نُكوصُ الحَضارَةِ إلى بَربَرِيَّتِها الأُولى
اكتسبَ الخِطابُ الفلسفيُّ في «لُغةِ العُنف» راهنيَّةً مُروِّعةً في ضوءِ ما جرى في فلسطين، ولا سِيَّما في غزَّة، منذُ أواخرِ عام ٢٠٢٣؛ إذْ تَوالَتْ على السُّكَّانِ المدنيينَ حملاتُ القَتلِ والقَصفِ والحِصارِ والتجويعِ والتَّهجير، حتَّى غَدَتِ البِقاعُ المأهولةُ مقابرَ مفتوحةً، وغَدَتِ المَدينةُ نفسُها موضعَ استنزافٍ للمَوتِ لا مَلجأً للحياة. وقد وثَّقتِ الأُممُ المتَّحدةُ ولجانُها، إلى جانبِ منظَّماتٍ حقوقيَّةٍ وطِبِّيَّةٍ، قتلَ المدنيينَ على نطاقٍ واسع، واستهدافَ أماكنَ الإيواءِ والمَدارسِ والمَرافِقِ الدينيَّةِ والثقافيَّة، وتدميرَ أكثرِ البُنيةِ التعليميَّةِ في القطاع، مع حرمانِ الناسِ من مُقوِّماتِ البقاءِ، حتَّى بدا الأمرُ لا مجرَّدَ حربٍ على الأجساد، إنّما حرباً على شُروطِ الحياةِ ذاتِها، وعلى الذِّكرى، وعلى الكرامة، وعلى إمكانِ أن يبقى للإنسانِ وَجهٌ يُعرَفُ به بينَ الرُّكام. وهذه الجرائمُ هي من قبيل «العُنفِ المُفرِطِ في إفراطِه»، وذلك هو التحديدُ الفينومينولوجيُّ لِما يُسمَّى «فَرطَ العُنف». وهذه الصُّورةُ من العنفِ هي، في الوقتِ نفسِه، نُكوصٌ ثقافيٌّ تاريخيٌّ إلى طورٍ غابر، باعتبارِها شيئاً لم يَعُد يبدو أنَّ له موضعاً في المجتمعات الراهنة؛ إذ إنَّها تنحدرُ من عصرٍ أقدمَ بكثير، وتحملُ معها معاييرَ بعيدةً عن الحاضر. وهي، فوقَ ذلك، «لغةٌ» غيرُ لفظيَّةٍ، ولكنَّها مُتمايِزةُ البُنية، تَنقُلُ – على ما قرَّره فيلم هِلم فون هومبولت سنة ١٨٣٦ – «رؤيةً للعالَم»، وتكونُ، شأنَ كلِّ لغة، «إرغون» (عملاً مُنجَزاً) و«إينرغِيا» (إرادةً فاعلة). والعملُ والإرادةُ، بمعنى العُنفِ المُفرِطِ والمَوقفِ الموافقِ له، يتجسَّدانِ هاهنا في طرازٍ من المجرمين السُّوسيوباتيين له عند جورج باتاي اسمٌ مخصوص: إنَّه «السَّيِّد المُتَسيِّد» أو «السّيادية». فإلى أيِّ حدٍّ يستخدمُ هذا «السّيادية» هذه اللغةَ؟ وكيفَ يُمكِنُ التعرُّفُ إليه في مرحلةٍ مُبكِّرةٍ، لِدرءِ تَفاقُمِه قبلَ الانفجار؟
ليسَ العُنفُ كُلُّه على سَنَنٍ واحد؛ فالبحوثُ السوسيولوجيَّةُ الحديثةُ تَفترضُ صُوَراً متعدِّدةً له، إمَّا أن تكونَ مُتعالِقةً بعضُها ببعض – كما في «العُنفِ التبادليِّ»، حين يقفُ الضحيَّةُ والجاني في علاقةِ قتالٍ مُتبادَل، ويقيسُ كلٌّ منهما قُوَّتَه في الدَّفعِ والردِّ وتكرارِ الهجوم – وإمَّا أن تتفاقمَ على هيئةِ «عُنفٍ تصاعُديّ»، حين تَعجزُ الضحيَّةُ عنِ الدِّفاعِ المضادِّ، فينطلقُ الجاني بلا قيدٍ ولا كابح. وهذه التفرقةُ الأوَّليَّةُ الخشنةُ بين العنفِ التبادليِّ والعنفِ التصاعُديِّ تُظهِرُ أنَّ البحثَ في العُنف، من حيثُ تصنيفُه للظواهر، هو – ضِمناً – قياسٌ لِما لدى الجاني والضحيَّةِ من المواردِ والقدرات. والمباحثُ المتعلِّقةُ بالعلاقاتِ الثنائيَّةِ أو بما سمَّاه المؤرِّخُ هِرفريد مونكلر «الحروبَ اللامتكافئة» (١٩٩٢) مُثمِرةٌ من الوجهةِ السوسيولوجيَّة، والنفسيَّة، والفلسفيَّةِ على خُصوص، لأنَّ الذي هو على المِحكِّ هنا – في أوسعِ المعاني – هو الشرطُ الإنسانيُّ نفسُه، في جِهتِه المُظلِمة غيرِ المُستنيرة. ويتناولُ السوسيولوجيُّ الهامبورغيُّ يان-فيليب ريمتسما مثلَ هذه الأوضاعِ اللامتكافئةِ جذريّاً بين الجاني والضحيَّة، وهي أوضاعٌ لا تعودُ – بحسبِ ديناميَّتِها – تبادليَّةً، بل تُنتِجُ أثراً تصاعُديّاً، فيفترضُ في أبحاثِه الفلسفيَّة السوسيولوجيَّة عن العُنف ثلاثةَ أنواعٍ منه: عُنفَ تغييرِ المكان، والعُنفَ الانتهاكيَّ، والعُنفَ القَتليَّ.
