أنا هنا في عزلةٍ تامَّةٍ»؟ أيُّ شيءٍ يلزمُهُ بهذا الصنيعِ في مقامٍ يغدو فيهِ شديدَ السلبيةِ، لا يعرفُ عن نفسِهِ وعن العالمِ سوى غيابٍ ساحقٍ؟ ربما يدورُ الإنسانُ، بعد سقوطِهِ في رعبِ اليأسِ، كبهيمةٍ طريدةٍ في حجرةٍ مغلقةٍ. ولنا أن نتخيَّلَهُ يحيا محرومًا مِنَ الفكرِ الذي يعكسُ لهُ شقاءَهُ، ومِنَ النظرِ الذي يريهِ وجهَ تلك المأساةِ، ومِنَ الصوتِ الذي يمكِّنُهُ مِنَ الشكوى. وهو، مجنونًا فاقدَ الرشدِ، سيُعدَمُ الأعضاءَ التي تتيحُ لهُ العيشَ مع الآخرين ومع ذاتِهِ. وهذه الصورُ، على رغمِ طبيعيتِها، تفتقرُ إلى الإقناعِ. فالبهيمةُ البكماءُ تبدو فريسةً للوحدةِ في عينِ الشاهدِ العاقلِ حصرًا. ويعجزُ الوحيدُ عن استشعارِ انفرادِهِ؛ إذ يفتقرُ هذا المسخُ البائسُ إلى حضورِ غيرِهِ ليكونَ لبؤسِهِ معنًى، آخرَ يمنحُ تلك البأساءَ العاجزةَ إمكانيةً مؤقتةً بفضلِ عقلِهِ السليمِ وحواسِّهِ المحفوظةِ.
ويفتقدُ الكاتبُ حريةَ الانفرادِ دون الإفصاحِ عن ذلك الانفرادِ. حتى وإن أصابَهُ المصيرُ الذي يصمُ كلَّ ما يمتُّ للكتابةِ بالخيلاءِ والبطلانِ، فإنَّهُ يظلُّ مرهونًا بتنسيقِ الكلماتِ؛ وفي استخدامِهِ للتعبيرِ يتماهى بأكملِ صورةٍ مع العدمِ الأبكمِ الذي آلَ إليهِ. فالعلَّةُ التي قوَّضتِ اللغةَ في كيانِهِ هي ذاتُها التي تلزمُهُ باستعمالِها. إنَّهُ أشبهُ بمفلوجٍ يجدُ في علَّتِهِ ذاتِها إلزامَ المشيِ والمنعَ منهُ في آنٍ واحدٍ. فقد فُرضَ عليهِ الركضُ المتواصلُ ليتيقَّنَ مع كلِّ حركةٍ مِن فقدانِهِ للقدرةِ على الحركةِ. وتشتدُّ علَّةُ الشللِ فيهِ بمقدارِ طواعيةِ أطرافِهِ لهُ. ويكابدُ ذلك الرعبَ الذي يجعلُ مِن ساقيهِ السليمتين وعضلاتِهِ الفتيةِ والمراسِ المرضيِّ الذي ينالُهُ منها، برهانًا وعلَّةً لاستحالةِ مسعاهُ. وكما أنَّ بأساءَ أيِّ إنسانٍ تفترضُ في لحظةٍ ما أن يجنَّ لفرطِ رجاحةِ عقلِهِ (يودُّ فقدانَ صوابِهِ، ويجدُ صوابَهُ حتمًا في ذلك الضياعِ الذي يتلاشى فيهِ)، فإنَّ مَن يكتبُ محكومٌ عليهِ بالكتابةِ بفعلِ الصمتِ وحرمانِ اللغةِ الذي يصيبُهُ. ومادام لم يبلغْ مقامَ الوحدةِ التامةِ، فهو بين الكتابةِ وتركِها؛ ولا يستشعرُ الساعاتِ التي يمضيها في تنقِّي الكلماتِ ووزنِها سوى كضرورةِ مهنةٍ أو متعةٍ أو إلهامٍ؛ ومتحدثًا عن ضرورةٍ قاهرةٍ، يكونُ خادعًا لنفسِهِ. غيرَ أنَّهُ إذا انحدرَ إلى القاعِ الأقصى للوحدةِ، حيث تتلاشى اعتباراتُ الجمهورِ والفنِّ والمعرفةِ الخارجيةِ، فإنَّهُ يفقدُ حريةَ أن يكونَ شيئًا آخرَ سوى ما يفرضُهُ عليهِ مقامُهُ والاشمئزازُ اللامتناهي الذي يكابدُهُ بشكلٍ حتميٍّ.
ويلفي الكاتبُ نفسَهُ في هذا المقامِ المتزايدِ إضحاكًا، مقامِ المنعدمِ ما يكتبُهُ، الفاقدِ لأيِّ وسيلةٍ لكتابتِهِ، والمضطرِّ في الوقتِ عينِهِ بضرورةٍ قاهرةٍ لكتابتِهِ أبدًا. وفقدانُ الأشياءِ المرادِ التعبيرُ عنها يجبُ أن يؤخذَ بأبسطِ معانيها. فكلُّ ما يودُّ قولَهُ محضُ عدمٍ. وما العالمُ والأشياءُ والمعرفةُ بالنسبةِ لهُ سوى معالمَ تهديهِ عبرَ الفراغِ. وهو ذاتُهُ قدِ اختزلَ في اللاشيءِ، وهذا اللاشيءُ هو مادَّتُهُ. ينبذُ الصورَ التي تتبدّى لهُ بها كأنَّها كيانٌ موجودٌ، يرومُ القبضَ عليها في حقيقتِها الخالصةِ متجاوزًا مقامَ التلميحِ. يطلبُها كرفضٍ محضٍ مطلقٍ، منزِّهًا إياها عن كونِها مجرَّدَ رفضٍ لهذا أو ذاك. والواقعُ أنَّهُ يعزفُ عن طلبِها؛ فهي بمنأًى عن كلِّ تقصٍّ؛ وتستعصي أن تتَّخذَ غايةً؛ ويتعذَّرُ نصبُ ما يستحوذُ على الإرادةِ بإفنائِها كهدفٍ لتلك الإرادةِ: إنَّها منعدمةٌ فحسبُ؛ وقولُ الكاتبِ: «لا أملكُ ما أقولُهُ»، كقولِ المتَّهمِ، يطوي في جوفِهِ سرَّ حالتِهِ المعزولةِ برمَّتِها.
وما يجعلُ هذه التأملاتِ عسيرةَ المطلبِ هو أنَّ اسمَ الكاتبِ يبدو دالًا على شغلٍ أكثرَ مِن دلالتِهِ على حالةٍ إنسانيةٍ. ولَلإسكافيُّ المأزومُ قد يسخرُ مِن نفسِهِ وهو يتيحُ للناسِ المشيَ في حينِ يقعُ هو أسيرَ فخٍّ يشلُّ حركتَهُ. ومع ذلك، لا يخطرُ بالبالِ وصفُ كربتِهِ كأنَّها نتاجُ عملِ رجلٍ يصلحُ الأحذيةَ. فالشعورُ المروِّعُ يرتبطُ بالشيءِ ارتباطًا عرضيًا، ويظهرُ بجلاءٍ أنَّ ذلك الشيءَ الذي يهلكُ المرءُ بسببِهِ في موتٍ بلا نهايةٍ، هو عديمُ القيمةِ أمامَ الشعورِ الذي يثيرُهُ وأمامَ الإنسانِ الذي يعذِّبُهُ. إنَّ المرءَ يموتُ حسرةً عند تخيّلِ فقدانِ أيِّ شيءٍ يتعلَّقُ بهِ، وفي غمرةِ ذلك الرعبِ المميتِ يتبيَّنُ أنَّ ذلك الشيءَ ليس سوى علامةٍ قابلةٍ للتبديلِ، وفرصةٍ خاويةٍ. وتصلحُ كلُّ الأشياءِ لتغذيةِ القلقِ، وهذا القلقُ يتجلَّى قبل كلِّ شيءٍ في اللامبالاةِ تجاهَ مسبِّبِهِ، رغمَ أنَّهُ يبدو في الحينِ ذاتِهِ شادًّا وثاقَ الإنسانِ إلى العلَّةِ التي اصطفاها.
