أنا أو نَحنُ أو أنتَ
أَشِعرٌ تَكَلُّفِيٌّ (Mannerism) هُوَ أَمْ بارُوكِيّ؟ لَعَلَّ ديوان «ازدِراءُ الحَياةِ والعَزاءُ ضِدَّ المَوتِ» (١٥٩٤) أَنْ يَكونَ ثَمَرَةً لِمُؤثِّراتٍ شَتَّى، وكُلُّ مَقامٍ مِن مَقاماتِ التَّلَفُّظِ في هَذا الدّيوانِ يَنطَوي عَلى طَريقَتِهِ الخاصَّةِ في هَيكَلَةِ التَّيَّاراتِ الفِكريَّةِ السَّائِدَةِ في العَصرِ الَّذي كُتِبَ فيه، وذَلِكَ لِغايَةٍ تَعليميَّةٍ بَيانيَّة، كَما تُفْصِحُ عَن ذَلِكَ «المُقَدِّمَةُ المُوَجَّهَةُ إلى القارِئ». ومِنَ المُؤَكَّدِ أنَّ كِتابَ «المَقالات» (Les Essais) لِمونتين يُعَدُّ واحِداً مِن هَذِهِ المُؤثِّرات. بَيْدَ أنَّ «الأنا» عِندَ مونتين تُشَكِّلُ واسِطَةً لِمَعرِفَةِ العالَم، في حينِ أنَّ «الأنا» عِندَ شاسينييه مُسَخَّرَةٌ لِخِدمَةِ البَيانِ والضَّربِ بِالمَثَل. ولَن يَطولَ بِنا البَحثُ خَبْطَ عَشواءَ عَن «سَوداويَّةِ» شاسينييه أو عَن تَعبيرِهِ عَن «ذاتِهِ المُنقَسِمَة»، إذْ إنَّ الانفِعالَ الوَحيدَ الَّذي يُمكِنُ استِشفافُهُ مِن خِلالِ قِراءَةِ الدّيوانِ هُوَ انْفِعالُ الذَّاتِ المُصَوَّرَةِ في كُلِّ مَوضِعٍ عَلى أنَّها النَّموذَجُ الأَمثَلُ لِلخاطِئِ والمُذنِب.
لَقَد سَبَقَ أنْ وُصِفَتْ قَصائِدُ شاسينييه بِأنَّها «مَقطوعاتٌ ثَقيلَةٌ، ومُطَوَّلاتٌ مُسْهِبَةٌ كَثيراً ما يَعتَريها الابتِذال». وبَعدَ قِراءَةٍ أُولى لِديوانِ «ازدِراءِ الحَياةِ والعَزاءِ ضِدَّ المَوت»، يَتَوَلَّدُ لَدى المَرءِ انطِباعٌ مُؤَكَّدٌ بِأنَّهُ قَد سَمِعَ فِكرَتَينِ رَئيسَتَينِ أو ثَلاثاً تَتَكَرَّرُ مِراراً. ولِذَلِكَ، لَن أَقصُرَ هَمّي عَلى التَّعقيبِ عَلى مَضْمونِ هَذا العَمَلِ فَحَسب، إنّما سَأَعْمِدُ أساساً إلى جَلاءِ الكَيْفِيَّةِ الَّتي يُصاغُ بِها القَولُ فيه، دونَ الانحِيازِ إلى التَّوَجُّهِ الشَّكلِيِّ المَحضِ الَّذي يَعُدُّهُ عَمَلاً «تَكَلُّفِيّاً» (لِكَونِهِ يُلِحُّ عَلى الأفكارِ ذاتِها إلحاحاً لا نِهايَةَ لَه)، مِمَّا يَعني ضِمنياً القَولَ إنَّهُ شاهِدٌ عَلى «تَداعي نَظَريَّاتِ الأَدَبِ والفَنّ» أو إنَّهُ يُعيدُ النَّظَرَ في «المُمارَسَةِ الفَنّيَّة» و«مَعاييرِها المُثلَى» مُؤثِراً الصَّنعَةَ عَلى المَضْمون. والواقِعُ أنَّ قِراءَةَ «المُقَدِّمَةِ المُوَجَّهَةِ إلى القارِئ» تَكفي لِلإقناعِ بِأنَّ القَصدَ مِنَ العَمَلِ هُوَ قَصدٌ بَيانِيٌّ وتَعليمِيٌّ واضِح:
[...] خَلَصتُ في قَرارَةِ نَفسي إلى [...] أنْ أُبَيِّنَ لَكَ، أيُّها القارِئُ الصَّديق، ضَعفَ حالِنا وبُؤسَها مِن خِلالِ السِّمةِ الأُولى لِهَذا الخِطاب، كَما يُبَيِّنُ الرَّسّامُ بَراعَةَ فَنِّهِ تَحتَ خُطوطِ الصُّورَةِ الشَّخصيَّة [...].
[...] أُعيدُ تَلمُّسَ هَذِهِ المادَّةِ الجَديدَةِ وعَجنَها، وأُقَلِّبُها وأُسَخِّنُها، لأَفتَحَ لِمَن أَرادَ الخَوضَ في غِمارِها سَبيلاً يَسيراً لِلتَّمَتُّعِ بِها في دَعَة، جاعِلاً إيَّاها أكثَرَ طَواعِيَةً ولِيناً.