فعُنفُ تغييرِ المكان يَنقلُ الضحيَّةَ من موضعِها: ففي الجرائم الفرديَّةِ يكونُ ذلك بعَزلِها عبرَ الحبس، والتطويق، والاحتجاز، والسَّجن؛ وفي جرائم الحرب يكونُ بضمِّ الأرضِ أو احتلالِها. وأمَّا العُنفُ الانتهاكيُّ، أو «الاختطافيُّ/السَّلبيُّ» إن صحَّ التوسُّعُ في الترجمة – وهو اصطلاحٌ يعودُ إلى والتر بنيامين في نقدِه الفلسفيِّ الشهيرِ للعنف سنة ١٩٢١ – فهو العُنفُ الذي يُتلفُ الجسدَ، ويُسيءُ إليه، ويُمثِّلُ به، ويغتصبُه. وفي علمِ الإجرامِ الأكاديميِّ المعاصر تُذكَر، إلى جانبِ تسميةِ هذا الضربِ من العنفِ الجسديِّ الفاعل، الذي يُدرِجُه ريمتسما في العُنفِ الانتهاكيِّ، درجاتٌ مُختلفةٌ من الإضرارِ، بالنظرِ إلى مُدَّةِ الأذى الواقعِ على الضحيَّة، غيرَ أنَّ ذلك ليسَ موضعَ نظرِنا هاهنا.
وأخيراً، فإنَّ «العُنفَ الأوتوتيليَّ» – أي العُنفَ الذي يَغدو غايتَه في ذاتِه – هو العُنفُ القاتل: يُمارَسُ على الفردِ في صورةِ إعدام، وعلى الجماعةِ في صورةِ إبادةٍ جماعيَّة. وهذه الأنواعُ الثلاثةُ عند ريمتسما تقعُ في الواقعِ العمليِّ – في الجرائم الفرديَّة كما في أفعالِ الحرب – غالباً على سبيلِ البناءِ التراكميِّ بعضِها فوقَ بعضٍ، بوصفِها تدرُّجاً تصاعُديّاً في العنف، وذلك كلَّما وُجِدَ اختلالٌ جوهريٌّ في المواردِ بين الجاني والضحيَّة، وكلَّما ظلَّتِ المقاومةُ عَقيمةً لا تُثمرُ إلا استثارةَ المعتدي إلى مزيدٍ من العُنف.
أمَّا «فَرطُ العُنف» فهو – بحسبِ الموسوعةِ الفرنسيَّة – «عُنفٌ يَتجاوزُ على نحوٍ مُفرِطٍ العُنفَ المألوف»؛ أي إنَّه يجاوزُ العُنفَ اليوميَّ والعاديَّ المَعهود، وهذه المجاوزةُ نفسُها تُتيحُ لنا تمييزاً دقيقاً وتُظهِرُ طابعَه الإفراطيَّ. وفي الحالاتِ التي نُعالجُها هاهنا – وهي حالاتٌ يجوزُ عدُّها نموذجيَّة – يتجاوزُ هذا الفَرطُ حتَّى العُنفَ الأوتوتيليَّ. ومن هذه الجهةِ لا يندرجُ في المخطَّط الثلاثيِّ عند ريمتسما، بل يُمثِّلُ درجةً رابعةً من التصاعُد، تظهرُ حين يكونُ العُنفُ القاتلُ قد استُنفِدَ بالفعل، وتكونُ الضحيَّةُ قد ماتت. ففَرطُ العُنف هو ذلك العنفُ الذي لا يكتفي بقتلِ الضحيَّة، بل يُمعِنُ في تشويهِها أو طمسِ معالمِها، فيجعلُها – بعدَ الوفاة – لا إنساناً، منزوعَ الكرامةِ والفرديَّة جميعاً. ولأجلِ الدقَّةِ العلميَّةِ نُميِّزُ هاهنا، وفيما يلي، بين المستوى النِّظاميِّ والمستوى التاريخيِّ لفَرطِ العُنف: فأمَّا من الوجهةِ النِّظاميَّة فهو امتدادٌ لأنواعِ ريمتسما الثلاثة، ويستهدفُ عدواناً ما بعديّاً على الموت، يُصعِّدُ عنفَ الإعدام. وأمَّا من الوجهةِ التاريخيَّةِ فيُمكِنُ فَهمُه على أنَّه صورةٌ قديمةٌ جدّاً، بدائيَّةٌ وبربريَّةٌ من العُنف، عُرِفَت في أقدمِ الثقافات، وصُوِّرَت أيضاً في الشواهدِ المكتوبةِ والمصوَّرة.
ومُشكلةُ هذا العنفِ المُفرِطِ المتصاعِد، الذي لا يرضيه موتُ الضحيَّةِ نفسُه – أي الذي يتجاوزُ مستوى العنفِ الأوتوتيليِّ – قد صُوِّرَت في الأدبِ الأوروبيِّ في وقتٍ مُبكِّرٍ للغاية. فنحنُ نجدُها بالفعلِ في «الإلياذة» لهوميروس، التي كُتِبَت – بحسبِ ديودوروس – في زمنِ حربِ طروادة، أي في القرنِ السابعِ قبلَ الميلاد، حين يجرُّ أخيلُ – البربريُّ الطبع – جثمانَ هكتورَ الصريعِ عبرَ الحقلِ في موكبِ ظَفَرٍ، ويُشوِّهُه تشويهاً قاسياً، حتى يأخذَ لونَ التُّراب وتُمحى ملامحُه فلا يُعرَف.
غيرَ أنَّ فَرطَ العنفِ لم يَبقَ حبيسَ العصورِ القديمة، بوصفِه «لغةً» غيرَ لفظيَّةٍ للبربريِّ، بل استمرَّ عبرَ مراحلَ تاريخيَّةٍ لاحقةٍ، مع فاعلينَ جُدُدٍ في كلِّ طور، وهؤلاءِ الفاعلونَ بالذاتِ هم مَن يشدُّونَ العالمَ والأجيالَ اللاحقةَ إلى أفعالِهم اللاإنسانيَّةِ شدّاً مُرعِباً. ففي سنة ١٩٦١ روى الفيلسوفُ الفرنسيُّ جورج باتاي واقعةً جنائيَّةً حقيقيَّةً مؤدَّاها أنَّ المارشال جيل دو ري (١٤٠٥-١٤٤٠)، المعروفَ باسمِ ريتس، وهو فارسٌ بريتانيٌّ ورفيقُ سلاحِ جان دارك، قد اختطفَ أكثرَ من مئتَي طفل – بل ربَّما جاوزَ العددُ، بحسبِ تقديراتٍ أُخرى، ستَّمئة – وحبسَهم في قصرِه، واعتدى عليهم جنسيّاً اعتداءً ساديّاً، ثمَّ شنقَهم وأعدمَهم طقسياً، وهو يتأمَّلُ أحشاءَهم المنتزعةَ في تدَيُّنٍ مُرعب. ومن الوجهةِ النِّظاميَّةِ، فإنَّ السِّمةَ المميِّزةَ لفَرطِ العُنف، بوصفِه نوعاً من العُنفِ التصاعُديِّ، هي اللاتكافؤُ الكُلِّيُّ بين الجاني والضحيَّة، وهو لاتكافؤٌ لا يُتصوَّرُ معه أيُّ تبادُل، بل يُمثَّلُ اختلالاً مُطلقاً في موازينِ القُوَّة: من ناحيةٍ مارشالٌ مُجرَّبٌ مُثخَنُ السلاح، ومن أُخرى أطفالٌ عزَّلٌ لا دِفاعَ لهم.
