الجنونُ منطقيّ أكثر ممّا نظن

 

لم يكُن جمهورُ أثينا القديمة بحاجةٍ إلى أفلاطونَ ليُدرِكَ الطبيعةَ المزدوجة، أو بالأحرى المعقّدة، للجنون. فقد سُبِرَت أغوارُ الدورِ المُقْلِق والمتعدّد الوجوه للـ«مانيا» (أي الجنون أو الهوس)، بوصفها لعنةً وبركةً في آنٍ، وتشعّبت مسالكُها في شتّى السياقات الدراميّة، في مآسي القرن الخامس وملهاياته على حدّ سواء. ولعلّ أقربَ إجابةٍ مبدئيّة عن سؤال الفرق بين التجسيد المأساوي والملهاوي للجنون هي أنّ مشاهد الجنون تُعرَض علينا - وتُعرَض بوصفها مبعثاً للضحك - في المأساة اليونانيّة، لا في الملهاة القديمة. وفي هذا القول حظٌّ وافرٌ من الصحّة؛ وهي صحّةٌ تشهد عليها النقاشات المستفيضة التي حظي بها الجنون المأساويّ دون نظيره الملهاويّ في الأدبيّات الحديثة. فمن جهة، تطالعنا شخوصُ أياكس، وهرقل، وكاساندرا، وأوريستيس، وثلّة من المخبولين في مسرحيّة «عابدات باخوس» (ويُضاف إليهم حالاتٌ أخرى أقلّ جلاءً)؛ ومن جهةٍ أخرى، لا نكاد نقع في أدب أريستوفانيس إلّا على «فيلوكليون» في مسرحية «الزنابير» مثالاً لآفةٍ عقليّة خطيرةٍ صريحةِ المعالم. أما صلةُ هذه الحالات بالضحك فمسألةٌ أخرى. فكما سنرى، ثمّة رابطٌ وثيق يتجلّى بين الجنون والضحك في جلّ تجلّياته المأساويّة تقريباً؛ وكما سأبيّن لاحقاً، فإنّ هذا «الاستهزاء بالجنون» يمرّ بتحوّلٍ جوهريّ في الملهاة.

علينا بادئ ذي بدء أن نتحرّى الدقّة في بيان حضور الجنون وطبيعته في المآسي المعنيّة، قبل التطرّق لصلته بالضحك. لذا سنستهلّ حديثنا ببعض الفروق الاصطلاحيّة وبأنواع الآفات العقليّة. تُعَدّ كلمة «الجنون» الترجمةَ المعتادة للفظة اليونانية «مانيا» (Mania) وما جانَسها. (ويمكن أيضاً إلحاقُ لفظة «لوسا» وما شابهها كمرادفاتٍ فعليّة؛ بل إنّ كلا الاسمين، ولا سيما «لوسا» (lussa)، قد يُجسَّدان أحياناً في هيئةِ كيانٍ إلهيّ يُسبّب الجنون). وكلّ الحالات التي سلف ذكرها من المآسي موصوفةٌ صراحةً (وإن لم يكن حصراً) بلفظتي «مانيا» أو «ماينيسثاي» (mainesthai) (أي «أن يُجَنّ»)؛ وفي مقالي هذا، كلّما تكلّمت عن «الجنون» في النصوص اليونانية، فإنني أقصدُ، في الغالب الأعمّ، تلك الظواهرَ التي تصفها هذه الألفاظُ المعيّنة. وللجنون (المانيا)، سيّما كما يُصوَّر في المأساة، سِماتٌ جليّة ومتكرّرة سنُفصّل القول فيها عمّا قريب.

وقبل أن نشرع في ذلك، حريٌّ بنا أن ننظر في ألفاظٍ أخرى تمسّ الحالات العقليّة أو الأخلاقيّة في المأساة والملهاة، دون أن ترادف الجنونَ مرادفةً تامّة، ودون أن تندرج في سِياق التمييز الصارم بين الجنون والعقل السويّ. ومِن أبرزِها ههنا لفظةُ «فرونين» (phronein) (أي «يُفكّر، أو يعقل») وما يتّصل بها. فمصطلح «سوفروسيني» (Sophrosune) يُفهَم عادةً على أنّه «ضبطُ النفس» أو «الاعتدال»؛ بَيْدَ أنّ دلالته الاشتقاقيّة المعنيّة بـ«حصافة العقل أو الفهم» حاضرةٌ بقوّة - وغالباً ما تحمل بُعداً دينيّاً، أي الموقف الصحيح القائم على الإجلال والاتزان حيال الإلهة. وغياب هذه الخصلة لا يُعَدُّ مرادفاً للجنون بالمعنى المذكور آنفاً؛ بل إنّ هذا الغياب يمثّل في بعض الأحيان التجاوزَ الآثِم الذي يستوجب عقاباً إلهيّاً بالجنون.

وعلى هذا النحو، يحمل التركيبُ الفعليّ «إيو فرونين» (eu phronein) (وحرفيّاً «يفكّر تفكيراً سديداً» أو «يحمل أفكاراً حسنة») طيفاً دلاليّاً مشابهاً. أمّا الصيغُ المنفيّة - مثل « kakos phronei» أو « orthos phronei» (أي: يفكّر على نحوٍ سقيم أو خاطئ) - فتدلّ على انتفاء تلك الحصافة العقليّة؛ ومدى بلوغها في بعض الأحيان مبلغَ «العَتَه» أو مُقاربتها للفظة «ماينيسثاي» (mainesthai) أمرٌ فيه نظر؛ غير أنّها تظلّ ذاتَ صلةٍ ببحثنا. وتُستعمل كذلك مصطلحاتُ «أنويا» (Anoia) و«بارانويا» (paranoia) وما شابهها لوصف ضربٍ من الزيغ العقليّ. وهذا الخروج عن الإدراك أو السلوك السويّ - والذي قد ينطوي كذلك على خرقٍ للأعراف الاجتماعيّة - يتقاطع بلا شكّ مع بعض سِمات الجنون بمعناه الدقيق؛ إلّا أنّها في حدّ ذاتها تفتقر إلى الخصائص المميّزة للجنون كما يتبدّى في المأساة عادةً، أي بوصفه حَدَثاً دراميّاً عنيفاً وذا نوباتٍ عارضة.

وفي المقابل، يجب أن نضع في الحسبان احتمالَ ورودِ كلمات الجنون على غير محملها الحرفيّ. فميديا، على سبيل المثال، تذكّرها الجوقة بأنها أبحرت من موطنها بـ«قلبٍ مجنون»؛ لكنّها، كما سأُبيّن لاحقاً، لم تُصوَّر على أنّها مجنونةٌ حقّاً. وحين ننتقل لمدارسة الملهاة، يتعيّن علينا أن نراعي الاستعمالات العاميّة والاصطلاحيّة، كعبارة « ei mē maínomai» (وحرفيّاً «إلّا إذا كنتُ مجنوناً»)، حيث تبتعد كلّ البعد عن أيّ دلالة حرفيّة للجنون.

ننتقل الآن للنظر في السِّمات المميّزة للجنون المأساويّ. عادةً ما يُصوَّر «المانيا» في المأساة على أنّه:

(١) عارضٌ ومؤقّت.

(٢) عذابٌ مُنزَلٌ من إلهٍ عقاباً على تجاوزٍ مشهود.

(٣) مصحوبٌ بأعراض بيّنة، هي:

 (أ) الضلال (التباس الأشياء أو الأشخاص) أو الهلوسة.

 (ب) نشاطٌ محمومٌ وعنيف.

 (ج) جحوظُ العينين؛ والارتجاف؛ وإزباد الفم.

 (د) فقدانٌ متقطّع للوعي.

وقد نالت السِّماتُ المذكورة آنفاً قسطاً وافراً من النقاش في الأدبيّات الحديثة، شأنها شأن صلتها (لا سيّما النقطتين ١ و٣) بتوصيفات الجنون في التراث الطبّي. وأكتفي ههنا بتأكيد نقطةٍ راسخةٍ، ولَفْتِ الانتباه إلى أخرى لم تحظَ بما يكفي من الجلاء. أمّا الأولى فهي أنّ هذا الفهمَ للجنون يقتضي براءةَ الفاعل من المسؤوليّة الأخلاقيّة عن الأفعال التي يقترفها إبّان جنونه - على الأقلّ بالمعنى الصريح للـ«مسؤوليّة» (حيث تُفهَم أخلاقياً لا دينيّاً أو شعائريّاً). بَيْدَ أنّه قد يكون، من وجهٍ آخر، مسؤولاً - لإغضابه إلهاً ما - عن الأفعال التي أفضت إلى نزول الجنون به. وكثيراً ما تُوصَفُ هذه الأفعالُ الجالبةُ لغضب الإلهة، أو الحالةُ العقليّة المسبّبة لها، بانعدام الـ«سوفروسيني» (sophrosune)، وهو مصطلحٌ يجمعُ، في نسيجٍ معقّد، بين مفاهيم التعفّف أو الحصانة، ورجاحة العقل، ومعرفة المرءِ مَقامَهُ إزاء الإلهة.

والنقطة الثانية، والأقلّ ملاحظةً، هي أنّه في حين تُعرَضُ جملةٌ من السلوكيّات المندرجة تحت (٣-أ) (وأحياناً ٣-د) مباشرةً على خشبة المسرح، فإنّ نظائرها في (٣-ب) و(٣-ج) - أي الأعراض البدنيّة الصارخة والأفعال العنيفة - لا تُعرَض؛ بل ينقلها شهودُ عيان، عادةً في «خُطَب المراسيل». وهذا، من جهة، نتيجةٌ طبيعية لأعراف المأساة اليونانيّة: فلا حركاتُ العينين ولا إزبادُ الفمِ ممّا يمكن تمثيلُه مباشرةً في مسرحِ القرن الخامس المُقنَّع؛ كما أنّ الأفعالَ العنيفة لا تُعرض قطّ، أو تكاد، على الخشبة. ومن جهة أخرى، لعلّ لذلك دلالةً أعمق تتعلّق بكيفيّة تصوّر الجنون المأساوي وتلقّيه - لا سيّما صِلتُهُ بالضحك. وسنعود إلى هذه النقطة لاحقاً.

وأوَدُّ لفتَ الانتباه إلى سِمتين أُخريين متكرّرتين في التصوير المأساوي للجنون:

(٤) إنّ الجنونَ المأساويّ بلوى تصيبُ الفردَ في عزلته: فتجربتُه، ومسألةُ انقشاعه (حين يحدث ذلك)، يظهران كأمرٍ يخصّ الفرد وحده، وغالباً ما ينطوي الانقشاع على تدخّلٍ مباشرٍ من الإله الذي سبّبه، أو على شعيرةِ كفّارةٍ يؤدّيها الفرد بأمرٍ مباشر. ولا مِراءَ في أنّ لهذه البلوى عواقبَ مهلكةً أو فاجعةً على أقرب المقرّبين من الفرد، كما يتجلّى بأبلغ صورةٍ في مسرحيّتي «هرقل» و«عابدات باخوس»، حيث تبلغ المأساة ذروتها بقتل الأبِ أو الأمّ لطفلٍ أو أطفال. بل إنّ هذه العواقب ملازمةٌ لها تقريباً. إلّا أنّ هذا، أيضاً، جزءٌ من عقاب الفردِ المعنيّ. ولا يُنظَر للجنونِ ذاته بوصفه نشاطاً معادياً للمجتمع، أو بوصفه سلوكاً ذا دلالةٍ أخلاقية أو سياسية؛ بل هو معزولٌ عن الأفعال الاعتيادية للمرء. (وهذا يتّصل مجدّداً بمسألة انتفاء المسؤولية الأخلاقية عن الأفعال الجنونية).

