لا تسلُبِ الإنسانَ دموعَه
لَطَالَمَا وُسِمت «إلياذة» هوميروس، وعلى يَدِ أقلامٍ لا يُشَقُّ لها غُبَار، بأنها «ملحمةُ القوة» أو العنف، كما هو قول سيمون فايل أو راشيل بيسبالوف. ودون اطّراحٍ لهذا المنزع، بل مع عدّه هاهنا أمراً مُتَمِّماً أو ثانوياً، سَنُنافح في السطور القوادم عن رأيٍ أدنى إلى ما صال به جاسبر غريفين، إذ يؤكّد قائلاً: «إن ملاحم هوميروس لا تُخبرنا أن العالَم مخلوقٌ لأجل الإنسان، ولا أن السعادة هي حالتنا الفطرية فيه. بيْدَ أن ما تُخبرنا به حقّاً هو أن العالَم يمكن فهمه بمقاييس إنسانية، وأن الحياة البشرية يمكن أن تكون أرقى من مُجَرَّد صراعٍ تافهٍ ووضيع في غياهب الظلام».
ففي خِضَمِّ التخلّي، والتخبّط، أو العبث المُطلق، يغدو ممكناً تقصّي بارقةٍ من مسار العالَم أو مصيره المحتوم. وفي معمعة ممارسة الحُرِّيَّة، نتلمّس أثَرَ الضرورة. إن صنيعة المرء، في صميم هذا التّيه الذي يتبدّى له أحياناً شارداً، عَرَضِياً، أو عصيّاً على الفهم، هي أن يتقبّل القَدَر (أو Ananke، أي الضرورة) لا بوصفه حضوراً مُزْدَرِياً أو مَنِيعاً، إنما بمثابة مادّةٍ يجب أن يصنع بها شيئاً. فالإنسان هو ذلك الحيوان الذي يُراهن بكل ما يملك في عمله وقوله أمام ما يبدو أنه قضاءٌ لا رادَّ له.
ويروق لي هاهنا أن أستشهد بفريدريك نيتشه في موضعين من سِفْره العظيم، وهو من أكثر المفكّرين الذين عُنوا بمحاولة المزج بين مفهومي الضرورة والحرية. فمن جهة، دوّن نيتشه في «العلم المرح»: «ما الذي يجعل المرء بطلاً؟ أن يَمضيَ في آنٍ واحد للِقاء معاناته القُصوى وآماله القُصوى». فكلاهما، الكَمَد أو الشجن - الذي يشلّنا في الحاضر، في حَمْأَةِ ما لا يتحرّك - واليقين بما هو آتٍ - الذي يقذف بنا إلى الأمام، ويدفعنا إلى المثابرة - يُعَشِّشان في صدر الإنسان، بحيث تتجلّى بطولتنا في قَبول كلا القُطبين دون ازدراء أيٍّ منهما. إن حياتنا تمضي في لُعبةٍ، أو جاز القول مع هيراقليطس، في حربٍ أو نزاعٍ لا مَناص منه؛ وحينما نَروم التَّنَصُّل من أحدهما، ينتهي بنا المطاف أن يجرفنا المصير، غير أنه، وكما أصابت ماريا زامبرانو حين قالت: «لا شيء يَحُطُّ من قَدْرِ الإنسان ويُذلّه أكثر من أن يُحَرَّك دون أن يدري لماذا، ودون أن يعرف مَن يحرّكه، أن يُحَرَّك من خارج ذاته». ومن جهة أخرى، قَمِينٌ بنا أن نذكر نصّاً مبكراً لنيتشه مجهولاً بعض الشيء، يرجع إلى عام ألف وثمانمائة واثنين وستين، صرّح فيه فيلسوف رُوكِن قائلاً: «إن القَدَر هو القوة اللامتناهية لمقاومة الإرادة الحرة؛ وإرادةٌ حُرّة بلا قَدَر هي أمرٌ يستحيل تصوّره كاستحالة تصوّر الرُّوح بلا واقع، أو الخير بلا شر، إذ إن التناقضات وحدها هي التي تُوَلِّد سمات الطَّبْع»، وبذلك نخلص إلى النتيجة عينها: أن الحرية والضرورة عنصران لا غنى عنهما في سيرتنا: «ففي الإرادة الحرة يتجلّى للفرد مبدأ التفرّد [...]؛ غير أن القَدَر يُعيد الإنسان مرّة أخرى إلى علاقة عضوية وثيقة مع التطور العام». وذلك لأن، كما فسّر نيتشه، «إرادةً مُطلقة وحرّة، خالية من القَدَر، لَمِن شأنها أن تجعل من الإنسان إلهاً»، أما «المبدأ الجَبْرِيّ، في المقابل، فيجعل منه آلةً صَمَّاء». فنحن إذاً جِسْرٌ جميلٌ وهَشٌّ ممدودٌ بين الضرورة والحرية.