ويتبدّى الكاتبُ في بعضِ الأحيانِ بصورةٍ غريبةٍ، كأنَّ الكربَ خصيصةٌ مِن خصائصِ مهنتِهِ، وكأنَّ فعلَ الكتابةِ يعمِّقُ ذلك الكربَ حتى ليربطُهُ بذاتِهِ دون سواهُ مِن أصنافِ البشرِ. وتحينُ لحظةٌ يكتبُ فيها الأديبُ، الذي خطَّ يومًا وفاءً للكلماتِ، وفاءً لذلك الكربِ؛ فيغدو كاتبًا لتجلّي هذا القلقِ الأصيلِ لهُ، وهو قلقٌ يتجلَّى لهُ بوصفِهِ كاتبًا في الوقتِ عينِهِ؛ وأبعدُ مِن ذلك، يبدو وكأنَّ هذا الكربَ ما وجدَ في العالمِ إلا لوجودِ رجالٍ فيهِ دفعوا فنَّ العلاماتِ مبلغَ اللغةِ، وعنايةَ اللغةِ مبلغَ الكتابةِ التي تقتضي إرادةً مخصوصةً، ووعيًا متأملًا، واستخدامًا محفوظًا للقوى الاستدلاليةِ. ومِن هنا يكتسبُ مقامُ الكاتبِ طابعَهُ المفرطَ والمستعصيَ على القبولِ. فمِن المضحكِ والمبكي في آنٍ أن يفتقرَ القلقُ الذي يفتحُ السماءَ ويغلقُها، كي يتجلّى، إلى عملِ رجلٍ جالسٍ إلى طاولتِهِ يخطُّ أحرفًا على ورقةٍ. والواقعُ أنَّ هذا الأمرَ قد يكونُ صادمًا، كصدمةِ الحقيقةِ التي تجعلُ مِن حضورِ شاهدٍ حصيفٍ شرطًا لازمًا لوحدةِ المجنونِ. وجودُ الكاتبِ يقيمُ الدليلَ على أنَّ في الفردِ ذاتِهِ يستقرُّ رجلٌ رابطُ الجأشِ إلى جانبِ رجلٍ مأزومٍ، وكائنٌ عاقلٌ جوارَ مجنونٍ، وبليغٌ سيِّدُ البيانِ في اتحادٍ وثيقٍ مع أبكمَ فقدَ كلَّ كلمةٍ. وحالةُ الكاتبِ تحظى بالامتيازِ لكونِها تمثِّلُ مفارقةَ القلقِ تمثيلًا جليًّا. فالقلقُ يضعُ كافةَ حقائقِ العقلِ ومناهجَهُ وغاياتِهِ موضعَ المساءلةِ، فارضًا عليها الحضورَ رغمَ ذلك؛ يوجبُ عليها أن تمارسَ العقلانيةَ بأكملِ وجهٍ ممكنٍ؛ وهو نفسُهُ لا يتأتّى لهُ الوجودُ إلا ببقاءِ تلك المَلَكةِ التي يحيلُها إلى العجزِ ويفنيها، بكاملِ قوَّتِها.
وعلامةُ أهميتِهِ أن يُعدِمَ الكاتبُ ما يقولُهُ. وهذا أيضًا مدعاةٌ للسخريةِ. غيرَ أنَّ في هذه الدعابةِ مطالبَ غامضةً. فبدايةً، يندرُ أن يعدمَ المرءُ ما يقولُهُ. قد يحدثُ أن يخرسَ المرءُ في لحظةٍ كلَّ الكلماتِ التي تعبِّرُ عنهُ بنبذِ المعرفةِ الاستدلاليةِ، متلقِّفًا تيارًا مِن الصمتِ ينبعثُ مِن حياتِهِ الداخليةِ العميقةِ. حينها لا ينطقُ بشيءٍ، لتوقّفِ ملكةِ القولِ؛ قابعًا في نظامٍ تفقدُ فيهِ الكلماتُ موضعَها، وكأنَّها لم توجدْ قطُّ، ولا تتبدّى حتى كخدشٍ يسيرٍ في جدارِ الصمتِ؛ مغيَّبًا بالكليةِ عمّا يقالُ. وحالُ الكاتبِ يختلفُ عن ذلك تمامًا. فهو يبقى مرتبطًا بالخطابِ، يغادرُ ميدانَ العقلِ وافيًا بعهدِهِ لهُ؛ ويحتفظُ بسلطةٍ على اللغةِ يتعذَّرُ عليهِ أن يسرِّحَها تسريحًا تامًا في أيِّ حينٍ. وعدمُ امتلاكِهِ لما يقولُهُ هو صنيعُ مَن يملكُ دائمًا شيئًا ليقولَهُ، مكتشفًا في قلبِ الثرثرةِ منطقةَ الإيجازِ التي يتوجَّبُ عليهِ البقاءُ فيها الآنَ.
وهذا المقامُ مفعمٌ بالعذابِ يلفُّهُ الغموضُ. ويستحيلُ خلطُهُ بالعقمِ الذي يرهقُ الفنانَ في بعضِ الأحيانِ. وهو يبتعدُ عنهُ لدرجةِ أنَّ الكاتبَ، بكلِّ ما يراودُهُ مِن نبيلِ الأفكارِ ونوادرِها، وبغزارةِ الصورِ ورونقِها، وتدفّقِ الجمالياتِ الأدبيةِ، يرى نفسَهُ ماضيًا نحو بلوغِ الفراغِ الذي سيكونُ في فنِّهِ بمثابةِ الردِّ على القلقِ الذي يستحوذُ على حياتِهِ. فهوَ محتفظٌ بصلتِهِ بالكلماتِ، متلقيًا إيّاها أعظمَ ممّا كانتْ وأشدَّ بريقًا ويمنًا؛ وهو قادرٌ على إبداعِ شتى الأعمالِ الأدبيةِ؛ وثمةَ رابطٌ طبيعيٌّ بين أصوبِ ما يفكِّرُ فيهِ وأبهى ما يكتبُهُ؛ ويتيسَّرُ لهُ عجبًا الجمعُ بين الإيقاعِ والمنطقِ؛ فعقلُهُ برمَّتِهِ لغةٌ. وهذه أوَّلُ دلالةٍ على أنَّ خلوَّ جعبتِهِ مِن القولِ ينتفي عنهُ كونُهُ نقصًا في العدَّةِ، ليرتبطَ بوقوعِ كلِّ ما يسعُهُ قولُهُ رهنَ ذلك العدمِ الذي يصوِّرُهُ لهُ القلقُ كغايةٍ مخصوصةٍ بين الغاياتِ العابرةِ التي يصطنعُها. ونحو هذا العدمِ تشخصُ كلُّ الملكاتِ الأدبيةِ، كأنَّها تقصدُ منبعًا سينضبُها، وهو يبتلعُها منصرفًا عن طلبِ التعبيرِ عنها، ليبدِّدَها تبديدًا بلا غايةٍ وبلا ثمرةٍ. وتلك ظاهرةٌ فريدةٌ. القلقُ يدعو الكاتبَ إلى تقديمِ ذاتِهِ قربانًا حقيقيًا. ويتحتَّمُ عليهِ بذلُ تلك القوى التي تصنعُ منهُ كاتبًا وافتراسُها، وينبغي لهذا البذلِ أن يكونَ صادقًا. فأن يكتفيَ بالتوقّفِ عن الكتابةِ مِن جهةٍ، أو أن يكتبَ عملًا تظهرُ فيهِ قيمُ العقلِ الكامنةُ في صورةِ آثارٍ مِن جهةٍ أخرى، فذلك يمنعُ وقوعَ التضحيةِ أو يستبدلُها بمقايضةٍ. وما يطلبُ مِن الكاتبِ أشدُّ ثقلًا بكثيرٍ؛ فيجبُ أن يفنى في فعلٍ يضعُهُ حقيقةً على المحكِّ. وممارستُهُ لسلطتِهِ تجبرُهُ على التضحيةِ بهذه السلطةِ. والأثرُ الذي يصنعُهُ يدلُّ على انتفاءِ أيِّ أثرٍ مصنوعٍ. والفنُّ الذي يستخدمُهُ ينبغي أن يظهرَ في آنٍ واحدٍ النجاحَ التامَّ والإخفاقَ المطلقَ، ووفرةَ السبلِ والانحطاطَ الذي لا برءَ منهُ، وحقيقةَ النتائجِ وبطلانَها.