والواقع أنّ أشدّ سلوكيّات الأبطال المخبولين إشكالاً من الناحية السياسية أو عداءً للمجتمع - بل وحتّى اعتلالاً اجتماعيّاً - تُرتكَب، في حالاتٍ مفصليّة معيّنة، قبل بدء بلوائهم أو بعد انقضائها. ففي الحالة الأولى، قد يكون السلوك المُشكِل جزءاً من أسباب الجنون الذي يسلّطه إلهٌ غاضبٌ كعقاب. وهذا دأبُ «بينثيوس» في كفره (وكذلك حال كاساندرا وأياكس في نظر الإلهة المعنية)؛ وتتجلّى أسطع صورها في قتل «أوريستيس» لأمّه. فالفعل الذي قد نعدّه يائساً أو مرضيّاً لا يُوصَف هنا بالجنون البتّة - وكذلك هو حالُ فعل أوريستيس التطرّفي في أخذ الرهائن في مسرحيّة «أوريستيس». واللافت، لربّما من منظورٍ حديث، أنّ هذا الفعل وجريمةَ قتل الأمّ كليهما يقعان في فترات «عقلانيّتهِ» ورشده.

(٥) للجنون المأساوي صلةٌ وثيقةٌ بالضحك. ويصدق هذا بمعانٍ عدّة:

(أ) الضحكُ في غير مَحلّه هو عَرَضٌ آخر من أعراض المانيا.

(ب) الجنون عقابٌ إلهيّ على السخريّة والتهكّم.

(ج) قد يُستحَثُّ المرءُ على الضحك ممّن يقاسون الجنون.

سنمضي الآن لاستكشاف هذه المعاني بمزيدٍ من التفصيل، مع إبقاء تركيزنا على المأساة. وقبل ذلك، فلْنُشِر إلى أنّ كافّة سِمات الجنون في المأساة، من ١ إلى ٥ أعلاه، هي ما يُميّزه عن كيفيّة تصويره في الملهاة. فالجنون في الملهاة - بمقدار ما يتبدّى - ليس عقاباً إلهيّاً عارضاً يحلّ بنوبات مخلّفاً فواجعَ بغتةً؛ وليس له تصنيفٌ بدنيٌّ أو طبّيٌّ جليّ؛ ولا يُتّخَذ (في الغالب الأعمّ) مَطِيّةً للاستهزاء؛ بل يُنظَر إليه، كما سأُبيّن، من حيث بُعده كمشكلةٍ اجتماعيّة لا فرديّة.

ولكن فلنُسهِب أوّلاً في المأساة، ولا سيّما في العلاقة بين الجنون والضحك.

فالنقطة (٥-أ) بيّنةٌ نسبيّاً، وهي في جوهرها امتدادٌ لقائمة الأعراض البدنية المدرجة تحت النقطة (٣). فمثلاً، يُنقَل عن هرقل في مستهلّ جنونه أنّه تكلّمَ «بضحكةٍ مخبولة». أمّا جنون كاساندرا، وفقاً لـ«تالتيبيوس»، فيكمن جزئيّاً في أنّها، في سِياق حديثها العقلانيّ عن الجوانب الإيجابية لموقفها وموقف نساء طروادة، «تضحكُ بملءِ فمها لِمُصابها»؛ وفي ظهورها المخبولِ الأوّل، تستفزّ أُمّها حاثّةً إيّاها على أن «ترقص وتضحك». ونلحظ كذلك أنّ الضحكَ عُنصرٌ بارزٌ في سلوكِ المحتفلين الباخوسيّين في مسرحيّة «عابدات باخوس»، سواءٌ في روايتهم هم أم في رواية الرسول.

وننتقل إلى النقطة (٥-ب): إنّ إنزالَ الإلهةِ للجنون جزاءً لتعدٍّ بشريّ أصبح أمراً جليّاً وراسخاً؛ بَيْدَ أنّ المُلفت حقّاً هو مدى اقتران هذا التعدّي بطابَعِ السخريّة على وجه التحديد. ويجب أن تُفهَم هذه النقطة والتالية لها (٥-ج) ضمن فضاءٍ أخلاقيّ يُعَدُّ فيه إذلالُ الأعداء من جهة، وتجنّب شماتتهم وضحكهم من جهةٍ أخرى، من الضروراتِ القُصوى في العُرفِ البُطوليّ. ولا حاجة بنا لتكرار هذه النقطة العامّة ههنا، وإن كانت تتجلّى بصورة باهرة في عددٍ من مسرحيّات «الجنون» التي تعنينا، كـ«أياكس» و«ميديا» و«عابدات باخوس». إلّا أنّ العلاقة الأخصّ التي تجمع بين تلافِي الإذلال أو الضحكِ وبين الجنون، تظلّ مَثارَ اهتمامٍ بالغ.

وتتجلى هذه العلاقة في أبهى صورها في «عابدات باخوس». فـ«بينثيوس» يجد في السلوك الباخوسيّ لكلّ من قدموس وتيريسياس في مُستهلّ المسرحية مبعثاً لـ«كثيرٍ من الضحك»؛ ويلاحظ تيريسياس أنّ بينثيوس يسخر أو يزدري الإله الجديد؛ فيردّ ديونيسيوس نفسه على هذا الهزءِ بقصدٍ صريحٍ يتمثّل في عقابِ بينثيوس على سخريّته، وجعلِهِ هو نفسِه أضحوكةً. ومِن جانبه، يُفصِح بينثيوس عن خشيته - فوق كلّ اعتبار - مِن أن تكون عابداتُ باخوس في مَوقفٍ يَسْمَحُ لهنّ بالضحك عليه.

ولا ريب أنّ دراما «عابدات باخوس» تعرض أمامنا مشهداً من السخريّة أشدّ دهاءً وتعقيداً ممّا قد توحي به هذه الاستشهاداتُ القليلة: ففصلُ «الغواية» الفريد بأسره، بين ديونيسيوس وبينثيوس، يجلّي الإله وهو يتهكّم خفيةً على بينثيوس أو يضحك عليه بطريقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحالة الضلالِ التي غرق فيها الأخير. ويغدو بينثيوس في نهاية المطاف أضحوكةً صريحة، وتنبثق هذه السخريّة جِهاراً مِن عَتَهِهِ: فيزدانُ بزيِّ امرأةٍ ويتباهى بمِشيَتِهِ فيه؛ وينتشي بهلوساتٍ بصريّة وعُظاميّة؛ ويأوّلُ كلّ خطوةٍ يخطوها نحو شَرَكِ الإله، على أنّها بالأحرى خُطوةٌ إضافيةٌ في خِطّتهِ الماكرة للإيقاعِ بالغاداتِ المخبولات (المينادات).

وتُقدّم مسرحية «أياكس» لسوفوكليس حالةً نقيضةً وموازيةً في آنٍ معاً. فإدراكُه أنّه مرّ بنوبةِ جنونٍ هو أمرٌ محوريٌّ في تفاقم خشيتِهِ من ضحك الأعداءِ وسخريتهم، وهو هاجسٌ يستبدّ به (وبالمقرّبين منه). لذا، ترتعدُ فرائصُه للضحك الذي سيُثيرُه: «آهٍ للضحكِ، أيّ مَذلّةٍ لحقت بي»؛ وكما تلاحظ الجوقة بيأس، عن غريم أياكس اللّدودِ أوديسيوس: «واحسرتاه، إنّه يضحكُ ضحكةً مدوّيةً لهذي الفجائعِ المخبولة»؛ ويقترحون كذلك المُسارعةَ لتغطيةِ جثّةِ أياكس قبل قدومِ مينيلوس، مخافةَ أن يتّخذَها مطيّةً للضحك. ويمثّل اتّقاء ضحكِ الأعداءِ دافعاً أساسيّاً - تُكرّر الإفصاح عنه - لميديا، وعاملاً مُهمّاً في قرارِها النهائيّ المروّع. (وسنعود للحديث عن ميديا عمّا قريب).

ولعلّ خشية السخريّة، بل وحتّى وجهَها النقيض المتمثّل في الرغبةِ في الإذلال، أمرٌ في متناول أفهامنا إلى حدّ ما، على الأقلّ بالقدرِ الذي يُسعِفُنا لتقمّص العُرفِ البُطوليّ المتجلّي في المأساة اليونانيّة. إلّا أنّ الخَطْب يغدو أشدّ وطأةً حين نلتفتُ لتلك المواضع التي نُدعى فيها - أو يُدعى فيها المرء - بدفعٍ من شخوصِ الدراما، للضحكِ من الجنون حقّاً.

وثمّة، بطبيعة الحال، تداخلٌ بين هذه الحالات (المندرجة تحت ٥-ج أعلاه) وتلك التي نوقشت للتوّ تحت (٥-ب). ولعلّ أسطع مثالٍ على ذلك هو حالة «أياكس». فقد عاينّا للتوّ فزعَهُ من سخريّة الأعداء وإذلالهم؛ لكن فلْنُمعن النظرَ الآن في الحوار الدائر بين أثينا وأوديسيوس في مستهلّ المسرحية. تسألُ الإلهةُ أوديسيوس قائلةً: «أليس أمتعَ الضحكِ ضحكُكَ على عدوّك؟». وثمّة أمران جديران بالانتباه (وصادمان) ههنا: الاستنهاض المباشر للمرء ليشرع في مُشاهدة جنون أحدهم والضحك منه؛ وكون هذه الدعوة صادرةً عن كائنٍ إلهي. والواقع أنّ أوديسيوس يبدو مأخوذاً باقتراحِ الإلهة. نحنُ ههنا أمام دعوةٍ للضحك من الجنون؛ دعوةٌ تُوجّهها إلهةٌ فيأباها بَشَريٌّ، أو يتقبّلها، في أحسن الأحوال، بتردّدٍ وتحفّظ. ويُثيرُ هذا الموقفُ الدرامي سلسلةً من التساؤلات المشوّقة، منها: مَنِ المرتقبُ منه أن يضحك، إن وُجِد؟ وما صِلة ردّ فعلِ الجمهور الحقيقيّ بردّ فعل جمهورٍ على خشبة المسرح (وهو هنا أوديسيوس)؟

وحريٌّ بنا أن نعود أدراجنا لمشاهد السخرية التي أسلفنا ذكرها في «عابدات باخوس»، واضعين هذه الاعتبارات في الحُسبان. فمما لا شكّ فيه أنّ ديونيسيوس يضحكُ من ضحيّتِه بينثيوس. وتتّخذُ الضحكاتُ الساخرة أشكالاً شتّى؛ فمقدرةُ الغريبِ على الإفلات من بينثيوس وتخييب آماله، تُصوَّر على أنّها استهزاءٌ عَمْدِيّ؛ ثمّ ينتقل بينثيوس، أو يُنقَل بالأحرى، عَبْر مراحلَ متعاقبةٍ من الضلال والإذلال (الذي لم يُدرِكه بعدُ): إذ تتفوّقُ عليه قدراتُ ديونيسيوس السحريّة؛ ويُخدَع ليعتقدَ بنجاعةِ مسعاهُ المُهْلِكِ لذاته؛ ويتخلّى في خِضمّ ذلك عن وقارِهِ السالف؛ وتُنزَل به هلوساتٌ حقّة؛ وأخيراً - في المشهد الذي لا نُبصره إلّا عَبْر عينَي الرسول - يُعَرَّض بلا رحمةٍ لسعار الصيد عند عابدات باخوس، ليُستحالَ ذلك الصيّاد أو المُتَلَصِّصُ المُرتَقَبُ بقسوةٍ إلى فريسة.

