في مديحِ البدائيّ

 

إنَّ استعصاء الآخَرِيَّة (الغيرية) على التحديد لَيَلْتَحِمُ في بعض الأحايين، على نحو يثير المفارقة، بملموسية شيء بعينه. وفي حالة سيوران، يَدُلُّ ذلك الشيء على منشئه المفروض ومُتأصَّل جذوره؛ غير أنه كابَد، منذ بوادئ أيامه، ظمأً إلى الآخَرِيَّة بوصفها طريقة لمعايشة القَصِيّ، مُسْقِطًا إياها على حلم التبدُّل والترحال، وهو حلمٌ ما إن تحقق حتى وَلَّدَ معضلة جوهرية: ألم يكن الهوس بإيثار الآخَرِيَّة على شيء ما يعني، في طياته، أن البدائل الماثلة أمامه كانت مَقْدُورَةً، في نهاية المطاف، لتلتقي عند تلك الخاتمة المُقْلِقَة ذاتها؟

إن عيش القَصِيّ هو عيش في المنفى، مكانيًا كان أم زمانيًا. ولقد كابد إميل سيوران كليهما، مدفوعًا بجموح الكبرياء وخُيَلَاءَ لا حَدَّ لها حَرَّمَتْ عليه الاقتناع بالانتماء إلى أي مكان أو زمان أوحد. وحتى حين اصطفى فرنسا جغرافيةً لمنفاه، أنكر بعناد مستميت أي عودة إلى الوطن باعتبارها تثبيتًا مكانيًا. ففي كتابه «شفق الأفكار» يُصرِّح جليًا:

إن الاغتراب الداخلي (أو انتفاء الوطن الداخلي) هو المناخ المطلق للأفكار المُجْتَثَّة من جذورها. إنك لا تبلغ عبثية الروح المهيبة طالما كان لك مَقَام في العالم. فالمرء يفكر دائمًا انطلاقًا من فقْدَان الوطن. وبلا حدود، ليس للروح مكان تحبسك فيه. ولذا كان المفكر مهاجرًا في هذه الحياة.

ولقد كانت بداية هذا «الاغتراب الداخلي» في مسيرة حياة سيوران إبَّانَ رحيله إلى «سيبيو» - في قطيعة مع عالم موغل في القِدَم، وبدائي إلى حد ما (كما ستتبدّى له لاحقًا طفولته في «راشيناري»). ورغم كونه باقيًا في ربوع بلاده، إلا أنه أحسّ بنوع من الغربة، إذ عاش في «سيبيو» بين حضارتين، وهي حالة مَرَدُّها، في المقام الأول، إلى ارتياده المكتبة الألمانية. وهكذا، حين حَلَّ لاحقًا في «برلين» إثر منحة من «هومبولت»، كانت تصوراته نائية كل البعد عن تصورات عالم جديد برمته. ولما غادر «برلين» لشهر قاصدًا زيارة «باريس»، واختبر - في نذير مُسْبَق - «تجلّي السقوط في المستقبل»، بدأ هوسٌ بفرنسا يتملّك سيوران الشاب، وبعاصمتها قبل كل شيء، والتي لم يكن له سبيل إلى بلوغها إلا عبر منحة أخرى، هذه المرة من المعهد الفرنسي في «بوخارست»، لِقَاءَ عهد بإنجاز أطروحة دكتوراه في الفلسفة. وفي «باريس»، بُعَيْدَ الحرب مباشرة (عام ١٩٤٤)، تخصص في الأدب الروماني القديم، مستعينًا في المقام الأول بالكتابات الدينية في مكتبة الكنيسة الرومانية. بَيْدَ أنه، إذ أدرك انتفاء رغبته في العودة إلى رومانيا، وأن ذلك التخصص لا غَنَاء فيه ولا طائل من ورائه، استيقن من حتمية بَتِّ الصِّلات مع الماضي، وهي قطيعة اقتضت التَّنَصُّل من لغته الأم. فلم يكن بمقدوره الاستمرار بالرومانية ومطامحه تَرْنُو شَطْرَ رؤية جديدة: الكتابة بالفرنسية.

وقد أتى هذا التحول بسرعة خارجة عن المألوف إبان ترجمته لأشعار مالارميه؛ إذ حين جابَهَ «الصِّدَام» المباشر بين الروافد الشعرية للغتين متباينتين (وإن انحدرتا من أَرُومَة مشتركة)، قاسى التجربة المريرة للنقل، وما يلزم عنها من فقْدَان دلالي. في تلك اللحظة، وقد دَهَمَتْه بصيرة فقدان الهوية الوشيك، أدرك أن الانعتاق من الماضي يستوجب، قبل كل شيء، وَثْبَة الانسلاخ عن لغته السالفة:

فإذا كانت اللغة هي التُّخُوم التي تُضْفِي الهوية ضمن نظام الروح، فإن التخلي عن لغة ما يعني منح الذات حَدًّا آخر، وتعريفًا آخر؛ وخلاصة القول: تغيير الهوية. وإن هذه الظاهرة من فَرْط بَغْتَتِهَا لتُعَادل موتًا وتَنَاسُخًا في جسد لغوي آخر.