ولا يَسَعُنا إذن أنْ نَغُضَّ الطَّرفَ عَن إسهامِ هَذا الدّيوانِ الضَّخمِ في فُنونِ ما بَعدَ مَجمَعِ ترينت (post-tridentine)، بِوَصفِهِ أداةً في يَدِ الكَنيسَةِ الرُّومانِيَّةِ الَّتي «تُؤَكِّدُ مُجَدَّداً، عَبْرَ الفَنِّ البارُوكِيّ، عَلى القِيمَةِ المِثالِيَّةِ والضَّرورَةِ العَمَلِيَّةِ لِلبُرهانِ [...] بِقَصدِ التَّهذيبِ والتَّنوير»؛ إنَّهُ فَنٌّ «يُمارِسُ تَأثيراً مُباشِراً» ويَجِبُ أن «يَكونَ نافِعاً».
يَقولُ سيبيلييه (Sébillet) في كِتابِهِ «الصِّناعَةُ الشِّعريَّةُ الفَرَنسيَّة»: «إنَّ الخَطيبَ والشَّاعِرَ قَريبانِ ومُتَّصِلانِ أشَدَّ الاتِّصال»، وهَذا ما يُبَيِّنُهُ فرانسوا كورنيليا الَّذي يَخلُصُ إلى أنَّهُ، في تِلكَ الحقبَة، «تَغدو استِقلاليَّةُ القَصيدَةِ عَن غَيرِها مِن أجناسِ القَولِ أمراً نِسبيّاً». وانطِلاقاً مِن هَذِهِ المُلاحَظَةِ نَفسِها، أَرَدتُ مُقارَبَةَ «ازدِراءِ الحَياة» مِن مَنظورِ التَّلَفُّظ، كَي أفهَمَ كَيفَ تَتَداخَلُ أو تَتَصادَمُ المُؤثِّراتُ الَّتي يُمكِنُ مُصادَفَتُها فيه. وعلاوَةً عَلى ذَلِك، تُفلِحُ هَذِهِ المُقارَبَةُ في الجَمعِ بَينَ المُلاحَظَةِ البِنيَويَّةِ والسِّياقِ التَّاريخيّ: فَالمَنظورُ التَّلَفُّظيُّ يَمتازُ بِكونِهِ «يَفضَحُ الوَهمَ الَّذي يُمَثِّلُهُ افتِراضُ الانغِلاقِ البِنيَويِّ لِلنَّصِّ والمَقولَة»، لِتُصبِحَ المَقولَةُ واقِعاً تُحَدِّدُهُ «شُروطُهُ السِّياقيَّةُ لِلإنتاجِ والتَّلَقّي».
ويُمكِنُنا أن نَتَفَهَّمَ تَحَفُّظاتِ النُّقَّادِ - ولا سِيَّما تَحَفُّظاتِ تيرينس كاف حينَ يَقولُ: «يُخفِقُ شاسينييه في قَصائِدِهِ الفَلسَفيَّةِ لأنَّهُ يَعجِزُ عَن تَطويعِ الأفكارِ الجادَّةِ لِتُناسِبَ مُتَطَلَّباتِ القَصيدَة: فَتَبدو حُجَجُهُ دائِماً وكَأنَّها شَذَراتٌ دَخيلَة» - إزاءَ المُعالَجَةِ المُتَناقِضَةِ بَعضَ الشَّيءِ لِلأفكارِ في القَصائِدِ ذاتِ الطَّابَعِ الفَلسَفِيِّ مِنَ الدّيوان. فَهَذا الشِّعرُ يَدينُ، مِن جِهَة، لِقِيَمٍ دينِيَّةٍ شِبهِ قُروسَطِيَّةٍ تَرى أنَّ المَسيحيَّ الحَقَّ يَجِبُ أن يَعيشَ بِمَعزِلٍ عَنِ الدُّنيا، ويَدينُ مِن جِهَةٍ أُخرى، لِرياحِ «الرِّواقيَّةِ الجَديدَة» الَّتي هَبَّتْ في الرُّبعِ الأخيرِ مِنَ القَرنِ السَّادِسِ عَشَر، والَّتي تَطْمَحُ إلى أن تَكونَ فَلسَفَةً لِلإنسانِ في هَذا العالَم، كَما يَتَجَلَّى في رِسالَةِ «عَنِ الثَّباتِ» لِجوست ليبس، أو «خِطابُ الحَياةِ والمَوت» لِفيليب دو بليسيه مورنيه. ولَئِن أَخَذنا في الحُسبانِ الغايَةَ التَّعليميَّةَ المُعلَنَةَ في «المُقَدِّمَة»، فَإنَّ الطَّابَعَ المُتَشَظِّيَ لِديوانِ «ازدِراءِ الحَياة» لا يَنبُعُ مِن رَكاكَةٍ بِقَدرِ ما يَنبُعُ مِنَ العَرضِ المَوضوعِيِّ - في هَذِهِ القَصائِدِ الَّتي يَطغى عَلَيها ضَميرُ الغائِب - لِعِدَّةِ خِياراتٍ أيديولوجيَّة.
في مَسعانا لِرَصدِ سِماتِ الذَّاتيَّةِ في أيِّ نِتاجٍ لُغَويّ، يُمكِنُنا بِالطَّبعِ أن نَعتَمِدَ عَلى الطَّابَعِ الإشاريِّ الكامِنِ خَلفَ كُلِّ كَلام. بَيْدَ أنَّ انتِهاجَ هَذا المَسارِ في سِياقِ قِراءَةِ القَصائِدِ المَصوغَةِ بِضَميرِ الغائِبِ سَيُعَدُّ إخلالاً بِميثاقٍ مُعَيَّنٍ يَطرَحُهُ المُتَكَلِّم. فَهُوَ، بِاستِخدامِهِ صِيغَةً تَضَعُهُ مُنذُ البِدايَةِ خارِجَ مَقامِ التَّلَفُّظ، يُضفي عَلى خِطابِهِ طابَعَ المَوضوعيَّة، أو عَلى الأَقَلِّ طابَعَ الفِكرَةِ المُجَرَّدَةِ بَدَلاً مِنَ التَّعبيرِ الغِنائيِّ أوِ الذَّاتيّ. وفي هَذا النَّوعِ مِنَ المَقولات، يُمكِنُ تَبَيُّنُ حُضورِ الذَّاتِ المُتَلَفِّظَةِ بِجَلاءٍ مِن خِلالِ مُلاحَظَةِ الافتِراضاتِ المُسبَقَةِ والدَّلالاتِ الحافِيَةِ الَّتي تُوَجِّهُ الخِطاب، وكَذَلِكَ عَبْرَ فَحصِ صورَةِ المُتَلَقّي الَّتي يَرسُمُها. فَعنوانٌ مِثلُ «الحَياة والمَوت»، عَلى سَبيلِ المِثال، يُحيلُ إلى مُتَوالِيَةٍ حَدَثيَّةٍ قَد لا تَكونُ عالَمِيَّةً في المُخَيِّلَة، لَكِنَّها شائِعَةٌ عَلى أقَلِّ تَقدير. غَيرَ أنَّ عُنوانَ ديوانِ شاسينييه يَفرِضُ مُنذُ الوَهلَةِ الأُولى مَضموناً دَلالِيّاً دَقيقاً: فَإقرارُ «ازدِراءِ الحَياة» يَستَتبِعُ وُجودَ فَضاءٍ خِطابِيٍّ يَرى في الحَياةِ مَطلَباً نَفيساً يَنبَري هَذا الخِطابُ لِمُناهَضَتِه. والأَمرُ سِيَّانٌ في الشِّقِّ الثَّاني: إذْ إنَّ «العَزاءَ ضِدَّ المَوتِ» يُعارِضُ تَصَوُّراً سَلبِيّاً عَنِ المَوت.
لَقَد عُنيَ النَّقدُ سابِقاً بِمُلاحَظَةِ كَيْفَ أنَّ المُتَكَلِّمَ في ديوانِ «ازدِراءِ الحَياة» «يُغَيِّرُ الرَّابِطَ المُعتادَ بَينَ الدَّالِّ 'مَوت' والمَدلولِ 'مَوت' لِيُلَطِّفَ مِن وَطأَةِ تَصَوُّرِه». ومَعَ ذَلِك، ولَئِن كانَ مِنَ اللّافِتِ لِلنَّظَرِ أَن يَغدو المَوتُ، في هَذا النَّسَقِ المَعكوس، هُوَ الحَياةَ الحَقَّة، وتَغدو الحَياةُ عَلى الأرضِ نِزاعاً مَريراً (إذْ تُخبِرُنا القَصيدَةُ رَقم ١٥٥ أنَّ حَياةَ الإنسانِ «صَنيعَةٌ لا طائِلَ مِنها»)، فَإنَّهُ مِنَ الجَديرِ بِالمُلاحَظَةِ أنَّ المُعادَلَةَ القائِمَةَ عَلى أنَّ «الحَياة = المَوت أو المَوت = الحَياة» لَيسَت هِيَ السِّمةَ الدَّلاليَّةَ الأكثَرَ خُصوصيَّةً في الدّيوان. في حَقيقَةِ الأمر، لَيسَتِ الحَياةُ في حَدِّ ذاتِها هِيَ ما يَحمِلُ دَلالَةً سَلبيَّةً، إنّما هِيَ مَرسومَةٌ في مَواضِعَ عِدَّةٍ بِرَونَقٍ جَلِيّ، إنَّما «حَياةُ الإنسانِ» هِيَ المَذمومَة:
تَهوى الأَسماكُ ذاتُ الحَرشَفِ المِياهَ الرَّطْبَة...
ويَهوى صَرَّارُ اللَّيلِ الثَّرثارُ زُمُرُّدَ المُروج...
خُلاصَةُ القَولِ، يَهوى الكُلُّ بِالفِطرَةِ وَيَنشُدُ
مَوطِنَهُ الأَصليَّ الَّذي مِنهُ نَشَأ...