بَيْدَ أنّه، هل يَضحكُ أحدٌ سواه؟ أمْ أنّ هذا الضربَ بالذاتِ مِنَ الضحكِ المخبول هو شأنٌ يختصّ به الإلهةُ البالغون في النّأْي والبالغون في القسوة؟ إنّه لتساؤلٌ آسر، يقودنا لربّما في مسارين يتناقضان أيّما تناقض. فمن جهة، قد يكون للآلهة دورٌ متفرّد في التهكّم والضحكِ مِن الجنون؛ ولكن، هل يُعقل، من جهةٍ أخرى، أن يُستحَثَّ الضحكُ مِن الجنون - بل ويُشارِكَ فيه الجمهورُ الفعليّ - على نحوٍ يُصعِقُ التوقّعات الحديثة ويبعثُ فيها الاشمئزاز؟

وللخوض أكثر في الاحتمال الأوّل: إنّ إباءَ أوديسيوس أن يكون عدوّاً قاسيَ القلب وساخراً لدوداً كما تَحُثّهُ إلهتُهُ الحامية، يوازيه في سِياقٍ مُغاير تماماً المشهدُ الذي يُشعل شرارةَ الجنون في «هرقل». فهاهنا، وفي مفارقةٍ عجيبة، تُبدي إلهةُ الجنونِ أو رُوحُهُ، «لوسا» نفسُها، تمنّعاً شديداً عن أن تُنْزِلَ نفسَها على بطلٍ مِغوارٍ كهرقل - أي أن تُهلِكَهُ بتسليطِ الجنون عليه - ولا تذعنُ لذلك إلّا قَسْراً بأمر «إيريس»، مبعوثةِ هيرا ومُبلّغةِ أوامرها المباشرة. وتُصوَّر الإلهةُ الغائبة قادرةً على بلوغ مَبلَغٍ من القسوة - وربّما السخريّة - يبدو ههنا أبعدَ مِن أن تُدرِكَه مداركُ نصفِ إله، ناهيك عن بَشريّ.

وقبل أن نسترسل بمزيد تفصيلٍ في الطرائقِ المتنوّعة التي تُعرض بها مَشاهدُ الجنون للجمهور - وأيُّ جمهورٍ؟ - بوصفها مشاهدَ قد تُثيرُ الضحك، يجدر بنا أن نلتفت لـ«ميديا» ومنظورِها الذي يكاد يُحسَب إلهيّاً، لِصِلته بحُجّتنا السالفة. وكما سلفَ القول، فإنّ استنكافَ ميديا عن السماح لأعدائها بالضحك منها يتوافق تماماً مع ديناميكيّاتِ العُرفِ البُطوليّ، بما يحمله من مُزاوجة، كوجهيْ عملةٍ واحدة، بين وجهين: الرغبةِ في الإذلال والذُّعرِ مِن الشماتة. وفي الحقيقة، هو يقدّم مثالاً متطرّفاً على ذلك. بَيْدَ أنّ السؤال هو: هل يسوقُها هذا الجزعُ إلى الجنون؟ لزِمنا أوّلاً أن نُقِرّ بأنّ قرارها بقتل أطفالِها لذلكم المأربِ «البطوليّ» (أي الانتقام مِن أعدائها أو إذلالهم) هو قرارٌ ينمّ عن ضربٍ من الجنون.

والحقّ أنّ سلوكَ ميديا كما صوّره يوريبيديس لا يتقاطع إلا نَزْراً يسيراً مع الجنون المأساويّ الذي تناولناه آنفاً. فالسِّمة التي قد تُشارِكُ فيها تلك الصورة، على الأقلّ افتراضاً، هي إدراكُها المُشوَّه للواقع - أو على الأقلّ للقيَم السويّة، بل ولمصالحها الخاصّة. ولكنّ هذا الانحراف، كما ألمحنا سلفاً عند الحديث عن آفة «أنويا» في حالة أنتيغون وافتقار بينثيوس أو هيبوليتوس للـ«سوفروسيني»، لا يُصوَّر في حدّ ذاته على أنّه جنون. ولا جَرَمَ أنّ الصراع العقليّ الدراميّ أو الحوارَ الباطنيّ المَبوحَ به الذي توّجَ قرارها المُهلِك يمكن أن يُؤدَّى على المسرحِ وكأنّه نوبةُ جنون؛ وثمّة سماتٌ بعينها - لا سيّما الفعلُ المحموم والعنيف - تشترك فيها مع الحالات الأشدّ نمطيّةً. إلّا أنّ المِحَكَّ ههنا، على وجه الدقّة، هو الـ«سوفروسيني» (الحصافة والاتّزان)، أو افتقارُها إليه؛ والواقع أنّ جاسون يتّهمها بانتفاء هذه الخصلة بعدما تقترفُ جريمةَ قتلِ طفليها. وبوجهٍ أعمّ، يُصاغُ تقريعُهُ لها في قالبِ لغةٍ تشي بالخُبث الأخلاقيّ واللّؤم والوقاحة - لا بلغةِ الجنون. وعلاوةً على ذلك، فإنّ ذات العقلانيّة التي اكتنفت مسيرتَها نحو اتّخاذ هذا القرار - والطبيعةَ الممنهجة للحُجج التي استطاعت أن تسوقَها، حتّى في خضمّ صراعٍ نفسيّ عاصف - هي لربّما ما يشكّل، في نظرنا، أكثرَ جوانب المسرحية مدعاةً للقلق والاضطراب.

وهكذا، فبرغمِ أنّ أفعالَ ميديا المخبولة - وتحليقَها السماويّ، مستهزئةً بأعدائها وشامتةً بهم - قد تبدو صورةً من أبهى صوَرِ الجنون المأساويّ التي يمكن للمرء أن يبتغيها (وإنْ صحّ ذلك، فإنّ التركيزَ المَهووس على السخرية وتلافِيها يزيد من خصوبةِ الصورة التي رسمناها)، فلا بدّ لنا من أن نُنصِف المعاني التي تجعلنا لا نَعُدُّ ميديا مجنونةً: فغَلَبَةُ نزعةٍ خبيثةٍ ليس كغلبة الجنون، كما يُفهَمُ عادةً في المأساة.

وثمّة وجهٌ آخر فائقُ الأهميّة تُفارق فيه ميديا غيرَها من التجسيدات المأساويّة للسلوك «المجنون» أو التجاوزِ المخبول؛ وهو وجهٌ يسترعي الاهتمام لصلته بحُجّتنا. فميديا، متفرّدةً بين قَتَلَة الأطفال الكُثُر في المأساة اليونانية، ستُفلِت من العِقاب - فلا الندمُ الشخصيُّ يُعذّبها، ولا انتقامُ الفانين يُدركها، ولا القصاصُ الإلهيّ يحلّ بها. ولا مِراءَ في أنّ هذا من مقتضيات طبيعتِها الإلهيّة، أو شِبْهِ الإلهية. وسواءٌ أعددنا موقفَها المتجرّد من الرحمةِ تجاه أطفالها - واستمالتَها العقلَ بلا رحمةٍ ليُطوّع نَفْسَها - مِن تَبِعات منزلتها الشِّبْهِ البشريّة أم لا، فلزامٌ علينا الإقرارُ بأنّ ميديا لا تمثّل حالةً نموذجيّة للجنون المأساويّ؛ ناهيك عن أنّ شخصيّتها تبدو وكأنّها ترسّخ في أذهاننا قدرةَ الإلهة على بلوغ مستوياتٍ من الشماتةِ بالأعداء تتجاوز طاقة البَشَر.

أسلفنا الإشارة لِطرائقَ شتّى يُعرض بها الجنون أمامنا - فإمّا مُعاينةً على الخشبة، وإمّا سَماعاً عن طريق الرواية؛ وآن الأوان أن نُمحّص هذا الأمر بمزيد من التفصيل. فالشخوص التي نراها ونسمعها على الخشبة، لا تمثّلُ إلّا ما يعقُبُ الجنونَ، أو سماتٍ بعينها منه - وتحديداً تلك التي تنطوي على اضطراب الرؤية أو الضلال أو الهلوسة (٣-أ أعلاه). أمّا الأعراض البدنيّة الصارخة (٣-ب) - كجحوظ العينين وحركتهما المحمومة وإزباد الفم - إلى جانب الأفعال العنيفة والمتأجّجة (٣-ج)، فلا تبلغنا إلّا عبرَ رواياتِ طرفٍ ثالث. (ويُستثنى من ذلك ظهورُ كاساندرا على الخشبة في «طرواديّات»، والذي يُرجَّحُ أنّه انطوى على عناصرَ من الرقص «المخبولِ» على طِراز باخوس؛ إلّا أنّ التمعّن في الإيقاع والرقص، وإن كان شديدَ الصّلة بالأداء «المجنون»، يأخذنا إلى فضاءٍ مغايرٍ بعض الشيء، مُضفِياً لربّما بُعداً «هَوَسِيًّا» على ممثّلين وأداءٍ هو في أصله «عاقلٌ» متّزن). وكما سلفَ القول، فإنّ هذا يتّفق ببساطة، في أحد مستوياته، مع أعرافِ الدراما اليونانية. إلّا أنّه يُثير تساؤلاتٍ أخرى حيال استجابة الجمهور. فكيف نردّ على مرويّاتٍ حيّة للجنونِ المستَتِرِ وراء الكواليس؟ وكيف يتفاعل السامعون المتباينون لهذه الأخبارِ على خشبة المسرح؟ وهل تختلفُ هذه الاستجاباتُ في جوهرها عن الاستجاباتِ التي نُبديها، نحن أو هم، إزاء الممثّل المؤدّي للجنونِ نَصْبَ أعيُنِنا؟

ولا مناصَ في هذا السِّياق مِن النّظر في حالةٍ انتقاليّة مثيرة، تُناقِضُ إلى حدّ ما هذه الثنائيّة البسيطة المتمثّلة في جنونٍ مَرْئِيٍّ على الخشبة، مجرّدٍ من الأعراض البدنية العنيفة، أو الوجهيّة على أقلّ تقدير، وجنونٍ ينطوي على تلكم الأعراض ولكنّه لا يُعرَضُ إلّا روايةً عمّا يقع خلف الكواليس. تتجلّى هذه الحالة حين تُومِئُ شخصيةٌ مَرْئيّةٌ على المسرحِ لأعراضٍ بدنية أو وجهيّة مُعيّنة - تظلُّ مَحجوبةً عن أنظار الجمهور امتثالاً لأعراف المسرح المعهودة. ففي مسرحية «أوريستيس» ليوريبيديس، وخلال لقاء أوريستيس بمينيلوس، ينقل هذا الأخير، لفظيّاً، مَلامحَ حيّةً من هَيئةِ أوريستيس (ولا سيّما بُؤبؤَي عينيه الجافّين)، والتي لبثت خَفيّةً عن أنظار الجمهور؛ وهو وصفٌ مهّدت له إلكترا جُزئيّاً في روايتها السابقة عنه.