وقد بحثَ الكاتبُ والرَّسَّامُ بيير كلوسوفسكي «حروباً لامتكافئة» من هذا القبيل، وألقى نظرةً فلسفيَّةً على أعمالِ الماركيز دي ساد المُلْتَبِسة، بما تَحفَلُ به من إحالاتٍ إلى التعذيبِ وفَرطِ العُنف، وهي أعمالٌ كانت – بالنسبةِ إلى دي ساد نفسِه، الذي أمضى قِسماً كبيراً من حياتِه البالغةِ في السِّجن أو في المصحِّ العقليِّ بسببِ جرائمَ عنيفة – تمثِّلُ في آنٍ معاً نظريَّةً فلسفيَّةً أدبيَّةً ومُمارسةً تجريبيَّة. وينتهي كلوسوفسكي إلى أنَّ أعمالَ دي ساد، إلى جانبِ إشاراتِها السِّيريَّةِ الذاتيَّةِ إلى شخصيَّةٍ مُضطربةٍ وشديدةِ الإجرام، تتضمَّنُ أيضاً إحالاتٍ إلى الساديَّةِ السياسيَّةِ عند الحُكَّامِ الإقطاعيِّين. وهذه البصيرةُ – من الجاني إلى النِّظام – سنُمعِنُ فيها لاحقاً.
ومن النادرِ أن نجدَ في البحثِ التجريبيِّ جُناةً يتبنَّونَ – كما فعلَ دي ساد – المنظورَ الفاعلَ الوصفيَّ: وحوشاً أدبيَّةً تَكتبُ نفسَها. أمَّا المؤرِّخونَ ومُراسلو الحربِ فإنَّهم يعرفونَ لا فَرطَ العنفِ المُتخيَّلَ، بل الواقعيَّ: في مُعتقلاتِ الحرب العالميَّة الثانية، حيثُ كانَ التَّنكُّرُ العنيفُ جُزءاً من تكتيكاتِ الحربِ النفسيَّة، وفي الأراضي المحتلَّة في الوقتِ الراهن، حيثُ كانَ الضحايا المدنيُّون في أماكن – وما زال بعضُهم – موضعَ سُخريةٍ أو تمثيلٍ حتَّى بعدَ الموت. وهذا العنفُ، الذي يمتدُّ إلى ما وراءَ الموت، يقصدُ أيضاً إلى تشويهِ الضحيَّةِ في نظرِ الذُّرَى والأجيال، ومن ثَمَّ فهو يُشكِّلُ ضرباً من «الإعدامِ الممتدّ»، إذ يَحولُ جزئيّاً أو كُلِّيّاً دونَ التذكُّرِ والحداد، عبرَ تشويهِ الجثمانِ أو تدميرِه. وعلى هذا النحوِ أيضاً تُحرَمُ الضحيَّةُ – بعدَ الوفاة – كرامتَها الإنسانيَّة، وتُصدَمُ الأسرةُ الثَّكلى وتُنَفَّر؛ ففَرطُ العُنف يمزِّقُ وِثاقَ الذِّكرى، ومن ثمَّ ثقافةَ التذكُّرِ ذاتَها، بوصفِها صورةً إنسانيَّةً مخصوصةً من الاعتراف.
لقد بانَ النقدُ الفلسفيُّ لظاهرةِ فَرطِ العنفِ الثقافيَّة في أقدمِ عصورِ التاريخِ الثقافيِّ، ويمكنُ أن نَجده عند كُتَّابِ العصورِ القديمة؛ فهم، من جهة، يصفونَ فَرطَ العُنف، ومن جهةٍ أُخرى يجدونَ له ألفاظَ التَّقريعِ والإنكار، لأنَّهم أيضاً يَشعرونَ بالصَّدْعِ الذي يُحدِثُه هذا العنفُ المُفرِط في الذِّكرى، والأسرة، والكرامة، والصُّورة، وسائرِ أنظمةِ المعنى. ويزدادُ هذا النقدُ الفلسفيُّ للعنفِ على مرِّ التاريخ: فإذا كانتِ العصورُ القديمةُ قد أدانت هذه الصورةَ من العنفِ المُفرِط، وألحقتها بفاعلينَ دُونِيِّين ثقافيّاً، فإنَّ العصرَ الحديثَ المُبكِّرَ وجدَ لها نقداً مُحتقِراً بوصفِها إجراءً لا إنسانيّاً على العموم، أمَّا ما بعدُ الحداثة فقد نَفَتْها بوصفِها تأسّلًا خارجَ مَجالِ شرعيَّتِها الذاتيِّ: فمَن يستخدمُ فَرطَ العُنف ليس حديثاً، وليس ابنَ عصرِه. وهذا يُوافِقُ خلاصةَ ماكس فيبر المُقتضَبة، من أنَّ العنفَ كانَ جُزءاً من الحياةِ اليوميَّة في أكثرِ الثقافاتِ والعصور، غيرَ أنَّ الحداثةَ وحدَها هي التي جَعَلَت منه مُشكلةً، ومن ثَمَّ فإنَّ فَرطَ العنفِ على وجهِ الخصوصِ لم يَغدُ واقعةً من وقائعِ الحداثة، بل ظاهرةً غَدَت الحداثةُ هي نفسُها في حَرَجٍ منها.
وإذا تتبَّعنا التطوُّرَ النِّظاميَّ للحُججِ التاريخيَّة في الأدبِ والفلسفة، وَجدنا – في الحقيقة – ثلاثيَّةَ «البربريِّ – واللَّامسيحيِّ – واللَّاحديثِ» نمطاً تصاعُديّاً في الرَّفض ضمنَ نقدِ العُنف. فأوَّلاً: يُسهمُ هوميروس في ذلك بأن يصوِّرَ فَرطَ العُنف تصويراً لا يَلتبِسُ فيه أنَّه «بربريّ»، إذ يوسِمُ أخيلَ البربريَّ بهذا الفعلِ غيرِ اللفظيِّ، ويُميِّزُه سلباً من اليونانِ الأشدِّ تَمَدُّناً. ففَرطُ العنفِ – من حيثُ هو فعل – يَسِمُ في العصورِ القديمةِ أيضاً علاقةً ثنائيَّةً خاصَّةً قائمةً على اللاتكافؤ، ويُظهِرُ في الوقتِ نفسِه فارقاً ثقافيّاً بين الجاني والضحيَّة. وإذا نظرنا في مدى أهميَّةِ ملاحمِ هوميروس في الثقافةِ اليونانيَّة، وفي تربيةِ الأطفالِ خاصَّة، على ما تُشيرُ إليه بحوثُ توماس شليزاك الحديثة، جازَ لنا أن نفترضَ أنَّ اليونانَ القديمةَ – على الأقل – كانت تأخذُ على مَحْمَلِ الجِدِّ الإدانةَ الثقافيَّةَ لفَرطِ العُنف باعتبارِه انتهاكاً للمعايير.
وقد ظلَّتِ الإدانةُ الثقافيَّةُ لفاعلِ العنفِ المُفرِطِ بعدَ الموت محفوظةً في القرونِ اللاحقةِ للعصورِ القديمة، غيرَ أنَّها لم تجدْ سبيلَها إلى الأدبِ إلا على نحوٍ متقطِّع. وفي القرنِ الثامنَ عشر، بل قَبلَ أن يبدأ إيمانويل كانط مساءلتَه لجميعِ الهيئاتِ في الدولةِ من حيثُ قانونيَّتُها، ولا سيَّما في مُمارستِها للسُّلطة، وقعَ تحوُّلٌ فكريٌّ جذريّ: فالعُنف، وفَرطُ العُنف على خُصوص، غدا مُشكلةً – لا بالنسبةِ إلى أفرادٍ من الكُتَّابِ كهوميروس وهسيود فحسب، بل من حيثُ هو همٌّ عامٌّ استولى على أقسامٍ واسعةٍ من الجماعةِ الفكريَّة. ففي سنة ١٧٤٦، على عشيَّةِ عصرِ الأنوار الذي كانَ بعدَ قليلٍ سيجتاحُ أوروبا اجتياحَ الشُّعلة، وجدَ الرئيسُ الكنسيُّ الكاثوليكيُّ دوم كالميت كلماتٍ مُدهشةً في نقدِ جرائمِ الحربِ تلك: إنَّ فَرطَ العُنف «غيرُ مسيحيٍّ وغيرُ أخلاقيّ». ويُسنِدُ هذا الإكليريكيُّ المُقلِقُ حُكمَه إلى آباءِ الكنيسةِ الأوائل، أوريجانس وترتليان، ويُصرِّحُ بأنَّه لا يمكنُ لأحدٍ أن يكونَ مسيحيّاً وهو يَرضى بهذا اللونِ من عُنفِ الحرب، أو يُضفي عليه شرعيَّةً مُزوَّرة؛ وكانَ هذا من الجُرأةِ بمكانٍ في عصرٍ كانَ فيه وُعَّاظُ الجُيوشِ ما يزالونَ يُحرِّضونَ الجنودَ في الحرب، أو يُسوِّغونَ جميعَ الوسائلِ تسويغاً ميكيافيليّاً باسمِ «الحربِ العادلة».
وبحسبِ والتر بنيامين، فإنَّ مُشكلةَ فَرطِ العُنف في الفكرِ الحديثِ المُبكِّر نشأت – من الوجهةِ النِّظاميَّة – عن إشكالِ القانونِ الطبيعيِّ، الذي لم يَعُد يُقبَل على التسليم، أو يُعرَّفُ تعريفاً آليّاً بالمعاييرِ المسيحيَّة. وفي سنة ١٩٧٧ صاغَ ميشيل فوكو أحدثَ وأشدَّ نقدٍ لهذه الإفراطاتِ العنيفة، التي نجدُها في الحربِ عند الجيوشِ المنفلتة، وفي السِّلم عند الجُناةِ المرضيِّين المُنفردين: ففَرطُ العُنف أوَّلاً وقبلَ كلِّ شيء «ما قبلَ حداثيّ». وهو – بحسبِ ظاهراتِه – ليس جريمةَ قتلٍ حديثةً، ولا حتَّى مُمارسةً قروسطيَّةً على الحقيقة، وإن كانَ قد ظهرَ في العصورِ الوسطى في صورةٍ من صورِ العقاب، بل هو – من الوجهةِ النظاميَّة – صورةٌ قديمةٌ من القربان، متجذِّرةٌ في الطقسِ والشعيرة. ومن هذه الجهةِ فإنَّ فاعلَه شخصٌ ما قبلَ حداثيّ، سقطَ من الحاضرِ خارجاً، ويُجسِّدُ رجوعاً إلى مستوى ثقافيٍّ مقدَّسٍ أقدم، بكلِّ ما فيه من صفاتٍ ديونيسيَّةٍ سلبيَّة.
يظهرُ فَرطُ العُنف – عند فوكو – بوصفِه بقايا من صورِ القربانِ القديمةِ في الحداثة، أو بوصفِه «عُنفاً دَمويّاً على الحياة»، على حدِّ عبارةِ والتر بنيامين التي استعادها ماركوزه، وذلك حين يتقمَّصُ الجاني دورَ الكاهنِ القربانيِّ، فيُنزِلُ الضحيَّةَ إلى «حياةٍ عارية»، إلى جسدٍ محض. وهنا، أخيراً، ينهضُ أمامَ عالِمِ الإجرام والباحثِ النفسيِّ والخبيرِ الجنائيِّ ذلكَ المشهدُ المُقلِقُ: الترفيعُ الذاتيُّ الطقسيُّ، أو التأليهُ الذاتيُّ، بوصفِه السِّمةَ الشخصيَّةَ الغالبةَ في فينومينولوجيا الجاني؛ لا بوصفِه باعثَ الجريمة، إنّما بوصفِه المظهرَ الملازمَ لها. أمَّا باعثُ الفعلِ فهو مُمارسةُ السُّلطةِ المُطلَقةِ غيرِ المُقيَّدة، الممدودةِ في الزمان. وهذه الغايةُ الفعليَّةُ في سياقِ الطقسِ هي أيضاً ممَّا يَفتِنُ العامَّة. فالكاهنُ القربانيُّ في السينما، والقربانُ البشريُّ، ما يزالانِ إلى اليوم شخصيَّتَين إعلاميَّتَين آسِرتين، وهذا ما يُثيرُ السؤال: لِمَ كانَ أشرارُ الأفلام – كأشرارِ جيمس بوند مثلاً – في الغالبِ من مُرتكبي فَرطِ العُنف؟
والأُطروحةُ الراجحةُ هاهنا هي: لأنَّ بُنيتَهم النفسيَّة الأخلاقيَّة تُجسِّدُ طرازاً مُضادّاً للحداثة – النَّقيضَ الثقافيَّ لها على الإطلاق، والآخرَ في قلبِ الثقافة، والتأسّل الحاضر في الزمنِ الراهن، أو عودةَ الكاهنِ القربانيِّ بوصفِه شبحاً خارجاً من الماضي. يظلُّ فَرطُ العُنف – بمنظورِ الحداثة – استفزازاً وحشيّاً، سواءٌ أكانَ تخييلاً إعلاميّاً أم واقعاً سياسيّاً. فَلِمَ يُحطِّمُ هذا الإفراطُ في العُنف فَهمَ عصرٍ ما لذاتِه؟ إنَّ فَرطَ العُنف، بوصفِه فعلاً فرديّاً (أي ثنائيَّةَ الجاني والضحيَّة)، كما بوصفِه فعلاً بُنيويّاً صادراً عن فاعلينَ فوق-فرديِّين (كالمؤسَّسات، والأحزاب، والشركات)، هو تأسّلٌ يرتدُّ بمسارِ الحداثة إلى الوراء:
فالحداثةُ، بما هي سيرورةُ علمنةٍ مُتتابعةٌ مع مفكِّرينَ أمثالِ مونتين، وديكارت، وسبينوزا، نابتةٌ من الرُّوحِ الفلسفيَّةِ الشكِّيَّة، تُنكَرُ هاهنا؛ لأنَّ فَرطَ العُنف يريدُ من جديدٍ العُنفَ الأركائيَّ للكاهنِ القربانيِّ، بوصفِه قُوَّةً لا عقلانيَّةً مُجلَّلةً بهالةٍ ميتافيزيقيَّةٍ تتجاوزُ الموت.
والحداثةُ، بما هي هويَّةُ العقلِ والحُكم، تُهدَّد؛ لأنَّ فَرطَ العُنف يُنكرُ جميعَ هذه المُنجَزات، ويُنشِئُ – في فعلٍ لاعقلانيّ – عُنفاً كُلِّيّاً يتجاوزُ عنفَ القتلِ نفسِه.
والحداثةُ، بما هي فرديَّةٌ وارتقاءٌ بالأنا، تُوضَعُ في خَطَر؛ لأنَّ فَرطَ العُنف يُدمِّرُ هذه الهويَّةَ الأَنويَّة حتَّى حدِّ نزعِ الفرديَّةِ عن الضحيَّة.
ومن ثَمَّ فإنَّ فَرطَ العُنف – من حيثُ هو رفضٌ مُجسَّدٌ للعلمنةِ، والعقلِ، والفرديَّة، وهي الأركانُ المُعلَنةُ للحداثة – هو الشخصيَّةُ ما قبلَ الحديثة بامتياز.
فهل ثمَّةَ نَموذجٌ أصليٌّ لهذا الكائنِ ما قبلَ الحديث، هذا الجاني المُفرِط الذي لا يَرتوي حتَّى من إعدامِ ضحاياه، ويُصدِمُ الحداثةَ بانتهاكِ جميعِ تصوُّراتِها الحاميةِ لذاتها؟ والمُدهشُ أنَّ ثمَّةَ بالفعلِ تصنيفاً يُسنِدُ الفعلَ إلى فاعلِه. ففي الفلسفةِ لا نجدُ فحسبُ تقليداً عريقاً في نقدِ العُنف، ولا سيَّما نقدِ فَرطِ العُنف، بل نجدُ أيضاً تَصنيفاً للجاني، صورةً تُجسِّدُ هذا الفَرطَ ويُعلَنُ فيها الفاعلُ باسمه: إنَّها قائمةٌ في موضعٍ بارزٍ من أعمالِ الفيلسوفِ الفرنسيِّ جورج باتاي في المعاييرِ، وتآكُلِها، والحداثة؛ ويُسمَّى فيها هذا الطرازُ «السّيادية».
وهذه «السّيادية» بوصفِها طرازاً سيكوباثولوجيّاً في أعمالِ باتاي – لا بالمعنى المتعلِّقِ بسيادةِ الدولةِ في الديمقراطيَّات، حيثُ تصدُرُ السيادةُ عنِ الشعب، ولا بمعنى المواطنِ السويِّ الواثقِ من نفسِه – هو خطرٌ على العامَّة، وعلى النظام، وعلى السِّلم. إنَّه عنيفٌ بلا عِقال، بل مُفرِطٌ في عُنفِه، يعيشُ عيشاً كُلِّيّاً في اللحظةِ الحاضرة، لا يُحاسَبُ لأحد، ويُنشِئُ حالَ الاستثناءِ ويهيمنُ عليها. ففَرطُ العُنف هو عنفُ «السّيادية»، لأنَّ ظاهرةَ فائضِ العُنفِ تتكثَّفُ فيه – إن صحَّ التعبير – وتتراكم؛ أو بعبارةٍ أُخرى: إنَّ الذين يُمارسونَ فَرطَ العُنف يُخرِجونَ أنفسَهم على المسرحِ في هيئةِ «سيادات». وحدَه «السّيادي» يُمارسُ فَرطَ العُنف؛ وفَرطُ العُنف هو «لغةُ» السّيادية العنيفة.
فلننظرْ إذن في مفهومِ «السّيادية» عند باتاي، لنرى ما الذي يُحرِّكه. إنَّه مفهومٌ بربريٌّ للحاكِم: يحكُمُ بغيرِ تبريرٍ، على مِعيارِ ماكس فيبر، فلا هو تقليديّ، ولا قانونيّ، ولا كاريزميّ، ولا يعترفُ بأيِّ حدٍّ للفعل، وهو مكتفٍ بذاتِه تماماً في أفعالِه التدميريَّة. ولسلطانِه سماتٌ فاشيَّةٌ ظاهرة. وهو يمتلكُ القدرةَ على اختزالِ الآخَر إلى جسدٍ عارٍ، إلى «حياةٍ عارية»، كما عرَّفها جورجيو أغامبن. فجسدُ الضحيَّةِ البيوسياسيُّ ليسَ عنده إلا سطحَ إسقاطٍ وصورةَ عرض، أو – كما سمَّاه نيكلاوس لارجير – «لوحةً حيَّةً». وهنا يَغدو «السّيادي» ببساطةٍ جانيَ عُنفٍ متطرِّف، يُنزِلُ الجسدَ إلى مرتبةِ الشيءِ المحض، كما كان ريمتسما قد عرَّفَ ذلك من قبل: «إنَّ الاختزالَ إلى الجسدِ الذي يقومُ به فعلُ العُنفِ هو السببُ الذي لأجلِه ينبغي دائماً أن يُفهَمَ العنفُ على أنَّه في المقامِ الأوَّلِ جسديّ».
غيرَ أنَّ فَرطَ العُنف يفعلُ أكثرَ من اختزالِ الضحيَّةِ إلى جسد؛ إنَّه أيضاً يُظهِرُ الفارقَ الثقافيَّ بين الجاني والضحيَّة – ذلك الفارقُ الذي كانَ هوميروس قد أبصرَه – ويُؤبِّدُ علاقاتِ السُّلطة، ثمَّ يَجعلُ ردَّ الضحيَّةِ إلى ذاتِها أو استردادَها أمراً مُحالاً. فـ«السّيادي» قاضٍ لا رحمةَ عنده على الضحيَّةِ حتَّى بعدَ موتِها، وبذلكَ يتقمَّصُ دوراً لا وجودَ له في القانونِ المدنيِّ في القرنِ الحادي والعشرين، حتَّى في الأنظمةِ التي ما تزالُ تعرفُ عقوبةَ الإعدام. فمَن يُمارسُ فَرطَ العُنف، بوصفِه سيِّداً مُدَّعياً للحياةِ المجرَّدة، ينقضُ التطوُّراتِ الثقافيَّةَ النِّظاميَّةَ في الفَهمِ الكلّي للتقدُّمِ الحضاريِّ، ذلك التسلسلِ الذي سَبَقَ أن بُسِطَ تاريخيّاً في الدراما الحضاريَّةِ «الأوريستيا» لأسخيليوس: مساراً ينتقلُ من الحالةِ الفوضويَّةِ الأوَّليَّة إلى عقدِ الدولةِ الليبراليَّةِ الرِّضائيِّ. إنَّ «السّيادي» يعيشُ عيشاً لا تاريخيّاً، مُنغمساً كلَّ الانغماس في اللحظةِ الحاضرة، ومن ثَمَّ فهو يُنكِرُ الحداثةَ أيضاً بوصفِها مساراً بُنيويّاً خطِّيّاً من النموِّ والتدرُّجِ في نبذِ العُنفِ عند الفرد، والجماعةِ، والدولةِ خاصَّة. ولا تتجلَّى هذه الديناميَّةُ الكاسرةُ للعصورِ إلا بضمِّ المفهومينِ البنيويَّين الفلسفيَّين اللذين عرضناهما: «فَرطُ العُنف» و«السّيادية». ذلك لأنَّ «السّيادي» اللامؤرَّخَ يُجسِّدُ في شخصِه ونوعِه ونشاطِه مرحلةً ثقافيَّةً أسبق، أو نُكوصاً متأسّلًا، وفعلُه العنيفُ المنفلتُ من كلِّ قيد، المُفسِدُ أخلاقيّاً، ينطوي على خَطَرِ أن يقذفَ الثقافةَ التي يطغى عليها إلى حالةٍ أشدَّ بربريَّة.
لقد افترضنا – في هذا التَّقصِّي الفلسفيِّ المؤسَّسِ فينومينولوجيّاً للُّغةِ والجريمة – أنَّ العُنفَ لغةٌ غيرُ لفظيَّةٍ على سبيلِ الرمز، وهذه المُعادَلةُ اللَّافتةُ لها وجاهتُها أيضاً بالنظرِ إلى «السّيادي» بوصفِه فاعلَ فائضِ العُنف، لأنَّه «يتكلَّم» في الغالبِ بالسِّلاح. غيرَ أنَّ حَصْرَ العُنفِ في كونه لغةً غيرَ لفظيَّةٍ يَتركُ الديناميَّةَ الحقيقيَّة، ومن ثَمَّ المستوى الدافعيَّ لنشأةِ اللغةِ الإنسانيَّة، بغيرِ مَسٍّ ولا كشف، فلا يُتيحُ بصيرةً في تطوُّرها. فاللغةُ عند الفيلسوفِ واللغويِّ فيلم هلم فون هومبولت سنة ١٨٣٦ ليست مُجرَّدَ كُلِّيَّةٍ من العلاماتِ غيرِ اللفظيَّة، أو الصوتيَّة، أو السيميائيَّة، إنّما هي – في جوهرِها – دائماً «رؤيةٌ للعالَم»، وتتألَّفُ في الأصلِ من عنصرينِ متشابكَيْن:
أوَّلُهما: «الإرغون»، أي النِّظامُ المرئيُّ للعلامات، والكلمة،
والصوت، والأبجديَّة.
وثانيهما: «الإينرغِيا»، أي الهيئةُ الذهنيَّةُ الأساسيَّة، والموقف، ومنظومةُ المعايير.
وكانَ مقصودُ هومبولت أنَّ «إرغون» اللُّغة لا يتغيَّرُ إلا إذا كانت «إينرغِيا» اللُّغة – أي الرؤيةُ للعالَم القائمةُ في أساسِها – قد تغيَّرت قبلَ ذلك تغيُّراً جوهريّاً. وعليه، فإنَّ لغةَ «السّيادية» العنيفةَ، بما هي «إرغون»، يسبقُها انقلابٌ نفسيٌّ داخليٌّ بالغُ النرجسيَّة، وهَذَريُّ الطابع، وسوسيوباتِيُّ البِنية، بوصفِه «إينرغِيا» تُضفي عليه – في زعمِه – شرعيَّةً ظاهريَّة؛ وهذا قد يصحُّ في حقِّ الجُناةِ الأفراد كما في حقِّ الجماعات.
غيرَ أنَّ هذه الشرعيَّاتِ الموهومةَ لا تُفكَّرُ فحسب، بل كثيراً ما تُصاغُ لفظاً أيضاً، حين يَتلاعَبُ سيادات الأمسِ واليوم بضَحاياهم الآتين، ويُعلِنونَ أفعالَهم إيحاءً قبلَ وقوعِها، ولا يَندرُ أن يَفعلوا ذلك بالإيماءِ مُسبقاً إلى علاقاتٍ لامتكافئةٍ في اللغةِ نفسِها. فاللاتكافؤُ الحربيُّ اللاحق، عبرَ عُنفٍ جسديٍّ يزدادُ تَفاقُماً، يُمهَّدُ له لغويّاً بتبريراتٍ وتفخيماتٍ ذاتيَّةٍ تبدو ميتافيزيقيَّة – وهاهنا يتراءى من جديدٍ كاهنُ فوكو القربانيُّ الذي يَخلَعُ على نفسِه هالةً – وبادِّعاءاتٍ سلطويَّةٍ لاعقلانيَّةٍ لا تَقبلُ المُحاجَّةَ البرهانيَّة، وبصِيَغٍ تعميميَّةٍ تُقصي فرديَّةَ الضحيَّةِ، وكأنَّها تُمهِّدُ سَلَفاً لعدمِ قابليَّةِ الفردِ للتعرُّفِ عليه في اللغةِ قبلَ أن تُترجَمَ إلى واقع. وههنا نجدُ الإحالاتِ اللغويَّةَ إلى تصوُّراتِ الحداثةِ الثلاثةِ التي يُناقضُها «السّيادي»: العلمنة، ووحدةُ العقلِ والحُكم، والفرديَّة. فليسَت أفعالُ «السّيادي» العنيفةُ وحدَها، بل أنماطُ كلامِه أيضاً، هي التي تُعبِّرُ عن بُعدِه من وعيِ الحداثةِ بذاتِها، ومن ضميرِها القِيَميِّ.
فالتبريراتُ الميتافيزيقيَّةُ الظاهريَّةُ لشخصِه ولدورِه، بما فيها من مُبالغاتٍ نرجسيَّةٍ عَظَميَّة، تُذكِّرُ السامعَ المتنبِّهَ بكاهنِ القربان. والتسويغاتُ اللاعقلانيَّةُ العاريةُ من كلِّ منطقٍ أو معقوليَّة – بل حتَّى المُغالطاتُ السفسطائيَّةُ التي تُضخِّمُ العقلَ نفسَه – تُثبِتُ أنَّ وحدةَ العقلِ والحُكم، وهي السِّمةُ الحداثيَّةُ النموذجيَّة، قد أُنكِرَت على نحوٍ عنيف. أمَّا اللغةُ التعميميَّةُ المُسوِّية (من نحوِ: «إخفاقاتٌ مدنيَّة»، «أنماطٌ متوسِّطة»، «أناسُ العالَم») فإنَّها تُنكرُ إحالةَ الحداثةِ القويَّةَ إلى الفرديَّة، وتُمثِّلُ تهيئةً بلاغيَّةً للضحيَّة، المرادِ لها أن تشعُرَ بأنَّها ليست شيئاً مُتميِّزاً، بل كتلةً مُجهولةً مُستبدَلة.
ولافتٌ أنَّ هذا النمطَ من خطابِ السِّيادةِ كانَ قد شُخِّصَ سنة ١٩٨٩ على يدِ اللغويِّ الأمريكيِّ نعوم تشومسكي بوصفِه تقنيَّةً بلاغيَّةً من تقنيَّاتِ الإيحاءِ الجماهيريِّ في الإعلامِ الحديث، أي إنَّه جزءٌ من اليوميِّ المألوف الذي نادراً ما يُساءَل، والذي يُبلِّدُ المعاصرَ عن مثلِ هذه الادِّعاءات. فخطاباتُ التحقيرِ والتسويةِ المُوجَّهةِ إلى الآخَر بوصفِه ضحيَّةً مستقبليَّة، وادِّعاءاتُ القُدرةِ اللاعقلانيَّة، ثمَّ التَّرفيعُ الذاتيُّ – كلُّ هذه الأنماطِ البلاغيَّةِ التلاعبيَّةِ لا تتعلَّقُ بمستوى الوقائع، بل بمستوى العلاقة؛ وتحديداً بإذلالِ المقابِلِ وزعزعتِه، تمهيداً نفسيّاً لـ«حربٍ لامتكافئة» مُزمعةٍ قد لا تلبثُ أن تتجسَّدَ عُنفاً مادِّيّاً. ومن ثَمَّ يجبُ التنبُّهُ إلى هذه الأنماطِ القوليةِ بوصفِها شرعيَّاتٍ زائفةً استباقيَّةً للعنف، حتَّى يُمكِنَ – وقائيّاً – مُقاومةُ تصاعُدِ الأنواعِ الثلاثةِ عند ريمتسما، ومنعُ تجاوزِها إلى فَرطِ العُنف. إذ لا يُمكنُ – من وجهةِ النظرِ الإجراميَّة – إيقافُ العُنفِ المُفرِط إلا إذا أمكنَ التعرُّفُ إليه في مراحِلِه الأولى، تلكَ المراحلِ التي لا تزالُ قابلةً للإدراكِ لغويّاً، أي من خلالِ اللغة، قبلَ أن يَغدو – مع حنة آرنت – «صامتاً بالعُنف»، فتتكلَّمَ الأيدي المُنتهِكة، أو أدواتُ التدميرِ الصَّريحة.
ويبقى سؤالٌ أخيرٌ جديرٌ بالذِّكرِ في الصِّلةِ بين فَرطِ عنفِ «السّيادي» ولغتِه: ما الذي يقفُ في الحقيقةِ في مبدأِ «إينرغِياه» القاتلة؟ ما الذي يُطلقُها؟ والجوابُ هو: إنَّ لهذه «الإينرغِيا»، في فَهمِه المنحرِفِ لذاتِه وللعالَم، علَّةً أولى كامنةً في اختلالِ فَهمِه للزَّمن. فهي تتكوَّنُ على الخُصوص من علاقةٍ مخرِّبةٍ غايةَ التخريبِ بالزمن: إنَّه يعيشُ على نحوٍ كُلِّيٍّ في الآنِ واللَّحظة، بغيرِ تبريرٍ تقليديٍّ ولا قانونيٍّ، ويريدُ أن يُعيدَ تمثيلَ التطوُّراتِ التاريخيَّة أو أن يعكسَ مساراتِ الحداثةِ بفعلٍ عنيف، ويُنشِئُ «حالَ الطوارئ» ويُحكِمُ السيطرةَ عليها بتشريعاتٍ استثنائيَّةٍ اعتباطيَّة، ويقصدُ إلى تأسيسِ «زمنٍ جديد» يصيرُ فيه كلُّ شيءٍ منذُ الآن مختلفاً عمَّا كان.
فالديكتاتورُ – في الغالب – ذو علاقةٍ مُشوَّهةٍ بالزمن، وتنكشِفُ هذه العلاقةُ لغويّاً في المراحلِ السابقةِ على أفعالِ العُنف، حين يُعلِنُ فاعلُ العُنفِ المُفرِط عن فعلِه، ويُضفي عليه – في الوقتِ نفسِه – هالةً أسطوريَّةً، إمَّا بإحالتِه إلى أمسٍ غيرِ مسبوق، أو إلى غدٍ يوتوبيّ. وكلُّ إحالةٍ حاضرةٍ إلى الزمن، تكونُ – في الأخلاقِ الفلسفيَّة – أساساً عقليّاً للمسؤوليَّة، مفقودةٌ في فَهمِ الكينونةِ عند هذا الجاني المُطلَق الذي لا يُحاسَبُ لأحد. فـ«إينرغِيا» السّيادي، القائمةُ إلى حدٍّ بعيدٍ على الاختلال، والتي تُنتِجُ شرعيَّاتٍ وهميَّةً لاعقلانيَّةً للعنف، هي – من الوجهةِ النِّظاميَّة – رفضٌ لتلكَ النماذجِ التي عُدَّت – منذُ الحداثةِ على الأقل – مُشكِّلةً للثقافةِ في فَهمِها الذاتيّ: نبذُ العُنف عند الفردِ والدولة، والكرامة، والتبرير، والعقل، وصونُ الفرديَّة. ولذلكَ فإنَّ «السّيادي» – كما كانَ في زمنِ هوميروس، غيرَ أنَّه اليوم أشدُّ هولاً – مؤشِّرٌ على انحطاطٍ ثقافيّ: فحيثُما ظهرَ فَرطُ العُنف، وظهرَ فاعلُه النموذجيُّ، «السّيادي»، كانت الحداثةُ ومعها مشروعُ الديمقراطيَّة في خَطَرٍ من هذا الطرازِ المُضادِّ للحداثةِ والمُضادِّ للديمقراطيَّة.
إذا أرادَ المواطنونَ، والمؤسَّسات، والدُّولُ اليومَ أن يَحموا الديمقراطيَّة، وجبَ عليهم أن يُرهِفوا الحِسَّ باكراً للتعرُّفِ إلى الطرازِ الإجراميِّ العنيفِ المسمَّى «السّيادي»، لأنَّ فَرطَ العُنف هو نَمَطُ سلوكِه المُميِّز، ولا بُدَّ أن يطفو إلى السَّطح عاجلاً أو آجلاً، بحُكمِ طبيعتِه الإفراطيَّة المتأصِّلة. فـ«السّيادي»، بوصفِه «سيِّدَ حالِ الطوارئ» المُنصِّبَ نفسَه بنفسِه، ليس خَطَراً على السِّلم فحسب، هو خطرٌ أيضاً على المُنجَزاتِ الثقافيَّةِ والقانونيَّةِ للحداثة، وعلى فَهمِها لذاتِها، وللمعايير، ولتصوُّرِها الليبراليِّ للإنسان.
غيرَ أنَّ هُناك انكساراً تهكُّميّاً يعتري هذا البناءَ الحُجِّيَّ كلَّه، ويتمثَّلُ في السؤالِ عمَّا إذا كانتِ الحداثةُ الشموليَّةُ ذاتُها ما تزالُ تملكُ أيَّ دعوى معياريَّةٍ أصلاً، أو ما إذا كانت لا تقومُ في جوهرِها على «نورموباثيا» – أي مرضيَّةِ الامتثالِ للمعيار – بل ربَّما تُعزِّزُ هي نفسُها «السّياديَّة» باستعمالِها المُفرِطِ للقوَّة. إنَّ المشروعَ التاريخيَّ للحضارة – وهو مشروعٌ هشٌّ، وبعيدٌ من أن يكونَ خطِّيّاً – وخَيطَ استنارتِه الضَّوئيَّ المؤقَّت – وهو دائماً عملٌ غيرُ مُنجَز – كلاهما متوقِّفٌ على أن يظلَّ هذا الظِّلُّ الذي يبدو مُمتدّاً عبرَ العصور، أي «السّيادي»، قابلاً للتعرُّفِ إليه بوصفِه نقيضاً طِرازيّاً، وألَّا يتحوَّلَ إلى عادةٍ جديدة، أو إلى مِثالٍ يُحتذى.