الإنسانُ وَحدَهُ،
يُفَضِّلُ النَّفيَ الطَّويلَ عَلى وَطَنِهِ [السَّماءِ الرُّوحيَّة]
القصيدة ٢٤٠
والعالَمُ الَّذي يَحيا فيهِ الإنسان، في هَذا السِّياق، يَدْفَعُ المُتَكَلِّمَ إلى استِخدامِ صِفَةِ «الدُّنيَويّ» (mondain) مِراراً لِنَعتِه: فَضِدَّ مَن يَعيشُ مُتَعَلِّقاً بِالدُّنيا، ذَلِكَ «الأحمَقِ الصَّفيقِ الَّذي لا يَحسَبُ نَفسَهُ [فانِياً]» (القصيدة ٨٨)، يَنبَري هَذا الخِطابُ المَوعِظَة. ووِفقاً لِهَذا المَنطِق، لا يَنبَغي لِلإنسانِ فَقَط أن يَعيشَ «كَمَخلُوقٍ فانٍ»، بَلْ عَليهِ أن يَعيشَ كَمَيِّت، آمِلاً عَلى الدَّوامِ في «بُلُوغِ مَرفَأِ النَّجاة» (القصيدة ٦٦). وتُوَضِّحُ المُربَّعاتُ المَذكورَةُ هُنا هَذا الإطارَ القِيَميَّ بِشَكلٍ سَردِيّ: يُمَثِّلُ المَسارُ ذو الخُطوطِ المُتَّصِلَةِ (مِن «مَتاعِ الدُّنيا» إلى «نَعيمِ السَّماء») الطَّريقَ الَّذي يَسلُكُهُ الإنسانُ الرَّاغِبُ في إدراكِ نَعيمِ السَّماء. ولا تَفرِضُ هَذِهِ العَقيدَةُ الرَّغبَةَ في المَوتِ فَحَسب، بَل تَقتَضي أيضاً أنَّهُ لِلوُصولِ إلى الاتِّحادِ الإلَهيِّ، يَلزَمُ المَوتُ عَنِ الدُّنيا، أي الخُروجُ مِن زُمرَةِ الأحياء:
[...] الدُّنيا الخَدَّاعَة [...]
[...] تَطرُدُ عَنها أُولَئِكَ الَّذينَ، إذْ يَموتونَ في رِحابِ الرّب،
يَسيرونَ بِهَديِ الرُّوحِ ويَحيَونَ في كُلِّ مَكان
مُتَأمِّلينَ لَيلَ نَهارَ في خُلودِ الوَعد.
القصيدة ٣٤٨
ومَعَ ذَلِك، لا يَدعو هَذا الخِطابُ إلى العُبورِ فِعليّاً عَبْرَ المَوتِ لِتَحقيقِ هَذِهِ الغايَة. فالرَّغبَةُ في المَوت، لَم تَعُدْ مُجَرَّدَ تُوقٍ لِلمَوتِ يُعَبِّرُ عَن إرادَةٍ لِتَخفيفِ مِحَنِ الأرض. وفي هَذا الصَّدَد، يُعَدُّ مِن حَقائِقِ «ازدِراءِ الحَياة» أنَّ الإنسانَ لا يَملِكُ أن يُنهيَ حَياتَهُ بِيَدِهِ لِيَلتَحِقَ بِالخالِق. لِذا، لا يَظهَرُ المَوتُ كَفِعْلٍ (Faire) يَجِبُ إنجازُهُ لِبُلوغِ نَعيمِ السَّماء، إنّما هُوَ في حَقيقَةِ الأمرِ شَكلٌ مِن أشكالِ «إرادَةِ المَوت» (Vouloir mourir) يَحُلُّ مَحَلَّ «الفِعْل».
غَيرَ أنَّهُ، عَلى الصَّعيدِ الأيديولوجي، تَتَصادَمُ هَذِهِ «الاستِمراريَّةُ المُعَيَّنَةُ لِلعُصورِ الوُسطى والطَّابَعِ القوطي» في أواخِرِ القَرنِ السَّادِسِ عَشَر - المَبنيَّةُ عَلى أنَّ الإنسانَ لا سُلطانَ لَهُ عَلى حَياتِهِ وما هُوَ إلّا كائِنٌ يَنتَظِرُ مَوتاً فيهِ الخَلاص - مَعَ مُؤثِّرٍ آخَرَ هَامٍّ يَتَخَلَّلُ ديوانَ شاسينييه: ألا وهُوَ «الرِّواقيَّةُ الجَديدَة» لِنهايَةِ القَرنِ السَّادِسِ عَشَر. ومِن هُنا يَنبَعُ الانطِباعُ بِأنَّ الدّيوانَ يَنطَوي عَلى تَناقُضاتٍ عِدَّة. فَفي حينَ كانَ رِواقِيُّو العُصورِ القَديمَةِ «يُؤَكِّدونَ [...] أنَّ الحَكيمَ يَجِبُ أن يَنتَحِرَ إنقاذاً لِحُرِّيَّتِه»، فَإنَّ الرِّواقِيِّينَ الجُدُد، وإنْ كانُوا يُعْلُونَ مِن شَأنِ «الإراديَّة» أسوَةً بِأساتِذَتِهِم، لا يَمنَحونَ الإنسانَ أبَداً سُلطَةَ إنهاءِ حَياتِه. ومِن ثَمَّ، فَإنَّ هَذا الفِكرَ يُستَبْعَدُ مِنهُ، في مَسألَةِ الانتِحار، حَتْميَّةُ «القُدرَة» (Pouvoir) المُتَأَصِّلَةُ فيه.