ولعلّ من الجليّ أن نعتقد أنّ تمثيل ما يعقب نوبةَ الجنون، أو تمثيلَ حالةٍ هادئة مشوبةٍ بالضلال التامّ أو الجزئيّ، من شأنه أن يستدرّ العطف بسلاسةٍ ويُسر: فَيَتَبادَر للذهن أوريستيس في مشهده الأوّل في المسرحية المسمّاة باسمه، وقد تملّكه التشويش حيناً وأدرك حقيقة موقفه حيناً آخر، تتنازعه الهلوسات بين الفينة والأخرى؛ أو أغافي في خواتيم «عابدات باخوس»، وقد استُحيل زهوها وثقتها شيئاً فشيئاً إلى إدراكٍ لضلالها، ثم للرعب الماحقِ صنيعةِ يديها؛ أو لعمري أياكس كما تبدّى في مستهلّ ظهوره أمام أوديسيوس: لم يَعُد يَهذي بَيْدَ أنّه ما انفكّ ضالّاً عن حقيقة ضحاياه. وإذا استعصى علينا أن نتصوّر البطل أوديسيوس يَسخر من عدوّه وهو يأتي أفعالاً شائنةً ومُذلّة لنفسه في نوبةِ جنونه، فلا شَكّ أنّه أشدّ استعصاءً أن نتخيّله يضحك من هَيئةٍ تثير الشفقة والرثاء، يحسبُ صاحبُها أنّه أطاح بأعدائه وأوقعهم في شَرَكِه. أم لعلّ هذا أيضاً منظورٌ يُجافي سِياقه التاريخيّ؟ وهل يُحدِثُ فارقاً تحديدُ اللحظة التي منحت فيها أثينا أوديسيوس مشهداً «مدعاةً للضحك»: أفي خِضمّ المذبحة، أم في أعقابها المباشرة، أم في لحظة الإدراكِ السافر للحقيقة (أو في الموت، حتّى)؟ إنّه لَمِنَ العسير - يقيناً - على أيّ امرئٍ (باستثناء هيرا، على ما يُفتَرَض) أن يُضمر لهرقل شُعوراً غير الرأفةِ والرعب، حين يتراءى لنا أوّل مرّة بعد سُعارِه: مُكبّلاً، لا حيلةَ له، محطّماً، وضالّاً يوشك أن يقف على ماهيّة ضلاله.

ولكن هل تتبدّل هذه الديناميكية حين يكون الفعل المخبول غيرَ مسموعٍ أو مشاهدٍ بالعيان، بل مجرّدَ خبرٍ يُنقل إلينا – وما يتّصل بذلك، حين تضمّ الرواية طيفاً أوسعَ بكثير من الأفعال المجنونة تفوق ما قَدْ نشهدهُ فعليّاً على خشبة المسرح؟

ثمّةَ احتمالٌ وارد - بالعودة مُجدّداً إلى طبيعة أعراف المأساة اليونانيّة ذات الصِّلة - وهو أنّ جزءاً من المُسوّغ لتلكم الأعراف يكمن في استحالة تجسيد الأفعال العنيفة كالمعارك وجرائم القتل - وبطبيعة الحال نوباتِ الجنون - بشكل واقعيّ، أو مُقنع على أقلّ تقدير: أي استحالة تمثيلها دون أن يرتدي الفعلُ حُلّةَ السخف والهزل. ومفادُ ذلك أنّ هذه الأفعالَ الدراميّة على الخشبة لَزِمَ اجتنابُها درءاً لاستفزاز النوعِ الخاطئ من الضحك. وثمّة احتمالٌ آخر، أشدّ إثارةً للاضطراب في نفوسنا، وهو أنّ مَشاهدَ الجنون، حتّى وإن سيقت عبر مرويّاتِ الرُّسُل، كانت حقّاً تُثير الضحك - أي كان يُنظَر إليها بوصفها كوميديّة، إمّا بصراحةٍ وجلاء، أو بمعنى اجتيازها حدّاً رفيعاً محفوفاً بالمخاطر فاصلاً بين الرعب والسخرية.

وفي الحقيقة، إنّ ردّ فعلٍ مُضطرباً وغامضاً من هذا القبيل الأخير قد وُصِف بصراحةٍ تامّةٍ على لسان الرسول في مسرحيّة «هرقل»؛ وبدِقّةٍ أوفى، فقد نُقِل لجمهورِ المسرحيّة وللجمهور الماثلِ على الخشبة (أمفيتريون والجوقة)، على أنّه كان ردّ فعلِ بعضِ المتفرّجين خلف الكواليس (من خدمِ هرقل) إزاء جنونه في بَوادره. فقد «قال الناس لبعضهم: "أَيَلعب سيّدُنا معنا، أم أنّه جُنّ؟"». وفي مستوىً ما، ليس هذا سوى ردّ فعلٍ أوّليّ لأُناس لم يُدركوا بعدُ فداحة الخَطْب؛ ولكن أليس ذا مَغزىً أن يُؤوّل الجنون بادئ الأمر على أنّه «لعبٌ معنا»؟ وحتّى مع توالي فصول المشهد وانكشافه، ألا تبزغُ ثمّةَ عناصر كوميديّة مُروّعة، أو على الأقلّ ذاتِ طابع مأساوي-ملهاوي - كالمركبةِ والمِهمازِ الغائبين، والأماكنِ المتخيّلة، والتجرّد من الثياب، والانتصارِ المزعومِ على لا أحد؟

ونعود مَرّةً أخرى إلى «عابدات باخوس». أسلفنا مناقشةَ حُزْمةٍ من المَشاهد التي تمثّل أعتى وأعمق التفاعلات النفسية، متضمّنةً سخريةً عقليةً فائقة الدهاء والترويع؛ ولكن ماذا عن الاحتمال الأشدّ ترويعاً القائل بأنّ مرويّات الرُّسُل عن السلوك المخبولِ في التلال تشتمل - بالنسبة للجمهور، على الخشبة أو خارجها - على بُعدٍ ملهاويّ؟ نكادُ نَحسَبُ اللحظةَ، التي قصّها الرسولُ الثاني، حين حنى ديونيسيوس شجرةَ صنوبرٍ ليُجلِس عليها بينثيوس المتخفّي بزيّ امرأةٍ قبل أن يُفلِتها ليفضح أمره عالياً أمام الأنظار ليُسلِمَه في النهاية لعنفِ أمّه المعتوهةِ القاتل، أحكمَ وأشحَنَ لحظةٍ في خُطَب الرُّسُل اليونانيّة طُرّاً - فَطاقَتُها الدراميّة رهيبةٌ وحُبلى بحتميّةٍ صامتة وكئيبة تضاهي الطّاقة الجسديّة الفعليّة الكامنة في غصن الصنوبر. إلّا أنّ مَأرَب ديونيسيوس الأوّل، بطبيعة الحال، هو تعريض بينثيوس للسخريةِ والذُّلّ. وتُردِفُ تلكم اللحظة دراما مماثلة - أو قل لربّما مُلهاة مماثلة - باقتلاع الشجرة من جذورها، يليها المشهدُ الذروة حيثُ تُمزَّق الأشلاء، وفيه ينزع أفراد العائلة شتّى أطرافِ بينثيوس بغير عناء، فلا يتبقى سوى الجذع العاري. ولا شكّ أنّ الرواية برمّتها قابلةٌ لتلقٍّ كوميديٍّ مروّع. فهل يُعقَل أن نُشارِك، نحنُ الجمهور (على الخشبة أو خارجها)، ديونيسيوس متعتَه؟ وأن يَضحكوا هم، أو نحن، على بينثيوس؟ (ولعلّ الإجابة لا تكون واحدة لكلا الجمهورين - أو حتّى لأفرادٍ في هذا الأخير). ويتجلّى لنا التواجد المُلتبس والمشترك بين الهزليّ والوقور، في مستوى أخفّ وطأةً بكثير، في مُستهلّ المسرحية ذاته، في هيئتَي قَدموس وتيريسياس اللّتين قد تثيران الضحك. ولعلّ في هذا التواجد المشترك المضطرب، والمُثير للاضطراب، بين الملهاة والمأساة يجب أن نلتمس الإجابة عن سؤالنا - مَهما بَدَت هذه الإجابة مزعجة. والواقع أنّ هذا الجمع بين الاستجابات العاطفية موصوفٌ بوضوح في مشهدٍ من «أياكس»: «مع الإله، يضحك الجميع وينوحون في آنٍ واحد»، كما تصرّح الجوقة إجابةً عن قلق أياكس من الاستهزاء، كما أسلفنا تفصيله. وأرى أنّ نظرةَ «إمّا أو» القائلة بحتميّةِ الحُكم على مشهدٍ ما، أو شخصيّةٍ بعينها، إمّا أن تكون مأساويّة أو ملهاويّة، هي رؤيةٌ تُغرق في البساطة حدّ اليأس.

ويمتدّ أوريستيس، في مآسٍ عدّة، عبر تجسيداتٍ بصرية ولابصريّة للجنون؛ وتدعو بعضٌ من هذه كذلك للتساؤل حول حضور الضحكِ أو دوره. وفي ختامِ «حاملات القرابين»، وكما أشرنا آنفاً، يبصر هو العفاريتَ التي لا تُبصرها أعينُنا (على الأقلّ وفقاً لتصوّرٍ معقول لكيفية إخراج هذا المشهد). ويبدو لنا هذا بليغَ الأثر؛ فهل يُمكنُ أن يكون مبعثاً للضحكِ في ذات الآن؟ وينطبقُ الأمر عينه، لربّما، على ظهوره الأوّل في مسرحية «أوريستيس»، المثيرِ «للشفقة» والمهلوسِ بصورةٍ متقطّعة. وفي «إيفيجينيا في تاوريس»، تبدو روايةُ ما ألمّ بأوريستيس خلف الكواليس حاملةً لبعض عناصر الملهاة على الأقلّ. ومَرّةً أخرى، نُلاحظ كيف أنّ أعراض إزبادِ الفم، والتلويحِ العنيف بالسيف نحو الحيوانات - والتي كان يتعذّر تقديمُها على الخشبة - تُمثّل خصائص مِفصليةً في خُطبة الرسول. ونُلاحظ كذلك أنّ مسألة الاستجابة الملهاتية المُحتملة يجبُ أن تُطرَح ههنا على ثلاثةِ مستوياتٍ على الأقلّ: استجابةُ البحّارة خلف الكواليس ممّن شهدوا الواقعة؛ واستجابة إيفيجينيا والجوقة - والتي قد لا تكون مُتطابقةً بالضرورة - ثمّ استجابةُ الجمهور في المسرح.