وعلى مدار «الإلياذة»، نشهد تطوّر صراعٍ طاحن بمدلوله الاشتقاقي الدقيق: ذلك الـ(أَغُون)، تلك العَرَكَة، تتبدّى كَعَرْضٍ علني للأفعال والأقوال، وَفْق تعبير أثير لحنة آرندت في «الشرط الإنساني»، حيث يُبرز كلّ مقاتل طبيعته الخاصة، بل وما هو أبعد من ذلك، القُوَى الخفيّة التي تنبثق فيه، سواء أكانت إعجازية، أم وراثية، أم إلهية. فالشخصيات المختلفة تتباهى بما هي عليه وبما تُمثّله في المشهد البشري، أي أنها تُقرّر استيعاب الموقف العصيب المتمثل في رؤية أنفسهم مَحَطّ أنظار آلهةٍ تتدخّل في أفعالهم، لكنهم في الوقت عينه، لا يَنْكَفِئُون عن الفعل، وعن الظهور على حقيقتهم. وبهذا المعنى، لا يمكن وَسْم أيٍّ من الأبطال، أو أيٍّ من أفعالهم، بأنها تافهة أو لَغْو أو مُبْتَذلة: فكل ما يحدث هو ضروريٌّ بمقدار ما يُجسّد ويصف طريقة لا تُمحى وفريدة جدّاً للوجود والعمل في هذا العالَم. كينونةٌ وحالٌ لا نظير لهما. فالعالَم الأكبر يتألف من حشودٍ من العوالم الأصغر.
وسأصرف عنايتي الآن إلى فِعْلٍ من تلك الأفعال التي تُميّز الأفراد، وتُؤاخي بينهم، وتجعل منهم كائنات يستحيل مبادلتها اعتباطاً بغيرها. وأعني بذلك البُكاء، فِعْل إراقة الدموع، وهو من أكثر الأفعال تكراراً في ثنايا «الإلياذة» و«الأوديسة». إذ كثيراً ما نُلْفِي أبطال هوميروس ينتحبون، ويقعون فرائس للبكاء، أو يُقسمون بحَنَقٍ على الانتقام جرّاء إهانةٍ ما. وعليه، يمكن القول عموماً، إن ثَمَّةَ نَزْعَةً وجدانية لدى شخصيات هوميروس تسودها الشفافية، حتى حين يكون العدو قُبَالة الأعين. فالانفعالات، في هذه الحقبة الملحمية من الفن اليوناني، ليست عُنصراً يُورث الاضطراب أو الخَزَاية، أو شيئاً تجب مُوَاراته والاستحياء منه؛ إنّما على النقيض من ذلك، فإن التأثّر بتقلّبات الخُطُوب، سواء أكانت خاصة أم عامة، يبدو أمراً جِبِلِّياً بل ومحموداً، إذ إن هذه الانفعالات هي ما يُهيّئنا للتصرّف على هذا النحو أو ذاك. وهي ما يتيح لنا أن نُفصح عمّا نحن عليه وحجم وجودنا. وهكذا، فإن الانفعالات تُميّزنا بأبهى المعاني، فهي تُبيّن مَن نحن في حقيقة الأمر، إذ لا مجال للتهادن أمام انفعالٍ صادق، وإن كان حريّاً بنا أن نُبقي في الحسبان حَدَّ العُجْب أو الغطرسة (hubris)، ذاك الذي يُراودنا ليضعنا في مَصَافّ الآلهة المنيع.
ويجدر بنا هاهنا إبراز تباينٍ أفلاطوني. ففي أعمال أفلاطون، وفي ما يُسمّى بالعصر الكلاسيكي للأدب والفلسفة اليونانية بشكل عام، نلحظ مَنْزَعاً مختلفاً جدّاً حيال المجال العاطفي، الذي يجب إخضاعه إخضاعاً تامّاً. وسأُورد نصّاً من «الجمهورية» (الكتاب الثالث)، حيث يُنادي فيلسوف الأكاديمية بَبْتْرِ الفَيَضانات العاطفية بُغية تربية النَّشْء والشباب على الاعتدال: «وبناءً عليه، سَنُحْسِن صُنْعاً إن نحن مَحَوْنَا مَرَاثِيَ الرجال الأفاضل، ونسبناها إلى النساء - وليس إلى ذوات الرِّفعة منهن - أو إلى أرذل الرجال، حتى تَمُجَّ طِباع أولئك الذين نزعم أننا نُربّيهم لحراسة البلاد محاكاة أمثالهم». وإثر ذلك، يسوق أفلاطون قِطَعاً شتى من هوميروس لِيَخْلُص إلى أنه من الأصوب تربية المواطنين على نحوٍ لا يُسلمون فيه أنفسهم «لمراثٍ طِوَال دون الشعور بأدنى خجل أو إبداء أي رَبَاطَة جأش». وكثيرٌ مما يمكن قوله، أيضاً، حول مفهوم فُقدان السيطرة على النفس في كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخوس» لِأرسطو؛ وحَسْبُنا أن نستشهد بهذه الشَّذْرَة ذات الأصول الأفلاطونية الجليّة: «يجب أن نكون قد تلقّينا تربية معينة منذ حداثة سنّنا، كما يقول أفلاطون، لكي يتسنّى لنا أن نبتهج ونتألم على الوجه اللائق، ففي هذا تكمن حُسْن التربية».
بيْدَ أنه، وكما تُؤكد راشيل بيسبالوف، «كل الناس يَحْيَوْنَ في غيابات الألم: وليس للمساواة الحَقَّة من ركيزةٍ سوى هذه». ففي «الإلياذة» لا ننطلق من الحُكم المُسْبَق، الذي جاء لاحقاً، بأن الانفعالات أمرٌ تجب الرقابة عليه، أو مما هو أدهى، أنها عنصرٌ مذموم بسبب حالتنا الرفيعة بوصفنا «كائنات عاقلة»، على حد تعبير أرسطو. ونلحظ ذلك بجلاءٍ حينما يشرح أخيل لِبريام في النشيد الرابع والعشرين، أنه لكي يستطيعا التحدث وفهم بعضهما بعضاً، يَحْسُن أن «نَدَعَ الأحزان تَهْجَع في النفس، على الرغم من غَمِّنَا»، إذ من المعلوم أن «الآلهة قد نَسَجَت للبشر التُّعَسَاء» أن يحيوا «يُكابدون الرَّزَايَا». بمعنى أن الأمر لا يتعلق باجتثاث الانفعالات من نفوسنا لعقلنتها، بل بمنحها المكانة اللائقة بها في وجداننا، إذ إن العذاب قد فُرِض من لَدُن السماء، وغاية ما نستطيعه هو أن نُخفّف من لَأْوَائه، أما اجتثاثه، فلن يكون سوى مَسْعَىً عقيماً. ويشير أخيل هاهنا إلى «النَّحيب الجليدي» لأن العَبَرَات لن تسمح لِهِكتور وباتروكلس بالعودة إلى قيد الحياة.