بَيْدَ أن المقارنة بين اللسانين لم تجلب المساوئ فحسب؛ فلطالما أعاد سيوران اكتشاف لغة رومانية ذات شاعرية لا تُضَاهى:

إن لغتنا لَهِيَ الأشعر من بين كل ما أعرفه أو أَحْدِسُ به. يا له من حظ - ويا له من شقاء في آن. شعب محكوم عليه بالعزلة.

لغتنا من بين أكثر اللغات إفصاحًا وتعبيرًا. لقد تأثرت أيما تأثر ذات يوم حين وقعت على شطر: "لأنني كنت أَرْمُقُكِ بعيون وثنية" - فكلمة "وثنية" هنا آسِرَة وتمتلك قوة لا تُوجَد إلا في الرومانية. يا له من سُخْف أن نكتب بهذه اللغات "المتحضرة" والمتعارف عليها.

إن «المواجهة» بين لغتين لتُخْفِي، بالقدر ذاته، صِدَامًا بين عالمين: فمجانبة الحَيِّز الجغرافي الأول تُكْسِب نظرة المرء شمولية أَمْضَى وأَثْقَب من خلال الطموح إلى الموضوعية. وليس هذا هو الحال مع إميل سيوران، الذي استمر، سواء إبان سنواته في رومانيا أو بعد مغادرتها، في النظر إلى بلاده في ضوء واحد: ضوء «الشقاء التاريخي».

وبعد مَرِّ عشر سنين على حُلُوله في «باريس» (عام ١٩٤٧)، دَفَعَ سيوران إلى دار «غاليمار» بمخطوطة كتابه الأول بالفرنسية، «رسالة في التحلُّل». وقد جاء هذا بعد آخر أعماله الرومانية، «دليل عاطفي»، المكتوب بين عامي ١٩٤٠ و١٩٤٤ (وكانت الأعمال الخمسة السَّوَابِق قد أُلِّفَت ونُشِرَت في رومانيا).

وبحلول ذلك الحين، كان قد اكتسب السلاسة المنشودة في الكتابة بالفرنسية، بعد سنوات من المُكَابَدَة والكَدّ، كَمَنْ لا نظير له، في سَبْرِ أغوارها وخباياها. وإن تعريفه للفرنسية بأنها «مزيج من سُتْرَة المجانين والصالون» ليُفْصِح عن كل شيء فيما يخص براعته فيها: فلبلوغ «الصالون»، أي تهذيب الروح السامية، توجّب عليه أولًا المرور بمرحلة «سُتْرَة المجانين»، وترويض صياغات جديدة للفكر والتعبير في لغة صُنِعَت «للفقهاء والمناطقة»، على حد تعبيره. وفيما يتعلق بكتابه الفرنسي الأول، أَدْلَى سيوران بهذا الاعتراف:

لقد كانت "الرسالة" انفجارًا. إبان كتابتها، أحسست وكأنني أَنْعَتِق من ثِقَل ساحق لم أكن لأَقْوَى على تحمّله زمنًا أطول؛ كنت في عَوَزٍ إلى التنفُّس، وفي عَوَزٍ إلى الانفجار. شعرت بالحاجة إلى تصفية حساب قاطعة، لا مع البشر بقدر ما هي مع الوجود ذاته: لقد رُمْتُ أن أستدعيه إلى نِزَال منصف، ولو فقط لأرى من ستكون له الغَلَبَة. وللحق، كنت على يقين شبه تام بأنني سأنتصر، وأنه من المُحَال أن يَظْفَر الوجود. أن أحاصره، وأُضَيِّق عليه الخِنَاق ضد الجدار، وأُحِيلَه إلى عَدَمٍ بالاستعانة بمنطق محموم ونَبَرَات تُذَكِّر بـ"ماكبث" و"كيريلوف" - ذلك كان طموحي، وهدفي، وحُلُمي، وبَرْنَامَج كل لحظة كائنة.

وقد اخْتُتِمَت المسابقة التي تمنح جائزة لأفضل مخطوط فرنسي لأجنبي بالنجاح المُدَوِّي لكتابة إميل سيوران، والتي اسْتُقْبِلَت بثناء صادح من أصوات جليلة في ذلك الزمان (من قبيل أندريه موروا، وكلود مورياك، وجول رومان، من بين آخرين)، وكذلك من الصحافة التي خصصت صفحات مَلْأَى بالإشادة خَطَّهَا يَرَاع «موريس نادو»:

ها هو ذا إذن من كنا ننتظره: نبيُّ أزمنة المعسكرات والاعتقال والانتحار الجماعي، ذاك الذي كان يُهَيِّئ لمجيئه كل فلاسفة العَدَم والعَبَث، حامل نُذُر السوء الحَقّ. دعونا نحييه ونُمْعِن فيه النظر: فإنه سَيَشْهَد على عصرنا.

لقد اسْتَقْطَر نادو جَوْهَر موهبة حديثة الاكتشاف، معترفًا بأنها قد صَدَمَت بِحِدَّة صرخة كائن مُعَذَّب يبدو مُتَجَاوِزًا «للكلمات المُبْتَذَلَة العظمى لليأس». وفي الحقيقة، كان سيوران يستأنف حُمَّى تصفية الحسابات من كتابه الروماني الأول، «على مرتفعات اليأس»، وهي حقيقة أكدتها روح الفيلسوف الثاقبة نفسها:

إن طريقتي في رؤية الأشياء لم تتبدل تبدُّلًا جوهريًا؛ ما تغير بلا ريب هو النبرة. فنادرًا ما يتغير جوهر الفكرة حقًا؛ أما ما يتحول فهو صياغة العبارة، والواجهة، والإيقاع.

وقد تجلى وَلَع سيوران المُتْرَف بالتناقض في صميم الحياة اليومية كذلك: فكل الضجة التي أحاطت بالرسالة والأعمال التي تلتها جَلَبَت له جوائز ذات شأن - ريفارول، سانت بوف، كومبا، نيمييه - والتي رفضها كلها باستثناء الأولى. وكان تبريره على وِئَام تام، لا مع الفلسفة المنبثقة من كتاباته فحسب، بل أيضًا مع الطريقة التي ارْتَضَاهَا ليحيا بها: «لا يَسَعُكَ أن تكتب كتابًا مثل 'مَثَالِب الولادة' ثم تقبل بعدها جائزة أدبية».

وإلى جانب رفضه الرضوخ لأي فكرة مبتذلة، أُضِيف عُزُوفه عن أن يُفْهَم «أسرع مما ينبغي» من قِبَل جمهور قريب منه جدًا. وفي هذا الصدد أيضًا، اسْتَنْبَت سيوران المسافة ورَعَاهَا، مفضّلًا التلقي الاستحساني لكتبه من قِبَل القراء في إسبانيا، أو إيطاليا، أو ألمانيا، أو اليابان، أو أمريكا، على قَبُولها من لَدُن الجمهور الفرنسي.

إن عيش القَصِيّ قد وضعه خارج أي حَيِّز دقيق وخارج أي زمان مَعْلُوم. وأَضْحَت مُمَانَعَتُه لإرساء ذاته على إحداثية ثابتة قاعدة أساسية لا مَحِيد عنها. وسرعان ما أصبحت «الحاجة» أو «التَّوْق إلى الرحيل» نتيجة حتمية لفلسفة تُؤَطِّرها كلمة واحدة: الآخَرِيَّة.

وإن هذه الآخَرِيَّة لَهِيَ شَغَف الإنسان المُهْلِك.

باختياره أُنْمُوذَج الآخَرِيَّة، ينادي المفكر بفلسفة «الإمكانية اللانهائية»، والتي يمكن تفسيرها على أنها استحالة الاستقرار:

ليس ثَمَّة مكان تحت الشمس لِيَسَعَنِي، ولا ظِلّ لِيُؤْوِيَنِي، فالمكان يَغْدُو ضبابيًا في غَمْرَة التِّيه والهرب الذي لا يَرْتَوِي. لكي تَمْكُث في مكان ما، ويكون لك 'مكانك' في العالم، يجب أن تكون قد اجْتَرَحْت معجزة العثور على نفسك في نقطة ما من المكان، دون أن تَطْوِيَكَ المرارة. حين تجد نفسك في مكان ما، لا تفعل شيئًا سوى التفكير في مكان آخر، بحيث يتشكل الحنين عُضْوِيًّا كوظيفة نباتية. وتتحول الرغبة في الآخَرِيَّة، من رمز روحي، لتغدو طبيعة.