قبل الانتقال للحديث عن الملهاة، فلنُضف نزراً يسيراً عن «عابدات باخوس». فهذه المسرحيّة هي بلا ريب الروايةُ الأوفى والأشدُّ صراحةً عن الجنون، وتحديداً الجنون الباخوسي، في المدوّنة المتبقية لدينا، ومِن ثَمّ يُتوقّع لها أن تكون أكثر تنوّعاً وأقلّ انقياداً لنمط التحليلِ الدقيق والمُبسّط الذي يرومه مقالٌ كهذا. ويتجلّى وجهٌ من وجوهِ تحدّيها لهذه الصورة النقيّة في توظيف مصطلحاتِ الجنونِ ذاتها. فقد سلف أنْ عايَنّا كلاًّ مِن «ماينيسثاي» و«مانيا» بوصفهما حوادثَ عارضة يُقاسيها المرءُ جَزاءً على غفلتهِ عن الإله، وليس بوصفهما سِماتٍ أو تجاربَ للمرءِ إبّان تِلك الغفلة وقبل أن يَحلّ به العِقاب. ولا جَرَمَ أنّ «عابدات باخوس» هي المِثالُ الأنصَع على ذلك. فبينثيوس يُسَلَّطُ عليه الجنونُ جزاءً لِازدرائه الإله. بيد أنّه من الحقّ كذلك أنّهُ يُتَّهَمُ بالجنونِ، في مَوضعَينِ على الأقل، قبل أن تَحُلّ به اللّعنة؛ ومَعنى ذلِك أنّ «ماينيسثاي» يُنسَبُ إليه كجُزءٍ من توجّهِه المُشَوَّهِ المُجافي للدِّين. ففي لِقاءٍ يَزخر باتّهاماتٍ متبادلةٍ بالجنون، يَصدعُ تيريسياس قائلاً لِبينثيوس: «إنّك لمجنونٌ جُنوناً أليماً؛ ولا طِباقَ لكَ مِنْهُ بغير دواء؛ وما دُونَ دواءٍ أنتَ بعليلٍ مَريض». فهذا المَوقفُ الاستخفافيُّ إزاءَ الإلهة، والذي سَبقَ المانِيا، باتَ في الحقيقةِ (عند تيريسياس على أقلّ تقدير) يُوصَفُ بِلُغةِ الطِّبّ وعِللِهِ. ثُمّ يُؤكَّدُ ارتِباطُ حالةِ بينثيوس العقليّةِ الأصليّةِ بالجنونِ مَرّةً أخرى بَعد بِضعَةِ أسطرٍ، عَقِبَ خُطبة بينثيوس وما احتَوَتهُ مِنْ ردٍّ لِتُهمة الجنون ووعيدٍ صارمٍ ضِدّ الغريب. إذ يقولُ تيريسياس: «الآنَ أنتَ أضحيْتَ مجنوناً حقّاً؛ بل حتّى قبلَ هذا كُنتَ قَد شَذَذتَ عنْ صوابك».

ومن المعلومِ أنّ المسرحيّة تدور في فلَكِ المواقف المتضاربة والمتباينة حِيال الصحّة العقلية، والرؤيةِ السليمة، والجنون؛ وتلك الحالةُ الاستثنائيّة في الظاهر، التي يُتَّهَم فيها بينثيوس بالـ«مانيا» قَبْل أن يُنزِلها به ديونيسيوس فعليّاً، يُمكِنُ تفسيرُها بانبثاقها من رَحِمِ هذا السِّياقِ المُحتدِمِ منَ السِّجال والتطاحن. ومع ذلك، يَسَعُنا القولُ إنّ الصورة الجوهريّة التي تسود المسرحيّة في مُجمَلِها تَبقى راسخةً: فالجنونُ آفةٌ ذاتُ ملامحَ مخصوصة، يُنزلها ديونيسيوس بصورةٍ خاصّةٍ جَزاءً وعِقاباً. بَيْدَ أنّ هذا نفسَهُ يُفضِي إلى إشكالات. ففي جوْف المسرحيّة تَربض دراما بينثيوس، المُعاقَبُ لأنّه، ورغمَ مُحاولات أبناء قَومِهِ إقناعَهُ، يَأبى أو يَخفَى عليه إدراكُ فضائلِ ديونيسيوس وضَربِهِ الفريد منَ المانِيا. والمسرحيّة بلا مِراءٍ تتمحور حول هذه البِنية الدراميّة واسترسالها في بَيان تِلك العِبرة الخُلقيّة. غَير أنّه ما إنْ نُمعِنُ النّظرَ مليّاً، حتّى نُدرِكَ، سواءٌ فيما يَجهَرُ به ديونيسيوس في مستهلّ المسرحية أو في ذروتِها المفجعة، أنّ طِيبَةَ بكاملها تُعاقَبُ لِرَفضِها الإله. وعلى الرّغمِ ممّا يتناهَى لمسامعنا مِن بوحٍ شِعريٍّ زاخِر (على ألسنةِ شخوصٍ شتّى) يُصَوِّر الحياة الفردوسيّة وتلكمُ «المنَافع»، فإنّ الحالةَ المُستعِرةَ التي تلبّسَت أغافي وشقيقاتِها هي في حَدِّ ذاتها جَزاءٌ أوقعهُ بهنّ الإله: فهي، كغيرها، تنخرطُ في النَّسَقِ المرسوم آنفاً، نَسَقِ «الجنون-عقاباً-على-التجاوز». وهو أمرٌ يُعقِّدُ المسألة ويَزيدها التباساً حِين نحاولُ استجلاءَ ماهيّة منافعِ ديونيسيوس في سِياقٍ «سَوِيٍّ» خَلِيٍّ من العِقاب. فكلُّ مَن وُصِفُوا بالتصرّفِ بنشوةٍ «باخوسيّة» في المسرحيّة - مَهما بَدَتْ سِمَةُ ذلِك الوصفِ إيجابيةً - إنّما يأتون ذلِكَ نتيجةً مباشرةً للعِقابِ الانتقاميّ من قِبَل ديونيسيوس. إنّ ديونيسيوس في «عابدات باخوس» - وبل الطقس الباخوسيّ برمّته، بصِلتِهِ الوثيقة بالمهرجانات الدرامية - يُصَوَّرُ مُغدِقاً البركاتِ على الفانين. إلّا أنّ المَعنى، أو صراحة المَعنى، الذي يندرجُ هذا في سِياقه يظلُّ مَحَطَّ إشكالٍ واستشكال.

ولعلّ الأمورَ تتّضح وتَسهل حِين نُعرِّجُ على الملهاةِ القديمة. في المأساة، رأينا أنّ أحدَ أدوارِ الجنون هو أنّه ينزل (إلى جانِبِ أمراضٍ أخرى فَتّاكة ومهلِكة) على بَشَرٍ مَرَدَةٍ استعصَى عليهم التنازلُ أو الانحناء، وعَجَزوا عن القبولِ بسِماتِ الحياة - ولا سيّما تِلك الباخوسية أو الدنيوية - فإذا بِهِم يُكبَّلُون إلى مسارٍ ضيِّقٍ وهَوَسِيٍّ يُفضي بهم إلى التدمير الذاتي. أمّا حُجّتِي فيما يخصّ الملهاة القديمة فشِقّان. فمِن جِهة، أرى أنّها تُبدي الجنونَ علّةً اجتماعيةً قابِلةً للتحوّل والتطويع؛ ومِن جهةٍ أخرى، تُصوِّرُ الجنونَ الفرديّ (سواء أُطلِقَ عليه هذا الاسمُ صراحةً أحياناً، أو أُشِيرَ إليه غالباً كضربٍ من «شِبه الجنون») كشكلٍ من أشكالِ السلوك المتجاوِز والمُخَرِّب الذي ينطوي على عواقِبَ قد تكون إيجابية - وهو ما يُعادل القول لربّما بأنّه يُبْرز أهمّيّة التنازل وقبولِ العُنصرِ الديونيسيوسيّ - وبأنّها تُصوِّر شخوصاً يأتون هذه الأفعال فيُعانقون أشكالاً محمودةً ومُفيدة من الجنون. ولربّما يمكن اعتبارُ هذا الجنون النافع أو المخرّب ردَّ فعلٍ عاقلاً وسوِيّاً - أو لعلّه الردّ الأوحد الممكن - إزاء مجتمعٍ مجنون. وللجمعِ بين الأمرين أقول: إنّ الجنون في بُعدِهِ السلبيّ (كالوَسواسِ بالقضاء، أو التهافُتِ نحوَ الحَرب) لا يُنظَر إليه كلعنةٍ إلهية تنزل بفردٍ، بل كمعضلةٍ اجتماعية؛ وهذه المعضلةُ يمكن في بعض الحالات أن تُحلّ على أيدي أُناسٍ يُمَثِّلُونَ سلوكاً مخبولاً أو «شِبهَ مخبول»، وهو سلوكٌ يَحْتَضِنُ تِلك القيَم الديونيسيوسية.

أسطعُ مثالٍ يُداني الجنونَ المُطْبِقَ في أدبِ أريستوفانيس هو «فيلوكليون» في «الزنابير»؛ وهِي مسرحيةٌ ترفِدُ حُجّتنا بأقوى سندٍ يبرهنُ على أنّ الجنون في الملهاة يُصاغ مَفهومه في ارتباطٍ بآفاتٍ اجتماعية-سياسية تَقْبَلُ الحلولَ الاجتماعية. فوَلَعُ الخصومة، أو قلْ هَوَسُ هيئاتِ المحلّفين، يَربِضُ في قَلْبِ المسرحية. ويُعرَضُ جهاراً كعلّةٍ اجتماعيةٍ وكحالةٍ مرضيّة بحقّ. وفي الفُصول المتأخّرة من المسرحيّة، وعلى الرّغم مِن أنّ سُلوكه قَد يَبدُو مُشكِلاً (وسَنفصّل القولَ فيهِ عمّا قرِيب)، فإنّ المُحيطينَ به قدِ اهتَدوا لِحلٍّ اجتماعيٍّ لِسلوكهِ المُناوئِ للمجتمع - والمخبُولِ - وهذا الحَلُّ الاجتماعيّ هو عينُ عِلاجِه. وتستهِلُّ مسرحيّة «السُّحُب» هي الأُخرى بِعَرضِ رذيلةٍ مُدَمِّرة. فَهَوَسُ «فيديبيديس» بالخَيل والقِمار مَرَضٌ وبليّة؛ غيرَ أنّه أيضاً شَرٌّ اجتماعيّ - لَهُ عواقبُ وخيمةٌ على ثروةِ العائلة - يَقبلُ هو الآخر حلاًّ اجتماعيّاً. فإمّا أن يُعادُ تأهيلُ ستربسياديس، وإمّا فيديبيديس، لِيتسنّى لهما التفاعلُ مع المجتمع بصورةٍ متباينة. وهذا المُفتَرَض يُؤَسِّسُ في واقِعِ الأمْر لِبِنيةٍ دراميّةٍ تُتَّخَذُ مِن خلالها سلسلَةٌ من الأنماط السلوكيّة غَرَضاً للسخريّة، بوصفها سلوكيّاتٍ مخبولةً ومُدَمِّرة أخلاقياً أو اجتماعياً في ذاتِ الآوان. وفي النّهاية، يُقِرُّ ستربسياديس صراحةً بِجُنونه السالِفِ حِينِ انقادَ لِرُؤيةِ العالمِ المشوّهة أخلاقياً ومزاعمِ «حانوتِ الفكر»، ثُمّ يَمضِي إلى حَلٍّ اجتماعيٍّ عنيف - يَبدُو وأنّه مَقبولٌ ومُستَحسَنٌ في ميزان أخلاقِ المسرحيّة - مُضرِماً فيهِ النّيران لينهارَ على أُسُسه. أمّا حلُّهُ الأوّل المُقترَح لِمُداواة تَبِعات مَرَضِ فيديبيديس - وهُوَ أن يُفوِّض السوفسطائيين لِتَولّي تَعليمه - فيُدرَسُ ثُمّ يُرفَض. والحلُّ الثّاني، الذي ينطوي على نَبذِ السوفسطائيين والعودةِ إلى الأخلاق القديمة الموروثة، قَد يَبدُو وكأنّه يَتركُ المُعضِلة البدئيّة مِن غَير حلٍّ؛ لكنّه عَلى الأقلّ يخلِّفُ لَنا إيّاباً نحوَ تفاعلٍ مَقبولٍ إنسانياً - وديونيسيوسيًّا - مَع المُجتَمع.

وقد رأينا كيفَ صوّر أريستوفانيس هَوَس المحلّفين في «الزنابير» بوصفه شرّاً اجتماعياً، بل وصورةً من صور المرضِ العقليّ. لكنّ الجنونَ الاجتماعيّ الأخطر والأشدّ تواتراً الذي يُصادفنا في المسرحيّات هو بالطبعِ الحربُ الدائرة رَحاها بَينَ أثينا وإسبرطة، وتقاعُسُ المواطنين عن كَبْحِ جِماحِها. فالحربُ مُقتَرِنةٌ صراحةً بلَفظةِ «ماينيسثاي» أو «مانِيا» في مَسرحيّةِ «ليسيستراتا»: إذ تَصفُ الجوقةُ النِّسوةَ بأنّهن «يُنقِذنَ اليونانَ والمواطنينَ منَ الحرب والجنون»، وتَقتَرِحُ ليسيستراتا قائلةً: «لِنوقِفهُم عن الذهاب إلى السوق مُدرَّعين يهذُونَ مُهتاجين». وينْسَحِبُ القول ذاتُه، تلميحاً لا تصريحاً، عَلى العبد الذي يُخاطِبُ الجمهورَ في استهلال مَسرحية «السلام». فها نحنُ إذن أمامَ جُنونٍ كآفةٍ اجتماعية، عِلّةٍ تفتِكُ بالدولة؛ وهُو جُنونٌ يقتضي - على الأقل في عالمِ الملهاة التجاوزيّ الساخر والتجريبي - أن يُدَاوَى بأصنافٍ محددةٍ من التدخّلِ الاجتماعي.

غَير أنّ النّصّ الأخير المذكور يُسدِي لنا إفادةً أيضاً لمقاصدنا على وجهٍ مُغاير - وجهٌ يُضفِي مزيداً منَ التعقيد. «إنّ سيّدي لَمَجنونٌ على طَريقةٍ جديدة - ليس كحالكم أنتم، بل على طريقةٍ أخرى بالغةِ الجِدّة». فالطريقةُ «القديمة» تُشير جَلِيّاً إلى استعارِ نِيران الحَرب - ذلكمُ الجنون الاجتماعي الذي أسلفنا معاينتَه. أمّا الطريقةُ «الجديدة» فتنطوي على سِلسلةٍ من السُّبُل الغريبةِ والمخبولة لبلوغِ السّموات، باستخدامِ السّلالم أوّلاً، ثُمّ خُنفساءِ الروث أخيرًا. بَيد أنّ هذا الجنون الجديد يَتَبيَّن أنّه عَينُ العقل. فهوَ فعّالٌ ومُجدٍ. إذ يبلغون السموات حقّاً، ويتمّ التفاوض أخيراً على صُلحٍ لم يكُن ليَسمَحَ به الجنونُ القديم. وما كانَ لهذه الثمرةِ العاقلة أن تَنضُجَ لولا «جنونُ» تريجايوس. وعليه، ففي عالمِنا المَلهَاوِيّ، ليسَ الأمْرُ مقصوراً على فهمِ الجنونِ كآفةٍ سياسية تَقبلُ حلّاً سياسياً؛ بل يَتبيّن كذلك أنّ الجنونَ قَد يكونُ تَرياقاً للجنون.

وبانعطافنا الآن صَوْبَ «ليسيستراتا» التماساً لمثالٍ مشابِه، لَزِمَ علينا في الوقت عينه أن نُرسِي قيداً مهماً يؤثّر في حُجّتِنا حوْل احتضانِ الملهاة للجنون بوجهٍ أعمّ. فاللغةُ الصريحة للجنون لم تُستعمَل في وَصفِ مسلَكِ ليسيستراتا ورفيقاتِها المتآمرات؛ وهذا القيدُ ينسَحِبُ أيضاً على فيضٍ من الأمثلة الملهاوية الأخرى التي نَوَدُّ إخضاعَها للتمحيص. وما نحنُ بإزائه في هذه السِّياقات، بالأحرى، هو حَفنةٌ من الشخوص الملهاتيّة المحوريّة التي تُقدِمُ على أفعالٍ كانَ ليُنظَر إليها وتُعَرَّف بأنّها ضربٌ مِنَ الجنون، في أيّة سيناريوهاتٍ عاديّة أو خَلِيّةٍ من الهَزْل - ويأتون بها على أوجُهٍ بالغةِ الأهمية للدراما. فها هنّ ليسيستراتا ورفيقاتُها يستَولِينَ على مقاليد الحُكم والخَزانَة، ويَخُضْنَ عِراكاً بالأيدي مع جيشٍ منَ الذّكور، ويُكرِهْنَ رِجالَ المدينةِ على التفاوض. وكُلُّ هَذا كانَ لِيُعَدَّ - لَو اعتُبِر فِعلاً واقعيّاً في مُجتَمَع أثينا في القرنِ الخامس، بَدَلَ كَونه سلوكاً استعراضيّاً كَرنَفالِيّاً - ليس مُجَرَّدَ فِعْلٍ مُخَرِّبٍ سياسياً، بَلْ وعَمَلاً يَنِمُّ عنِ العَتَهِ والجنون. ولَعَمْرِي، يمكن النّظرُ إلى هَذا السلوكِ بوصفهِ مُتَوافقاً مَع أعراضِ الجنون الحَرفي التي سَلَفَت مُناقشتُها في السِّياق المأساوي، ولا سيّما تِلك المدرجةُ تَحت (٣-أ) (كالإدراكِ الضّالّ للواقع)، ولربّما أيضاً تحت (٣-ج) (كنشاطٍ عنيفٍ محمومٍ اعتلالاً). ويَنسَحِبُ القولُ عينُهُ على «ديكايوبوليس» في مسرحيةِ «الأخارنيون»: فالزّعمُ بأنّ في وُسعِ المرءِ أن يتفاوض على سلامٍ فرديٍّ خاصّ به، وأن يعلِنَ عن دُوَيلَتِهِ الخاصّة داخلَ أثينا بِقواعدَ خاصّة بمنأى عن الحرب، هُوَ (ومَرّةً أُخرى، إن اعتُبِر في سِياق الحقيقة الواقعة) حالةٌ صريحةٌ مِن حالات الضلال والعته. ومع ذلك، فمِن المَنظُور الدِّرامِيّ، يُعْرَضُ هذا كجُنونٍ ملهاتيٍّ «أرقى»، يتجاوزُ ويُحارِبُ الجنونَ اليوميَّ التّافِهَ للحَرب. وبِهذا المعنى، تُقدِّم لَنا ليسيستراتا وصَحبُها، وكذلك ديكايوبوليس، سلوكاً مجنوناً، يُعَدُّ في ذاتِ الوقت ردّ الفِعل الوحيد العاقل إزاء مجتمعٍ غَرِقَ في جنونِه.

بَلْ وهُوَ أبعدُ مِنْ مُجردِ ردّ فعل، هو بالأحرى سخريةٌ غامرةٌ لا ترحم. لِيَعتَلِي «الاستهزاء بالجنون» صدارةَ المشهدِ مَرّةً أخرى، لكنْ بِصورَةٍ معكوسةٍ هذه المرّة. ولِصياغَته صِياغةً نحويّة: فإنّ المُضافَ إليه الواقِعَ مفعولاً لتلكَ العبارة (في المأساة) قد أُحِلَّ مَحَلّهُ - في رِحاب المَنطِقِ المُتَحَوِّل لعالمِ الملهاة - مضافٌ إليه واقعٌ فاعِلاً. فالمجانين - أعني المجانين الموصوفين بذلك صراحةً، كتريجايوس، إلى جانِب أولئك الذين يأتون أفعالاً مخبولةً أو شِبهَ هَوَسِيّة - غَدَوْا يملكون التصريحَ بالتهكّم على أُناسِ المُجتَمَع الطبيعيين والمُتنفِّذِين، لا العَكْس. وفي بعض الحالات - ومرّةً أُخرى عَبْر المنطِق التحويلي للملهاة - يَستَمدّون سُطوةً ويَظْفَرون بنجاحٍ جَرّاء صَنيعهم هذا. فالمرءُ المخبول، أو المهووس، أو شبهُ المهووس، قَد يكون في الملهاة هو صانِعَ الضحك - هو مَن يُوَجِّهه، لا مَن يقَعُ غرضاً له.

وعلى صعيدٍ أكثر عَبَثِيّة، تُعَدُّ أحداثُ مسرحيةِ «النساء في ثيسموفوريا» (Thesmophoriazusae) وثيقةَ الصِّلة ههنا - وأقول أكثر عبثية، لأنّ المَحَكَّ ببساطة هو إنقاذ يوريبيديس مِن حَشدٍ غاضبٍ مِنَ النِّسوة، وليسَ إنقاذَ سَلامِ الدّولة. وهُنا، لا يقتصر الأمرُ على أنّنا قد نَعُدُّ مُحاوَلةَ «القريب» اختراقَ مِهرجانِ النساء ضَرباً مِن الجنون؛ بل بتحديدٍ أوفى، يمكننا أن نرى فيها محاكاةً مباشرةً في قَالَبٍ ملهاويٍّ لِفِعلٍ قُطِعَ في المأساة بأنّه صَنيعُ رَجُلٍ مجنونٍ ومعتوه - ألا وهو صنيعُ بينثيوس في «عابدات باخوس». والواقع أنّ كلتا الشخصيّتين، على تَباينِ أجنَاسِهِما الدِّراميّة وسياقاتهما، تأتيان بأفعالٍ اجتماعيّة متكافئةٍ تماماً. ففي كلتا الحالتينِ تركيزٌ صريح، بل يكاد يكونُ مَهووساً، على ارتداء أزياءِ الجنس الآخر؛ وفي كلتيهما وعيٌ يُخيّم بنُذُرِ العواقبِ الرهيبة لِخرقِ المحرّمات الدينية والجنسية في آنٍ معاً بالتطفّل غيرِ المشروعِ عَلى حدثٍ شعائريٍّ حِكْرٍ على النسوة. وعلاوةً على ذلك، يشتملُ طقسُ النَّحْرِ المُؤدَّى على قِربةِ النّبيذ على نُسخةٍ هَزليّة مِن نَوعِ الضلالِ الذي شَهِدناه في المأساة - والذي نراهُ بأسطَعِ وأفظع صُوَره في «عابدات باخوس» - حيثُ يلتبسُ أمرُ الأُضحيةِ البَشريّةِ بِتِلك الحيوانيّة، أوِ العكس. ولا مِراءَ أنّ مسرحية «النساء في ثيسموفوريا»، بتركيزِها المِحوَريّ على يوريبيديس كشخصيّةٍ وحُضورٍ نَصِّيّ على حدّ سواء، هي المسرحيةُ المحاكيةُ للمأساةِ محاكاةً ساخِرةً بامتياز. بَيْدَ أنّ لها صِلةً أشدَّ خُصوصيّة بموضوعِنا: فمن خِلالِ تبنِّيهَا اللَّعِبِيّ لكافّة العناصر المذكورة آنفاً، تبدو المسرحيّة وكأنّها تتلاعبُ بمفاهيم الجنونِ المأساوي وتَقلبُها ظَهراً لِبَطْن. ومَرّةً أُخرى، لا يَسُوقُ جُنونُ «القريب»، أو شِبهُ جُنونه، لِهَلاكِهِ، بل لِضَربٍ مِن ضُروبِ النّجاح.

وينبغي لَنا كَذلك أن ننظُرَ في جانبٍ آخر: كيفَ تُعرَضُ مثلُ هَذهِ «الاستجاباتُ المخبولةُ العاقِلةُ الوَحيدة» بوصفها متّصِلةً بديونيسيوس. فتُختَتَم «ليسيستراتا» بالاحتفال بالسَّلامِ والمُصالَحة بِمَا يستَحضِرُ الاحتفالاتِ الديونيسيوسيّة الماجِنة؛ كما أنّ المزيجَ منَ الخَمرِ والشّهوة الذي يَحتفِي بِهِ ديكايوبوليس احتفاءً بِثِمار سلامِهِ في «الأخارنيون» هو دون أدنى شَكٍّ مزيجٌ باخوسيّ. وللعودةِ مجدّداً إلى سلوكِ فيلوكليون في ظهوره المتأخّر في مسرحيّة «الزنابير». كثيراً ما يُتساءَل عمّا إذا كان قد بَرِئَ، أم لا يزال سقيماً بَيْدَ أنّ سُقمَهُ قد خضعَ لِنوعٍ من التّحويلِ أو الانقلاب. والجوابُ اليَقِين هو أنّ سُلوكه السَّكِيرَ والمُفعَمَ بالشّهوةِ يَعْتَنِقُ ديونيسيوس (ومِن ثَمّ يَعْتَنِقُ الجنون) عَلى نَحوٍ مَقبولٍ ضِمن مهرجانٍ ملهاويّ، ومُعتَبَرٍ إيجابيّاً على الصّعيد المجتَمعيّ - عَلى أقلّ تقدير كَتِريَاقٍ لهَوَسِهِ اللاإنسانيّ والهدّامِ الخالِصِ بلِجان المُحَلَّفِين. فهناكَ إذن، في عالَمِ المَلْهَاة، أساليبُ وأنماطٌ مِن التنشئةِ والتفاعل الاجتماعيّ تُشَكِّل، بمعنىً من المعانِي، احتضاناً واعتناقاً للجنون. وهَذا المَعنى هو مَعنىً ديونيسيوسيّ بَحْت.

أختَتِمُ حَديثي بالنظر بعض الشيءِ في دَوْر الأقنعةِ وأهمّيّتها في التجسيد الدراميِّ المأساويِّ والملهاويِّ للجنون، راجياً أن يُثريَ ذلك رؤيتنا لتجسّد الجنون بدنياً ومُقاربتنا له في المسرح اليوناني. لَكَم ذُهِبَ في الكتابة عن أقنعة الدراما اليونانية مذاهبَ شتّى، مِنهَا ما كان أشَدَّ اعتناءً بإعاداتِ التجسيد الحديثة أو الاستخداماتِ العَملية، ومنها ما ظلّ غارقاً في طابعٍ تخمينيٍّ وافتراضيٍّ لا حيلةَ في دَفْعِه حتّى وإن ادّعى كونه تاريخياً مَحضاً. ويُمكنُ إيجازُ إشكالات الأدلّة المتعلّقة بأقنعة القرنِ الخامسِ اليونانيةِ فيما يَلي: (١) التأخّرُ الزمنيّ البالغ لِلوصف المُفَصّلِ الوحيدِ المتوفّرِ لدَينا في مَصدر أدبيّ؛ (٢) نُدرةُ الصور البصريّة المنتمية تقريباً لِلفترةِ المُرادِ دراستُها والتي تُصَوِّر عُروضاً مسرحية؛ (٣) صُعوباتُ التأويل التي تكتنِف هذه الأخيرة. ويبدو أنّ أقربَ المُقَارَبَات لِأقنعة الملهاة في القرنِ الخامس في أيّة مُخلّفاتٍ أثريّة هي تلك التي تتيحها تماثيل التيراكوتا (terracotta) من طِراز «مجموعة نيويورك»، إلى جانب بَعض الصُّور على مَزهَريّاتٍ تَعود لمطالعِ القرن الرابع. ووَعياً مِنّي بالمَصاعبِ المنهجية وحَتميّةِ وُجود العناصر الافتراضيّة والتخمينيّة في هذه الحُجّة، أستنِد إلى هذهِ الصّوَرِ جَنباً إلى جنبٍ مَع استخدامٍ حَذِر للمصدرِ الأدبيّ المتأخّر المذكور، أي معجم «أونوماستيكون» لبوليوس. والُملاحظاتُ اليسيرةُ التي أُبديها على هذا الأساس، فيما يخصّ المُقارنة بين الجنون المأساوي والملهاوي، لن تكون قطْعِيّةً بطبيعةِ الحال؛ ولن تنجوَ، ولا تدّعِي النّجاة، مِنْ أن توصم بالعبارة التي أسلفنا ذِكرها - «طابع تخمينيّ لا حيلة في دفعه». غيرَ أنّها قَد تُوحي ببعض الاحتمالاتِ على أقلّ تقدير.

كثيراً ما يُزْعَمُ أنّ أقنعة الملهاة القديمة كانتِ أقنعةً مشوّهةً وغريبة، ثُمّ خضعت لتحوّلٍ صَوْبَ «الواقعيّة» في الملهاة الجديدة. غيرَ أنّ هذا الزّعمَ يَبدو لي مُرِيباً ومحلّ شكٍّ، على الأقلّ حِينَ يُصاغ بهذِه البساطة. فالتحوّل، بقَدْرِ ما يسعنا تبيّنه، يبدو بالأحرى متّجهاً نحوَ صِنفٍ مِن الأقنعة يرمزُ للأنماط الملهاتيّة النمطيّة، في مقابل قناعٍ أَكثر حياديّةً للملهاة القديمة، وَإنْ كان بلا شكٍّ لا يخلو من الغَرابة والتشويه. ويُمكِن المُجادلةُ عَلى الأقلّ بأنّ القناع الملهاويّ النمطيّ، بما يَفرِضُهُ مِنْ قيودٍ تَصنيفيّة، يُقَدِّم صورةً أقلّ واقعيّة من قناعِ الملهاة القديمة. بَيْدَ أنّ الخَوْضَ في مسألة الواقعية مُضلِّلٌ بلا شَكٍّ في جَميع الأحوال، إذ إنّ الفَرْق يكمُن على وجهِ الدقّة بَيْنَ نَوعٍ من الأقنعة أكثر حِياديّة (أي أقلّ تمايُزاً) ونوعٍ آخرَ أَكثَر تحديداً. وعَلى كُلّ حالٍ، فإنّ الدليلَ البصريَّ المُستشهَدَ به آنفاً يُعَزِّزُ الطبيعة المُنَفِّرَة والمشَوَّهة لأقنعة الملهاة القديمة. فتماثيلُ التيراكوتا على وجه الخصوص تُجلّي بوضوحٍ الابتسامة العريضةَ المبالغَ فيها والمُسطّحة في آنٍ؛ وتُبيّن أوضَحُ أدلّة المزهريات ذلك، إلى جانب العيون الجاحظة والحواجب المرفوعة لمعظم الشخصيات الكوميدية على أقل تقدير. ويجمعُ هذا التعبير بين الإيحاءِ بِعاطفةٍ متأجّجة، والحيادِ - الذي يُعَدّ يقيناً سِمةً مِحوريةً لأقنعة الدراما بوجهٍ عام - بين مَشاعر بعينِها، ممّا يُمكِّن الشخصيّة مِنَ التنقّل بسلاسةٍ بين الغضبِ والفرَحِ والشهوةِ والخيبة، وما إلى ذلك. وهذا الحياد، في اعتقادي، يَجلِبُ معهُ بالضرورةِ إمكانيّةَ التحوّل بين الصّانعِ للسخرية والواقِعِ غرضاً لها - بَينَ الضّاحك والمَضحوكِ منه. ويبدُو لي أنّ قناعاً كَهذا، يتّسع للاحتمالاتِ كافّة من سلوكٍ شائِنٍ ومُثيرٍ للضحك وشخصيّةٍ تَسخرُ مِنَ الآخَرين، يتوافقُ تماماً مَع فكرةِ اعتناقِ الجنونِ واحتضانهِ التي وَقَفتُ عَليها في الملهاةِ القديمة.

ولكن مَرّة أُخرى، كيف يختلِفُ هَذا عن أقنعةِ المأساة، والتي يُفتَرَض بها هي الأُخرى أن تسمَحَ بانتقالاتٍ رحبةٍ بين العواطف؟ إنّ أقنعة المأساة - مع كونِها متعادلةً بمعنىً ما في حيادها وقدرتِها على استيعاب طيفٍ من العواطف - تَفتَقِرُ إلى تلكم التكشيرةِ العريضة والمُمَدَّدة، أو الابتسامة الواسعة، المُمَيِّزة للملهاة القديمة، بِما تحملهُ في صُلبِها مِن إيحاءٍ باستجابةٍ عاطفيةٍ مُبالغٍ فيها. وأرى أنّ هذه الأخيرة هي ما يُتيح ذلك الطيفَ من العواطف وردود الأفعال المُلائمة لاعتناقِ الجنون - كَرَدّ فِعلٍ لمواطنٍ عاديٍّ اتّسمَ بالعَتَه لكنّه عينُ العقل، ولتوجيههِ هو لدَفّة السُّخرية. أمّا القِناع المأساوي، في المقابل، فلن يُسلِّم نفسَهُ طوعاً لمِثْل هذه العواطف أو الأفعال المتأججة والمخبولة.

ولكن، كيف يُصَوَّر الجنون المأساوي عَبْر الأقنعة إذن؟ الجواب على ذلك ذو شِقّين. الأوّل، كما رأينا، هُوَ أنّه في الغالب لا يُصَوَّرُ على الخشبة في تجلياته المحمومة والعنيفة بِحَقّ. (وهذا يُناقضُ نظيره في الملهاة - فالجنونُ الاحتفاليّ عند ديكايوبوليس أو فيلوكليون أو شخوص خاتمة «ليسيستراتا»، يُؤدَّى ويُمَثّل عَلى المَلأِ بالقِناعِ على الخشبة فعليّاً). أمّا حينَ يُصَوَّرُ على الخشبَة، فغالباً ما يكون في مرحلتهِ الخافتة، مرحلةِ ما بعد الهَوَس (وقد عاينّا أنّ الحالة الكوريبانتية الرّاقصة لكاساندرا في «طرواديّات» قَد تشكّل استثناءً). ولا يقتصر الأمرُ على أنّ صُورة ما بَعد الهوس هذه، أو الصّورة الأقلّ غُلُوّاً من الجنون، تتطلّب قناعاً أكثر اعتياديّةً وحياداً. بَل هُناكَ احتمالٌ آخر. وهُوَ أنّ تلكم الطّبيعة العابِرةَ والمؤقتة جدّاً للجنونِ المأساويّ قد استدعت في واقعِ الأمرِ قناعاً مُعيّناً ومؤقتاً. وطبعاً، وكما لاحَظنا لِلتوّ، فإنّ أشدّ مراحل الجنون عُبوراً وأقصرها أمَداً، لا تُعرَضُ غالباً على الخشبة، ومن ثَمّ فلا حاجةَ لها بقناعٍ على الإطلاق. ولكن حتّى وإن كانت هَذه الحالة القُصوى مِنَ الجنون لا تُرى عُموماً، فقَد يظلّ مِن الوارِد أنّ المُمثِّل قَد وضعَ قناعاً مُغايراً للجنونِ المعروضِ على الخشبَة - لِتلك المرحلة المعروضة من الجنون - يختلف عن ذاك الذي يضَعهُ لحالات الحَصافة والعَقلِ لِذَاتِ الشّخصيّة. وإنّ تبديلاً للأقنعةِ كَهَذا، ولِهَذه الغايَة الدّقيقَة، لَمِنَ المُمكِن والمُحتَمل بلا ريب لِبعض المَشاهد التي تنطوي على شُخوصٍ مخبولة في المدوّنة المأساوية. ونلتقي مُجدّداً بدليلٍ يُشِيرُ إلى ذلك كاحتمالٍ عَلى الأقلّ عِند بوليوس، الذي يَذكر، ولنعترفَ أنّهُ لا يذكُر أقنعةً تُمثّل الجنونَ على وجه التحديد، بَلْ أقنعةً تُمَثّل المَرَض.

يَبدو مِن المُرجّح إذن أنّه قَد كانَت ثمّة أقنعةٌ مرضيّة لحالاتٍ مُؤقّتَة، إلى جانِبِ الأنماطِ الأكثرِ اعتياداً - كالرّجُل المُسِن، أو الشابّ، وهلمّ جَرّا. وَفي وُسعِنا أن نتخيّل طائفةً مِن المشاهِد المأساويّة في ضَوءِ هذا التَّصَوُّر. لعلّ «أوريستيس» في مسرحيّته المسمّاة باسمه أحدُ هذه الحالات: فَهُوَ بَيِّنُ العِلّة، أو يتعافى منها، في مَشهده الأوّل، ولربّما استَعمل قناعَ المَرَضِ أوِ الجنون فيه كلّه. وهذا مِن شأنِه أن يخلقَ تبايناً مع هيئته العاقلَةِ التي تَليه. وبالمُقابِل، سيدخُل هرقلُ في ظُهورهِ الأوّل في مسرحيّة «هرقل» بِقِناعهِ العاديّ، أوِ البطوليّ، ثُمّ يُعاوِدُ الظُّهور بقِناعِ المَرَضِ أو الجُنونِ في أعقابِ نوبَتِهِ الفاجِعة. (ولَربّما أَضفى ذَلك على الدِّراما قوّةً مضاعفَة، إذ إنّ هَذه الأقنِعَة، وَإن صَوّرت الحُزن بلْ واعتلالَ العَقلِ حقّاً، لا تَفْعَل سوى التّلميح إلى الحالة القُصوى مِن الجُنون، ذلك الاعتلالِ الرّهيب الذي جَرَت فُصولهُ خَلف الكواليس ولا سبيلَ لنا لِمعرفتهِ إلّا عبر الأخبار). وسيَظهرُ أياكس حِينَئذٍ أيْضاً بِقناعٍ مَخبولٍ أو مَرَضيّ في إطلالَتِهِ الأُولى؛ وحِينَها سَيُطْرَحُ تساؤلٌ مُثير للاهتِمام: أَيَحتفِظُ به حتّى النّهاية، أَمْ يَظهر بطلّةٍ مُتبدّلةٍ في المَشهَدِ الذي يُفضي بهِ إلى حتفِهِ وانتحارِه؟

وفي «عابدات باخوس» يَغدو الخَطْبُ - مَرّةً أُخرى - أشدّ تعقيداً. فَقَد سَلَف الاقتراحُ في مواضِع أخرى بأنّ مُمثِّل دورِ أغافي هُوَ ذاته الذي أدّى دَورَ بينثيوس، وبأنّ «الرّأس» التي احتضنتْها في حِجْرِها في النّهاية ليست في الحقيقةِ سِوى الـ« prosopon» (القِناع) الذي ارتداهُ هو نَفسُه حِينَ أدّى دور بينثيوس في سابقِ المَشاهد. ولكن حتّى هَذا الافتراضُ، كما يَجبُ أن نُدرك الآن، لا يُنصِفُ درجةَ التّعقيد القائمَة على الأقنعَة. فالمُمثّل يحملُ بالفعل القِناع الذي ارتداهُ سلفاً بِدور بينثيوس - بَيْدَ أنّ هَذا قد لا يَكون القناع الأوحَد الذي وضعهُ في هذا الدور. بل ربّما كان بالأحْرى قناعَ بينثيوس المجنون. وعَلى الرّغم مِن أنّ الانحِدار نَحو جُنون بينثيوس يُعَدّ انتقالاً تَدريجياً كما سَلفت مناقشتُه، إلّا أنّ لَحظَة التبدّل تبدُو واضحةً جليّةً مِن النّصّ. ففي الطَّور الأوّل مِنْ حِوارِه المِفصَلِيّ مَع الغريب، كان بينثيوس مُرتبِكاً ومَخْدوعاً، لكنّه لَم يَكن معتوهاً بَعد. وحِين يعاود الظهور للطَّور الثّاني مِنْ هذا اللّقاء، يَصيرُ يَرى شَمسَينِ ومَدينتيْ طِيبةَ اثنَتَينِ، ناهِيك عنِ ابتلائِه بضلالاتٍ أخرى. وفي هذه اللحظة، كما أعتقِد، سَيُطِلُّ مُجدّداً بِقناعٍ مجنون (وفي الواقع، إنّ إحدى وظائِفِ تموْقُع الجوقة بَين المَشهَدين لم تكُن مجرّد إتاحة تغيير الزّي - إذ غَدا بينثيوس الآن بِمَلابِسَ نسائيّة - بل السماح بتغيير القناعِ أيضاً). وللعودةِ إلى المشهدِ الختاميّ: فإنّ قناعَ أغافي نفسَها ههنا (إنْ سَلَّمْنَا بمخرَجات الحُجّة حتّى الآن) سَيكونُ هو الآخر قِناعاً مخبولاً أو مَرَضِيّاً. وهكذا، فالمتفرّج في هذا المشهد الأخير المروّع يطالعُ مُمثِّلاً يرتدي قِناعاً مخبولاً ويحملُ بيَدِه آخَر، والأخيرُ هو ذاكَ الذي ارتداه سلفاً (في آخر إطلالاتهِ بدورِ بينثيوس، لا في أوّلها).

وهذه التخميناتُ، وإن بقيَت في إطار الافتراض، تبدو على الأقلّ بالغةَ المعقوليّة في العروض الأولى الأصليّة لهذه المآسي، شريطةَ أن يُقِرّ المَرءُ - اقتداءً ببوليوس - بوجود فئةٍ مُستقلّةٍ من الأقنعة مخصّصةٍ لحالات المَرَض والعِلّة. ويبدو أيضاً إجراءُ تباينٍ أو مُقابلةٍ على هذا الأساس بينَ ممارسة المأساة وتِلك في الملهاة أمراً ذا مَعقوليّة، وإن كان يصعُبُ مجدّداً إثباتُه والبرهنةُ عليه. لَقد ذهب مارتن ريفرمان إلى افتراض مواضعَ عِدّة في الملهاةِ القديمة ربّما انطَوَت عَلى تبديلٍ في الأقنعة. بَيْدَ أنّه يَبدو لي، رغمَ أنّ المَظهرَ المُتبدِّلَ لشخصيّاتٍ مِفصليّة في الملهاة يُعَدّ جليّاً وثابتاً ولا ريب، لإشارةِ الشخوص الأُخرى إليه صراحةً، فإنّ هذه التبدّلات يُمكن فَهْمها على أنّها تتعلّق بهيئة الشخصية وبدَنها بِوجه أعمّ؛ أي إنّها قَد تَكونُ مُجرّد تبديلٍ في الأزياء والملابس، ممّا يُبقي البابَ مُوارِباً أمام احتمالِ استمرارِ ارتداء القِناع الحياديّ ذَاتِه - والمُهَيَّأ بطبيعتِه للتحوّلِ والتّلوّن - طِيلَةَ المَشاهد.

ومِنَ المثير للاهتمام أنّ الحالةَ الصريحة الوحيدة المَطروحَة لِتغيّرٍ في سَحْنة الوَجه والتي يَلحظُها ويُومئُ إليها شَخصٌ آخر، حَسْبما أرى، هي حالةُ فيديبيديس في مسرحيّة «السُّحُب»؛ وأقول مثيرةً للاهتمامِ لأنّ ريفرمان نفسهُ يَتبيّن عناصرَ قويّةً مِنَ المُحاكاةِ المأساويّة الساخرة في هَذا المَقطَع. وإذن، فلو دخل فيديبيديس بقِناعٍ شاحبٍ ومَرَضِيّ في تلكم اللحظة، فَإنّ إخراجاً مشهديّاً كَهَذا قد يُمثّل لَمْسَةً من لَمَساتِ التّهَكّم المأساوي، أكثر ممّا هُوَ عَادَةٌ مألوفةٌ في الملهاة. ولا شَكّ أنّ هذه الاعتبارات والمسائل المتعلقة باستخدامِ الأقنعة في المأساة والملهاة لا تشكّل بُؤرَةَ المقال. إلّا أنّ التباينَ المقترَحَ ههنا، لو صَحّ وقُبِل، مِن شأنِه أن يزيدَ من صلابَة التفسير القائل - بل والتصوير القائل - بأنّ الجنون المأساويَّ مؤقتٌ وعارِضٌ ومَرَضيٌّ ومُدَمِّر، كما يُعزِّز الوَجهَ المنقلبَ الذي يتبدّى به في الملهاة، حيث يكون على النّقيض من ذلك مفتوحَ النهاياتِ، ثريَّ المعاني والمَداليلِ، متعدّدَ الأوجُه - وقادراً على توحيدنا بالمتعة والنشوةِ الديونيسيوسيّة.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق