دُموعُ أوديسيوس
جاءَ المِلحُ أوَّلاً، ثُمَّ أعقَبَهُ النَّشيجُ.
في بَلاطِ «ألكينوس» العظيم، وَسطَ «الفياقيين» الّذينَ لم يَخبَروا الحَربَ قَطُّ إلّا عبرَ الأغاني، يَرفعُ أوديسيوس طَرَفَ عِباءَةٍ أرجُوانيَّةِ الحَواشي لِيُدارِيَ بها وَجهَهُ. يَفعلُ ذلِكَ، كَما يُخبِرُنا هوميروس، حَياءً مِن أن يَراهُ القَومُ باكياً. أمّا الفِعلُ الّذي اختارَهُ هوميروس لِلْبُكاءِ هُنا فَلا يُشابِهُ ما جَرَت بِهِ العادَةُ. إنَّهُ δάκρυα θερμὰ؛ أيِ العَبَراتُ الحارَّةُ، وهي ذاتُ العِبارَةِ الّتي تُطلَقُ عَلى دُموعِ المُحارِبينَ الصَّرعى وزَوجاتِهِمُ المَهجورات. العِباءَةُ، والوَجهُ المُوارى، والمِلحُ الحارُّ: كُلُّها تُوحي بِرَجُلٍ غَلَبَتهُ الذِّكرى، وباغَتَهُ الماضي في هَجمَةٍ مُفاجِئَةٍ حَمَلَها صَوتُ مُغَنٍّ ضَرير. يُغَنّي ديمودوكوس عَن حِصانِ طِروادَةَ وسُقوطِها، بَينَما أوديسيوس؛ ذلِكَ الرَّجُلُ الّذي صَنَعَ الحِصانَ، وتَسَلَّلَ في جَوفِهِ، ونَجا مِن عَشرِ سِنينَ مِنَ الحَربِ، ويُكابِدُ الآنَ عَشراً أُخرى في رِحلَةِ الإيابِ، يَنتَحِبُ كَما تَنتَحِبُ امرَأَةٌ تَندُبُ جُثَّةَ بَعلِها. يَقولُها هوميروس صَراحَةً: «كما تَنواحُ المَرأَةُ وتَرتَمي فَرَقاً عَلى جَسَدِ زَوجِها الصَّريعِ أمامَ مَدينَتِهِ ورِفاقِهِ، وهو الّذي قاتَلَ لِيَذودَ عَن مَدينَتِهِ وأطفالِهِ مِنَ اليَومِ المَحْتوم... كَذلِكَ انهمرَتِ الدُّموعُ الشَّجِيَّةُ مِن عَينَي أوديسيوس».
هَذا التَّشبيهُ ذائِعُ الصّيتِ، وحَقَّ لَهُ أن يَكون. غَيرَ أنَّهُ يُخفي في طَيّاتِهِ أمراً، كَما هيَ حالُ التَّشبيهاتِ جَميعاً حينَ تُواري ما لا تَستَطيعُ بُلوغَهُ. إنَّ المَرأَةَ في صورَةِ هوميروس تَبكي زَوجاً يَلفِظُ أنفاسَهُ أمامَها، فَهي شاهِدَةٌ عَلى لَحظَةِ الفَقد. وحُزنُها حُزنٌ آنيٌّ ومُرتَبِطٌ بِجَسَدٍ ما زالَ وُسعَها أن تَضُمَّهُ. أمَّا أوديسيوس، فَيَبكي مُخفِياً وَجهَهُ، وَحيداً بَينَ الأغرابِ، رِثاءً لِنَفسٍ قَد وَلَّت واندَثَرَت. إنَّهُ يَقْصُرُ رِثاءَهُ عَلى ذاكَ الّذي نَجا، دونَ المَوتى. ولَعَلَّ هُنا مَكمَنَ الثِّقَلِ العَجيبِ، فَدموعه غَيرُ مَحسوبَةٍ عَلى دُموعِ الحُزنِ، ولا دُموعِ الحَنينِ، ولا دُموعِ الفَواجِع. إنّما هيَ دُموعٌ تُذرَفُ حَسرَةً عَلى نُسخَةٍ مِنَ النَّفسِ استَحالَت أُقصوصَةً يَرويها غَيرُهُ، لِقَومٍ لا ولَن يُدرِكوا الفَرقَ بَينَ الاثنَين.
أرومُ التَّمَعُّنَ في هَذِهِ الصُّورَةِ مَلِيّاً. أبتَغي تَقليبَها حَتّى تُبديَ لي جَوهَرَ ما يَعنيهِ أن يَعيشَ المَرءُ عُمراً يَتَجاوَزُ فيهِ ذاتَهُ القَديمَة، فَيُدرِكَ أنَّ نَجاتَهُ قَد صِيغَت أُغنِيَةً تَتَرَدَّد، وأنَّ لَحنَها بَديعٌ، غَيرَ أنَّها لا تُمَثِّلُهُ في شَيء. إنَّ النَّظرَةَ الشَّجِيَّةَ لِدُموعِ أوديسيوس تَكادُ تَتَجَرَّدُ مِن مَعنى الشَّوقِ لِلوَطن، رَغمَ أنَّ مَلحَمَةَ «الأوديسَّة» مُشبَعَةٌ بِهَذا الشَّوق. إنَّها تَتَعَلَّقُ بِفاجِعَةٍ أهدَأَ وتيرَةً؛ فاجِعَةِ أن يُصبِحَ المَرءُ ذِكرى تُروى. أن يُتَداوَلَ كَسيرَة. أن يَغدوَ، وهو حَيٌّ يُرزَق، أُسطورَةً لَم تَعُد مُلكاً لَهُ.
هَذا هوَ المُنعَطَفُ الأوَّلُ إذن. فالعَبَراتُ لا تُذرَفُ مِن أجلِ «إيثاكا»، مَرَدُّها هوَ ذاكَ الرَّجُلُ الّذي غادَرَها، الّذي لا يَزالُ يُدعى أوديسيوس، بَيدَ أنَّ حَياتَهُ لَم تَعُد حِكايَةً يَملِكُ سَردَها.
دَعوني أُحاوِلُ بَيانَ ذَلِكَ بِتَرَوٍّ ودِقَّةٍ أكبَر.
ثَمَّةَ مَقطَعٌ في كِتابِ «المَرَضُ طريقُ المَوت» لِلفَيلسوفِ «كيركغارد» يَصِفُ فيهِ الذّاتَ بِأنَّها عَلاقَةٌ تَربِطُ النَّفسَ بِنَفسِها. ويَقولُ إنَّ اليَأسَ هوَ الخَلَلُ الواقِعُ في تِلكَ العَلاقَة. ومِن وُجوهِ اليَأسِ، ألّا يَشاءَ المَرءُ أن يَكونَ نَفسَهُ. وهُناكَ وَجهٌ آخَرُ أَعْمَقُ لِليَأسِ؛ أن يَشاءَ المَرءُ أن يَكونَ نَفسَهُ، ثُمَّ يَتَبَيَّنَ أنَّهُ شَخصٌ آخَر. إنَّ مُطاردَةَ طَيفِ نُسخَةٍ مِنكَ يُصِرُّ العالَمُ عَلى صِدقِها، بَينَما توقِنُ أنتَ في قَرارَةِ نَفسِكَ، في حُجرَةٍ مُوصَدَةٍ مِن حُجُراتِ صَدرِكَ، أنَّها ناقِصَةٌ أو زائِفَةٌ أو أنَّها بِكُلِّ بَساطَةٍ قَد «انقَضَت» - ذَلِكَ ضَربٌ مِن ضُروبِ الاختِناقِ البَطيء. يَجلِسُ أوديسيوس في بَلاطِ الفياقيين، يَستَمِعُ إلى حِكايَةِ الرَّجُلِ الّذي ابتَكَرَ الحِصانَ الخَشَبيّ. إنَّها حِكايَةٌ دَقيقَة. حِكايَةٌ مَجيدَة. إنَّها الحِكايَةُ الّتي سَيَتَغَنّى بِها الرِّجالُ لِقُرونٍ قادِمَة. هُنا يُخفي أوديسيوس وَجهَهُ ويَبكي.
ولِمَ البُكاء؟ لِأنَّ مُبتَكِرَ الحِصانِ الخَشَبيِّ يَختَلِفُ كُلِّيّاً عَن ذاكَ الرَّجُلِ الّذي قَذَفَتهُ الأمواجُ عارِياً عَلى جَزيرَةِ «كاليبسو» فَمَكَثَ هُناكَ سَبعَ سِنين، في بَقاءٍ لَم يَكُن عَن رِضاً كامِل. ومُبتَكِرُ الحِصانِ الخَشَبيِّ يُبايِنُ ذاكَ الّذي انخَرَطَ في البُكاءِ عَلى شاطِئِ «كيركي» قَبلَ أن يَدري أَيَنجو أم يَهلِك. وهوَ غَيرُ الّذي هَبَطَ إلى العالَمِ السُّفليِّ فَألفى أُمَّهُ مَيِّتَةً، فَمَدَّ يَدَيهِ إلَيها ثَلاثَ مَرّاتٍ فَأخفَقَ في عِناقِها. إنَّ الرِّوايَةَ الّتي يُشدي بِها ديمودوكوس رِوايَةُ دَهاءٍ وانتِصار، تَطوِي في نِسيانِها كُلَّ ما تَخَلَّلَ المَسافَةَ بَينَ الدَّهاءِ والظَّفَر. رِوايَةٌ تَمحو أثَرَ الرَّجُلِ الّذي استَجدى سَفينَةً، وطَفا عَلى لَوحِ خَشَب، وانساقَ لِلكَذِبِ عَلى الأغرابِ نِشدانًا لِلنَّجاة، الرَّجُلِ الّذي استَحالَ «لا أحَد» في كَهفِ «بوليفيموس»، حَتّى كادَ يَنسى كَيفَ يَعودُ شَيئاً مَذكوراً.
إنَّ عَبَراتِ أوديسيوس، مِن مَنظورٍ شَجِيّ، هيَ عَبَراتُ رَجُلٍ تَطوِيهِ أُسطورَتُهُ في غَياهِبِ النِّسيانِ، وهوَ بَعدُ حَيٌّ يُكابِدُ لَوعَةَ هَذا المَحو.
ثَمَّةَ مَقالَةٌ لِـ«والتر بنيامين» يَتَناوَلُ فيها شَخصِيَّةَ «الرّاوي»، مُجادِلاً بأنَّ الحَكَّاءَ يَستَقي رِوايَتَهُ مِنَ التَّجرِبَة - سَواءٌ كانَت تَجرِبَتَهُ أو تَجرِبَةَ غَيرِهِ - فَيَجعَلُها تَجرِبَةً لِلسّامِعين. غَيرَ أنَّهُ يُلَمِّحُ إلى أمرٍ أَدعى لِلقَلَق: فالرّاوي يَنسَلِخُ، عِندَ السَّرد، عَمّا يَرويه. تَكتَسِبُ الحِكايَةُ حَياةً مُستَقِلَّةً، ويُصبِحُ مَن عاشَها مُجَرَّدَ وِعاءٍ عَبَرَتِ القِصَّةُ مِن خِلالِه. يَكتُبُ بنيامين: «الرّاوي هوَ الرَّجُلُ الّذي كانَ بِمَقدورِهِ أن يَترُكَ فَتيلَ حَياتِهِ يَحتَرِقُ بِالكامِلِ في لَهيبِ قِصَّتِهِ اللَّطيف». وما سَكَتَ عَنهُ الكاتِبُ، وظَلَّ يَحومُ في هَوامِشِ المَقال، هوَ أنَّ القِصَّةَ تَلتَهِمُ الحَياةَ دونَما لُطفٍ أحيانًا، وأنَّ المُلتَهَمَ قَد يَكتَوي بِلَسعَةِ النّار.
أوديسيوس هوَ ذلِكَ الرَّجُل. إنَّهُ مُستَمِعٌ لِقِصَّتِهِ تُتلى بِلِسانِ غَيرِهِ لِتَسليَةِ الغُرَباء، عِوَضاً عَن أن يَرويَها بِنَفسِه. لَقَد غَدَت حَياتُهُ هيَ الفَتيل. لَهيبٌ بَديع، لَهيبٌ صادِق، إلّا أنَّهُ في الوَقتِ عَينِهِ يَلتَهِمُ شَيئاً لا سَبيلَ إلى استِرجاعِه.
وهُناكَ طَبَقَةٌ ثانِيَةٌ، وحُجرَةٌ أعمَقُ لِذاتِ الهاجِس. تَتَعَلَّقُ بِالمَكانَةِ العَجيبَةِ لِلدُّموعِ كَشَكلٍ مِن أشكالِ التَّواصُل، يَصمُتُ ويَبوحُ بِكُلِّ شَيءٍ في آنٍ واحِد.
في مَلحَمَةِ الأوديسَّة، يَذوُب أوديسيوس في بُكائِهِ أكثَرَ مِن أيِّ بَطَلٍ آخَرَ مِن أبطالِ هوميروس. يَبكي عَلى شاطِئِ كاليبسو، مُتَأمِّلاً البَحرَ القاحِل. يَبكي عِندَما يَسمَعُ شَدوَ ديمودوكوس. ويَبكي عِندَ لِقائِهِ بِوَلَدِهِ تيليماخوس بَعدَ عِشرينَ عاماً، وحينَ تَقَعُ عَيناهُ عَلى كَلبِهِ «أرغوس»، وعِندَما يَضُمُّ زَوجَتَهُ بينيلوبي. ويَبكي في العالَمِ السُّفليِّ، مَرأى شَبَحِ أُمِّه. أخيل كَذلِكَ يَبكي، كَما هُوَ مَعروف، رِثاءً لِباتروكلوس. بَيدَ أنَّ بُكاءَ أخيل عاصِفَةٌ تَتَحَوَّلُ إلى سَورَةِ غَضَب. أمّا بُكاءُ أوديسيوس فَمُختَلِفٌ جِدّاً؛ إنَّهُ أهدَأُ وتيرَةً، وأكثَرُ تَكراراً، وغالِباً ما يَكونُ مُتَخَفِّياً. إنَّهُ يَبكي بُكاءَ مَن أدرَكَ أنَّ العَبَراتِ لَن تُغَيِّرَ مِنَ الواقِعِ شَيئاً، غَيرَ أنَّهُ لَم يَتَعَلَّم كَيفَ يَكُفُّ عَن إرسالِها.
إنَّ النّاظِرَ بِعَينِ الشَّجى لَيَرى في هَذا البُكاءِ المُتَكَرِّرِ قُصوراً في التَّعبيرِ وتَضائِلاً في حيلَةِ البَيان، أكثَرَ مِنهُ فَيضاً في المَشاعِر. تَحِلُّ لَحظَةٌ يَعجِزُ فيها اللِّسانُ عَن حَملِ ثِقَلِ المُعاناة، فَتَتَوَلّى الجَوارِحُ مَهَمَّةَ التَّعبير. تَستَحيلُ العَبَراتُ آخِرَ مَنطِقٍ مُتاح، وعَلامَةً سابِقَةً لِلُّغَةِ أو تالِيَةً لَها، تُؤذِنُ بِأنَّ ثَمَّةَ شَيئاً يَتَوَسَّلُ الانعِتاقَ ولا قالَبَ لَهُ يَحويه. يَتَحَدَّثُ رولان بارت، في كِتابِهِ «شَذَراتٌ مِن خِطابٍ في العِشق«، عَن «الدَّمعَةِ» بِوَصفِها ما «يَفيضُ» عَنِ العَلامَة، ضَرباً مِنَ المَعنى يَتَجاوَزُ حُدودَ المَعنى ذاتِهِ. غَيرَ أنَّ عَبَراتِ أوديسيوس لا تَفيضُ عَن جُرحٍ عاطِفيّ، وإنَّما تَتَفَجَّرُ مِن صَدعٍ وُجوديّ. إنَّها دُموعُ مَن استَحالَت حَياتُهُ شَيئاً لا يُقوى عَلى البَوحِ بِهِ، لِكَونِها حَياةً نَطَقَ بِها الآخَرونَ سَلَفاً، بِصياغَةٍ مُحكَمَةٍ وكامِلَة، وفي بَيانٍ بالغِ التَّنميق، فَسَلَبُوهُ فُرصَةَ سَردِها.