غير أننا، إذا ما رجعنا القَهْقَرَى بُرْهَةً إلى واحدةٍ من أجمل اللحظات في الملحمة الهوميرية، وربما أكثرها حسماً: فذلك البكاء عينه (البارد، الجليدي)، الذي يُصرّح أخيل بعد هُنَيْهَات بأنه لا غَنَاء فيه ولا طائل منه، يَصلُح مع ذلك للتآخي بين الأعداء الألِدَّاء، وما هو أهم من ذلك، ليعترف كلٌّ منهما بالآخر كذاتين تتحدثان وتفعلان في مساواةٍ ومن مُنطلقها. فالبكاء يسمح لهما برؤية وجوههما، وبالتعارف، فوق - أو دون - خلافاتهما السياسية والحربية. حينما يَلِجُ بريام الخيمة التي يَحُلُّ بها البطل المِرميدوني ضيفاً على السواحل الطروادية، يبعث الملك المُبَجَّل الدموع في عينيّ أخيل حين يُذكّره بأبيه بيليوس، الذي تركه خلفه ومضى بحثاً عن مَجْدٍ مُخَلَّد. حينئذٍ يروي هوميروس كيف أن «كليهما قد غاص في ذكرياته» وأن «نحيبهما قد تعالى في أرجاء المكان». وإثر ذلك، ولما «ارْتَوَى الإلهي أخيل من البكاء»، نهض من عرشه و«أنهض الشيخ بيده»؛ وحريٌّ بالتذكير أنه قُبَيْلَ «إشباع» تلك الرغبة في البكاء، كان أخيل قد أتى بحركة مناقضة، كما نقرأ حين «نَحَّى الشيخ بِرِفْق».
على نحوٍ تكون فيه العَبَرَات، المَذْرُوفة في اللحظة المُؤاتية، هي ما يجعل المتنازعين يَنْضَفِران في مصيرٍ واحد، مصير الفناء، وتحديداً الموت الذي غدا أقرب من حبل الوريد، كما هي حال أخيل وبريام. لقد أيقن أولئك الأبطال الهوميريون تمام اليقين أن الألم والموت هما البصمتان اللتان لا تُمحَيان من حياة الإنسان: «طِبْ نفساً، ولا تَدَعْ هواجس الموت تستولي على رُوحك!» يزجر أوديسيوس دولون؛ أو قبل ذلك، هو أخيل نفسه مَن يؤكد قائلاً: «ليس عندي ما يعادل الحياة، ولا كل الكنوز بِمُغْنِيَةٍ عنها».
إنها الدموع إذاً، لا العقلانية ولا التدبير، هي ما يُقرّب بين أخيل وبريام في لحظةٍ بلغ فيها سُعَار الحرب بين الطرواديين والآخِيِّين أَشُدَّهُ وذُرْوَتَه: بعد مَصْرَع باتروكلس على يد هكتور، يُردَى هذا الأخير قتيلاً في انتقامٍ ماحق على يد أبرز المرميدونيين. لكن سقوط هكتور في سَاحِ الوَغَى، وإقامة مراسم دفنه، هو ما سيُرسي دعائم سلامٍ يدوم اثني عشر يوماً بين الفريقين، ليتسنّى لهما أن يبكيا الحقيقة التي لا مَناص منها في وجودنا قاطبة: الموت، والذُّوِيّ التدريجي لقوانا الحيوية.
لَكَمْ يجدر بهذا المقطع الهوميري أن يبعثنا على التَّفَكُّرِ المَلِيِّ في عصرنا هذا، المتسارع، الخاطف، والمفتقر أَيَّمَا افتقار إلى فُسَحٍ مُخَصَّصَةٍ للرِّثاء، والبكاء، والدموع المشتركة، وللجماعة المتألمة. كل شيء لا بد أن يقع في لَمْح البصر، وكل شيء يجب أن يُحوَّل إلى سِمَاتٍ تجارية وإنتاجية، بحيث لا يتبقّى وقتٌ للنحيب (كما يُنافح أفلاطون)، وألا نسمح لأنفسنا - بحجة عدم الجدوى - بفيضان العواطف، إذ من شأن ذلك أن يُوقظنا على حقيقة ما نُحِسُّ به. إن هوميروس، ومن خلال هذا المشهد بين أخيل وبريام، يُعلمنا أننا ربما أضعنا، أو ضلَلنا السبيل على الأقل، عن فرصة انبثاق الزمن الخاص بالاعتراف، زمن النظر إلى وجه الآخر لا بوصفه غريباً، بل بمثابة نظير، بُغية تيسير، على حد قول بيسبالوف، «لا صَفْح الإساءة، الذي يجهله الأقدمون، بل نسيان الإساءة في خِضَمّ التأمل فيما هو سَرْمَدِيّ»، حيث يتحقق «التطابق بين ما هو جميل وما هو حَقّ».