إن «الطبيعة» التي يتحدث عنها سيوران هنا تدل على الشرط الإنساني - المتناقض في قلقه واضطرابه - وهو استنتاج يَبْلُغه بعد أن يُسْقِط أولًا، في فِرَار الزمن، فِرَارًا من الذات:

كطفل، لم يكن بِوُسْعِكَ أن تَهْدَأ. طُفْتَ الحقول. وكنت تتوق لأن تكون في الخارج، بعيدًا عن ديارك، بعيدًا عن ذَوِيك. كنت تَرْمِش بمَرَح نحو حافة السماء وتُكَوِّر السماوات على مقاس لَوَاعِج الحنين. وبِوُثُوبك من الطفولة إلى الفلسفة، ضَخَّمَت السنون فَزَعك من الاستقرار. اجتاحت الأفكار العالم بعاصفتها. ودخلت الحاجة إلى التِّيه في صميم المفاهيم.

هذا التَّوْق أو الحاجة إلى التِّيه عَذَّب«سيوران حتى عندما بدا قاب قوسين أو أدنى من الاستقرار للأبد في المكان الذي صُوِّر يومًا كأيقونة للثبات والبقاء: باريس. غير أنه، في غضون ذلك، كانت باريس المثالية قد تخلت عن مكانتها لِحَاضِرَةٍ في غَسَقِهَا، في أُفُول حضارة كانت تعني له كل شيء يومًا ما. وهكذا، عَبْرَ التَّوْق إلى التشرُّد، دَهَمَه القَصِيّ من جديد. وإذ لم يَقْنَع بعبثية القَدَر، الذي أحس بنفسه فيه «سيدًا مهزومًا»، فقد اسْتَدْرَجَتْه أطياف سِنِيِّه الأولى: عودة في الزمن أَسْقَطَت شَذَرَات من خطواته الأولى، حين طَمَح، بحماسة الشباب المُتَّقِدَة، إلى غزو العالم:

يوليوس قيصر؟ دون كيخوت؟ أيهما، في غطرستي، وَدِدْتُ أن أتخذ أُنْمُوذَجًا؟ لا يَضِير. الحقيقة هي أنني، ذات يوم، ومن أرض قَصِيَّة ما، انطلقت لأغزو العالم، كل حيرة العالم...

إن إِجْفَال سيوران للعالم الثقافي، إبان رحيله إلى باريس، بهَذَيَان البصيرة الذي صَرَخ به بقلقه الميتافيزيقي، لَهْوَ أمر ثابت ومُدَوَّن بالفعل. لكن في باريس، هذه البصيرة عينها سَتَحْدُوه لإعادة النظر في قِيَم الوجود، والتي سَيَفْصِلها عن أي تَمَاسّ مع الطوارئ:

اليوم أعتقد أنه كان من الأفضل لي بكثير لو بقيت مساعد راعٍ في القرية الصغيرة التي جئت منها. لَكُنْتُ قد فهمت الجوهري كما أفهمه الآن تمامًا. كنت سأكون أقرب إلى الحقيقة هناك [...] كان من الأفضل أن أعيش بين الحيوانات، مع أُناس بسطاء، رُعَاة، على وجه الخصوص. عندما أذهب إلى أماكن بدائية تمامًا، وعندما أتحدث مع أُناس في غاية البساطة، يَنْتَابني دائمًا انطباع بأن الحقيقة تسكن في هؤلاء الناس [...] إن الثقافة والحضارة ليستا ضروريتين لما هو جوهري. لكي تفهم الطبيعة والحياة، لست بحاجة إلى أن تكون مثقفًا.

وفي إحدى رسائله إلى شقيقه أوريل، في وقت مبكر من السبعينيات، رَاوَد الكاتب حَدْس ونذير بخصوص أصالة الحقيقة الوجودية، التي يَرْتَقِي بها إلى مَرْتَبَة الحقيقة المطلقة في حيواتنا:

كلما كنت أكثر بدائية، كنت أقرب إلى الحكمة الأولى التي أضاعتها الحضارات. [...] إن أي راعٍ من بلادنا لَهُوَ فيلسوف أكثر من أي مثقف هنا.

بعد أن سعى إلى بلده المُتَبَنَّى ووجده، اختار إميل سيوران العودة - وإن كان ذلك كإسقاط مثالي فحسب - إلى أصوله، إلى ذلك المكان الذي يقف فيه الإنسان، بِمَنْأًى عن مظاهر نِعَم الحضارة التقنية، وجهًا لوجه مع صورته الخاصة، ويستسلم لصِدْق يُجَرِّده من أي سلاح. ولكن ليتقبل طريق العودة، كان لِزَامًا عليه أولًا أن «يَضِلَّ الطريق» (وهي عبارة تصف واقعًا أَثِيرًا جدًا لديه)، فبذلك وحده استطاع أن يقارن ويختار.

لقد أثبت بديل الآخَرِيَّة (الغيرية) ضرورته المطلقة بالنسبة إليه لكي يجوب المسار المعاكس، وينتهي بسؤال نفسه، مَبْهُوتًا ومستسلمًا:

لماذا غادرتُ كواستا بواتشي؟

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق