حِكَمُ مَن خسرَ كلَّ شيء
كانَ "م..." يُحَذِّرُنِي دائمًا من عِلَّةٍ وخيمةٍ في طبعي: أنني لا أُطيقُ الحَمْقَى - وغَلَبَتَهُمْ - برحابةِ صدر. وقد صَدَقَ فيما قال، فأدركتُ أنَّ للأحمقِ في المُجْتَمَعِ مَزِيَّةً عُظمى: أنَّهُ يعيشُ بين أشباهِهِ وأقرانِه.
نيكولا شامفور، «تأملات».
ولِمَ نأبَهُ لكاتبٍ مسرحيٍّ وفيلسوفٍ فَرَنْسِيٍّ مَغْمُورٍ من القرنِ الثامنِ عَشَر؟
لأننا ما زِلْنَا نَحْيَا في عصرٍ مُولَعٍ أيَّمَا وَلَعٍ ببلوغِ المكانةِ الاجتماعيَّة؛ عصرٍ باتَ فيهِ بيعُ المَبَادِئِ - إنْ وُجِدَتْ أصلًا - لأجلِ الشُّهْرَةِ والمالِ هو القاعدةَ لا الاستثناء؛ زمانٍ تُعَدُّ فيهِ الشهرةُ والثروةُ المِعْيَارَيْنِ الأسميَيْن للحكمِ على قيمةِ المرءِ الحقيقيَّة، لا عقلُهُ أو شجاعتُهُ أو تفرُّدُهُ أو فِطْنَتُه. ولأنَّ العَامَّةَ قد أُشْرِبُوا من التَّلْقِينِ ما يُعْمِيهِم عن إدراكِ أنَّ تلك السُّلُطَاتِ المُدَّعَاةِ التي يَنْحَنُونَ إجلالًا لها - لضَعْفِهِم عن الصُّمُودِ وَحْدَهُم، وحَمَاقَتِهِم التي تمنعُهُم من التفكيرِ بأنفسِهِم - لا تَبْتَغِي سوى استغلالِهِم لتمريرِ مآربِهَا ومصالحِهَا الدنيئة.
ولأنَّهُ، وعلى الرَّغْمِ من وجودِ ما يزيدُ على ثمانيةِ ملياراتِ نَسَمَةٍ على ظَهْرِ البسيطة، فإنَّ الشجاعةَ للتفكيرِ على نحوٍ مُخْتَلِف (وليس مجردَ اختلافٍ يسير) لا تزالُ نادرةَ الوجودِ كَنُدْرَةِ سيارةٍ سوداءَ مكشوفةٍ من طِراز «كاديلاك إلدورادو بياريتز» لعام ١٩٥٩.
بعبارةٍ أخرى، حالُ الدُّنيَا لم يَتَغَيَّر.
وفي عالمٍ كهذا، يبقى شَامْفُور - الذي سَخِرَ من الطَّبَقَةِ المخمليَّة، وازْدَرَى المال، ومَقَتَ التَّبَعِيَّة، وناصرَ التَّفَرُّد، وبَقِيَ قَبْلَ ذلك كلِّهِ وَفِيًّا لنفسِه - حاضرًا ومُؤَثِّرًا كما لم يَكُنْ من قَبل.
فإنْ وجدْتَ نفسَكَ في شِقَاقٍ دائمٍ مع المجتمعِ بِرُمَّتِه، ورأيتَ أنَّ المُسَاوَمَةَ على مبادئِكَ أمرٌ لا يمكنُ تَصَوُّرُه، فقد تجِدُ في شامفور رُوحًا شَقِيقَةً لروحِك. ففي تَشَاؤُمِهِ رِفْعَةٌ تُعِينُ المرءَ على الضَّحِكِ عِوَضًا عن البُكَاءِ من حماقاتِ المجتمع، وهي حماقاتٌ لا يَنْضَبُ مَعِينُهَا بطبيعةِ الحال.
وما الموقفُ الذي ينبغي لِمَنْ أَبْصَرَ خفايا أوهامِ المُجْتَمَع أنْ يتَّخِذَهُ حِيَالَه؟ يقولُ شامفور:
إنَّ الموقفَ الأكثرَ فَلْسَفَةً تُجَاهَ المجتمعِ هو مزيجٌ من سُخْرِيَةٍ دَمِثَةٍ واحتقارٍ مَشُوبٍ بالتَّسَامُح.