أن تَغدوَ مَوضوعاً لِحِكايَةٍ حَسناءَ، ذلِكَ في صورَةٍ عَجيبَة، إسكاتٌ لَك. فَلا يَسَعُ المَرءَ أن يُصَحِّحَ مَسارَ الحِكايَةِ دونَ أن يَبدُوَ مُتَصاغِراً. ولا يَملِكُ أن يَزيدَ عَلَيها دونَ أن يُشَوِّهَ رَونَقَها. لا خِيارَ أمامَهُ سِوى الجُلوسِ والإنصاتِ ومُواراةِ الوَجه، تارِكاً لِلجَسَدِ مُهِمَّةَ التَّعبيرِ عَمّا عُقِدَ عَنهُ اللِّسان.
يَحضُرُني هُنا بَيتٌ مِن مَراثي «دوينو» الأولى لِريلكه: «فإنَّ الجَمالَ إنَّما هُوَ بَدءُ ذلِكَ الرُّعبِ الّذي بِالكادِ نَستَطيعُ تَحَمُّلَه». إنَّ جَمالَ أُغنِيَةِ ديمودوكوس يُمَثِّلُ رُعباً لِأوديسيوس. فَهي تُعيدُ صِياغَةَ حَياتِهِ لِتُصبِحَ مُستَساغَةً أمامَ المَلَأ، وبِذلِكَ تُحيلُها عِبئاً لا يُطيقُهُ هو. وتِلكَ الدُّموعُ بِمَثابَةِ بُرهانٍ عَلى ذَلِكَ العِبءِ الّذي يُعجِزُهُ احتِمالُه.
عَلى أنَّ هُناكَ مُنعَطَفاً ثالِثاً، وهو أكرَهُها غَرابَةً، وذاكَ الّذي غَفَلَ عَنهُ الكُتّاب.
ماذا لَو كانَت دُموعُ أوديسيوس نابِعَةً مِن شُعورٍ أقرَبَ إلى الإدراكِ واليَقين، عِوَضاً عَن كَونِها لِلمَحوِ أوِ الكَمَد؟ ماذا لَو أنَّ أوديسيوس، عِندَ سَماعِهِ شَدوَ ديمودوكوس، التَقى بِنُسخَةٍ مِن نَفسِهِ يُمَيِّزُها الكَمالُ والانتِهاء؟ وماذا لَو كانَ لِقاءُ المَرءِ بِنِهايَتِهِ وتَمامِهِ هوَ أشَدَّ التَّجارِبِ شَجناً وحَسرَةً عَلى قَيدِ الحَياة؟
لَقَد ألِفنا التَّفكيرَ في الشَّجى بِوَصفِهِ حالَةً مُتَطَلِّعَةً إلى الوَراء: وَجَعاً عَلى ما ضاع، وتَوَقاً لِما زالَ مِنَ الوُجود. غَيرَ أنَّ لِلشَّجى وَجهاً آخَرَ يَرنو إلى الأمام، فَيَرى أنَّ المَرءَ قَد أدرَكَ سَلَفاً مَآلَهُ المُنتَظَر. فالقِصَّةُ قَد رُوِيَت، والمَلامِحُ قَد رُسِمَت، والخاتِمَةُ قَد عُرِفَت. يَعيشُ أوديسيوس، في لَحظَةِ سَماعِهِ لِلأُغنِيَة، في مُنتَصَفِ رِحلَتِه. لَم يَعُد بَعدُ إلى إيثاكا. لَم يُواجِهِ الخُطّاب. ولا يَدري إن كانَ سَيَحيى أم يَموت. إلّا أنَّ الأُغنِيَةَ تَتَعامَلُ مَع حَربِ طِروادَةَ كَحَدَثٍ مُنقَضٍ، وبِذلِكَ تَتعامَلُ مَع الرَّجُلِ الّذي خاضَ غِمارَها كَكائِنٍ مُكتَمِلٍ مُنتَهٍ أيضاً. يُواجِهُ أوديسيوس؛ الرَّجُلُ الحَيُّ الّذي يَتَنَفَّسُ ولا يَزالُ في طَورِ التَّشَكُّل، هَيئَتَهُ المُكتَمِلَة. وَكَأنَّهُ يَمُرُّ بِتِمثالٍ لِنَفسِهِ، نَحَتَهُ مَثّالٌ لَم يَلقَهُ قَطّ لَكِنَّهُ سَمِعَ أساطيرَهُ، فَيُدرِكُ أنَّ هَذا التِّمثالَ صارَ في عَينِ العالَمِ أكثَرَ حَقيقِيَّةً مِنَ اللَّحمِ والدَّمِ الّذي يَسكُنُه.
إنَّ هَذا شَكلٌ مِن أشكالِ الحُزنِ الاستِباقيّ، ومَوضِعُ الحُزنِ فيهِ هوَ النَّفس. يَندُبُ المَرءُ الشَّخصَ الّذي لَن يَتَسَنّى لَهُ أن يَكونَه، لِأنَّ العالَمَ قَد أصْدَرَ حُكمَهُ المُسبَقَ بِهُوِيَّتِه.
كَتَبَ المُحَلِّلُ النَّفسيُّ د. و. وينيكوت يَوماً عَن «الذّاتِ الزّائِفَة»، تِلكَ النَّفسِ المُذعِنَةِ الّتي تَتَبَلوَرُ لِتُجاريَ مَطالِبَ المُحيطِ، بَينَما تَتَوارى «الذّاتُ الحَقيقِيَّة»، مَحفوظَةً غَيرَ مُعَبَّرٍ عَنها. عَلى أنَّ ذاتَ وينيكوت الحَقيقِيَّةَ تُمَثِّلُ واقِعاً باطِنِيّاً سِرِّيّاً، لا يَزالُ سَيّالاً يَنبِضُ بِالحَياة. أمّا ما يُواجِهُهُ أوديسيوس فَأمرٌ أشَدُّ غَرابَة: ذاتٌ عَلَنِيَّةٌ تَصَلَّبَت في قالَبِ الأُسطورَة، ذاتٌ زائِفَةٌ مَنسوجَةٌ مِنَ الكَلِماتِ والشّائِعاتِ والأغاني، بيد أنّها بَلَغَت مِنَ الصِّدْقِيَّةِ مَبلَغاً يَجعَلُ الإفلاتَ مِنها مُحالاً. دُموعُهُ هي دُموعُ ذاتٍ حَقيقِيَّةٍ أدرَكَت خَسارَتَها لِلسِّباق. لَقَد سَبَقَتها الأُسطورَةُ إلَى المُنتَهى. ومِنَ الآنَ فَصاعِداً، كُلُّ فِعلٍ يَأتيهِ سَيُقاسُ بِمِعيارِ الرَّجُلِ الّذي شَيَّدَ الحِصانَ الخَشَبِيّ، الرَّجُلِ الّذي دَكَّ طِروادَة، الرَّجُلِ الّذي صارَ بِالفِعلِ حِكايَة. لَن يَكونَ بِمَقدورِهِ بَعدَ اليَومِ أن يَكونَ مُجَرَّدَ إنسانٍ بَسيط.
ثَمَّةَ لَحظَةٌ في «الأوديسَّة» كَثيراً ما تُفسَّرُ عَلى أنَّها تَجلٍّ لِلاقتِدارِ السَّردِيّ. فَما إن يَفرَغُ ديمودوكوس مِن شَدوِه، حَتّى يَطلُبَ ألكينوس مِن أوديسيوس الكَشفَ عَن هُوِيَّتِه. وأخيراً، يَشرَعُ أوديسيوس في الحَديث. يَروي حِكايَتَهُ بِنَفسِه، مِن سُقوطِ طِروادَةَ حَتّى وُصولِهِ جَزيرَةَ كاليبسو. تُعَدُّ الكُتُبُ مِنَ التّاسِعِ إلى الثّاني عَشَرَ في «الأوديسَّة»، كَما هُوَ مَشهور، سَرداً بِصَوتِ أوديسيوس نَفسِه. فَيُصبِحُ هُوَ الرّاوي. ويَستَرِدُّ زِمامَ حَياتِهِ مِن حَنجَرَةِ المُغَنّي. بَيدَ أنَّ القِراءَةَ الشَّجِيَّةَ سَتَلتَفِتُ إلى أمرٍ آخَر. فَحينَما طَفِقَ أوديسيوس يَروي قِصَّتَه، كانَ يَسردُها مِن داخِلِ العالَمِ الأُسطورِيِّ الّذي أرسى دَعائِمَهُ ديمودوكوس. فَهُوَ لا يَستَطيعُ مَحوِ حَقيقَةِ أنَّ الفياقيين قَد سَمِعوا نُسخَةً مِن سِيرَتِهِ سَلَفاً. وحِكايَتُهُ، مَهما بَلَغَ صِدقُها وإسهابُها، باتَت مُجَرَّدَ رَدٍّ عَلى حِكايَةٍ سابِقَة. إنَّها استِجابَةٌ، وتَصحيحٌ، ومُلحَقٌ. إنَّها تَفتَقِرُ لِلحُرِّيَّة. لَقَد كانَتِ العَبَراتُ الّتي سَبَقَت كَلامَهُ هيَ الثَّمَنَ المَدفوعَ لِحَقِّهِ في الحَديثِ أصلًا، والخِطابُ ذاتُهُ، مَهما بَلَغَ مِنَ الرَّوعَة، مَشوبٌ بِالمَعرِفَةِ المُرَّةِ بأنَّهُ لَن يَكونَ السَّردَ الأَوَّل.
وأوَدُّ هُنا أن أستَحضِرَ شَخصِيَّةً تُخَيِّمُ بِظِلالِها عَلى هَذا التَّأمُّلِ بِأسره: «عوليس» في مَلحَمَةِ دانتي. في النَّشيدِ السّادِسِ والعِشرين مِن كِتابِ «الجَحيم»، يُصادِفُ دانتي عوليس في الدَّركِ الثّامِنِ مِن جَهَنَّمَ، مُلْتَفّاً بِألسِنَةِ اللَّهَب. يَروي عوليس قِصَّةَ رِحلَتِهِ الأخيرَة، وكَيفَ أقنَعَ رِجالَهُ بِالإبحارِ خَلفَ أعْمِدَةِ هِرَقل، نَحوَ المُحيطِ المَجهول، سَعياً وَراءَ المَعرِفَةِ والتَّجرِبَة. أبحَروا لِخَمسَةِ أشهُر، ثُمَّ لاحَ لَهُم جَبَلٌ في الأُفُق، وهُناكَ هاجَت زَوبَعَةٌ والتَهَمَتِ السَّفينَة. لَقِيَ عوليس حَتفَهُ في غَياهِبِ البَحرِ العَميق، قَصِيّاً عَن كُلِّ ما عَهِدَه، لا في وَطَنِه.
إنَّ عوليس في نَصِّ دانتي يُجَسِّدُ السَّعيَ الّذي لا يَعرِفُ الكَلَل، الرَّجُلَ الّذي لَم يَحتَمِل فِكرَةَ التَّوَقُّف. لَكِنَّ ثَمَّةَ شَيئاً آخَرَ هُناك، أمراً مَشوباً بِالشَّجى. يَستَذكِرُ عوليس خِطابَهُ الأخيرَ لِرِجالِه، حينَ قالَ لَهُم: «لَم تُخلَقوا لِتَعيشوا عيشَةَ البَهائِم، وإنَّما لِتَقتَفوا أثَرَ الفَضيلَةِ والمَعرِفَة». إنَّها عِبارَةٌ تَبعَثُ في النَّفسِ الحَماس. وتَبدو، في أثَرِها الرَّجعِيّ، الخُطبَةَ الّتي ساقَتهُم جَميعاً إلَى الهَلاك. يَضَعُ دانتي عوليس في الجَحيمِ جَزاءَ الخِداع، وعِقاباً لِمَكرِ الحِصانِ الخَشَبيِّ وغَيرِهِ مِنَ الحِيَل. غَيرَ أنَّ اللَّعنَةَ الأعمَقَ تَكمُنُ في أنَّ عوليس لا يَزالُ، حَتّى في غَيابِ الجَحيم، يَروي قِصَّتَه. لا يَزالُ بَطَلَ حِكايَتِهِ بِنَفسِه. ولا يَزالُ يُمارِسُ الإقناع. فاللَّهَبُ الّذي يَلتَفُّ بِهِ هوَ لَهَبُ فَصاحَتِهِ وبيانِه، مُشتَعِلاً إلى الأبَد، لا يَلتَهِمُ شَيئاً سِوى نَفسِه.
عوليس في نَصِّ دانتي لا يَذرِفُ الدُّموع. ولَعَلَّ تِلكَ هِيَ لَعنَتُهُ الحَقَّة. لَقَدِ استَحالَ حِكايَةً خالِصَة، مُجَرَّدَةً مِنَ التَّدَخُّلِ الجَسَدِيِّ لِلحُزن. صارَ أُسطورَةً دونَ بَقِيَّةٍ مِن روح. أمّا أوديسيوس، عِندَ هوميروس، فَلا يَزالُ يَبكي. والعَبَراتُ هيَ ما تُبقي عَلَيهِ إنساناً، وما تَحفَظُهُ غَيرَ مُكتَمِل، وما تَعصِمُهُ مِنِ استِحالَتِهِ إلى ذلِكَ المُتَحَدِّثِ المَلعونِ في جَحيمِ دانتي. إنَّ العَبَراتِ هِيَ الرَّفضُ الصّارِمُ لِلاحتِراقِ التّامِّ في أتونِ الحِكايَة.
يَقودُني هَذا إلى الحُجرَةِ الرّابِعَة، تِلكَ الّتي كُنتُ أحومُ حَولَها طيلَةَ الوَقت.
إنَّ عَبَراتِ أوديسيوس، هِيَ شَكلٌ مِن أشكالِ المُقاوَمَة. مَردُّها ليَس إلَى مُقاوَمَةٍ بُطولِيَّةٍ أوِ استِردادٍ مُظَفَّرٍ لِلذّات. إنَّها مُقاوَمَةٌ صامِتَة، جَسَدِيَّة، وعَفوِيَّة، لِحَتمِيَّةِ السَّردِ ونِهايَتِه. الدُّموعُ لا تُجادِل. ولا تُقنِع. ولا تَنتَظِمُ بِسَلاسَةٍ في بُنيانِ القِصَّة. إنَّها تُقاطِع. تُلوِّث. تُشَوِّهُ صَفاءَ الوَجه. وتُجْبِرُ الباكيَ عَلى التَّواري، وفي هَذا التَّواري إقرارٌ بأنَّ شَيئاً في داخِلِهِ يَتَجاوَزُ ما قَد تَصِفُهُ الكَلِماتُ المُتاحَة. في عالَمٍ يُلِحُّ عَلَينا، بِتَزايُدٍ مُطَّرِد، أن نَسرُدَ حَياتَنا - عَبرَ المَنَصّات، وفي العَلَن، لِلأصدِقاءِ والغُرَباءِ عَلى حَدٍّ سَواء - تَغدو عَبَراتُ أوديسيوس نَموذَجاً لِشَيءٍ نادِر: رَفضُ أن نُعرَفَ بِشُروطٍ تُفرَضُ عَلَينا فَرَضاً. غَيرَ أنَّهُ رَفضٌ أخرَس. يَتَسَرَّبُ فَحَسب. رَفضٌ لا يَعي حَتّى أنَّهُ يَرفُض. إنَّهُ بِمُنتَهى البَساطَةِ إصرارُ الجَسَدِ عَلى أنَّ القِصَّة، مَهما بَلَغَت مِنَ الجَمالِ والصِّدق، تَظَلُّ قاصِرَةً ولا تَكفي.
دَوَّنَت سوزان سونتاج، في يَومِيّاتِها، قائِلَةً: «أنا لَستُ قِصَّتي. وقِصَّتي لَيسَت أنا». يَبدو هَذا التَّصريحُ إعلاناً لِلاستِقلال. ولكِنّي أظُنُّ أنَّ ما رَمَت إلَيهِ كانَ أقرَبَ إلَى المَرثِيَّة. يُفني المَرءُ عُمراً كامِلاً في بِناءِ ذاتِه، ثُمَّ يُبادِرُهُ العالَمُ بِمُلَخَّصٍ مُنَمَّق، بِضعِ فِقرات، أو طُرفَةٍ لا تُنسى، أو عِبرَة. ويُنتَظَرُ مِنهُ أن يَكونَ مُمتَنّاً. لَم يَكُن أوديسيوس مُمتَنّاً. لَقَد بَكى.
دَعوني أعودُ إلَى الصُّورَة، لِمَرَّةٍ أخيرَة، بِتَساؤُلٍ مُختَلِف.
ماذا يَعني أن تَبكيَ في الخَفاء؟ العِباءَةُ تُسدَلُ عَلى الوَجه. بَقِيَّةُ الرِّجالِ في البَلاطِ لا يُبصِرون. المُغَنّي يَمضي في نَشيدِه، غافِلاً عَنِ الأثَرِ الّذي أحدَثَه. والمَلِكُ يَلتَفِتُ لِلأمرِ أخيرًا، فَيَدعو إلَى فاصِلٍ في مَجالِسِ اللَّهو. لكِنَّ أوديسيوس، في لَحظَةِ النَّشيجِ ذاتِها، يَكونُ وَحيداً. تَتَساقَطُ العَبَراتُ في عَتمَةٍ خاصَّةٍ وَحشِيَّة.
هُناكَ ما يَمُتُّ إلَى الخَجَلِ بِصِلَةٍ هُنا، بِلا رَيب. فَالبَطَلُ عِندَ هوميروس يُفتَرَضُ ألّا يَذوبَ بُكاءً عَلى المَلَأ. يَبكي أخيل، لكِنَّهُ يُشيحُ بِوَجهِهِ عَنِ الآخَرينَ لِيَفعَلَ ذلِك. لكِنّي أرى أنَّ الخَجَلَ لا يَتَعَلَّقُ في المَقامِ الأوَّلِ بِإظهارِ العاطِفَة، بَقَدرِ ما يَتَّصِلُ بِطَبيعَةِ العاطِفَةِ ذاتِها. يَخجَلُ أوديسيوس لِأنَّ مَبعَثَ دُموعِهِ لا يَكمُنُ في الحُزنِ البُطولِيِّ عَلى فِقدانِ الرِّفاق، وإنَّما في الحُزنِ الأغَرَب، والأكثَرِ حَميمِيَّة، حُزنُ فِقدانِ النَّفس. لا يُمكِنُ تَبجيلُ هَذا الحُزنِ بِنَدبٍ عَلَنِيّ. إنَّهُ حُزنٌ تَجِبُ مُواراتُهُ لِأنَّهُ يَكشِفُ خَلجَةً غَيرَ لائِقَةٍ في نَفسِ مَن يُكابِدُه: ألّا وهُوَ أنَّهُ كانَ مُتَعَلِّقاً، لا بِالرِّجالِ الّذينَ قَضَوا فَحَسب، بِمِقدارِ تَعَلُّقِهِ بِنُسخَةٍ مِن نَفسِهِ ماتَت مَعَهُم. وهَذا التَّعَلُّقُ عَميقٌ إلَى حَدٍّ يَجعَلُ ذِكراهُ قادِرَةً عَلى هَدمِ كِيانِه، حَتّى الآن، حَتّى وهوَ في قاعَةٍ دافِئَةٍ تَغَصُّ بِالطَّعامِ والموسيقَى والحُلَفاءِ المُحتَمَلين. إنَّ خَفاءَ العَبَراتِ جَوهَرِيٌّ لِمَعناها. فَهِيَ بَعيدَةٌ كُلَّ البُعدِ عَنِ الاستِعراض. ومُتَرَفِّعَةٌ عَنِ استِجداءِ العَطف. إنَّها لَحظَةٌ مِنَ الباطِنِيَّةِ الصّافِيَة، غَيرِ المَشوبَة، تَختَرِقُ السَّطحَ الّذي يَصونُهُ النّاجي بِعِنايَةٍ فائِقَة. وهُوَ سَطحٌ مَصونٌ بِحِرصٍ شَديد. فَأوديسيوس هُوَ المُراوِغُ الأعظَم، رَجُلُ المَنعَطَفاتِ والحِيَل، القادِرُ عَلى التَّلَوُّنِ بِأيِّ هَيئَةٍ في أيِّ مَوقِف. أمّا الدُّموعُ فَهيَ الشَّيءُ الوَحيدُ الّذي يَستَعصي عَلى تَرَوُّضِه. إنَّها الحَقيقَةُ الّتي يَنطِقُ بِها عَنوَةً دونَ مَشيئَةٍ مِنه.
وأوَدُّ هُنا أن أُورِدَ شَذرَةً لِـ«باسكال»، حَيثُ كَتَبَ: «لِلقَلبِ أسبابُهُ الّتي لا يَفقَهُ المَنطِقُ عَنها شَيئاً». يُحمَلُ هَذا القَولُ عادَةً عَلى مَعنى أنَّ لِلعَواطِفِ مَنطِقَها الخاصَّ المُستَعصي عَلى العَقل. لكِنّي أحسَبُ أنَّ باسكالَ رَمى إلَى ما هُوَ أقرَبُ إلَى المَعنى التّالي: أنَّ لِلجَسَدِ مَعرِفَةً يَضيقُ عَنِ استيعابِها وِعاءُ القِصَّة. تِلكَ الدُّموعُ هيَ عُصارَةُ هَذِهِ المَعرِفَة. إنَّها تُدرِكُ عَن أوديسيوس ما تَعجَزُ نَفسُهُ عَن بَيانِه، وما يَقصُرُ ديمودوكوس عَنِ التَّغَنّي بِه، وما لا يَستَطيعُ حَتّى هوميروس سِوى مُقاربَتِهِ بِالتَّشابيه. هِيَ تُدرِكُ وَطأةَ النَّجاة. وتَفقَهُ كُلفَةَ أن تَظَلَّ ذِكرى في عُقولِ النّاس. وتَعي شَجَنَ أن يَكونَ المَرءُ قَدِ استَحالَ مَجازاً وكِنايَة. عَبَراتُ أوديسيوس في غايَةِ الصِّدق. لكِنَّها في اللَّحظَةِ الّتي تُسَمّى فيها، وتَغدو مَثَلاً سائِراً، تُواجِهُ خَطَرَ التَّحَوُّلِ إلَى فِكرَةٍ مُبتَذَلَة. هَذا الخَطَرُ مُتَأصِّلٌ في صَميمِ بُنيَةِ التَّعبير. فإظهارُ الباطِنِ إلى العَلَنِ هُوَ تَعريضٌ لَهُ لإساءَةِ الفَهم. والبُكاءُ قَد يُقَدِّمُ إشارَةً يُمكِنُ تَطويعُها واستِغلالُها لِغاياتٍ تُجافي قَصدَ الباكي. يَبكي أوديسيوس في عِباءَتِه، في ظَلامِ يَدَيه، ومَعَ ذلِكَ يُبصِرُهُ هوميروس، ونُبصِرُهُ نَحن، وتَرْتَحِلُ العِبارَةُ عَبرَ القُرون، وحالِيًّا نَتَحَدَّثُ عَن «دُموعِ أوديسيوس» وَكَأنَّنا نُدرِكُ مَعناها.
فالشَّجى لا يَنقَضي أَبَدًا. إنَّما يَتَبَدَّلُ شَكلُه.
وأخيراً، أرى أنَّ دُموعَ أوديسيوس هيَ دُموعُ كُلِّ مَن عاشَ عُمراً يُجاوِزُ النَّفسَ الّتي ظَنَّ أنَّهُ إيّاها، فَاكتَشَفَ أنَّ العالَمَ قَد مَلَأَ الفَراغَ بِحِكايَة. العَبَراتُ لا تُقَدِّمُ حَلّاً. ولا تُبَلْسِمُ جُرحاً. ولا تُفضي إلَى تَطهيرٍ لِلنَّفس. إنَّها تَكتَفي بِتَحْديدِ المَوضِعِ الّذي يُصِرُّ فيهِ الجَسَدُ الحَيُّ عَلى واقِعِيَّتِهِ، في مُواجَهَةِ سَطحِ الحِكايَةِ الأملَس. ولَعَلَّ هَذا هُوَ السِّرُّ في بَقاءِ هَذا المَثَل. سِرُّهُ لا يَكمُنُ في تَفَرُّدِ أوديسيوس، بَقَدرِ ما يَكمُنُ في كونِهِ حالَةً إنسانِيَّةً عامَّة. فَكُلُّ امرِئٍ، في لَحظَةٍ ما، يَستَمِعُ إلَى نُسخَةٍ مِن حَياتِهِ تُروى بِلِسانِ مَن لا يَعرِفُه، فَيَجِدُها دَقيقَةً وقاسِيَةً لا تُحتَمَلُ في آنٍ مَعاً. كُلُّ امرِئٍ، في لَحظَةٍ ما، يُواري وَجهَهُ ويَترُكُ الجَسَدَ يَنطِقُ بِلُغَةٍ تَستَعصي عَلى التَّدوين. إنَّ عَبَراتِ أوديسيوس هِيَ احتِجاجٌ صَغيرٌ، مالِحٌ، ومُتَكَرِّرٌ ضِدَّ استِبدادِ السَّرد. إنَّها المَقامُ الحَزينُ في السُلَّمِ الموسيقيِّ الكَبيرِ لِلمَلاحِم.
تَمضي الأُغنِيَة. المُغَنّي لا يَتَوَقَّف. الفياقيونَ يُنصِتونَ في انبهار. أوديسيوس يَبكي. ثُمَّ، بَعدَ حين، يَدعو ألكينوس إلَى الاستِراحَة، وتَنتَقِلُ مَجالِسُ الضِّيافَةِ إلَى المُناكَفاتِ الرِّياضِيَّة، فَيُجَفِّفُ أوديسيوس دُموعَهُ، ويَخرُجُ لِيَرمِيَ القُرصَ لِمَسافَةٍ أبعَدَ مِنَ الجَميع. فالعَبَراتُ لا تُمَثِّلُ الخاتِمَةَ لِلقِصَّة. إنَّها وَقفَةٌ، وتَنَفُّسٌ، ولَحظَةُ نَشازٍ تَعجِزُ الحَبكَةُ عَنِ استيعابِها استيعابًا كامِلا.
وذلِكَ، فيما أرى، هُوَ أصدَقُ ما فيها. فَهِيَ بَعيدَةٌ عَن أن تَكونَ خُلاصَةً لِشَيء. إنَّما هِيَ مُقاطَعَةٌ وإرباك. وهَذِهِ المُقاطَعَةُ هِيَ كُلُّ ما يَتَبَقّى، بَعدَ انقِضاءِ الأُغنِيَةِ بِزَمَنٍ طَويل.