وإذا كُنتُ قَد شَطَبتُ مُصطَلَحَ «اليَأس» (الَّذي يُشَكِّلُ نُقطَةَ التِقاءِ بَينَ إرادَة المَوت وعَدَم إرادَة المَوت)، فَمَرَدُّ ذَلِكَ إلى أنَّ الرِّواقِيِّينَ المَسيحِيِّينَ (ومِنهُم مونتين في فَصلِ «عادَةُ جَزيرَةِ كِيا») يَرَوْنَ في الانتِحارِ عَمَلاً جَباناً، ومَذموماً أشَدَّ الذَّمِّ بِطَبيعَةِ الحال. كَما كَتَبَ فيليب دو بليسيه مورنيه: «يَجِبُ عَلَينا أن نَسعى لإماتَةِ جَسَدِنا فينا واقتِلاعِ الدُّنيا مِنه، لَكِن أن نَقتَلِعَ أنفُسَنا مِنَ الدُّنيا فَهَذا ما لا يُباحُ لَنا قَطّ. فَالمَسيحِيُّ [...] لا يَنبَغي لَهُ أن يَفِرَّ بِجُبنٍ مِن هَذِهِ الحَياة».
وإذا كانَ لِزاماً عَلَينا أن نَنظُرَ بِتَعَقُّلٍ إلى المُعادَلَةِ التَّبسيطيَّةِ «المَوت = الحَياة»، فَإنَّ مُعادَلَةَ «الحَياة = المَوت» تَتَطَلَّبُ العِنايَةَ نَفسَها، إذْ يُؤَكِّدُ المُتَكَلِّمُ في القَصائِدِ المَصوغَةِ بِضَميرِ الغائِبِ أنَّ «نَفعَ الجَميع، وعَدَمَ إيذاء أحَد... لأنَّهُ لا مَوتَ يَمُرُّ كَشَهادَةِ حَقّ، إلّا ذاكَ الَّذي تَكونُ فيهِ الحَياةُ بِلا جَدوى» (القصيدة ٢٧٨) هُوَ شَرطُ المَوتِ المَطْمَئِنّ. إنَّ هَذا الخِطابَ يَتَعارَضُ حَقّاً مَعَ الخِطابِ المُضْمَرِ في الطَّابَعِ الجَدَلِيِّ لِعُنوانِ «ازدِراءُ الحَياة». فَالدَّعوَةُ إلى ازدِراءِ الحَياةِ والزَّعمُ في آنٍ مَعاً بِأنَّها يَجِبُ أن تَكونَ نافِعَة، يُعَدُّ مَوقِفاً في غايَةِ الغَرابَة، بَل ومُتَناقِضاً، إنْ نَحنُ أغفَلْنا سِياقَ ظُروفِ إنتاجِ هَذا العَمَل. لِذا نُصادِفُ عِندَ شاسينييه، في مَقامِ بَيانِ الحَقيقَة، خِطاباً يَرمي إلى إعلاءِ شَأنِ الحَياة.
وغالِباً ما يَستَقي المُتَكَلِّمُ مِن مَعينِ هَذِهِ الأصَالَةِ المَزعومَةِ لِهَذا الخِطابِ بِطَريقَةٍ استِراتيجيَّةٍ لِيَكسِبَ وُدَّ مُخاطَبيه، وذَلِكَ في القَصائِدِ المَبنيَّةِ حَولَ «الوَظيفَةِ الإيعازيَّة» (حَيثُ يَسودُ استِخدامُ «أنتَ»، «أنتُم»، و«نَحنُ»). ولَكِن قَبلَ أن نَمضِيَ قُدُماً، لِنَرَ المَكانَةَ الَّتي يَحتَلُّها هَذا المُخاطَبُ - الغائِبُ في الظَّاهِر - في المَقطوعاتِ الَّتي تَقومُ مَقامَ بَياناتِ الحَقيقَة.
تُخبِرُنا نَظَرِيَّةُ التَّلَفُّظِ أنَّهُ يَكفي لِلذَّاتِ المُتَلَفِّظَةِ أن تَطرَحَ طُروحاتٍ خاليَةً مِنَ العَلاماتِ الإشاريَّة «كَي يَخضَعَ كُلُّ مُتَلَقٍّ لِنَفسِ الإلزامِ الَّذي تَخضَعُ لَهُ: ألا وهُوَ التَّصديقُ بِلا تَحَفُّظ». وهَذا ما نُلاحِظُهُ حَقّاً في العَمَلِ قَيدَ الدِّراسَة، حَيثُ يَجِبُ عَلى القارِئ - كَي لا يُصَنَّفَ ضِمنَ مَقامِ «مَن يُتَحَدَّثُ عَنهم» (délocuté)، أي ذَلِكَ «الأحمَق» الَّذي «يَظُنُّ أنَّهُ بَعدَ اليَومِ الآخِرِ لَن يَصيرَ إلى شَيء» (القصيدة ١٨٤) أو «الجاهِل السَّفيهِ الَّذي يَموتُ يائِساً» (القصيدة ٢١١)، واللَّذَينِ يَعْتَقِدانِ أنَّ المَوتَ ما هُوَ إلَّا فِناء - أن يَعلَمَ أنَّ المَوتَ هُوَ في الواقِعِ الحَياةُ الحَقَّة، وسَيُصَدِّقُ في ذَلِكَ قَولَ المُتَكَلِّمِ وَحدَهُ: «هَلُمُّوا بِأفواهِكُمُ الفاغِرَةِ إلى نَميرِ خِطابي»، هَكَذا يَقولُ لَنا هَذا المُتَكَلِّمُ المُدرِكُ لِسُلطانِ كَلِمَتِه، «لِتَغْتَرِفُوا مِنهُ غَوثاً أكيداً ضِدَّ المَوت، جاعِلينَ في الرّب وَحدَهُ رَجاءَكُمُ الأَوحَد» (القصيدة ١). يَحتَلُّ المُتَلَفِّظُ هُنا مَوقِعاً قَويّاً، إذْ يُنَصِّبُ نَفسَهُ في مَقامِ «المُرْسِل»، أي العَامِلِ الَّذي «يَنقُلُ إلى الذَّاتِ المُتَلَقِّيَة [...] مَجموعَةَ القِيَمِ المَطروحَة»، وذَلِكَ بِهَدَفٍ واضِحٍ هُوَ التَّأثيرُ عَلَيها. وفي هَذا الصَّدَد، مِنَ المُثيرِ لِلاهتِمامِ أن نُلاحِظَ كَيفَ سيُعادُ استِغلالُ مَضْمونِ الخِطابِ المَصوغِ بِـ«اللَّاشَخْص» في المَقطوعاتِ الَّتي تَسودُ فيها الوَظيفَةُ الإيعازيَّة: فَتُسْتَدعى أُطُرٌ قِيَميَّةٌ مُعَيَّنَةٌ تِباعاً بِحَسَبِ اختِيارِ المُتَلَقّي، وبِالطَّبعِ بِقَصدِ التَّأثيرِ الفَعَّالِ الَّذي يَبدو أنَّهُ سِمَةٌ جَوهَرِيَّةٌ في أدَبِ البارُوك: التَّكَيُّفُ مَعَ المُتَلَقّي.
لِنَنظُرْ أوَّلاً في العَلاقَةِ الشَّخصيَّةِ بَينَ «أنا» و «أنتَ»، وهِيَ عَلاقَةٌ تَرمي إلى تَخصيصِ الخِطاب:
ما هِيَ حَياتُكُم؟ قارورَةٌ هَشَّة
[...]
ما هِيَ حَياتُكُم؟ كِذبَةٌ تافِهَة
[...]
ما هِيَ حَياتُكُم؟ زَوبَعَةٌ تَدورُ
مِنَ الدُّخان...
(القصيدة ٩٨، صِيغَة الجَمع «أنتُم»)
أتَوَدُّ أن تَعْلَمَ بِمَ أُشَبِّهُ
مِغزَلَ سِنيكَ؟ بِصابونٍ أبيَض
يُنفَخُ عَبْرَ قَصَبَةٍ صَفراء
يُدهِشُ بِها طِفلٌ أحمَقُ أقرانَهُ؛
(القصيدة ٩٩، صِيغَة المُفرَد «أنتَ»)
هَذانِ المَقطَعانِ مُقتَبَسانِ مِن قَصيدَتَينِ مُتَتاليَتَينِ (٩٨ و٩٩)، مِمَّا يَجعَلُ التَّبايُنَ بَينَهُما أشدَّ وُضوحاً: فَفي حينِ يُجيبُ المُتَكَلِّمُ مُباشَرَةً في القَصيدَةِ الأُولى (بِصيغَة الجَمع) عَن سُؤال «ما هِيَ حَياتُكُم؟»، نَراهُ في القَصيدَةِ الثَّانيَة (بِصيغَة المُفرَد) يَسألُ مُخاطَبَهُ إن كانَ «يَوَدُّ أن يَعلَمَ» بِمَ يُشَبِّهُ حَياتَهُ (وَلْنُلاحِظْ هُنا استِخدامَ الاستِعارَة الَّتي تَستَلزِمُ عِنايَةً أكبَرَ بِالمُخاطَب). وفي مَواضِعَ أُخرى مِنَ الدّيوان، يَتَّضِحُ أنَّ هَذا الصَّنيعَ يَهدِفُ إلى فَصلِ المُخاطَبِ عَنِ العَوام. أمّا استِخدامُ صِيغَةِ الجَمع «أنتُم»، فَيُؤدّي عَلى العَكسِ مِن ذَلِكَ إلى زِيادَةِ المَسافَةِ بَينَ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَب. فَحينَ تُوَجَّهُ لِجُموعٍ غَيرِ مُتَمَيِّزَة، يَنتَفي ذَلِكَ التَّودُّدُ الَّذي تُحَقِّقُهُ صِيغَةُ المُفرَد.
وبِالانتقالِ إلى استِدامِ ضَميرِ «نَحنُ»، نَجِدُ أنَّهُ يَضَعُ المُتَكَلِّمَ في قَلبِ نَسَقِهِ القِيَميّ، وتُشيرُ القَصائِدُ الَّتي تَستَخدِمُ هَذا الضَّميرَ بِكَثافَةٍ إلى ما يُمكِنُ تَسمِيَتُهُ «مُفاوَضاتٍ ضِمنِيَّة». إذْ يَتَظاهَرُ المُتَكَلِّمُ بِمُشارَكَةِ المُخاطَبينَ مَوقِفاً وَسَطاً:
لِنَسلُكِ الطَّريقَ الوَسَط، مُتَجَنِّبينَ التَّطَرُّف،
حينَها سَنُحافِظُ عَلى الاعتِدال.
وقَبلَ كُلِّ شَيء، لِنَحذَرْ أن نَكونَ جامِدينَ أمامَ الآلام،
ولْنَحذَرْ كَذَلِكَ أن نَستَسلِمَ لَها بِسُهولَة،
بَلْ إذا ما أظهَرْنا بَشَرِيَّتَنا بِتَنَهُّداتِنا،
فَلْنُظْهِرْ مَسيحيَّتَنا عَلى الأقَلِّ بِتَلطيفِ
هُمومِنا وأحزانِنا [...]
(«رسالة إلى ليونيل فوشيه»)
يَتَجَلَّى هُنا أنَّهُ يَتِمُّ رَفضُ الرِّواقِيَّةِ جُزئيّاً لِصالِحِ إعلاءِ شَأنِ الحَماسَةِ الدّينيَّة. غَيرَ أنَّ هَذا الخِطابَ المُتَوازِنَ لَن يَدومَ حَتَّى نِهايَةِ الدّيوان. فَهَذِهِ المُفاوَضَةُ (وهيَ في حَقيقَتِها مُساوَمَةٌ أيديولوجيَّةٌ بَحتَة) هِيَ السِّمةُ المُمَيِّزَةُ لاستِخدامِ ضَمير «نَحنُ»: فالمُتَكَلِّمُ يَطرَحُ بادِئَ ذي بَدءٍ نَسَقاً قِيَميّاً يَتَشارَكُهُ مَعَ مُخاطَبِه، لِيَنبَريَ بَعدَ ذَلِكَ - تَحتَ سِتارِ الخِطابِ الجَماعيّ - لِلدِّفاعِ عَن أكثَرِ مَواقِفِ الدّيوانِ تَطَرُّفاً، أي تَمجيدِ المَوتِ وتَبخيسِ الحَياة. فَبَعدَ أن يَقتَحِمَ الدَّائِرَةَ الأخلاقِيَّةَ لِمُخاطَبيهِ ويُرسِيَ دَعائِمَ «الحِوار»، يَشْرَعُ بِشَراسَةٍ في هَدمِ تِلكَ اليَقينيَّات، ضارِباً بِالمَبادِئِ الَّتي سَبَقَ أن أشادَ بِها عَرْضَ الحائِط:
وا حَسرَتاهُ! ما الَّذي تَنفَعُنا بِهِ عُقولُنا الفَذَّة
الَّتي تُدرِكُ في السَّماواتِ العُلى ذَلِكَ التَّناغُمَ البَديع،
والأفلاكَ الدَّوَّارَةَ في قُبَّتِها اللَّامُتَناهِيَة؟
(«مُناجاة للرّب»)
يَكشِفُ هَذا الخِطابُ عَنِ انحِيازٍ ضِدَّ «كِبرياءِ» المُفَكِّرينَ الإنسانيّين، مُتَّبِعاً بِذَلِكَ التَّوَجُّهَ السَّائِدَ لَدى السُّلُطاتِ الدّينيَّةِ الكاثوليكيَّةِ الَّتي كانَتْ تَرى في «الإيمانِ بِالإنسانِ تَجديفاً».
ولَكِن، مَن يَكونُ هَذا الـ«أنا» الَّذي يَنتهي بِهِ المَطافُ دائِماً إلى الدَّعوَةِ لِقِيَمِ «ازدِراءِ الدُّنيا» رَغمَ كُلِّ حِيَلِهِ الحِجاجِيَّة؟ إنَّهُ أبعَدُ ما يَكونُ عَن تِلكَ الـ«أنا» عِندَ مونتين الَّتي تُعَدُّ «واسِطَةً لِمَعرِفَةِ العالَم». بَل هُوَ في الحَقيقَةِ «ذاتيَّةٌ مُعْرَضَةٌ» وُضِعَت في خِدمَةِ البَيانِ والضَّربِ بِالمَثَل.
لَقَدِ اعتُبِرَ هَذا الضَّميرُ «أنا» حَتَّى اليَومِ إحالَةً مُباشَرَةً إلى شَخصِ جان باتيست شاسينييه. بَيْدَ أنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّ النَّماذِجَ العَديدَةَ الَّتي استَثمَرَها المُؤَلِّف، دينِيَّةً كانَت أو سِواها، تُسْهِمُ في بِناءِ «شَخصِيَّةٍ» (persona) أدَبِيَّةٍ مَحضَة، ولَيسَ في التَّعبيرِ عَن ذاتٍ أصيلَةٍ أو فَنَّانَة: إذْ يَبدو أنَّنا قَد تَنَاسَينا أنَّ تَفَرُّدَ الشَّاعِرِ في عَصرِ النَّهضَةِ يَستَمِدُّ جُذورَهُ مِن «أنا مَصنوعَة»، وهيَ ضَربٌ مِن «الاستِعراضِ البَلاغِيِّ لِلذَّات».
وهَذا «الاستِعراضُ» يَرْتَبِطُ تَحديداً في ديوانِ «ازدِراء الحَياة» بِاستِخدامِ «الأُنموذَج» (أو المَثَلِ العِظِيّ) في الخُطبَةِ الدّينيَّة. وقَد قامَ المُؤَلِّفُ بِمُضاعَفَةِ وِجهَةِ النَّظَرِ للإحاطَةِ بِتَعَدُّدِيَّةِ العالَمِ وتَحَرُّكاتِهِ المُتَنَوِّعَة، انطِلاقاً مِن إحدى رَكائِزِ البارُوك: حَيثُ تَستَجيبُ هَذِهِ التَّركيبَةُ مُباشَرَةً لِمَبادِئِ التَّنَوُّعِ والزَّخرَفَةِ والبَحثِ الفَنِّيِّ القادِرِ عَلى إثارَةِ الإيمانِ والعاطِفَة.
وعَلى غِرارِ السَّرد، وبَعدَ تَمَوُّجاتٍ وتَنَوُّعاتٍ شَتَّى، يَنتهي المَطافُ بِـ«أنا» الخاطِئِ إلى الاعتِناقِ الرُّوحيِّ لِـ«حَقائِقِ» وأوامِرِ المُتَكَلِّمِ الرَّئيس، واضِعاً رَجاءَهُ في الرّب وَحدَه. وهَكَذا يُصاغُ خِطابُهُ في هَيئَةِ صَلاة. ويَبلُغُ الدّيوانُ خاتِمَتَهُ بِـ«مُناجاة للرب العَلِيِّ القَدير»، حَيثُ يَنجَحُ شاسينييه في الجَمعِ بَينَ نَموذَجٍ دينِيٍّ ونَموذَجٍ لِشَخصيَّةٍ شِعريَّة، مُبَرِّراً بِذَلِكَ الطَّابَعَ القاتِمَ لِلشَّاعِرِ السَّوداويِّ والمُتَوَحِّدِ بِضَرورَةِ البَقاءِ بِمَعزِلٍ عَنِ الدُّنيا:
أجَل، إنَّهُ شاسينييه الَّذي كانَ يوماً عاشِقاً مُتَيَّماً،
والَّذي كانَ يوماً قَريباً مِنَ الدُّنيا بَعيداً عَنِ الفِردَوس،
لا يَزالُ يَحيا في الدُّنيا وهُوَ عَنها عازِفٌ.
فَلَيسَ بِمُحَرَّمٍ عَلى الخاطِئِ أن يُضْمِرَ
تَحتَ وَجهٍ بَشوشٍ تَوبَةً نَصوحاً،
فَالنَّدَمُ الحَقُّ يُخفي نَفسَهُ في قَرارَةِ القَلب.
يُخبِرُنا شاسينييه في «مُقَدِّمَتِه» أنَّ «نَسائِجَ» عَمَلِهِ «سيّئَةُ الوَصلِ والالتحامِ حَتَّى لَتَبدو فِيها الرَّوابِطُ كالعُروقِ والأعصابِ والعِظامِ في جَسَدٍ هَزيلٍ شاحِبٍ ونَحيل». وأمامَ هَذا الرَّأيِ المُتواضِعِ الَّذي يُبديهِ في عَمَلِه، يَسَعُنا أن نَرُدَّ عَليهِ بِيُسرٍ قائِلينَ إنَّهُ بِفَضلِ الاستِراتيجيَّاتِ الخِطابيَّةِ المُتَنَوِّعَةِ الَّتي أرسى دَعائِمَها، لَقَد أضفَى عَلى ديوانِهِ «ازدِراء الحَياة» قُوَّةً إقناعيَّةً لا تُضاهَى، وكانَ ذَلِكَ صَنيعاً حَتْميّاً؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ أن يُصادِفَ كِتابَهُ عَقْلٌ حُرٌّ يَرُدُّ عَليهِ بِمَقولَةِ مونتين: «إنَّ كُلَّ آراءِ العالَمِ تَتَّفِقُ عَلى أنَّ المَتعَةَ هِيَ غايَتُنا [...] ولَولا ذَلِكَ، لَطُرِدَتْ هَذِهِ الآراءُ مُنذُ البِدايَة، فَمَن ذا الَّذي سَيُصغي لِمَن يَجعَلُ مِن شَقائِنا وتَعَبِنا غايَةً لَه؟»