ومع أنَّ نيكولا شامفور كان يَنْتَمِي إلى أصولٍ شِبْهِ نبيلة، إلَّا أنَّهُ كان وَلَدًا غيرَ شَرْعِيّ، ممَّا حَتَّمَ عليهِ التَّخَلِّي عن منافعَ جَمَّةٍ كان لِيَتَمَتَّعَ بها لولا ذلك. وفي مَدْرَسَتِه، أثبتَ أنَّهُ تلميذٌ نَجِيب. غيرَ أنَّهُ بعد تَخَرُّجِه، حين اقترحَ عليهِ مُدِيرُهُ سِلْكَ الكهنوتِ مسارًا لمستقبلِه، أجابَهُ قائلًا: «لن أكونَ كاهنًا أبدًا؛ فأنا شديدُ الوَلَعِ بالسَّكِينَةِ والهُدُوء، والفلسفةِ والنِّسَاء، والشَّرَفِ والشُّهرةِ الحَقَّة، ولستُ مُولَعًا بما يكفي بالمُشَاحَنَاتِ والنِّفَاقِ والألقابِ والمال».
عَمِلَ كاتبًا للمواعظِ يَنْظِمُها للكَهَنَة، وكَتَبَ بَعضَ المقالاتِ الصَّحَفِيَّةِ بين الفَيْنَةِ والأُخرى، وعَمِلَ مُعَلِّمًا خاصًّا، وهو عملٌ لم يُحْسِنْهُ كثيرًا. وعلى الرَّغمِ من سَعَةِ اطِّلاعِهِ وذكائِهِ الحَادّ، إلَّا أنَّهُ كثيرًا ما وجَدَ مَشَقَّةً في كَسْبِ عَيْشٍ كريم. وفي نهايةِ المَطَاف، أُتِيحَ لهُ أنْ يجدَ عَمَلًا أنسب، فَعَمِلَ في عِدَّةِ مَنْشُورَاتٍ ذاتِ شَأن، من بَيْنِها مُعْجَمٌ مُهِمّ. وما لَبِثَ أنْ قادَهُ ذكاؤُهُ وشخصيَّتُهُ وفِطْنَتُهُ إلى صَدْرِ المَحَافِلِ الفكريَّةِ في زمانِه، فَتَعَرَّفَ على كِبَارِ كُتَّابِ عصرِهِ ومُفَكِّرِيه، من أمثال فولتير، وديدرو، وروسو.
وبقِيَتْ رغبتُهُ في «الشُّهْرَةِ الحَقَّة» تُلِحُّ عليه، فَعَزَمَ على وُلُوجِ عالَمِ المسرح. وقد نالَتْ أوَّلُ مَلْهَاتَيْنِ لهُ بعضَ النَّجَاحِ في مُسْتَهَلِّهِمَا قبلَ أنْ يَطْوِيَهُمَا النِّسْيانُ سريعًا. أمَّا مأساتُهُ الأُولى، فهي التي أبكَتِ المَلِكَةَ ماري أنطوانيت نَفْسَهَا عَلَانِيَةً حينَ حَضَرَتْ عَرْضَها، وبلغ إعجابُ الملكِ لويس السادس عشر بها حَدًّا جَعَلَهُ يمنحُ شامفور راتبًا تَقَاعُدِيًّا مدى الحياة. (وطبعًا، لم تكنْ كلُّ الأعمارِ لتطولَ كثيرًا في تلك الآوِنَةِ التي سَبَقَتِ الثورة).
مِنْ جهةٍ أُخرى، لم يَكُنِ النُّقَّادُ بهذا اللُّطْف، بل بَلَغَ بهِمُ الأمرُ حَدَّ اتِّهامِهِ بانتحالِ مسرحيَّةٍ سابقةٍ تتناولُ موضوعًا مُشَابِهًا. وأيًّا كان الأمر، فقد طَالَها النِّسْيَانُ سَريعًا كشأنِ سائرِ مسرحيَّاتِه. وبعد أنْ أيقَنَ شامفور أنَّهُ لنْ يبلُغَ في المسرحِ ما يَبْتَغِيهِ من الشُّهْرَة، ألقى باللَّائِمَةِ على الذَّوقِ العَامِّ بَدَلًا مِنْ أنْ يَلومَ نَفْسَهُ على هذا الإخفاق. فقال لاحقًا في إحدى تأمُّلاتِه: «إنَّ قدرًا صالحًا من الأعمالِ يَدِينُ بنجاحِهِ لِرَكَكَةِ أفكارِ مُؤلِّفِيها، فهي تَتَنَاغَمُ مع رَكَاكَةِ أفكارِ العَامَّة».
وكان شامفور يَرَى أنَّ الحَمْقَى وعَدِيمِي النَّزَاهَةِ أَوْفَرُ حظًّا في النَّجَاحِ داخلَ المُجْتَمَعِ مِنَ العُقَلَاءِ الشُّرَفَاء. وما ذاك إلَّا لأنَّ الصِّنْفَ الأوَّل «يجدونَ التَّكَيُّفَ أَيْسَرَ عليهِم، إذْ إنَّ المُجْتَمَعَ في عُمُومِهِ أحمقُ وخالٍ من النَّزَاهَة»، بَيْنَمَا الصِّنْفُ الثَّاني «يَسْتَصْعِبُونَ التَّسْلِيمَ بهذا الأمرِ بسرعةٍ، فَيُضَيِّعُونَ وقتًا نَفِيسًا قَبْلَ أنْ يأملوا في إدراكِ النَّجاح».
وبُعَيْدَ هَجْرِهِ لعالَمِ المسرح، أُصِيبَ بِدَاءٍ (يُخَمِّنُ الطِّبُّ الحديثُ أنَّهُ داءُ الأورامِ الحُبَيْبِيَّة) أَنْهَكَ قُوَاهُ وشَوَّهَ مَحَيَّاه. ولم يكُنْ قد جَاوَزَ الخامسةَ والعشرينَ من عُمُرِه. ومع أنَّ المرضَ كان يَنْحَسِرُ عنهُ فتراتٍ متقطعة، إلَّا أنَّهُ لم يَبْرَأْ منهُ قَطّ.
وممَّا زادَ من بَلِيَّتِه، أنَّ حُبَّ حياتِهِ - وهي امرأةٌ تَكْبُرُهُ بعَشْرِ سنين - قد فارقَتِ الحياةَ بعد ستَّةِ أشهرٍ فقط من قرارِهِما العيشَ سَوِيًّا في الرِّيف. فَتُرِكَ رَجُلًا تَعْتَصِرُهُ المَرَارَة. ورغم وَسَامَتِهِ - على الأقلِّ قبل أنْ يُشَوِّهَهُ المرض - ووَلَعِهِ الدائمِ بالنِّسَاءِ كأنَّهُ كازانوفا زمانِه، فقد مات الحُبُّ في قَلْبِهِ الآنَ كُلِّيًّا، كما ماتَ من قَبْلُ حُبُّهُ للمجتمع.
وبعد أنْ نالَ أخيرًا عُضْوِيَّةً شَرَفِيَّةً في الأكاديميَّةِ الفَرَنْسِيَّةِ المرموقة، نَدَرَ أنْ يحضُرَ مجالِسَها، احتقارًا لِرِجَالاتِهَا ولِطَرِيقَةِ إدارتِها. بل إنَّهُ لاحقًا، إبَّانَ الثورةِ الفَرَنْسِيَّة، شاركَ في صياغةِ تقريرٍ يقترحُ إلغاءَها. وفي تلك الحُقْبَةِ تقريبًا شرعَ يكتُبُ بِهِمَّةٍ أَوْفَرَ تلك التأمُّلاتِ اللَّاذِعَةَ والذَّكِيَّةَ التي أَكْسَبَتْهُ في النهايةِ شُهرتَهُ بَعْدَ مماتِه - وهي الشهرةُ الوحيدةُ التي كان يَعْبَأُ بِها حِينئذٍ. وقد تكرَّرَتِ الانتقاداتُ القَارِصَةُ للمجتمعِ مِرارًا في تلك التأمُّلات. وإليكَ، على سبيلِ المِثال، قَوْلَةً لا تَعْرِفُ للرَّحْمَةِ سَبيلًا:
المُجْتَمَعُ، أو ما يُسَمِّيهِ النَّاسُ بالعالَم، ما هو إلَّا صراعٌ بَيْنَ ألفِ مَصْلَحَةٍ دَنِيئَةٍ مُتَضَارِبَة، ونِزاعٌ أَبَدِيٌّ بَيْنَ كُلِّ نَزَعَاتِ الغُرُور، التي تُجْرَحُ وتُهَانُ، واحِدَةً تِلْوَ الأُخرى، فَتَتَقَاطَعُ وتَتَصَادَمُ، وفي الغَدِ تُكَفِّرُ عَنِ انتصارِ الأمسِ بمَرَارَةِ الهَزيمة. وأنْ يعيشَ المرءُ وَحِيدًا، ويَنْأَى بنفسِهِ عن هذا العِرَاكِ البائِس، حيثُ يَخْطَفُ الأبصارَ لَحْظَةً ليُسْحَقَ في اللَّحظةِ التي تَلِيها - فذلك هو ما يُسَمَّى بالعَدَم، وتَلَاشِي الكَيْنُونَة. فَيَا لَبُؤْسِ الإنسانيَّة!
وقد قُدِّرَ لِحِكَمِ شامفور المأثورةِ أنْ تَحْظَى بإعجابِ عُظَماءَ من أمثال بوشكين، وبالزاك، وشوبنهاور، ونيتشه، وكامو، على سبيلِ المِثالِ لا الحَصْر. ويبدو أنَّ نيتشه - الذي صَرَّحَ يومًا أنَّ غايَةَ مُنَاهُ أنْ يقولَ في عَشْرِ جُمَلٍ ما يقولُهُ الآخرونَ في كتابٍ بأكملِه - قدِ اسْتَلْهَمَ خاصَّةً أسلوبَ شامفور المُوجَزَ والصَّائِبَ في التفكيرِ الحِكَمِيّ. فَلْنَتَأَمَّلْ مَثَلًا القَوْلَتَيْنِ التاليتَيْن، أُولاهما لشامفور والثانيةُ لنيتشه:
ما مِنْ امْرِئٍ يُمْكِنُهُ أنْ يكونَ بِمُفْرَدِهِ مَدْعَاةً للاحتقارِ قَدْرَ جَمَاعَةٍ مِن النَّاس، وما مِنْ جَمَاعَةٍ يُمكِنُها أنْ تكونَ مَدْعَاةً للاحتقارِ قَدْرَ العَامَّة.
إنَّ الجُنُونَ في الأفرادِ أمرٌ نادِر - لكنَّهُ في الجَمَاعَاتِ والأحزابِ والأُمَمِ والعُصُورِ هو القَاعِدَة.
وكان من أَعَزِّ أصدقاءِ شامفور - والذي عَاوَنَهُ في إصدارِ صحيفةٍ، وكثيرًا ما تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في تأمُّلاتِه - نَبِيلٌ تَبَوَّأَ صَدَارَةَ المراحِلِ الأُولى للثورةِ الفَرَنْسِيَّة. فقد انْخَرَطَ شامفور كذلك في قضيَّةِ الثورة، بل وقِيلَ إنَّهُ كان مِمَّنْ اقْتَحَمُوا سِجْنَ «الباستيل» في الرابعِ عَشَرَ مِنْ يوليو عامَ ١٧٨٩.
فكيفَ تَحَوَّلَ شامفور من كِتَابَةِ المَلَاهِي المَسْرَحِيَّةِ إلى اقتحامِ الباستيل؟ ومِن تَمَتُّعِهِ بعَلاقَاتٍ وُدِّيَّةٍ مع العائلةِ المالكةِ إلى مُنَاهِضٍ للمَلَكِيَّة؟ رغم تَجَرُّعِهِ لِمَرَارَةِ خيبةِ الأملِ مع مُرورِ الأيَّام، إلَّا أنَّهُ لم يَعْتَقِدْ قَطُّ أنَّ حياتَهُ كانتْ مُتَّسِقَةً كثيرًا منذُ البِدَايَة. ومِصْدَاقُ ذلك أنَّهُ اعْتَرَفَ في إِحْدَى خواطِرِهِ بأنَّها كانت حُبْلَى بالمُتَنَاقِضَات:
إنِّي أمْقُتُ المَلَكِيَّةَ وأخْدُمُ أميرًا وأميرة. وأنا معروفٌ بِمَبَادِئِي الجُمْهُوريَّة، بَيْدَ أنَّ لي طائِفةً من الأصدقاءِ الأرستقراطيِّينَ المُدَجَّجِينَ بالأوسمةِ المَلَكِيَّة. اخْتَرْتُ أنْ أكونَ فَقِيرًا وأسْتَمْتِعَ بذلك، بَيْنَمَا أُمْضِي وَقْتِي بصُحْبَةِ الأثرياء. أزْدَرِي المَراتِبَ الشَّرَفِيَّة، ومع ذلك قَبِلْتُ بعضَها حِينَمَا عُرِضَتْ عَلَيّ. الأدبُ هو عَزَائِي الوَحيدُ تقريبًا، غير أني لا أُخَالِطُ أهلَ النُّبُوغِ والفِطْنَة، ولا أحضُرُ مَجَالِسَ الأكاديميَّةِ الفَرَنْسِيَّة. وفوقَ هذا كلِّه، أرى أنَّ النَّاسَ بحاجةٍ إلى الأوهام، في حينِ لا أمْلِكُ أنا أيًّا منها. وأعتَقِدُ أنَّ للعاطفةِ ما تُقَدِّمُهُ أكثرَ مِنَ العقل، وعلى الرَّغْمِ مِنْ ذلك، لم يَعُدْ في قَلْبِي نَبْضٌ لأيِّ عاطفةٍ كانَت.
ولكنَّ الحياةَ، في صَمِيمِ طَبِيعَتِهَا، تَعُجُّ بالمُتَنَاقِضَات. ومِنْ ثَمَّ، فإنَّ تَمَخْدُقَ المرء، لاسيَّمَا إذا كان فيلسوفًا، ضِمْنَ فِئَةٍ بعَيْنِهَا أو نَمَطِ تفكيرٍ ثابِتٍ لا يَحِيدُ عنهُ بغيرِ زَلَّة، لَهُوَ خِلَافُ الطَّبِيعَةِ، ومَآلُهُ الحَتْمِيُّ هو النِّفَاق. والأجْدَرُ بَدَلًا من ذلك أنْ يُسَلِّمَ بأنَّ الحياةَ ليسَتْ بيضاءَ ولا سوداء، بَل هِيَ ظِلَالٌ مُتَفَاوِتَةٌ مِن الرَّمَادِيّ. وإنْ كانتْ هذه الظلالُ عند شامفور تَمِيلُ غالبًا نحوَ الجانِبِ الأشَدِّ قَتَامَةً مِن الطَّيْف، كما يَتَبَدَّى، على سبيلِ المِثال، في المَقُولَةِ التَّاليَة:
لَقَدْ بَلَغَ الفَسَادُ بالبَشَرِ مَبْلَغًا يَجْعَلُ مِن أيِّ أمَلٍ أو رغبةٍ في إصلاحِهِم وتَحْوِيلِهِم إلى كائِنَاتٍ لائِقَةٍ وعَاقِلَة، ضَرْبًا مِنَ الخَيَالِ الحَالِمِ السَّخِيف، الذي لا يُغْتَفَرُ إلَّا لِصِغَارِ السِّنِّ والأبرياء.
وكان شامفور يَظُنُّ أنَّ حقائِقَ العالَمِ القاسيةَ والبَشِعَة - والتي يرى أنَّ كلَّ ذي لُبٍّ سَيُدْرِكُهَا لَا مَحالةَ عِندَ بُلُوغِهِ الأربعين - لو «عَرَفَهَا قبلَ ذلك بعِشرينَ عامًا، لكانَ إمَّا غَرِقَ في لُجَّةِ اليأسِ أو تَرَدَّى في هَاوِيَةِ الفَسَاد». ومع ذلك، فَثَمَّةَ «ثُلَّةٌ قَلِيلَةٌ مِن حُكَمَاءِ الأربعين، الذين رغمَ معرفتِهِم بكلِّ هذا، لم يَفْسُدُوا ولم يَشْقَوْا». فما سِرُّهُم يا تُرى؟ وكيف أفْلَحُوا حيثُ أخْفَقَ الكَثيرون؟ يَقُولُ شامفور إنَّ الذي «قادَهُمْ في مَتَاهَةِ الفَسَادِ هذِه هو رَجَاحَةُ عُقُولِهِم وطِيبُ سَرَائِرِهِم»، كما أنَّ «قُوَّةَ شخصيَّتِهِم وسَعَةَ إدراكِهِم» هما ما «مَكَّنَاهُمْ مِنْ تَجَاوُزِ الحُزْنِ الذي يَبْعَثُهُ انحرافُ الجِنْسِ البشريّ». ولا رَيْبَ أنَّ شامفور كان يَعُدُّ نَفْسَهُ واحِدًا مِنْ هؤلاء.
ورغم إعلانِهِ الصَّرِيحِ لِبُغْضِهِ لِلْبَشَر، إلَّا أنَّ مَقْتَهُ لم يَكُنْ خالصًا مُطْلَقًا. فَقَدْ رَأَى أنَّ السَّاسَةَ وعُلماءَ الأخلاقِ يَنْقَسِمُونَ إلى صِنْفَيْن: فِرْقَةٌ لا تُبْصِرُ مِنْ طَبيعَةِ الإنسانِ سِوى جَانِبِهَا القَبِيحِ أو السَّخِيف، وأُخرى لا ترى سِوَى خِصَالِ المَرءِ النَّبِيلة. فقال: «الأَوَّلُونَ لا يعرفونَ مِنَ القَصْرِ إلَّا مَرَاحِيضَه، أمَّا الآخَرُونَ فَحَالِمُونَ يَتَجَنَّبُونَ بِحِرْصٍ رؤيَةَ أيِّ شيءٍ قد يُؤذِي مَشاعِرَهُم، حتَّى وإنْ كان لهُ وجود». أمَّا الحقيقَةُ، عِنْدَه، فَتَقْبَعُ في مَنْزِلَةٍ بينَ المَنْزِلَتَيْن.
وعلى الرَّغمِ من أنَّهُ لم يَكُنْ سِياسيًّا نَشِطًا، إلَّا أنَّ بَقِيَّةً من مِثَالِيَّةٍ ظَلَّتْ تُخَالِجُهُ حتَّى وهو في الأربعينيَّاتِ من عُمُرِه. وبدافعِ رَغْبَتِهِ في تقويمِ ما رآهُ من مَفَاسِدَ في المُجْتَمَع، آلَ بِهِ المَطَافُ لِيَكُونَ مِنْ بَارِزِي أعضاءِ نادي «اليَعَاقِبَة» المُتَطَرِّف. إلَّا أنَّهُ سُرعانَ ما انْسَحَبَ حينَمَا هَيْمَنَ على اليَعَاقِبَةِ غُلَاةٌ من أمثال «مَارَا» و«رُوبَسْبيير»، الذين أطلقوا العَنَانَ لعهدِ الإرهابِ المُتَصَاعِدِ في وَحْشِيَّتِه، والذي أفضى إلى إعدامِ سبعةَ عَشَرَ ألفَ نَسَمَةٍ تحتَ نَصْلِ المِقْصَلَة. عِنْدَهَا، قَرَّرَ شامفور الانضمامَ إلى فَصِيلِ «الجيرونديِّين» المُعْتَدِلِين، والذي غدا سَريعًا عَدُوًّا أَلَدَّ لِليَعَاقِبَة، الذين انتهى بِهِمُ الأمرُ إلى إعدامِ اثنين وعشرينَ نائبًا جيرونديًّا.
وفي تِلك الأثْنَاء، دَبَّجَ شامفور مَقَالاتٍ يُسَجِّلُ فيها وَقَائِعَ الثورة. وبسَبَبِ أُسلوبِهِ اللَّاذِعِ المُشْبَعِ بالهِجَاء، أوْقَعَ نَفْسَهُ في عداوَاتٍ كثيرة، ولا سيَّما في صُفُوفِ اليَعَاقِبَة. ولهُ شِعَارٌ مَشْهُورٌ لَخَّصَ فيهِ ما رآهُ من ادِّعاءاتِ اليَعَاقِبَةِ في حينِها: «كُنْ أَخِي أو أقْتُلُك». وطَبِيعِيٌّ أنَّ اليعاقِبَةَ لم يتَقَبَّلُوا طَرَائِفَهُ هذِهِ برحابَةِ صَدْر.
وحينَ عُرِضَ عليهِ مَنْصِبُ المُديرِ العامِّ للمَكْتَبَةِ الوَطنيَّةِ إبَّانَ الثَّورة، قَبِلَه؛ إذْ كان منصبًا يُوَافِقُهُ تَمامَ المُوَافَقَة. بَيْدَ أنَّهُ سُرعانَ ما اتُّهِمَ بتأييدِ اغتيالِ «مارا» على يدِ شارلوت كورداي (التي كانَت تَتَعَاطَفُ مع الجيرونديِّين)، فأُلْقِيَ بِهِ في السِّجْنِ لِفترةٍ وَجِيزة. وقَد تَبيَّنَ أنَّ مُتَّهِمَهُ لم يَكُنْ سِوى مُعَاوِنِهِ في المكتبةِ الذي لم يَبْتَغِ سِوى الظَّفَرِ بِمَنْصِبِه.
وبعد الإفراجِ عنه، اسْتَقَالَ شامفور مِنْ مَنْصِبِه، وبعد أنْ فَقَدَ راتِبَهُ التقاعُدِيَّ من المَلِكِ - الذي أُعْدِمَ خلالَ الثورة - انْحَدَرَ بِهِ المآلُ إلى الفَقْر. وفوقَ هذا، وُضِعَ تحت الرَّقَابَةِ الدائمة، وهي رقابةٌ أُجْبِرَ على تَحَمُّلِ تَكاليفِها بنَفْسِه. وعندما بَلَغَهُ أنَّهُ سَيُزَجُّ بِهِ في السِّجْنِ مَرَّةً أخرى، طَفَحَ الكَيْلُ فَعَزَمَ على الانتحار، مُفَضِّلًا «أنْ يَمُوتَ حُرًّا على أنْ يعيشَ عَبْدًا في السِّجْن».
إلَّا أنَّ مُحاولَتَهُ الانتِحَارِيَّةَ هذه بَاءَتْ بِفَشَلٍ ذريع. فَفِي بَادِئِ الأمر، أطلَقَ النَّارَ على رأسِه، لكنَّهُ لم يُفْلِحْ سِوى في فَقْءِ عَيْنِهِ اليُمنَى. ثُمَّ أمَرَّ الشَّفْرَةَ على حَنْجَرَتِه، ولم يكُنْ ذلك كافِيًا للإجْهَازِ عليه. وأخيرًا، وفي لَحْظَةِ يَأسٍ مُطلَق، طَعَنَ نفسَهُ في ذِرَاعَيْهِ وسَاقَيْه، مُوقِعًا بِجَسَدِهِ اثنيْن وعشرينَ جُرحًا. وبِأُعجُوبَةٍ، نَجَا من هذه المِحْنَة، وتَمَكَّنَ مِن البقاءِ على قَيْدِ الحياةِ خمسةَ أشهُرٍ أخرى، ليَلْفِظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ بَعْدَ ذلك نتيجةَ العِلَاجِ الأَخْرَقِ لجُروحِهِ على يَدِ طَبيبِه.
ويُقالُ إنَّ آخِرَ كَلِمَاتٍ فَاهَ بِهَا شامفور كانت:
آهِ يا صديقِي! هَا أنَذَا أخيرًا أُوشِكُ على الرَّحِيلِ عن هذا العَالَم، الذي لا بُدَّ فيهِ للقَلْبِ إمَّا أنْ يَنْفَطِر، أو يَقْسُوَ حتى يَغْدُوَ كالبُرُونْز.