حين يؤلِّفُ المرءُ كتابًا، قد يوجَّهُ هذا الكتابُ لخدمةِ غايةٍ أخلاقيةٍ أو دينيةٍ أو سياسيةٍ خارجةٍ عنهُ؛ ويقالُ حينها إنَّ الفنَّ في خدمةِ قيمٍ أجنبيةٍ، ويقايضُ منفعيًا بحقائقَ يزيدُ مِن ثمنِها. فإذا كانَ الكتابُ مجرَّدًا مِن أيِّ غايةٍ خدميَّةٍ، بدا كظاهرةِ قطيعةٍ في منظومةِ العلاقاتِ الإنسانيةِ القائمةِ على تكافؤِ القيمِ المتبادلةِ، وعلى مبدأِ أنَّ كلَّ إنتاجٍ للطاقةِ يجبُ أن يقابلَهُ طاقةٌ كامنةٌ في شيءٍ منتجٍ يمكنُ إعادةُ إطلاقِها بشكلٍ أو بآخرَ في دائرةِ القوى التي لا تنقطعُ؛ فيبدو الكتابُ الذي أنتجَهُ الفنُّ والعاجزُ عن إنتاجِ أيِّ نوعٍ آخرَ مِن القيمِ سوى تلك التي يمثِّلهُا، استثناءً مِن هذا القانونِ الذي يفترضُهُ بقاءُ كلِّ وجودٍ. وهو يعبِّرُ عن جهدٍ متجرِّدٍ مِن الغرضِ، ويحظى بمقامٍ لا يقدَّرُ بثمنٍ؛ مختزلًا في ذاتِهِ، ومجسِّدًا الفنَّ لأجلِ الفنِّ. ومع ذلك، فإنَّ العملَ الفنيَّ لا يستثنى مِن القانونِ العامِّ للمقايضاتِ إلا في الظاهرِ أمامَ العيونِ الكليلةِ. يتساءلُ النقّادُ: أهوَ لا يخدمُ غايةً؟ إنَّهُ يخدمُ أمرًا ما، وارتباطُهُ بهذه الخدمةِ ناتجٌ بالضبطِ عن عدمِ نفعِهِ المباشرِ؛ ومنفعتُهُ تكمنُ في التعبيرِ عن ذلك الجزءِ العديمِ النفعِ الذي بدونِهِ تستحيلُ الحضارةُ. أو أنَّهُ يخدمُ الفنَّ الذي هو غايةُ الإنسانِ أو غايةٌ في ذاتِهِ أو صورةٌ للمطلقِ، إلى غيرِ ذلك. وللمرءِ أن يتفننَ بشتى الطرقِ في هذا البابِ. وكلُّ تلك النقاشاتِ باطلةٌ تمامًا، فمِن الجليِّ أنَّ العملَ الفنيَّ يتجاوزُ تمثيلَ ظاهرةِ استنزافٍ حقيقيةٍ، ليعنيَ في واقعِ الأمرِ عمليةً مربحةً لتحويلِ الطاقةِ. لقد أنتجَ المؤلِّفُ ما يفوقُ ذاتَهُ؛ ووصلَ بما تلقّاهُ إلى مرتبةٍ أعلى مِن الفعاليةِ، مرتقيًا إلى مقامِ الخالقِ؛ وما أبدعَهُ غدا مصدرًا لقيمٍ تفوقُ خصوبتُها بكثيرٍ القوى التي بُذلتْ في سبيلِ إخراجِهِ إلى النورِ.
ويستشعرُ الكاتبُ المقذوفُ في غياباتِ القلقِ، على وجهِ الخصوصِ، أنَّ الفنَّ بعيدٌ عن كونِهِ عمليةً مدمِّرةً؛ فهو الذي يسعى لضياعِ نفسِهِ (وضياعِها بوصفِهِ كاتبًا)، يرى أنَّهُ بكتابتِهِ يزيدُ مِن رصيدِ الإنسانيةِ، ومِن رصيدِهِ الشخصيِّ بالتبعيةِ لكونِهِ إنسانًا؛ يمنحُ الفنَّ آمالًا وثرواتٍ جديدةً ترتدُّ بثقلِها عليهِ؛ ويحيلُ الأوامرَ اليائسةَ التي يتلقّاها إلى قوىً تبعثُ على العزاءِ؛ منقذًا نفسَهُ بواسطةِ العدمِ. وهذا التناقضُ يبلغُ مبلَغًا يجعله يوقن بعجزِ أيِّ حيلةٍ عن وضعِ حدٍّ لهُ. فمآسي الفنانِ التقليديةُ - كالعيشِ في فقرٍ وبؤسٍ، والموتِ عندَ إنجازِ عملِهِ - تخرجُ بطبيعةِ الحالِ مِن حساباتِ بنيانِ مستقبلِهِ. وأملُ العدميِّ - بكتابةِ عملٍ مدمِّرٍ يمثِّلُ بحدِّ ذاتِهِ إمكانيةً لا محدودةً لأشياءَ ستزولُ - يبدو غريبًا عنهُ بالقدرِ نفسِهِ. فهو يدركُ غايةَ الأوَّلِ الذي يظنُّ أنَّهُ يضحّي بوجودِهِ حين يضعُهُ بأكملِهِ في العملِ الذي سيخلِّدُهُ، ويدركُ الحسابَ الساذجَ للثاني الذي يجلبُ للبشرِ، في صورةِ اضطراباتٍ محدودةٍ، أفقًا لا يحدُّ مِن التجدُّدِ. طريقُهُ هو يختلفُ عن ذلك. إنَّهُ يمتثلُ للقلقِ، والقلقُ يأمرُهُ بالضياعِ، ضياعًا يخلو مِن أيِّ تعويضٍ بقيمةٍ إيجابيةٍ.
يحدِّثُ الكاتبُ نفسَهُ قائلًا: «أرغبُ في تجنّبِ البلوغِ إلى شيءٍ. وأرومُ في المقابلِ أن يمضيَ هذا الشيءُ الذي أجسِّدُهُ حين أكتبُ إلى فراغٍ، بفعلِ الكتابةِ ذاتِها، وبكلِّ الصورِ الممكنةِ. يتحتَّمُ عليَّ أن أكونَ كاتبًا يقلُّ شأنُهُ في أثرِهِ تقلّصًا لا متناهيًا عن شأنِهِ في ذاتِهِ، وذلك بتوظيفِ كلِّ ملكاتِهِ توظيفًا تامًا ومخلصًا. وأبتغي لهذه الإمكانيةِ الإبداعيةِ، حين تتحوَّلُ إلى إبداعٍ، أن تجتنبَ الإفصاحَ عن دمارِها الذاتيِّ ودمارِ كلِّ ما تمسُّهُ، أعني كلَّ شيءٍ. أرومُ صنعَ عملٍ يفتقرُ حتى لتلك الحقيقةِ المتمثِّلةِ في التعبيرِ عن غيابِ الحقيقةِ. فما يحتفظُ بقدرةٍ على التعبيرِ يحتفظُ بأعظمِ قيمةٍ حقيقيةٍ، وإن كانَ المعبَّرُ عنهُ منعدمَ القيمةِ؛ والتجردُ مِن التعبيرِ يعجزُ عن إنهاءِ الالتباسِ الذي يستخلصُ مِن ذلك أنَّ ضرورةَ الصمتِ هي ما جرى التعبيرُ عنهُ».
وهذا الحديثُ النفسيُّ محضُ خيالٍ، لأنَّ الكاتبَ يعجزُ عن جعلِ ما يطلبُ منهُ غايةً منصوبةً في صورةِ خطةٍ متأمِّلةٍ ومتماسكةٍ، وما يُطلبُ منهُ هو نقيضُ الخطةِ، ويتجلّى في أشدِّ القيودِ عتمةً وفراغًا. وبتعبيرٍ أدقَّ، يتفاقمُ قلقُهُ بفعلِ هذا الإلزامِ الذي يجبرُهُ على اتباعِ الهمِّ في مهمَّةٍ منهجيةٍ، وهو همٌّ لا يدركُهُ إلا عبرَ تفكيكٍ فوريٍّ لذاتِهِ. وإرادتُهُ، كقوةٍ عمليةٍ لترتيبِ الممكناتِ، تغدو في حدِّ ذاتِها قلقةً. ورجاحةُ عقلِهِ الواضحةُ، القادرةُ دومًا على صياغةِ ردٍّ في خطابٍ، تصبحُ - بفضلِ وضوحِها ومنطقيتِها - ندًّا للجنونِ المستغلقِ الذي يلجمُهُ بالصمتِ. المنطقُ يتماهى مع المأساةِ ورعبِ الضميرِ. وهذا الإحلالُ لا يتجاوزُ الطابعَ المؤقتَ. وإذا كانتِ القاعدةُ تقضي بطاعةِ القلقِ، وكانَ القلقُ يرفضُ ما لا يزيدُ في طغيانِهِ، فيغدو مِن المحتملِ مؤقتًا أن يسعى لنقلِهِ إلى ميدانِ المشروعِ المؤجَّلِ، رافعًا إياهُ بهذا الجهدِ إلى ذروةٍ أعلى مِن الضيقِ، ولن يدومَ ذلك طويلًا؛ فسرعانَ ما يفرضُ العقلُ الفاعلُ متانتَهُ التي هي شريعتُهُ؛ صانعًا مِن القلقِ الآنَ سببًا وعلَّةً، محيلًا البحثَ القلقَ إلى فرصةٍ للنسيانِ والسكينةِ. ومِن جراءِ هذا الاغتصابِ للسلطةِ، بل وقبلَ حدوثِهِ، وتحديدًا في ظلِّ التهديدِ الذي يلوِّحُ بهِ الاستخدامُ الأشدُّ حذرًا للعقلِ المنفِّذِ، يغدو كلُّ عملٍ مستحيلًا. القلقُ يطالبُ بالتخلِّي عمّا قد يضعفُهُ؛ يطالبُ بهِ، وهذا التخلِّي، بدلالتِهِ على إخفاقِ التوافقِ المنشودِ لصعوبتِهِ ذاتِها، يزيدُهُ زيادةً مفرطةً؛ ويبلغُ القلقُ مبلَغًا عظيمًا حتى إنَّهُ، بتجرُّدِهِ مِن وسائلِهِ وفقدانِهِ التماسَّ مع التناقضاتِ التي يتجلّى فيها، يميلُ إلى رضا غريبٍ؛ فيفتتنُ بنفسِهِ ولا يرى سواها، ويغدو نظرةً تحتجبُ وشعورًا يتحلَّلُ؛ وتتكوَّنُ لديهِ كفايةٌ مِن رحمِ قصورِهِ؛ وتجرفُهُ الحركةُ الممزِّقةُ التي يجسِّدُها نحو قطيعةٍ نهائيةٍ؛ ليمضيَ ضائعًا في التيارِ الذي يقودُهُ لضياعِ كلِّ شيءٍ. وعندَ هذا الحدِّ الأقصى الجديدِ، فإنَّ حالةَ القلقِ الممزوجةَ بالنشوةِ التي يستشعرُ بلوغَها، تقذفُ بهِ نحو الخارجِ. ويعودُ، بثقلٍ متزايدٍ، إلى الترجمةِ المنطقيةِ التي تذيقُهُ - بطريقةٍ عقلانيةٍ مجرَّدةٍ مِن الملذّاتِ - التناقضاتِ التي تعيدُهُ دومًا إلى الحاضرِ. ويحاولُ الإنجازَ مِن جديدٍ، وتشتدُّ قتامتُهُ باشتدادِ عنفِ المحاولةِ، وتزدادُ رغبتُهُ فيها لكونِ ذكرى الإخفاقِ تضعُها تحتَ تهديدِ إخفاقٍ جديدٍ. يغدو العملُ ممكنًا بصورةٍ مؤقتةٍ في ظلِّ الاستحالةِ التي تثقلُ كاهلَهُ. ويستمرُّ ذلك إلى أن تفرضَ هذه الإمكانيةُ نفسَها كحقيقةٍ واقعةٍ عبرَ تدميرِ جانبِ الاستحالةِ الذي كانَ شرطًا لوجودِها.
ويستحيلُ على الكاتبِ أن يتخلّى عن مشروعِهِ لكونِ عمقِ قلقِهِ مرتبطًا بعجزِهِ عن التخلِّي عن إنجازٍ منهجيٍّ. غيَرَ أنَّهُ يقعُ فريسةَ الإغراءِ بمشاريعَ نادرةٍ. يودُّ، مثلًا، أن يخطَّ كتابًا تتلاشى فيهِ كافةُ قواهُ الدلاليةِ المسخَّرةِ وتذوبُ في حقلِ اللامعبِّرِ. (واللامعبِّرُ هنا: أهوَ ما يفلتُ مِن الفهمِ الموضوعيِّ؟ فهذه الصفحاتُ المؤلَّفةُ مِن تتابعٍ متقطِّعٍ للكلماتِ، وهذه الكلماتُ التي لا تفترضُ لغةً بعينِها، قادرةٌ دومًا - في غيابِ معنًى محدَّدٍ - على إحداثِ أثرٍ يمثِّلُ غايتَها عبرَ تناغمِ الأصواتِ أو تنافرِها). أو يقترحُ على نفسِهِ عملًا ينتفي منهُ فرضيةُ وجودِ قارئٍ. (يبدو أنَّ «لوتريامون» قد راودَهُ هذا الحلمُ. كيفَ يعصمُ المرءُ عملَهُ مِن القراءةِ؟ يودُّ لو يشيِّدُ الكتابَ على هيئةِ منزلٍ مشرعٍ للزوارِ بيسرٍ، وما إن يلجوهُ حتى يضيعوا فيهِ، ويقعوا في فخٍّ غادرٍ، وينسلخوا عمّا كانوا عليهِ، ويلقوا حتفَهم. ولماذا لا يعمدُ الكاتبُ إلى إتلافِ عملِهِ بمجرَّدِ الفراغِ منهُ؟ يحدثُ ذلك؛ وتلك حيلةٌ صبيانيةٌ؛ فالفعلُ يظلُّ ناقصًا ما لم يجعلْ بنيانُ العملِ ذاتُهُ القارئَ مستحيلًا، وأوَّلُهم الكاتبُ نفسُهُ. ويمضي الخيالُ إلى حدِّ تصوّرِ كتابٍ لا يتأتّى للمؤلِّفِ - الذي يغدو إنسانًا مِن جهةٍ وحشرةً مِن جهةٍ أخرى - ولوجُهُ إلا بكتابتِهِ؛ كتابٍ يقضي عليهِ كقوةٍ قارئةٍ، مبقيًا عليهِ كعقلٍ كاتبٍ؛ كتابٍ يسلبُهُ البصرَ والذاكرةَ وفهمَ ما رصَّفَهُ بكلِّ جهدِهِ وذهنِهِ). أو يطمحُ لعملٍ بالغِ الغرابةِ عن قلقِهِ حتى ليكونَ صدىً لهُ بصمتِهِ المطبقِ. (والتخفِّي لا يكونُ حقيقيًا أبدًا؛ فأيُّ عبارةٍ مبتذلةٍ هي إقرارٌ باليأسِ القابعِ في قاعِ اللغةِ).
وتستمدُّ كلُّ هذه الحيلِ جديَّةَ وزنِها وصياغتِها مِن طابعِها الصبيانيِّ. فالصبيانيةُ تسبقُ إخفاقَها بنسبةِ نمطٍ مِن الوجودِ بالغِ الخفةِ لنفسِها بحيثُ يعجزُ النجاحُ أو الإخفاقُ عن محاكمتِها. وتشتركُ هذه المساعي في طلبِها حلًا حاسمًا لمقامٍ سيدمِّرُهُ الحلُّ الحاسمُ ويقلبُهُ إلى ضدِّهِ. ينبغي لها تجنّبُ الإخفاقِ، ومجانبةُ النجاحِ في آنٍ. ويتعيَّنُ عليها كذلك ألا توازنَ بين الظفرِ والخيبةِ في نظامٍ متعمَّدٍ قصدَ إبقاءِ مسؤوليةِ الحسمِ في يدِ الالتباسِ. فكافةُ المشاريعِ التي أشرنا إليها قابلةٌ للاستئنافِ في كنفِ الالتباسِ، ولا يمكنُ تصوُّرُها أصلًا إلا في كنفِ نيةٍ متعدِّدةِ الأوجهِ. وذلك الضياعُ للمعنى الذي يرومُهُ الكاتبُ في نصٍّ مجرَّدٍ مِن كلِّ فهمٍ، يجدُهُ في أشدِّ النصوصِ عقلانيةً، متى ما بدا هذا النصُّ مشهرًا طابعَ وضوحِهِ كتحدٍّ للفهمِ المباشرِ. ويضيفُ إليهِ تلك العتمةَ الإضافيةَ، حيثُ يثورُ الشكُّ حولَ لا معقوليةِ هذا المعنى، وحيثُ إنَّ العقلَ - بتلاعبِهِ بنفسِهِ عبرَ خدعِهِ المألوفةِ - يلقى حتفَهُ في هذه اللعبةِ لرفضِهِ المتعنِّتِ للانخراطِ فيها. والالتباسُ يبلغُ حدًّا يمنعُ أخذَهُ على محملِ العقلِ أو اللاعقلِ. فربما تكونُ الصفحةُ العبثيةُ - لفرطِ منطقيتِها - منطقيةً حقًا؛ وربما تفتقرُ لأدنى معنًى؛ فكيفَ السبيلُ للبتِّ في ذلك؟ طابعُها مرهونٌ بتغيُّرِ المنظورِ، وتخلو مِن أيِّ عنصرٍ يتيحُ تثبيتَها في نورٍ قاطعٍ. (ويمكنُ القولُ دومًا إنَّ غايتَها تكمنُ في احتمالِ التفسيرين، وفي التلوُّنِ تارةً بلونِ العقلِ وتارةً بلونِ العبثِ، لتغدوَ محدَّدةً بكونِها حالةَ تأرجحٍ بين هذين الاحتمالين؛ وهذا عينُهُ خيانةٌ لبنيتِها، إذ لم يثبتْ أنَّ حقيقتَها محصورةٌ في التناوبِ بين هذا وذاك؛ ويحتملُ في المقابلِ أن تكونَ هذا حصرًا أو ذاكَ حصرًا؛ فارضةً هذا الخيارَ فرضًا حتميًا؛ وضمَّةً إلى التأرجحِ الذي يرادُ حصرُها فيهِ، ادعاءَ كونِها محددةً تحديدًا مطلقًا بأحدِ الطرفينِ اللذينِ تتأرجحُ بينهما).
ومع ذلك، يخفقُ الالتباسُ في تقديمِ حلٍّ للكاتبِ المأزومِ. ويستحيلُ أن يتصوَّرَ كحلٍّ. فبمجرَّدِ انخراطِهِ في مشروعٍ وتجلّيهِ كتعبيرٍ عن حسبةٍ مدبَّرةٍ، يفقدُ تعدّديتَهُ الأصيلةَ ويسقطُ في جمودِ الحيلةِ التي تتقلَّصُ تعقيداتُها الظاهرةُ باطِّرادٍ بفعلِ النيةِ التي أوجدَتْها. أستطيعُ قراءةَ قصيدةٍ تحملُ معنيينِ أو ثلاثةً أو ربما تنعدمُ المعاني فيها، دونَ أن أترددَ في فهمِ دلالةِ هذه المعاني المتباينةِ، رائيًا فيها عزمًا على بلوغي عبرَ اللغزِ. وما إن يسفرُ اللغزُ عن وجهِهِ حتى يتلاشى. ولا يغدو لغزًا إلا بانعدامِ وجودِهِ المستقلِّ، وتواريهِ العميقِ في صميمِ طبيعتِهِ القائمةِ على التواري. يلقى الكاتبُ في محنتِهِ كربَهُ كلغزٍ مستغلقٍ، مجرَّدًا مِن القدرةِ على الاستعانةِ باللغزِ طاعةً لذلك الكربِ. ويستحيلُ عليهِ الاعتقادُ بأنَّ الكتابةَ خلفَ القناعِ وتقمّصَ الأسماءِ المستعارةِ والتخفِّي، سيسوّي حسابَهُ مع الوحدةِ التي قدَّرَ عليهِ أن يكابدَها في فعلِ الكتابةِ ذاتِهِ. وهو مجرَّدٌ مِن الوسائلِ - بوصفِهِ لغزًا في ذاتِهِ، ولغزًا ككاتبٍ مطالبٍ بالكتابةِ والامتناعِ عنها معًا - التي تتيحُ لهُ الوفاءَ لطبيعتِهِ الملغزةِ بواسطةِ اللغزِ. يدركُ نفسَهُ كعذابٍ، وهذا العذابُ يتجاوَزُ الانحصارَ في شعورٍ بعينِهِ، متخطِّيًا الحزنَ والفرحَ، ومتجاوِزًا المعرفةَ المحسوسةَ في الغيبِ الذي يؤسِّسُها، عذابٌ يبرِّرُ نفسَهُ بكلِّ شيءٍ ويتخلَّصُ مِن كلِّ شيءٍ، يعانقُ أيَّ هدفٍ ويفلتُ عبرَ كلِّ الأهدافِ نحو انعدامِ الهدفِ، الذي يظنُّ المرءُ أنَّهُ يقبضُ عليهِ في الرعشةِ التي تربطُ الموتَ بشعورِ الوجودِ وتجعلُ الموتَ مدعاةً للسخريةِ أمامَ الفراغِ الذي يحفرُهُ، وهو عذابٌ يرفضُ الإقصاءَ، فارضًا خضوعَ المرءِ لهُ وإرادتَهُ، جاعلًا مِن الخلاصِ منهُ عذابًا أشدَّ قسوةً يثقلُهُ ما كانَ يخفِّفُهُ. وقولي عن هذا العذابِ: إنني أطيعُهُ بجعلِ أفكاري المكتوبةِ عرضةً للتأرجحِ، وصياغتِها في رموزٍ، يمثِّلُهُ كأمرٍ لا يعنيني إلا في الغموضِ الذي يتجلّى فيهِ؛ والحالُ أنني لا أعرفُهُ كسرٍّ غامضٍ أكثرَ مِن معرفتي بهِ كأمرٍ مألوفٍ، ولا كمفتاحٍ لعالمٍ بلا مفاتيحَ، ولا كجوابٍ لغيابِ السؤالِ؛ فإذا أسلمني للغزِ، فعلَ ذلك برفضِ ربطي باللغزِ؛ وإذا مزَّقني باليقينِ، فعلَ ذلك بتمزيقي تمزيقًا حقيقيًا؛ إنَّهُ حاضرٌ هنا، وأنا على يقينٍ مِن ذلك، حاضرٌ في العتمةِ، ويستحيلُ عليَّ الحفاظُ على هذا اليقينِ إلا في ظلِّ انهيارِ كافةِ شروطِ اليقينِ، وأوَّلُها ما أكونُهُ حين أوقنُ بحضورِهِ.
ولو كانَ الالتباسُ للمرءِ المأزومِ هو السبيلَ الجوهريَّ لتجلِّيهِ، للزمَ الاعتقادُ بأنَّ لدى القلقِ ما يكشفُهُ لهُ وهو يعجزُ عن القبضِ عليهِ، وأنَّهُ يضعُهُ في مواجهةِ هدفٍ لا يشعرُ إلا بغيابِهِ المدوِّخِ، وأنَّهُ يعلنُ لهُ عبرَ الإخفاقِ - وعبرَ عجزِ الإخفاقِ عن إنهاءِ أيِّ شيءٍ - عن إمكانيةٍ أسمى يتحتَّمُ عليهِ كإنسانٍ التخلِّي عنها، مدركًا في الوقتِ عينِهِ معناَها وحقيقتَها في وجودِ القلقِ. يفترضُ الالتباسُ سرًا يعبِّرُ عن نفسِهِ بالتلاشي، ملوِّحًا في تلاشيهِ بحقيقةٍ ممكنةٍ. وهناك عالمٌ وراءٌ ربما لا أبلغُ فيهِ سوى ذاتي، ولهُ أيضًا معنًى خارجَ نطاقي، ويتحدَّدُ معناهُ بالنسبةِ لي في كونِهِ خارجَ نطاقي تمامًا. الالتباسُ هو الخطابُ الذي يلقيهِ رسولٌ يبتغي تعليمي ما أعجزُ عن تعلُّمِهِ، ومتمِّمًا رسالتَهُ بتنبيهي إلى أنني لا أتعلَّمُ شيئًا ممّا يعلِّمُني إياهُ.
ومثلُ هذا الاعتقادِ الملتبسِ يحضرُ في بعضِ لحظاتِ القلقِ. غيرَ أنَّ القلقَ ذاتَهُ يتكفَّلُ بتمزيقِ ما تبقّى فيهِ مِن إيجابيةٍ. ويحيلُهُ إلى ثقلٍ ساحقٍ يتلاشى في النهايةِ إلى العدمِ. ويجعلُ مِن هذا الثغرِ الناطقِ - بمهارةٍ عبرَ اختلاطِ الألسنةِ، وعبرَ الصمتِ والحقيقةِ والكذبِ - عضوًا محكومًا بالحديثِ بشغفٍ دونَ أن يبوحَ بشيءٍ. يحتفظُ بالالتباسِ، مجرِّدًا إياهُ مِن مهمَّتِهِ. ومِن تلك القراءةِ المعكوسةِ التي تحبسُ أنفاسَ العقلِ بأملِ حقيقةٍ تستعصي على الإدراكِ، لا يُبقي سوى متاهةِ المعاني المتعدِّدةِ التي يواصلُ فيها العقلُ بحثَهُ فاقدًا رجاءَ الحقيقةِ الممكنةِ.
ويخلو القلقُ مِن أيِّ سرٍّ ليكشفَهُ، وهو في ذاتِهِ منصرفٌ عن الاكتراثِ لتجلّيهِ. سواءٌ أُفشيَ أم غُيِّبَ، فلن يباليَ؛ يسوقُ المرتبطَ بهِ نحو مقامٍ يتجاوزُ مطلبَ البوحِ بالذاتِ حتمًا. جعلَ كيركغارد مِن الجانبِ الشيطانيِّ إحدى أعمقِ صورِ القلقِ، والشيطانيُّ يرفضُ التواصلَ مع الخارجِ، ويأبى الإفصاحَ عن نفسِهِ؛ ولو أرادَ لعجزَ؛ فهو حبيسُ ما يجعلُهُ عصيًّا على التعبيرِ؛ يساورُهُ القلقُ مِن الوحدةِ ومِن خشيةِ تبدُّدِ هذه الوحدةِ. والسببُ عندَ كيركغارد يكمنُ في وجوبِ تجلِّي الروحِ، وينبعُ القلقُ مِن كونِ التواصلِ المباشرِ مستحيلًا، فيبدو الانغلاقُ في أقصى درجاتِ العزلةِ الداخليةِ السبيلَ الأصيلَ الأوحدَ لبلوغِ الآخرِ، وهو سبيلٌ لا مخرجَ منهُ إلا بفرضِ نفسِهِ كطريقٍ مسدودٍ. ومع ذلك، مهما جثمَ القلقُ كصخرةٍ على صدرِ الفردِ ساحقًا وممزِّقًا روابطَهُ المشتركةَ مع البشرِ، فإنَّهُ يتخطّى مأساةَ البترِ هذهِ، وينقلبُ على الفرديةِ ذاتِها، وعلى التوقِ العنيفِ الدامي والمدمِّرِ للاكتفاءِ بالذاتِ، ليخرجَها مِن الملاذِ الذي يغدو فيهِ العيشُ أسرًا. يمنعُ القلقُ المتوحدَ مِن الانفرادِ. يسلبُهُ سبلَ التواصلِ مع غيرِهِ، جاعلًا إياهُ أشدَّ اغترابًا عن حقيقتِهِ الإنسانيةِ ممّا لو استحالَ فجأةً حشرةً؛ ومجرَّدًا على هذا النحوِ، ومتأهِّبًا للغوصِ في تفردِهِ المشوَّه، يقذفُهُ خارجَ ذاتِهِ، وفي عذابٍ جديدٍ يكابدُهُ كإشعاعٍ خانقٍ، يخلطُهُ بما ليس هو إياهُ، محيلًا وحدتَهُ إلى تعبيرٍ عن تواصلِهِ، وهذا التواصلُ إلى معنىً تتخذُهُ وحدتُهُ، مستخلصًا مِن هذا الترادفِ سببًا جديدًا للقلقِ يضافُ إلى قلقِهِ.
ينأى الكاتبُ بقلمِهِ عن الإفصاحِ عن الهمِّ الذي يحكمُهُ. يكتبُ بلا غايةٍ، في فعلٍ يحملُ مع ذلك كافةَ سماتِ التأليفِ المتأمِّلِ، حيثُ يطالبُ الهمُّ بإنجازِهِ في كلِّ لحظةٍ. يتجنَّبُ التعبيرَ عن ذاتِهِ القلقةِ، وعن تلك الذاتِ الضائعةِ عن نفسِها؛ وهو في غنىً عن هذا القلقِ الساعي للتجلِّي، وكأنَّهُ يحلمُ بالخلاصِ عبرَ هذا التجلِّي؛ وهو غيرُ ناطقٍ بلسانِهِ ولا بلسانِ حقيقةٍ مستغلقةٍ كامنةٍ فيهِ؛ يمتثلُ لمطلبٍ، والردُّ الذي يعلنُهُ على الملأِ ينقطعُ عن أيِّ صلةٍ بذلك المطلبِ. هل في القلقِ دوارٌ يمنعُ انتقالَهُ؟ أجلْ، مِن وجهٍ ما، لأنَّهُ يبدو لا سبرَ لغورِهِ؛ يعجزُ المرءُ عن وصفِ كربتِهِ، وكربتُهُ تتفلَّتُ منهُ؛ معتقدًا عجزَهُ عن التعبيرِ عن حقيقتِها؛ ويحدِّثُ نفسَهُ: لن أفلحَ أبدًا في ترجمةِ هذه المعاناةِ بأمانةٍ. والسببُ توهُّمُهُ وجودَ شيءٍ قابلٍ للترجمةِ؛ يقيسُ حالتَهُ على غرارِ كافةِ الحالاتِ الإنسانيةِ الأخرى؛ يرومُ صياغةَ محتواها؛ ويتعقَّبُ دلالتَها. والواقعُ أنَّ القلقَ يخلو مِن أيِّ قاعٍ سريٍّ؛ فهو يتجلّى بأكملِهِ في اليقينِ الذي يثبتُ حضورَهُ؛ وينكشفُ تمامًا بمجرَّدِ القولِ: أنا قلقٌ؛ وللمرءِ أن يدوِّنَ مجلداتٍ للتعبيرِ عمّا لا يمثِّلُهُ القلقُ، ويصفَهُ بأبرزِ صورِهِ النفسيةِ، ويربطَهُ بمفاهيمَ ميتافيزيقيةٍ جوهريةٍ؛ ولن يزيدَ كلُّ هذا الركامِ شيئًا على عبارةِ: أنا قلقٌ، وهذه الكلماتُ ذاتُها تعني انتفاءَ وجودِ أيِّ شيءٍ سوى القلقِ.
ولماذا يأبى القلقُ أن يُستدعى إلى الخارجِ؟ إنَّهُ الخارجُ والداخلُ على حدٍّ سواء. فالإنسانُ الذي انكشفَ لهُ القلقُ (وهذا لا يعني أنَّهُ أراهُ قاعَ طبيعتِهِ، إذ لا قاعَ لها)، الإنسانُ الذي أحكمَ القلقُ قبضتَهُ عليهِ، يتبدّى في شتى التعبيراتِ التي يجتذبُهُ إليها؛ يظهرُ مجرَّدًا مِن التكلُّفِ، ويحتجبُ مجرَّدًا مِن التردُّدِ؛ يخلو مِن الغيرةِ على حميميتِهِ، متجنِّبًا الهربَ ممّا يحطِّمُها والسعيَ إليهِ معًا؛ ويعجزُ عن إعطاءِ أهميةٍ نهائيةٍ لوحدتِهِ أو لاتحادِهِ؛ يساورُهُ القلقُ حين يمتنعُ، ويشتدُّ قلقُهُ حين يبذلُ، موقنًا بارتباطِهِ بمطلبٍ تعجزُ عن تبديلِهِ كلمةُ نعم أو لا في الواقعِ. وبالنسبةِ للكاتبِ الذي يدركُ مفارقةَ مهمَّتِهِ بأكملِها في العاطفةِ المستترةِ دومًا والتي يرومُ كشفَها أبدًا، يجبُ القولُ إنَّهُ ينجزُ عذابَهُ، محيلًا إياهُ إلى شيءٍ ملموسٍ، واضعًا إياهُ نصبَ عينيهِ كموضوعٍ للتصويرِ، موضوعٍ عسيرِ المنالِ بلا ريبٍ، ولكنَّهُ يضاهي كافةَ المواضيعِ التي يضطلعُ الفنُّ بالتعبيرِ عنها. ولماذا يكونُ شقاءُ حالتِهِ كامنًا في حتميةِ تصويرِهِ لها، وما يترتبُ على ذلك مِن انقلابِ شقائِهِ فرحًا واكتمالِ قدرِهِ إن أفلحَ في التصويرِ؟ إنَّهُ ليس كاتبَ شقائِهِ، وشقاؤُهُ لا ينبعُ مِن كونِهِ كاتبًا، بل إنَّ وقوفَهُ أمامَ حتميةِ الكتابةِ يقطعُ عليهِ سبلَ الفرارِ، بمجرَّدِ أن يتكبَّدَها كمهمةٍ مستحيلةِ التحقيقِ، مستحيلةٍ أيًا كانتْ صورتُها، وممكنةٍ مع ذلك في رحابِ هذه الاستحالةِ.
ليس في جعبتي ما أقولُهُ عن القلقِ، وهو يتربَّصُ بي متجاوزًا غايةَ التعبيرِ بمجرَّدِ أن أركنَ إلى الصمتِ. غيرَ أنَّ القلقَ يسلبُني أيضًا أيَّ قولٍ عن أيِّ شيءٍ، ولا يقلُّ تربُّصُهُ بي حين أرومُ إعطاءَ مهمَّتي غايةً تبرِّرُها. ومع ذلك، غيرُ مباحٍ لي أن أكتبَ أيَّ شيءٍ اتفقَ. فشعوري ببطلانِ ما أصنعُ يقترنُ بشعورٍ آخرَ بأنَّهُ لا شيءَ أشدُّ خطرًا منهُ. ووقوفي أمامَ حتميةِ «أيِّ شيءٍ اتفقَ» لا يأتي نتيجةَ أمرٍ يبيحُ لي كلَّ شيءٍ ويطلقُ عنانَ إرادتي، فهو يمثِّلُ حدًّا لحالةٍ تجعلُ مِن كلِّ ما يهمني معادلًا لـ «أيِّ شيءٍ اتفقَ»، وتسلبُني هذا الـ«أيَّ شيءٍ اتفقَ» تحديدًا حين يفقدُ أهميتَهُ عندي. بوسعي أن أطرحَ قدري للنردِ، وفي كلِّ مرَّةٍ أطرحُهُ كحظٍّ خارجيٍّ أتلقّاهُ كقدرٍ ملتحمٍ بي تمامًا، ولكنْ إن وُجدَ النردُ ليحيلَ الحتميةَ البالغةَ الثقلِ التي أعجزُ عن إرادتِها إلى نزوةٍ عابرةٍ، أستحيلُ لاعبًا يحدوهُ الفضولُ للعبِ، وهذا الفضولُ ذاتُهُ ينسفُ اللعبَ (ويخرجُهُ مِن دائرةِ اللعبِ). وعلى المنوالِ عينِهِ، يعجزُ الكاتبُ المريدُ لرميِ ما يكتبُهُ لقرعةِ الحظِّ عن فعلِ ذلك إلا إذا كانتْ هذه العمليةُ تجسِّدُ ذاتَ المطلبِ التأمُّليِّ، وذاتَ البحثِ اللغويِّ، وذاتَ الجهدِ الثقيلِ العقيمِ الذي يقتضيهِ فعلُ الكتابةِ. بمعنى أنَّ اللجوءَ للقرعةِ، بالنسبةِ لهُ، هو كتابةٌ، كتابةٌ تحيلُ عقلَهُ ومراسَ مواهبِهِ إلى معادلٍ لمصادفةٍ خالصةٍ.
وسيظلُّ استخدامُ الإنسانِ الصارمِ لعقلِهِ، معتنقًا إياهُ كتزامنٍ لأحداثٍ عرضيةٍ، أشدَّ وطأةً مِن تطويعِهِ لمحاكاةِ آثارٍ عشوائيةٍ. فصياغةُ نصٍّ بأحرفٍ منتقاةٍ عشوائيًا أمرٌ يسيرٌ نسبيًا. والأعسرُ منهُ تأليفُ هذا النصِّ مع استشعارِ حتميتِهِ. غيَرَ أنَّ الإتيانَ بأكثرِ الأعمالِ وعيًا واتزانًا، مع مطابقةِ القوى العاقلةِ المنتجةِ لهُ في كلِّ لحظةٍ بلعبةِ نزواتٍ حقيقيةٍ، يمثِّلُ غايةَ المشقةِ. ومِن هذا المنطلقِ، تغدو القواعدُ المحدِّدةُ لفنِّ الكتابةِ، والقيودُ المدخلةُ فيهِ، والقوالبُ الثابتةُ التي تحيلُهُ نظامًا حتميًا وعقباتٍ تستعصي على رميةِ النردِ، بالغةَ الأهميةِ للكاتبِ بقدرِ ما تزيدُ مِن إنهاكِ فعلِ الوعيِ المطالَبِ بمطابقةِ العقلِ الملتزمِ بهذه القواعدِ بانعدامِ القواعدِ. والكاتبُ المتحلِّلُ مِن القواعدِ ليلقيَ بنفسِهِ في حضنِ المصادفةِ، يخلُّ بالمطلبِ الذي يأمرُهُ بألا يستشعرَ المصادفةَ إلا في هيئةِ عقلٍ خاضعٍ للقواعدِ. ويسعى للتملّصِ مِن ذكائِهِ الإبداعيِّ المحسوسِ كضربةِ حظٍّ بالتسليمِ المباشرِ للحظِّ. مستنجدًا بنردِ اللاوعيِ لعجزِهِ عن رميِ النردِ بوعيٍ مطلقٍ. حاصرًا المصادفةَ في المصادفةِ. ومِن هنا ينبعُ بحثُهُ عن نصوصٍ تعصفُ بها المغامرةُ ومحاولتُهُ التأليفَ بمنهجِ الإهمالِ. متوهمًا دنوَّهُ بهذا مِن شغفِهِ الليليِّ. والحقُّ أنَّ النهارَ لا يزالُ حاضرًا لديهِ إلى جوارِ الليلِ، ويحتاجُ - وفاءً لمعاييرِ الجلاءِ - إلى خيانةِ نفسِهِ لصالحِ ما يفتقرُ للصورةِ والقانونِ.
وقبولُ القواعدِ يبلغُ هذا الحدَّ، حيثُ تفقدُ القواعدُ المندثرةُ والمتحولةُ إلى عاداتٍ أغلبَ طابعِها الإلزاميِّ، مكتسبةً عفويةَ الشيءِ العرضيِّ. وغالبًا ما يمثلُ الاستسلامُ للغةِ تخليًا عن الذاتِ. يتركُ المرءُ نفسَهُ لآليةٍ تتكفَّلُ بكاملِ مسؤوليةِ فعلِ الكتابةِ. والكتابةُ الآليةُ الحقيقيةُ هي النمطُ المعتادُ للكتابةِ، النمطُ الذي أحالَ الجهودَ المتعمَّدةَ وعملياتِ الشطبِ الذهنيةِ إلى آلياتٍ تلقائيةٍ. وفي المقابلِ التامِّ للكتابةِ الآليةِ، تنتصبُ الإرادةُ القلقةُ الساعيةُ لتحويلِ هباتِ المصادفةِ إلى مبادراتٍ مدروسةٍ، وبصورةٍ أجلى، يتجلّى الحرصُ على التكلُّفِ بالوعيِ المتمسِّكِ بالقواعدِ أو المبتكرِ لها كقوةٍ تضاهي المصادفةَ في كلِّ شيءٍ. فالغريزةُ التي تدفعُنا، تحتَ وطأةِ القلقِ، للفرارِ مِن القواعدِ، تنبعُ إذن - إن لم تكنْ هي ذاتُها فرارًا مِن القلقِ - مِن الحاجةِ للبحثِ عنها كقواعدَ حقيقيةٍ، كتناسقٍ متطلِّبٍ يتجاوزُ كونَهُ عاداتٍ ووسائلَ للراحةِ التقليديةِ. أحاولُ سنَّ قانونٍ جديدٍ لنفسي، ولا أبتغيهِ لجدَّتِهِ أو لانتمائِهِ لي - ففكرةُ الجدَّةِ أو الأصالةِ في مقامي هذا مدعاةٌ للسخريةِ -، والدافعُ يكمنُ في كونِ جدَّتِهِ ضمانةً لكونِهِ قانونًا حقيقيًا لي، يفرضُ نفسَهُ بصرامةٍ أعيها، وتزيدُ مِن ثقلِ إحساسي بأنَّهُ لا يفوقُ رميةَ النردِ في المعنى.
توحي الكلماتُ لكاتبِها بأنَّ الاستعمالَ هو مَن يمليها عليهِ، فيتلقّاها بضيقٍ ناجمٍ عن اكتشافِهِ مخزونًا هائلًا مِن التسهيلاتِ والآثارِ المجهَّزةِ سلفًا - المجهَّزةِ بمعزلٍ عن تدخّلِ قوتِهِ. وقد يدفعُهُ هذا الضيقُ إلى نبذِ كلماتِ الحياةِ العمليةِ نبذًا تامًا، ومقاطعةِ الصوتِ المألوفِ الذي يصغي إليهِ بلامبالاةٍ، مشغولًا بإيماءاتِ مديرِ طاولةِ القمارِ وتوجيهاتِهِ أكثرَ مِن انشغالِهِ بما يكتبُهُ تحتَ تأثيرِهِ. ويبدو لهُ حينها مِن الضروريِّ استردادُ الكلماتِ لحسابِهِ، وبالتضحيةِ بها في قدراتِها التبعيةِ، وتحديدًا في قابليتِها لخدمتِهِ، يستعيدُ مع تمرُّدِها قدرتَهُ على السيادةِ عليها. وتتجاوزُ الغايةُ المثلى لـ«الكلماتِ الحرَّةِ» نزعَ القواعدِ عنها، راميةً إلى تحريرِها مِن قاعدةٍ أمسى وقوعُها ثقيلًا لإخضاعِها لشريعةٍ يستشعرُ صدقَها حقًا. وهناك سعيٌ لجعلِ فعلِ الكتابةِ سببًا لعاصفةٍ مِن النظامِ وذروةٍ مِن الوعيِ تزيدانِ مِن حدَّةِ القلقِ بقدرِ ما يمثِّلُ هذا الوعيُ بنظامٍ خالٍ مِن العيوبِ وعيًا بافتقارٍ مطلقٍ للنظامِ. وفي هذا الضوءِ، يغدو مِن الجليِّ سريعًا أنَّ ابتكارَ قواعدَ جديدةٍ لا يفوقُ في شرعيتِهِ إعادةَ ابتكارِ القواعدِ القديمةِ؛ فالأعسرُ هو ردُّ قيمةِ الإلزامِ للاستعمالِ، وإيقاظُ النظامِ المندثرِ في اللغةِ العاديةِ، والتمسُّكُ بالعادةِ كأنَّها نداءُ التأمُّلِ ذاتُهُ. وإضفاءُ معنًى أنقى على كلماتِ القبيلةِ قد يتمثَّلُ في إعطائِها معنًى جديدًا، ويشملُ أيضًا ردَّ معناها القديمِ إليها، ومنحَها المعنى الذي تملكُهُ، ببعثِها على النحوِ الذي لم تبرحْهُ قطُّ.
إذا قرأتُ، فإنَّ اللغةَ - منطقيةً كانتْ أم موسيقيةً خالصةً (غيرَ استدلاليةٍ) - تشركني في معنًى مشتركٍ يفصلُ بيني وبين قلقي لانتفاءِ ارتباطِهِ المباشرِ بما أكونُهُ. أمّا إذا كتبتُ، فأنا مَن يربطُ المعنى المشتركَ باللغةِ، ولهذا الفعلِ الدلاليِّ، أرفعُ قوايَ قدرَ المستطاعِ لبلوغِ أقصى مبالغِ التأثيرِ، الذي هو منحُ المعنى. ويسعى كلُّ شيءٍ في عقلي، إذن، ليكونَ ارتباطًا حتميًا وقيمةً موضوعةً على المحكِّ؛ وكلُّ ما في الذاكرةِ يغدو ذكرى للغةٍ لم تبتكرْ بعدُ وابتكارًا للغةٍ نتذكَّرُها؛ ويقابلُ كلَّ عمليةٍ معنًى، ويقابلُ مجملَ العملياتِ ذلك المعنى الآخرُ المتمثِّلُ في انتفاءِ معنًى مستقلٍّ لكلِّ واحدةٍ منها؛ وتكتسبُ الكلماتُ معناها كبديلٍ لفكرةٍ، وأيضًا كتأليفٍ للأصواتِ وحقيقةٍ فيزيائيةٍ؛ وتدلُّ الصورُ على نفسِها كصورٍ وتؤكِّدُ الأفكارُ الحتميةَ المزدوجةَ التي تربطُها بتعبيراتٍ معينةٍ وتحيلُها أفكارًا لأفكارٍ أخرى. وحينها يمكنُ القولُ إنَّ كلَّ ما يكتبُ يحملُ عند كاتبِهِ أعظمَ معنًى ممكنٍ، ويحملُ أيضًا المعنى القائلَ بأنَّهُ معنًى مرهونٌ بالمصادفةِ؛ أي إنَّهُ اللامعنى. وبطبيعةِ الحالِ، ولمّا كانَ الوعيُ الجماليُّ لا يعي سوى جزءٍ ممّا يصنعُهُ، يخفقُ المسعى لبلوغِ الحتميةِ المطلقةِ والبطلانِ المطلقِ دائمًا. ويعجزُ عن بلوغِ غايتِهِ، وهذه الاستحالةُ لبلوغِ الغايةِ والوصولِ إلى المنتهى الذي يبدو فيهِ كأنَّهُ لم يبلغْ غايتَهُ قطُّ، هي ما تجعلُهُ ممكنًا على الدوامِ. يحتفظُ بمسحةٍ مِن المعنى لكونِهِ لا يتلقّى كاملَ معناهُ أبدًا، ويغدو قلقًا لانتفاءِ قدرتِهِ على أن يكونَ قلقًا خالصًا. وتدعُ «التحفةُ المجهولةُ» دومًا طرفَ قدمٍ ساحرةٍ يبرزُ في إحدى الزوايا، وهذه القدمُ الفاتنةُ تمنعُ العملَ مِن الاكتمالِ، وتمنعُ الرسامَ في الوقتِ عينِهِ مِن القولِ، بمنتهى السكينةِ، أمامَ عدميةِ لوحتِهِ: «لا شيءَ، لا شيءَ! أخيرًا، لم يبقَ شيءٌ».


