قِصَّةٌ نَقُصُّها على أنفُسِنا

ظَهَر مُصطلَح «حَبسة الكاتب» مطبوعاً أوَّلَ مرَّةٍ عامَ ألفٍ وتِسعمائةٍ وسَبعٍ وأربعين؛ إذ استَعمَلَه مُحلِّلٌ نفسيّ يُدعى إدموند بيرغلر في مَقالةٍ عِلميَّة، ثمَّ أشبَعَه بياناً وتفصيلاً عامَ ألفٍ وتِسعمائةٍ وخَمسينَ في كتابٍ لَه وُسِمَ بِـ«الكاتِب والتحليل النَّفسي». وكانَ بيرغلر مُحلِّلاً من أهلِ فيينا فرَّ من نازلةِ النَّازيِّين واستقرَّ بهِ المَقامُ في نيويورك، مُتَّخِذاً عيادةً لِعِلاج ذَوي الإبداع. وقد أجمَعَتِ الألسُن على أنَّه كانَ رَجُلاً وعِرَ المَراس، مُتعصِّباً لرأيه، شَديدَ المِحَال، مُوقِناً بأنَّه سَبَر غَورَ العَقل المُبدِع، وأنَّ كُلَّ مَن خالَفَه الرَّأيَ واقعٌ في الإنكار. ويَفتَتِح كتابَه بِفَصلٍ عُنوانه «الكاتِب والطبيب النَّفسيّ»، وما إن يَبلُغ الصَّفحةَ الأربَعين حتّى يَشرَع في تَشخيص العِلَّة التي غَدَت لاحقاً عُنواناً لبُؤس المُبدِعين طَوالَ قَرنٍ منَ الزَّمان. ويَزعُم بيرغلر أنَّ الكاتِبَ المَحبوسَ يُعاني مازوخيَّةً كامِنةً في اللاوعي؛ إذ ارتدَّ عُدوانُه على نَفسِه، فحَرَمَها لَذَّةَ الإبداع الفَمَويَّةَ لأنَّ أناه العُليا الصَّارِمةَ أوهمَته أنَّه لا يستَحِقُّ القُوت. فالكتابةُ عنده ضربٌ منَ الاغتِذاء، والإمساكُ عنها ضَربٌ من طَوى النَّفس والإضراب جوعاً في مُواجَهَة الذَّات.

وهيَ استِعارةٌ غريبةٌ ومَخصوصة، وهيَ في ميزان التاريخ مُحدَثَةٌ لَم يَسبِق إليها سابق.

ولم يَعرِفِ النَّاسُ قبلَ بيرغلر ما يُسمَّى حَبسةَ الكاتِب، وما كانَ ذلكَ لِخُلوِّهِم من كَبَد الكتابة؛ فقد كابَدوا مَشاقَّها دَهراً، وشَكَوا عَنَتَها، وانسَجُوا حَولَها الأساطير. غيرَ أنَّهُم لم يَرَوا في كَبَدِهِم ذلكَ عِلَّةً نفسِيَّةً قائمةً بذاتِها، لها اسمٌ وسَبَبٌ ودَواء، وإنَّما فَسَّروها بوجوهٍ أُخرى؛ كعَجز العَزيمة، وضَعف اليَقين، وغَشيَة السوداء، ونُضوب القريحة، أو قَضاءٍ نازلٍ منَ السماء. ولَئِن تَشابَهَ وَقعُ التَّجرِبة في الأبدان من بياض الصَّفحة وتَوقُّف القَلَم وتَصاعُد الفَزَع، فإنَّ الإطارَ المُحيطَ بها كانَ مُختَلِفاً؛ وللإطار شَأنٌ عظيمٌ في تَعيين حقيقة الشَّيء.

والقَولُ بأنَّ حَبسةَ الكاتِب صِناعةٌ تاريخيَّةٌ لا ينفي حقيقتَها؛ فالنَّقدُ صِناعةٌ تاريخيَّة، والحُبُّ الرومانسيُّ بصورتِه المعهودة صِناعةٌ تاريخيَّة، وهذهِ الأُمورُ تَصوغ الحَياة، وتَفري القُلوب، وتُقيم بُنيانَ المُجتَمَعات. فوَصفُ الشيء بأنَّه مُختَلَقٌ لا يَعني اطِّراحَه، وإنَّما هو سُؤالٌ عن زمان نَشأتِه وعلَّتِها وثَمَنِها، وسُؤالٌ كذلكَ عمَّا إذا كانَ في وُسعِنا تَصوُّرُه على صُورةٍ أُخرى.

كَتَب صامويل جونسون في خَمسينيات القَرن الثامنَ عَشَر عن عَسارة الكتابة بصراحةٍ نادرة؛ وكانَ خبيراً بجلوس الكاتِب أمامَ صَفحةٍ بيضاءَ لا يَرِده فيها خاطِر. ففي مَقالةٍ لَه في صحيفة «الرَّامبلر» (المتجول) يَصِف الكاتِبَ الذي «طالَ كفاحُه لإبراز فكرةٍ رَصينةٍ إلى الوجود»، فلا يَجِد إلّا «خُمولاً في الذِّهن» و«تَعطُّلاً تاماً لقُوى الخيال». وهوَ وَصفٌ دقيقٌ مَعهود. فماذا سمَّى جونسون هذهِ الحالة؟ سمَّاها «جَدباً»، وسَمَّاها في مَواضِعَ أُخرى «عُقماً»، كما وَصَفَها ذمّاً بأنَّها «بَطالة»، وعدَّها نقيصةً أخلاقيَّةً وقُصوراً في الهِمَّة وجَبَ دَفعُه بدَوام الكَدِّ ومشقة العَمَل. ويقول في ذلك: «إنَّ شِفاءَ جُلِّ مَصائب البشَر يُلتَمَس في الكَدِّ والمشقة، لا في الدَّعَة».

والبَونُ بينَ «الجَدب» و«الحَبسة» يُجاوز حُدودَ اللَّفظ؛ فالجَدبُ استِعارةٌ زراعيَّة؛ إذ تُوصَف الأرضُ بالجَدب حينَ تَخيب غَلَّتُها، ولذلكَ أسبابٌ شتَّى: من قُصور التُّربة، وسوء الأنواء، وإجهاد الأرض، وسَخَط الأقدار، غيرَ أنَّ الفَلّاحَ لا يُطالَب بالخُضوع للعِلاج النَّفسيِّ إزاءَ ذلك، وإنَّما يُرجى منه أن يحرُثَ أرضَه على وَجهٍ آخَر، أو يَدَعَها بُوراً ويَستودِعَها تعاقُبَ الفُصول، أو يَبذُرَ زرعاً غيرَه، أو يرضى بأنَّ الحصادَ قد يَخيب في بعض الأعوام، وتلكَ سنَّةُ الفِلاحة. وأمَّا «العُقم» فاستِعارةٌ بيولوجيَّةٌ تَحمِل أوزارَ الخِزي ومخاوفَ الجِنس، ومَنطِقُها دَوريٌّ كَفَلَك الزمان؛ فللأبدان فُصول، وللإبداع فُصول، والكاتِبُ الذي يَعجَز عن الكتابة اليومَ قد يَكتُب غداً، أو في الشَّهر المُقبِل، أو في العام القادِم. فالحالةُ عارِضةٌ طبيعيَّةٌ لا غموضَ فيها، ولا تَفتَقِر إلى خبيرٍ يُشخِّصُها.

والتَّحوُّلُ منَ «الجَدب» إلى «الحَبسة» انتقالٌ من فَهمٍ دَوريٍّ زراعيٍّ أخلاقيٍّ لعَسارة الإبداع إلى فَهمٍ هيدروليكيٍّ ميكانيكيٍّ نفسيّ؛ فالحَبسةُ انسدادٌ في أُنبوبٍ يَقطَع الجَرَيان، وهيَ عائقٌ في نِظامٍ حَقُّه التدَفُّقُ الحُرُّ السَّلِس. ومُقتَضى ذلكَ أنَّ الإبداعَ مادَّةٌ مُتَّصِلةُ الجَرَيان بالطَّبع - كَالماء والزيت والشبَق (الليبيِدو) - وأنَّ الصِّحَّةَ تَكمُن في إبقاء المَجاري سالِكة. وهذهِ فكرةٌ مُحدَثَةٌ لم تَكُن لِتَسقُطَ بموقع الفَهم عندَ جونسون؛ إذ لم يَكُنِ العَقلُ عندَه أُنبوباً، ولا الكتابةُ مائعاً يَسيل.

وللإستِعارة شأنٌ خطيرٌ في تَوجيه أفعالِنا حينَ تَعصى علينا الكتابة؛ فمَن حَسِب نفسَه أشهَبَ مُجدِباً انتَظَر أو دعا أو غيَّرَ عاداتِه أو رَضِيَ بِحُكم الفَصل، ومَن ظَنَّ نفسَه مَحبوسَ المَجرى استدعى السَّبَّاك.

ولقد وَفَد السَّبَّاكونَ في القَرن العشرينَ مُرتَدِينَ مَعاطِفَ التحليل النَّفسيِّ البيضاء. ولم يَكُن بيرغلر بدعاً في هذا؛ إذ نشأت أدبيَّاتٌ بأسرِها، ولا سيَّما في أمريكا، تَربِط عثراتِ الكُتّاب بالبُنى العميقة للاوعي. فالَفنَّانُ في هذهِ الأدبيَّات عُصابيٌّ من طِرازٍ خاصّ، وإبداعُه إعلاءٌ لدوافعَ طُفوليَّة وعجزُه عنِ الإبداع إخفاقٌ في الإعلاء، وعَودةٌ للمَكبوت، وعَرَضٌ عُصابيٌّ كغيره منَ الأعراض؛ وشِفاه في التحليل، ويغدو المُحلِّلُ قابلةً للنَّصِّ المَحبوس.

وكانَ هذا نَهجاً بَديعاً في تَناوُل عَسارة الإبداع؛ إذ تناوَلَ تَجرِبةً كانَ يُنظَر إليها قديماً على أنَّها عارِضٌ خارجيٌّ (كأن تَبخَلَ المُلهمة، أو يَسخَطَ الآلهة، أو يَشتدَّ الراعي في مَطالِبِه، أو تَكسُدَ السُّوق) أو نقيصةٌ أخلاقيَّةٌ (كالكَسَل، وضَعف الانضِباط، وقِلَّة الكَدّ)، فنَقَل مَوطِنَها إلى أغوار النَّفس لِتَغدوَ مُشكِلةَ صِراعٍ في اللاوعي. فالكاتِبُ الذي يَعجَز عنِ الكتابة لم يَعُد امرأً هَجَرته الآلهة، وإنَّما صارَ امرأً يَحمِل في باطِنِه سَخَطاً على أُمِّه وهوَ لا يَدري؛ فنُقِل مَوطِنُ الدَّاءِ منَ السَّماء إلى الجَوف، وحَلَّ المُعالِجُ مَحَلَّ الكاهِن.

وكانَ لهذا التَّوطين الدَّاخليِّ تَبعات؛ إحداها تحويلُ عَسارة الإبداع إلى مَرَضٍ يُداوى. فالأرضُ الجَدباءُ ليست مريضة، وإنَّما هيَ مُمسِكةٌ عنِ الإثمار في حِينِها، في حينَ أنَّ الأُنبوبَ المَسدودَ مُعطَّلٌ يَفتَقِر إلى إصلاح. والكاتِبُ الذي يُشرِب قلبُه هذا النَّموذجَ الهيدروليكيَّ يَبدأ في تَجرِبة مَواسِم بُورِه كأنَّها أعراضٌ مَرَضيَّة، فيَفحَص نفسَه فحصَ العليل؛ ولأنَّ الحَبسةَ ثاويةٌ في جَوفِه، قاطِنةٌ في مجاهل اللاوعي، فإنَّه يَقيص عن إصلاحِها بنَفسِه، ويَفتَقِر إلى الخبير. والخبيرُ بدَورِه يَفتَقِر إلى تَصنيفٍ تَشخيصيّ - «حَبسة الكاتِب» - يُسوِّغ بهِ تَدخُّلَه.

ومن تَبِعاتِه كذلكَ أنَّ النَّموذجَ الجديدَ صَيَّر الكتابةَ عَمَلاً يَنبَغي أن يَجريَ عَفواً بلا مَشَقَّة؛ فإن كانَ الإبداعُ يتدَفَّق بطَبعِه، فإنَّ الحالَ الفِطريَّةَ للكاتب هيَ الكتابة، والإمساكُ عنها شُذوذٌ وخروجٌ عن سَواء الصِّحَّة. ومِثلُ هذا مُفارِقٌ أشدَّ المَفارَقة للرُّؤى القديمة التي جَرَت على أنَّ الكتابةَ صَعبةُ المَرام، تَستدعي الكَدَّ والمشقة، وأنَّ الإلهامَ غيرُ مَأمون الجانب، يُلتمَس تودُّداً، أو يُستَجلَب قَسراً، أو يُنتَظَر صَبراً. وقد صاغَ الشُّعراءُ الرومانسيُّونَ من تقلُّب الإلهام مأساةً ذاتَ شَأن، كما سيأتي، غيرَ أنَّهُم لم يَعُدُّوا غيابَه مَرَضاً وعِلَّة، وإنَّما عدُّوه قَدَرَ الإنسانيَّة المَحتوم.

وإسهامُ الرومانسيَّة في نشأة «حَبسة الكاتِب» مُركَّبٌ ذو شُجُون؛ فالرومانسيُّونَ هُم من أورثُونا الفكرةَ القائلةَ بأنَّ الإبداعَ ينبَع من مَورِدٍ يَفوق الإرادةَ الواعِية: منَ الخيال، أو الطبيعة، أوِ الإلهيّ، أو الأنا العميقة. وتِلكَ الفكرةُ شَرطٌ مُسبَقٌ لنَشأة النَّموذج التحليليِّ اللاحق؛ إذ لا يُتَصوَّر انسدادُ الأُنبوب ما لم تُؤمِن أوَّلاً بوجود مَورِدٍ غامضٍ يَتدفَّق منه الماء. والرومانسيُّونَ أنفُسُهُم لم يتحدَّثوا عن حَبسةٍ تُصيبُهُم، وإنَّما تحدَّثوا عن إلهامٍ قَصَر عن زيارَتِهِم؛ والفرقُ بينَ الأمرين جليلٌ بَعيدُ الأثر.

ولنَنظُر في سيرة كولريدج، قِدِّيس الأعمال الناقصة؛ فجمِيعُ رسائِلِه ودَفاترِه طافِحةٌ باللَّوعة على قصائدَ استَعصى عليهِ إتمامُها، ومشاريعَ قَصَر عنِ ابتِدائها، وعُهودٍ عجزَ عن الوفاء بها. وقد انقَطَعَت قصيدتُه «قُوبلا خان» انقطاعاً شهيراً لأنَّ زائِراً من قريَة «بورلوك» قاطَعَه، فتبدَّدتِ الرُّؤيا. ويَعرض مُقدِّمةُ القصيدة هذا الحادثَ بوصفِه فاجعةً قَطعت حالةً مُقدَّسة؛ غيرَ أنَّ كولريدج لم يَقُل إنَّه أُصيبَ بحَبسة، وإنَّما قالَ إنَّه قُطِع عليهِ أمرُه، ففرَّتِ الرُّؤيا ولم يَستَطِع لها استرداداً. فالفاعلُ عندَه خارجٌ عن ذاتِه، والرُّؤيا تَجيء إذا شاءَت وتَذهب إذا شاءَت، وما على الشاعر إلّا أن يكونَ مُتأهِّباً جديراً مُتلقِّياً، دونَ أن يملِكَ زِمامَ مَجيئِها.

وهذهِ لاهوتيَّةٌ للإلهام، لا سيكولوجيَّةٌ للكَبح؛ ولها أُصولٌ ضاربةٌ في التَّصوُّرات القديمة عن رَبَّات الفُنون والمُلهمات، وفي عَقيدة أفلاطونَ في الجُنون الإلهيّ، وفي التقليد المَسيحيِّ العريق الذي يرى النُّبوءةَ والشِّعرَ هِباتٍ تتنزَّل من عالمٍ آخَر. فالكاتبُ وعاء، والوعاءُ لا يملأ نَفسَه، وإذا خَلا فليسَ ذلكَ بعَطَبٍ فيه، وإنَّما تلكَ حالتُه العادية، والامتلاءُ هوَ المُعجِزة.

وكانَ التَّحوُّلُ الرومانسيُّ أن نَقَل مَورِدَ الإلهام من خارج الذَّات إلى أغوارٍ سحيقةٍ في داخلِها - إلى الخيال، أوِ اللاوعي قبلَ صياغَة مُصطَلَحِه - من غيرِ أن يَمنَح العَقلَ الواعيَ أيَّ سُلطانٍ إضافيٍّ عليه. فالكاتِبُ الرومانسيُّ ما زالَ وعاءً، غيرَ أنَّ الإلهيَّ استُبدِلَت بهِ الأعماق؛ والأعماقُ عصيَّةٌ على التَّوقُّع كالإلهيِّ سواءً بسواء، تُعطي وتَمنَع وفقَ مَنطِقِها الخاصّ. والكاتِبُ يترقَّب، وترقُّبُه قد يَكون مُبرِحاً، غيرَ أنَّه في ذاتِه ليسَ باعتِلال.

والذي جَدَّ في القَرن العشرينَ أنَّ ذلكَ التَّرقُّبَ غدا أمراً مَرفوضاً لا يُطاق؛ إذ طالَبَتِ الثقافةُ العِلاجيَّة، وما رافَقَها من ثقافةٍ تِجاريَّة، بالإنتاجية الدائِمَة. فلم يَعُدِ الكاتِبُ وعاءً، وإنَّما صارَ عامِلاً، والعامِلُ الذي يَعجَز عنِ العَمَل مُشكِلةٌ تَستدعي حَلّاً. وتحوَّل اللِّسانُ من لُغة الهِبة إلى لُغة المُخرَجات، ومنَ التَّرقُّب إلى الحَبسة، ومنَ السِّرِّ الغامض إلى الميكانيكا وآلاتِها. والشَّخصيَّةُ التي بَرَزَت لإدارة هذا التَّحوُّل هيَ «خبيرُ الإبداع» - وهوَ مَزيجٌ من مُعالِجٍ ومُدرِّبٍ ومُقاوِلٍ - يَعد بفتح ما انسَدَّ وتَسليك ما احتبَس.

وخبيرُ الإبداع نَمَطٌ وليدُ القَرن العشرين، وصعودُه يُوازِن صعودَ «حَبسة الكاتِب» مَفهوماً رائجاً في النَّاس. ففي سَبعينيات القَرن العشرينَ وثَمانينياتِه ظَهَر صَفٌّ منَ الكُتُب بِعَناوينَ مِثل: «حَبسة الكاتب»، و«كَسر الحَبسة»، و«إطلاق إبداعِك»؛ تَستَمِدُّ مَواضِعَها منَ التحليل النَّفسيّ، ومن عِلم النَّفس الإنسانيّ، وحركة الإمكانات البشريَّة، وبرامج التعافي ذوات الخطوات الاثنتي عَشرة، ومُمارَسات التأمُّل الشَّرقيَّةِ مَسلُوخةً من سياقاتِها. وقد خَلَطَت هذهِ الكُتُبُ لُغةَ العيادات بلُغة التَّنمية الذاتيَّة بِضَربٍ منَ الروحانيَّة التِّجاريَّة، ورسالَتُها أنَّ الإبداعَ حَقٌّ موروثٌ لك، وأنَّ الحَبسةَ عَدُوٌّ مُبين، وأنَّ ذلكَ العَدُوَّ مَقهورٌ لا مَحالةَ متى استُعمِلَتِ التقنياتُ الصائبة.

وقراءةُ هذهِ الأدبيَّات اليومَ تُثير العَجَب، لِما فيها من تفاؤلٍ لا يَفتُر، ولِما تَغفُل عنهُ وتَطَّرِحُه؛ فهيَ قلَّما تَسأل عمَّا إذا كانَ ما يُحاوِل الكاتِبُ تَسطيرَه جيِّداً ذا قيمة، وقلَّما يَخطُر لها أنَّ الحَبسةَ قد تَكون ضَرباً منَ الفِطنة والذَّكاء - أيِ امتناعاً عن إخراج الغَثّ، وإشارةً إلى أنَّ في العَمَل زيفاً. فالحَبسةُ في هذهِ الأدبيَّات هيَ الدَّاءُ دائماً، وليست قَطُّ رسولاً يُنذِر، والغايةُ عندها أن تَعودَ الكلماتُ إلى التَّدَفُّق، كائنةً ما كانت تلكَ الكلمات.

ولستُ أقول إنَّ التَّجرِبةَ التي تَصِفُها هذهِ الكُتُبُ وَهمٌ باطِل؛ فالنَّاسُ يتألَّمون، يَجلِسونَ إلى مكاتِبِهِم وتَضيق صُدورُهُم، وتَخلو أذهانُهُم، ويَعجَزونَ عن إتيان العَمَل الذي يَمنَح حياتَهُم مَعنىً، أو يَدفع عنهُم أجْرَةَ مَساكِنِهِم، أو يَجمَع الأمرين معاً. وتِلكَ مُعاناةٌ صادقةٌ حقّاً. غيرَ أنَّ الصُّورةَ التي تتَّخِذُها - في تَسميَتِها، ورِوايَتِها، ومُعالَجَتِها - وليدةُ ثقافةٍ مُعيَّنة؛ فالراهِبُ في القرون الوُسطى لو أصابَه مِثلُ هذا الشَّلَل لَرَآه «أَسِيدْيا» (سأماً روحياً) وشيطانَ ظَهيرةٍ، ووحدشةً روحيَّةً تُجاهَد بالصَّلاة والصَّبر. وكاتِبُ المَقالة في القَرن الثامِنَ عَشَر كانَ سيَراه خُمولاً وتَوانياً، وضَعفاً أخلاقيّاً يُحارَب بالانضِباط وتَوبيخ النَّفس. والشاعرُ الرومانسيُّ كانَ سيَراه انقِباضاً للمُلهمة، وسِرّاً يُصبَر عليه. وأمَّا نَحنُ فنَراه حَبسةً وعَطَباً ميكانيكياً يَجب إصلاحُه. ولكُلِّ إطارٍ سَلواتُه الخاصةُ وقَسوتُه.

وقَسوةُ نَموذج الحَبسة تَكمُن في أنَّه يَجعَل العَسارةَ فرديَّةً خاصةً بالشَّخص، والحالُ أنَّ لها أبعاداً اجتماعيَّةً وماديَّةً على الدَّوام؛ فقَد أُدرِكَت «أسيديا» الراهِب على أنَّها هَجمةٌ شيطانيَّةٌ خارجيَّةٌ مُشترَكةٌ تُصيب البَشَرَ في عالمٍ ساقِط. وأُدرِك خُمولُ كاتِب المَقالة في سياقٍ من رِعاية الكُبَراء وضَغطة الحاجة الماليَّة. وانقِطاعُ إلهام الشاعر الرومانسيِّ كانَ فصلاً من دراما كَونيَّةٍ بينَ الذات واللانهائيّ. وأمَّا الكاتِبُ المَحبوسُ فمُفرَدٌ معَ نفسِه، والعِلَّةُ ثاويةٌ في جَوفِه؛ وتَغيب عنِ الأنظار تلكَ الهيئةُ الاجتماعيَّةُ التي تُعسِّر الكتابة: منَ السُّوق، والمؤسَّسة الأكاديميَّة، وتَقَلُّص أمد الانتباه، والقَلَق المَعيشيّ. فَتَغدو الحَبسةُ بَلوى خاصَّة، ويَغدو شِفاؤُها استهلاكاً خاصّاً: اشتَرِ الكتاب، والتحِق بالدورة التدريبيَّة، واستَأجِرِ المُدرِّب، وأصلِح نفسَك.

وتِلكَ، من جُملة أُمور، وسيلةٌ بالغةُ النَّجاح لِتَرويج السِّلَع والبضائع للملهوفين.

وأُريدُ أن أَقِفَ هاهُنا لِأَسألَ عمَّا يَسقُط من حساب هذهِ الأُطُر كُلِّها، قديمِها ومُحدَثِها؛ فإنَّ شيئاً ما يَسقُط حتماً. فنَموذجُ الجَدب، ونَموذجُ العُقم، ونَموذجُ الأسيديا، ونَموذجُ الخُمول، ونَموذجُ انقِباض الإلهام، ونَموذجُ الحَبسة - كُلُّها تَفتَرِض أنَّ الكاتِبَ يُريدُ الكتابةَ وتعوقه عنها قوَّةٌ عائقة. فماذا لو أنَّ الكاتِبَ لا يُريد الكتابة؟ وماذا لو أنَّ التَّوقُّفَ ليسَ انسداداً وإنَّما هوَ رَفضٌ وعِصيانٌ ومُخالَفة؟ وماذا لو أنَّ البِئرَ لم تَنضَب وإنَّما سُدَّت عَمداً؟

وللتحليل النَّفسيِّ مُصطلَحٌ يَفِي بهذا المَعنى، وإن كانَ قلَّما يُعمِلُه في حقِّ الكُتّاب؛ وذلكَ المُصطلَحُ هوَ «الرَّدُّ العِلاجيُّ السَّلبيّ»؛ حيثُ يتماثَل المريضُ للشيء منَ الشِّفاء ثمَّ يَنتَكِس فجأةً لِسَبَبٍ غامض. يَعرِض المُحلِّلُ تأويلَه، فيَقبَلُه المريض، ثمَّ تشتَدُّ أعراضُه وتتفاقَم. وقد وَجَد فرويد في هذا أمراً مُحيِّراً ومُؤرِّقاً، ثمَّ جاءَ مُحلِّلونَ مُتأخِّرون - ولا سيَّما المُتأثِّرينَ بنظريَّة علاقات المَوضوع - ففَهِموه على أنَّه رسالةٌ وتَبليغ؛ فالمرِيضُ لسانُ حالِه يقول: لن أتعافى وفقَ هذهِ الشُّروط، ولن أتعاوَنَ مع سيرورةٍ لا تُبصِرُني. فالانتكاسةُ احتجاج.

أَفَلا يَجوز أن تَكونَ حَبسةُ الكاتِب أحياناً ردّاً عِلاجياً سلبياً على شروط الكتابة ذاتِها؟ ورَفْضاً للإنتاج في ظروفٍ استغلاليَّة، أو كاذبة، أو قاتِلةٍ للروح؟ وإضراباً صامتاً؟ فإن كانَ الأمرُ كذلك، لم تَكُنِ الحَبسةُ هيَ الدَّاء، وإنَّما هيَ الردُّ العاقِلُ الوحيدُ على حالةٍ يَعزُب عنها العَقل. ولا يَكون الشِّفاءُ حينئذٍ بفتح حَبسة الكاتِب، وإنَّما بتَغيير الشُّروط.

وهذا خاطِرٌ لا تَجِد لَه ذِكراً في كُتُب التَّنمية الذاتيَّة ومَعونة النَّفس؛ لأنَّه شَديدُ التَّسيِيس، شَديدُ الإزعاج، عَسيرٌ تحويلُه إلى مالٍ ومَكسَب. غيرَ أنَّه يَلوح مُوارَباً في شهادات الكُتّاب الذينَ هَجَروا الكتابة، أو انقَطَعوا عنها أعواماً ثمَّ عادوا، أو لم يُخرِجوا أجوَدَ أعمالِهِم إلّا بعدَ أن اطَّرَحوا القَوالبَ والتَّوقُّعات التي كانت تَحبِسُهُم في مَبدَأ الأمر. فتَبيَّنَ في هذهِ السِّيَر أنَّ الحَبسةَ كانت ضَرباً منَ المَعرفة؛ إذ عَلِمَ الجَسَدُ قبلَ العَقل أنَّ العَمَلَ سائِرٌ في وِجهةٍ زائفة؛ فكانَ التَّوقُّفُ إشارةً وتَنبيهاً، لا إخفاقاً وقُصوراً.

ولنَعْرِض بعضَ التواريخ عِياناً؛ فقد دَخَل مُصطلَحُ «حَبسة الكاتِب» قاموسَ أكسفورد للغة الإنجليزيَّة بأوَّل شاهدٍ من عام ألفٍ وتِسعمائةٍ وخمسين. غيرَ أنَّ البحثَ في الكُتُب الإنجليزيَّة المرقمنة يُظهِر أنَّ المُصطلَحَ بَدأَ يَظهَر مُتفرِّقاً منذُ أواخر أربَعينيات القَرن العشرين، وكانَ ذلكَ في سياقاتٍ تحليليَّةٍ نفسيةٍ في غالِب الأمر. وبحُلول الستينيات شاعَ في الصحافة الأدبيَّة، وبحُلول السبعينيات غدا مَألوفاً حتّى تصدَّرَ عناوينَ الصُّحُف، وبحُلول الثمانينيات صارَ كليشيه مَبتَذَلاً، وهوَ اليومَ مُتأصِّلٌ في الأذهان حتَّى ليَعسُرَ تَصوُّرُ زمانٍ خلا مِنه.

وهذا التَّسلسُلُ الزمنيُّ كاشفٌ دالّ؛ فقد بَرَز المفهومُ في الإبان الذي تسارَعَت فيهِ مِهنيَّةُ الكتابة واحترافُها - من صعود برامج الماجستير في الفنون الجميلة، وتَوسُّع صناعة النَّشر، وتحوُّل الكاتب إلى علامةٍ تِجاريَّة. وبَرَز كذلكَ في ظلِّ فرويدَ المَديد، في حِقبةٍ تعلَّمَت فيها الطبقةُ الوُسطى المُتعمِّمةُ أن تُؤوِّلَ كُلَّ عَسارةٍ على أنَّها عَرَضٌ نفسيّ. وبَرَز في أمريكا؛ وهيَ ثقافةٌ ذاتُ عَلاقةٍ شديدة الوَطأة بالإنتاجيَّة، وتحسين الذات، والاعتقاد بأنَّ كُلَّ مُشكِلةٍ مَقدورٌ على حَلِّها متى استُعمِلَتِ التقنيةُ الصائبة.

ثمَّ ارتحَل المفهومُ وسارَ مسيرَ الشَّمس، وغدا عالمياً يَظهَر في لغاتٍ وثقافاتٍ أدبيَّةٍ تفتَقِر إلى لَفظٍ يُرادِفُه؛ فالكُتّابُ اليابانيُّونَ يتحدَّثونَ عن « raitaazu burokku»، وهوَ اقتراضٌ لفظيٌّ مباشرٌ من الإنجليزية. ويَستعمِل الكُتّابُ الفرنسيونَ عبارةَ «مَتلازِمة الصَّفحة البيضاء»، وهيَ استعارةٌ تُخالِفُها قليلاً غيرَ أنَّها قريبةُ النَّسَب منها. وما انتشارُ هذا المفهوم في الآفاق إلّا مِقياسٌ لشيوع نَموذجٍ بعينِه لِماهيَّة الكتابة وما يَعنيه إخفاقُها.

وهذا النَّموذجُ لا مَحتَمَ لَه ولا حَتميَّة؛ فقد فَهِمتِ الثقافاتُ الأُخرى عَسارةَ الإبداع بوجوهٍ مُغايرةٍ تمامَ المُغايرة؛ فشُعراءُ الصين الكلاسيكيُّونَ كتبوا عنِ مكابدة العثور على اللَّفظة الصائبة، غيرَ أنَّهُم رأوا ذلكَ مُشكِلةَ دُربةٍ ومِراس، لا انسداداً نفسياً. وكَتَب الشاعرُ الفارسيُّ حافظُ الشيرازي عن صَمت الإلهام بوصفِه ابتلاءً روحياً، وليلةً مُظلِمةً للروح. وتَستوعِب تقاليدُ «الغرِيو» في غَرب أفريقيا صَوتَ الشاعر بوصفِه هِبةً منَ الأسلاف، وتَرى فِقدانَه انقطاعاً للنسب، وهيَ معضِلةٌ تُعالَج بالطقوس واجتماع العشيرة، لا بالعِلاج النَّفسيِّ الفرديّ. وليست هذهِ مُجرَّدَ ألفاظٍ مُختلِفةٍ لمُسمَّىً واحد، وإنَّما هيَ تَجارِبُ مُتباينةٌ صاغَتها أُطُرٌ مُختلِفة.

وما كانَ الإطارُ يوماً مُحايداً؛ فالاسمُ الذي تُسبِغُه على مُعانَاتِك يُغيِّر حقيقةَ المُعاناة؛ سَمِّها «أسيديا» تَكُن في جهادٍ روحيٍّ قد يُدنِيكَ منَ الرّب، وسَمِّها خُمولاً تَكُن في جهادٍ أخلاقيٍّ قد يُقوِّم خُلُقَك، وسَمِّها حَبسةَ كاتبٍ تَكُن في جهادٍ نفسيّ قد يَفتقِر إلى مُختَصّ، وسَمِّها إضراباً تَكُن في جهادٍ سياسيٍّ قد يَفتقِر إلى التضامُن. وكُلُّ اسمٍ يَفتَح آفاقاً ويَسُدُّ أُخرى؛ وقد فَتَح الاسمُ الحديثُ بابَ العِلاج، وسَدَّ بابَ المَعنى.

فماذا يَعني استردادُ صِلةٍ ما قبلَ حديثةٍ بعَسارة الإبداع؟ ليسَ المُرادُ تمجيدَ الماضي وإضفاءَ الرومانسيَّة عليه - فالأعصارُ السالفةُ لم تَكُن أرفَقَ بالكُتّاب، وتَفصيلاتُها قد تكون بالغةَ القَسوة؛ وما كانَ واعِظُ القَرن الثامِنَ عَشَر الذي وصَفَكَ بالبَطالة وأمرَكَ بمزيدٍ منَ الكَدِّ يُقدِّم إطاراً أرحَمَ من مُحلِّل القَرن العشرينَ الذي وصَفَكَ بالمَحبوس وأمرَكَ بالتداعي الحُرّ. غيرَ أنَّ الأُطُرَ السالفةَ أتاحت على الأقَلِّ أن تَكونَ العَسارةُ ذاتَ مَعنى، وأن يَكونَ التَّوقُّفُ نذيرَ شيءٍ ومُبَلِّغَه، وأن يَكونَ مَوسِمُ الجَدب جُزءاً من دَورةٍ أوسَعَ تَشتَمِل على الحصاد.

ويَعسُر على الإطار الحديث أن يَسعَ هذا؛ إذ هوَ قَصيرُ النَّفَس، نفعيُّ الغاية، يُريد للكاتب أن يَكتُبَ السَّاعةَ وفوراً، ولا يمتلِك منَ الوَقت ما يَسأل بهِ إن كانَ التَّوقُّفُ حِكمة. ولذلكَ فإنَّه يَسُدُّ البابَ أمامَ احتمال أنَّ بعضَ الحَبَسات لا يَنبَغي كَسرُها - وأنَّ بعضَ الصَّمت يَجِب صَونُه، وأنَّ بعضَ الامتناع مَكرُمَةٌ وصِدق.

وليسَ هذا دِفاعاً عنِ الخُمول والقعود، وإنَّما هوَ دِفاعٌ عنِ البصيرة والفِطنة؛ فليسَ السُّؤالُ هل يَتألَّمُ الكُتّاب - فهم يتألَّمونَ حقّاً - وإنَّما السُّؤال: هل يُحاوِل الألمُ البَوحَ بشيءٍ يَقصُر النَّموذجُ الغالبُ عن سَماعِه؟ فإذا كُنتَ تُؤمِن بأنَّ الإبداعَ تَدَفُّقٌ مُتَّصِل، كانَ كُلُّ انقطاعٍ مُشكِلةً وعائقاً. وإذا كُنتَ تُؤمِن بأنَّ الإبداعَ ذو مَواسِم، أو حواريّ، أو جدَليّ، كانتِ الانقطاعاتُ جُزءاً من صَميم السيرورة، وكانَ بعضُها خَصيباً مُثمِراً. فالأرضُ المتروكةُ بُوراً ليست أرضاً مُعطَّلة، وإنَّما هيَ أرضٌ تستجمُّ وتستردُّ قواها، وتتأهَّب لِمحصولٍ آتٍ سيكون أوفَرَ عافيةً بفضل هذا الرُّكود.

وأمَّا الكاتِبُ الحديثُ فيُطالَب بدوام الإنتاج، وحِفظ الحُضور، وتَغذية المنصَّة؛ فإنَّ اقتصاديات الكتابة المُعاصِرة - من النَّشرة البريديَّة، وحساب التواصل الاجتماعي، والمطالبة التي لا تنقطِعُ بمُحتوىً جديد - تَجعَل مَوسِمَ البُور مُستحيلاً أو عَسيرَ الفَهم على الأقلّ. فإذا غِبتَ عنِ الأنظار نُسيت، وإذا توقَّفتَ عنِ الإنتاج فعدمُ إنتاجِكَ بَطالة؛ وفي هذا السياق يبدو كُلُّ توقُّفٍ وكأنَّه كارثة. وتَغدو الحَبسةُ حالةً نفسيَّةً وطارِئاً اقتصادياً في آنٍ واحد؛ ويُشدِّد الطارِئُ الاقتصاديُّ وطأةَ الطارِئ النفسيّ، فتزيد ضغطةُ الإنتاج من شِدَّة الحَبسة، وتزيد الحَبسةُ من حِدَّة الضَّغطة، في حلقةٍ مُفرَغةٍ لا قرارَ لها.

وليست هذهِ بحالةٍ عامَّةٍ تشمل البشَر، وإنَّما هيَ حالةُ طِرازٍ مُعيَّنٍ من الكُتّاب، في سوقٍ مُعيَّنة، في لحظةٍ تاريخيَّةٍ مخصوصة. غيرَ أنَّها تُعرَض علينا كأنَّها حقيقةٌ من حقائق الطبيعة، وآفَةٌ مَجذورةٌ في حياة المبدعين. ويُعين مُصطلَحُ «حَبسة الكاتِب» على إظهارِها بمظهر الطبيعة؛ إذ يحوِّل مأزِقاً تاريخياً مَخصوصاً إلى بَلوى إنسانيَّةٍ خالدة. وهوَ بفِعلِه ذلكَ يَطمِس احتمالَ أن يكونَ هذا المأزِقُ قابلاً للتَّغيير، أوِ الرَّفض، أو إعادة التَّصوُّر.

وإني لأَعودُ مراراً إلى بيرغلر؛ ففي وثوقيَّتِه التي يَختزِل بها لُغزَ الكتابة الوعِرَ والتَّوقُّفَ عنها في آليَّةٍ تحليليَّةٍ نفسيةٍ واحدة - هيَ المازوخيَّةُ الكامِنة في اللاوعي، والحرمانُ الفَمَويّ، والأنا العُليا الصارِمة - شيءٌ يُشبِه الهَزْلَ والمُلْحَة. غيرَ أنَّ لهذا الهَزْل حافَّةً مُظلِمة؛ فقد كانَ بيرغلر يُعالج كُتّاباً حقيقيينَ يكابدونَ ضيقاً صادقاً، ويَعرِض عليهِم قصَّةً عن أنفُسِهِم ربما كانت باطلةً من أساسِها. وأدهى من ذلكَ أنَّه كانَ يُدرِّب مُحلِّلينَ آخرينَ على تَلقين القِصَّة عينِها؛ فرَسَخَتِ القِصَّة، لا لأنَّها صادقة، وإنَّما لأنَّها نافعة: نافعةٌ للمُحلِّلينَ الذينَ افتَقَروا إلى صِنفٍ تَشخيصيّ، ونافعةٌ للكُتّاب الذينَ افتَقَروا إلى اسمٍ يُطلَق على مُعاناتِهِم، ونافعةٌ للصِّناعة التي افتَقَرَت إلى سِلعةٍ تبيعُها.

وما زالتِ القِصَّةُ قائمةً بينَنا؛ فقد خَلَعَت عنها رَطانةَ التحليل النَّفسي، ولَبِسَت ثياباً أيسَرَ وأخَفَّ كَثياب مُدرِّب الإبداع، ومُرشِد الإنتاجيَّة، والمُجمَّع الصناعيِّ لِمشورة الكتابة. غيرَ أنَّ المَنطِقَ الدفينَ واحدٌ لا يتغيَّر: الكتابةُ تدَفُّقٌ طبيعيّ، والحَبسةُ مَرَضٌ وعِلَّة، والحَلُّ تقنيةٌ ووسيلة، والخبيرُ هوَ الذي يملِك تلكَ التقنية. والكاتبةُ التي تشترِي هذا المَنطِقَ تُسلَب قوَّتَها خُفية؛ إذ يُقال لها إنَّ عَسارَتَها عَطَب، وإنَّ شِفاءَها خارجٌ عنها، وإنَّ المِفتاحَ بِيَد الخبير. فتُنزَع إلى مُعامَلة عقلِها وكأنَّه آلةٌ مكسورة.

غيرَ أنَّ العقلَ ليسَ آلة، والكتابةَ ليست تدَفُّقاً؛ ولعلَّ عَسارةَ الكتابة - من مُمانَعة، وصَمت، وفترات بُورٍ طويلة - أقربُ إلى صَميم الصِّناعة من لحظات السَّرَيان واليُسر. فالكُتّابُ الذينَ نخلُد ذِكرَهُم ليسوا أولئِكَ الذينَ وجدوا الكتابةَ سهلةً يسيرة، وإنَّما هُم الذينَ كابَدوا وصارَعوا، وترقَّبوا، وأخفَقوا أحياناً، ووجَدوا في إخفاقِهِم ما لم يَكونوا ليَجيدوه في طَلاقتِهِم.

وإذا كانت حَبسةُ الكاتب مُختلَقة، فلسنا مُلزَمينَ بالتمسُّك بها؛ بل في وُسعِنا اطِّراحُها، أوِ التخفُّفُ من قَبضتِها، ذاكِرينَ أنَّها قِصَّةٌ واحدةٌ من بين قصَصٍ شتَّى. وفي وُسعِنا استردادُ المُفرَدات العتيقة - كالجَدب، والعُقم، والأسيديا، والخُمول، والمُلهمة المُحتجِبة - لِنَلمَحَ ما تُبديهِ من مَعانٍ يَطمِسُها اللفظُ الحديث. وفي وُسعِنا حينَ ينقطِع جَرَيانُ الألفاظ أن نسأل: «ماذا يُريد هذا الصَّمتُ أن يقول؟» بدلاً من أن نسأل: «ما عِلَّتي وما دائِي؟». وفي وُسعِنا أن نَعدَّ التَّوقُّفَ مَوسِماً لا مَرَضاً، وأن ندَعَ الأرضَ بُوراً واثقينَ بأنَّها تدري ما تصنَع.

فإن لم تعُدِ الألفاظُ أبداً؟ ذلكَ احتمالٌ آخَرُ يَعجَز الإطارُ الحديثُ عن استيعابِه؛ فالكاتبةُ التي تتوقَّف عنِ الكتابة ولا تعود إليها - هل هيَ مَحبوسةٌ أم أنَّها بلغت خِتامَ مَطافِها؟ والسُّؤالُ أوعَرُ مما يبدو؛ فبعضُ الصَّمت خِتام، والخِتامُ ليسَ عِلَّةً مَرَضيَّة، وإنَّما هو خِتامٌ وحسب. والثقافةُ العِلاجيَّةُ المُعاصِرة، بولَعِها الذي لا يفتُر بالتعافي والعودة، تَضيق ذرعاً بهذا؛ فهيَ تبتغي لكلِّ صَمتٍ أن يكونَ حَبسة، لأنَّ الحَبَسات قابلةٌ للكَسر، وأمَّا الخِتامُ فلا يُكسَر، وإنَّما يُرْضى بهِ ويُقبَل.

ولعلَّ هذا هو الخوفُ الحقيقيُّ القابعُ خلفَ الخوف من حَبسة الكاتب: لا أن تنقطِعَ الألفاظ، بل أن تنقطِعَ ويكونَ لانقطاعِها مَعنىً؛ وأن يكونَ الصَّمتُ حُكماً فصلاً لا انسداداً؛ وأن تكونَ حياةُ الكتابة - التي مَنَحَتِ الهيئةَ والغايةَ والهويَّة - قد استنفَدَت دَورَتَها وبلغت مَداها. وتِلكَ فكرةٌ مُروِّعة؛ وأهونُ منها أن تُسمِّيَها حَبسةً وتستمرَّ في الصِّراع، من أن تواجهَ احتمالَ أنَّ الصِّراعَ قد انقضى.

وليسَ عندي لهذا جواب، ولستُ على يقينٍ من أنَّ الجوابَ هو المَطلوب؛ فلعلَّ الغايةَ إنَّما تتلخَّص في إبصار المفهوم على حقيقتِه: قِصَّةٌ نَقُصُّها على أنفُسِنا، حديثةُ العهد نسبياً، لها تاريخٌ وسياسةٌ وحُزمةٌ منَ المُسلَّمات الدفينة. وإبصارُها على هذا النَّحو لا يَمحو المُعاناة، غيرَ أنَّه قد يجعلُها أهوَنَ احتماَلاً، أو أشدَّ إثارةً للاهتمام، أو أوضَحَ قراءةً بوصفِها جُزءاً من نَسَقٍ أوسع. وقد يردُّ إلى التَّجرِبة بعضَ الكرامة التي تسلُبُها إيَّاها لُغةُ العَطَب والميكانيكا؛ ليَشعُرَ الكاتِبُ المُمسِكُ عنِ الكتابة أنَّه كائنٌ حيٌّ في مَوسِم جَدبٍ وبُور، يترقَّب ربيعاً قد يَجيء وقد لا يَجيء، لا أنَّه آلةٌ مكسورة.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق