ما لم تَبلُغهُ يدُ الكاتِبِ
يُقَلّبُ أوراقَهُ مُتّهِمًا نفسَهُ بتكرارِ القولِ ذاتِهِ منذُ سنينَ، مع فوارقَ طفيفةٍ.
روبير بانجيه، «المِحراث».
فكرتي غيرُ منقسمةٍ، غيرَ أنّها متأرجحةٌ، ترومُ التّثبيتَ في هشاشَتِها. إنّها كَلِمَةٌ مثقوبةٌ تعكّرُ اتّصالَ الوعيِ. ألفُ صورةٍ تغوصُ في الآبارِ التّي تحفرُ هذا الوعيَ.
عبد الوهاب المدب، «فانتازيا».
منذُ قرابةِ خمسَ عشرةَ سنةً، لم تقتصرْ غايةُ جان فيليب توسان على صياغةِ عوالمَ روائيّةٍ غنيّةٍ خالدةٍ، أضحى شديدَ الاهتمامِ بجوهرِ الأدبِ وماهيّةِ الكتابةِ. اقتفاءً لأثرِ ما كشفَ عنهُ فيلمُ باسكال أوجيه «مطبخ جان فيليب توسان» (١٩٩٨)، يمكنُ تحديدُ بدايةِ مسارِ التّأمّلِ الذّاتيّ بنشرِ الكتابِ الموصى بهِ «مكاتبي: أماكن أكتب فيها» (٢٠٠٥). تلتْ ذلكَ مؤلّفاتٌ أُخرى: «العجلةُ والأناةُ» عامَ ٢٠١٢، «اليدُ والنّظرُ» وهو كتابٌ رافقَ معرضَ «الكتاب» في العامِ نفسهِ، «صُنع في الصّين» عامَ ٢٠١٧، «الكرسيّ» عامَ ٢٠١٩، «أنتَ الكاتبُ» عامَ ٢٠٢٢، و«رقعةُ الشّطرنجِ» عامَ ٢٠٢٣. لئن كانتْ هذهِ الكتبُ جوهريّةً لإدراكِ شعريّةِ توسان - بمعناها الاشتقاقيّ الدّال على الصّنيعِ والحركةِ الخلّاقةِ - لَن أستنطقَ حَرْفيّتَها بقدرِ ما سأبحثُ في قدرَتِها على التّجاوبِ معَ أعمالٍ أُخرى للكاتبِ، يبدو لي اثنانِ منها مجسِّدينِ لهذهِ الحركةِ الصّانعةِ للأثرِ: «كآبةُ زيدان» (٢٠٠٦) و«اللّحظةُ الدّقيقةُ لدخولِ مونيه المَرْسَمَ» (٢٠٢٢). هاتانِ النّشرتانِ، رغمَ تباعدِهما بقرابةِ خمسَ عشرةَ سنةً، تتجاوبانِ وتكتسبانِ معناهُما في ضوءِ نصوصِ الكاتبِ الماورائيّةِ المُباشرةِ، لتُضيئا ما يخصُّ حركةَ الكاتبِ تحديدًا.
تعدُّ الحَرَكَةُ عندَ توسان النّهجَ الأثيرَ لمواجهةِ الواقعِ. نذكُرُ مشهدَ الزّيتونةِ الشّهيرَ في روايةِ «آلةُ التّصويرِ» (١٩٨٨)، الّذي استبقَ بربعِ قرنٍ تأمّلاتٍ حَوْلَ الزّمنيّةِ سَتُبْسَطُ لاحقًا في «العجلةُ والأناةُ»:
وبينما كنتُ أطيلُ البقاءَ في تلكَ المقصورةِ متتبّعًا مجرى أفكاري بهدوءٍ، كنتُ أشعرُ بغموضٍ أنّ الواقعَ الّذي أصطدمُ بهِ بدأَ يُظهرُ شيئًا فشيئًا بعضَ علاماتِ الإعياءِ؛ أخذَ يكلُّ ويلينُ، لم يساورْني شكٌّ في أنّ هجماتي المتكرّرةَ، بصلابتِها الهادئةِ، ستنتهي بإنهاكِ الواقعِ رويدًا رويدًا، كما يُنْهكُ المرءُ زيتونةً بشوكةٍ، إن شئتُم، عبرَ الضّغطِ الخفيفِ بينَ الفينةِ والأُخرى، حتّى إذا ما خارتْ قوى الواقعِ وانقطعتْ مقاومتُهُ، أيقنتُ أنّ لا شيءَ سيوقفُ اندفاعي، ذلكَ الاندفاعَ العارمَ الّذي عهدْتُهُ في أعماقي دومًا، مسلّحًا بكلّ الإنجازاتِ.
فضلًا عنِ البُعْدِ الزّمنيّ ونمطِ العلاقةِ بالواقعِ المُتَمَثَّلِ هُنا، يمثّلُ هذا المقطعُ في المقامِ الأوّلِ وصفًا لحركةٍ. حركةٌ متلكّئةٌ بلا ريبٍ، تندرجُ ضمنَ «فنّ التّسويفِ» الّذي حدّدَهُ بيار بايار، بيدَ أنّها حركةٌ يدويّةٌ تنطوي على «القبضِ» و«القرعِ» معًا، وفقًا لتمييزاتِ ميشيل غيران في «فلسفةِ الحركةِ». يرى الأخيرُ أنّ «كلَّ حركةٍ هي مزيجٌ فيزيائيٌّ جوهريٌّ وميتافيزيقيٌّ سامٍ». لا تشذُّ حركةُ الكتابةِ عن هذهِ القاعدةِ إطلاقًا.
ما هي الكتابةُ في نظرِ جان فيليب توسان؟ يستهلُّ الفصلُ الحاملُ للعنوانِ ذاتِهِ من «العجلةُ والأناةُ» بوصفِ نشاطٍ مشدودٍ بسخريّةٍ بينَ الطّموحِ والواقعِ، مزيحًا بظهرِ اليدِ، تلكَ «اليدِ المستهترةِ» الّتي يتخيّلُها المؤلّفُ، الرّؤيةَ الرّومانسيّةَ للعبقريّةِ:
حينَ أؤلّفُ كتابًا، أودُّ لو أكونَ أثيريًّا، روحي مع الرّيحِ ويدي مستهترةٌ. هراءٌ. في الواقعِ، أنا منظّمٌ جدًّا. أتدرّبُ، أستعدُّ، أتهيّأُ. ثَمَّةَ طابعٌ رهبانيٌّ في موقفي، طابعٌ إسبرطيٌّ، كملّاحٍ وحيدٍ. كلُّ شيءٍ ذو أهمّيّةٍ، اللّياقةُ البدنيّةُ، الغذاءُ، القراءاتُ. عندَ الكتابةِ، أنامُ باكرًا، لا أحتسي الخمرَ. أمارسُ المشيَ نهارًا، أركبُ الدّرّاجةَ، أسبحُ، لم يكنِ الاستحمامُ يومًا مناقضًا للدّرسِ، على العكسِ من ذلكَ.
يتأرجحُ توسانُ هنا بينَ النّزوعِ نحوَ «الاستهتارِ اللّائقِ»، أحدِ العلاماتِ المُميِّزَةِ لأدبِهِ، وصرامةِ الرّياضيّ قبلَ الأداءِ، الّذي يذخرُ طاقاتِهِ ليستخدمَها بفاعليّةٍ. حذوَ رُواةِ كتبِهِ، بدّلَ توسان ممارساتِهِ متعلّمًا النّظرَ إلى الأدبِ من زاويةٍ تخالفُ زاويةَ الكدحِ، وإن ظلّتْ مكانةُ اليدِ فيهِ محوريّةً.
حتّى صدورِ "التّحفّظ"، كنتُ كلّما شرعتُ في كتابٍ، أعملُ كلّ يومٍ، طوالَ الوقتِ، دونَ التقاطِ أنفاسٍ، دونَ انقطاعٍ، لعامٍ كاملٍ متواصلٍ. كنتُ أعدُّ الكتابةَ آلةً ثقيلةً تُنصبُ على المدى الطّويلِ، شيئًا رتيبًا، وازنًا، مُقيَّدًا، شيئًا يمتنعُ، يتعثّرُ، يتقدّمُ بمشقّةٍ، شبرًا بشبرٍ، مِحراثًا.
عقبَ الإشارةِ غيرِ المُباشرةِ للأصابعِ عبرَ وحدةِ قياسٍ (شبرًا بشبرٍ)، يُثيرُ المُعجمُ الزّراعيُّ الفجُّ دهشةً مُبرّرةً. لعلَّ في ذلكَ تلميحًا لشيءٍ آخرَ («لأنّنا» إنْ طبّقنا درسًا آخرَ للكاتبِ البلجيكيّ، «ما التّفكيرُ، إن لم يكنْ في شيءٍ آخرَ؟»). من بينِ «دفاتر السيّد سونج»، تلكَ السّلسلةُ المتمحورةُ حولَ الكتابةِ والّتي يصوّرُ فيها المؤلّفُ قرينًا خياليًّا غارقًا في عذاباتِ الكدحِ الأدبيّ، ثَمَّةَ دفترٌ عنونَهُ روبير بانجيه بـ«مِحراث»، مشاطرًا توسان الرّأيَ الّذي أبدَاهُ في «العجلةُ والأناةُ»، والقائلَ إنّ جهدَ الكاتبِ عملٌ يدويٌّ بامتيازٍ. نلمسُ في «مِحراث» الطّبيعةَ السّيزيفيّةَ العميقةَ للكتابةِ، من بينِ تأمّلاتٍ ماورائيّةٍ أُخرى:
يقولُ من الغريبِ أن أضطرَّ دائمًا لتكرارِ الأسطواناتِ ذاتِها لأوقنَ بجدواها.
الاستمرارُ الاستمرارُ أوِ البحثُ البحثُ...
ماذا حلَّ بهِ من جرّاءِ تكرارِها؟ عجوزٌ يُردّدُ الأسطواناتِ ذاتِها...
الإيمانُ يزحزحُ الجبالَ، حسنًا. إنّهُ يبحثُ عبثًا عن جبالِهِ.
لعلَّ توسان قد قرأَ القليلَ من بانجيه. لئن أصرَّ مطوّلًا في «أنتَ الكاتبُ» على انتقائيّتِهِ المفرطةِ في القراءةِ، وجبَ الإقرارُ بأنّ الكتيّبَ الصّغيرَ «محراث» قد صدرَ عامَ ١٩٨٥، وهي السّنةُ ذاتُها الّتي انضمَّ فيها صاحبُ «الحمّام» إلى دارِ «مينوي». حسبَ شهاداتِ عدّةِ كُتّابٍ من الدّارِ، كانَ جيروم لاندون يميلُ إلى استقبالِ الوافدينَ الجددِ بتحميلِهِم إصداراتٍ حديثةٍ أو قديمةٍ، وكانَ كُتّابُ الدّارِ ملزمينَ بنحوٍ ما بالاطّلاعِ على أعمالِ بعضِهِمُ البعضِ. من المُرجّحِ جدًّا أن تكونَ ومضةُ ذِكْرَى خفيفةٌ من بانجيه قد تشرّبتْها أعمالُ توسان التّأمّليّةُ حولَ النّشاطِ الأدبيّ. غيرَ أنّ الكاتبَ البلجيكيّ اختارَ، عقبَ نشرِ «التّحفّظ»، النّأيَ بنفسِهِ عن «المُثُلِ الأكثرِ إيلامًا للكتابةِ«، الّتي أشاعَها فلوبير، ثمّ كافكا. أوردَ في «العجلةُ والأناةُ» هذا المقطعَ من «التّلفزيونِ» المُعَبِّرَ عن هذه الطّريقةِ الجديدةِ في العملِ:
لطالما اشتغلتُ ذهنيًّا ببراعةٍ، حقًّا، تاركًا نفسِي تتشرّبُ رويدًا رويدًا الكتابَ الّذي كنتُ أزمعُ كتابتَهُ بمجرّدِ تتبّعِ خيطِ أفكاري، بينما تتدفّقُ بهدوءٍ في عقلي جمهرةٌ من الانطباعاتِ والأحلامِ، من البُنى والأفكارِ، غالبًا ما تكونُ غيرَ مكتملةٍ، مبعثرةً، ناقصةً، في طورِ التّكوينِ أو مُنجزةً، من الحدوسِ والشّذراتِ، من الآلامِ والمشاعرِ الّتي لم يتبقَّ لي سوى صياغتِها في قالبِها النّهائيّ، دونَ أن أتدخّلَ أدنى تدخّلٍ لتعكيرِ صَفْوِ مسارِها. رحتُ أُفكّرُ أنّهُ، في منظورِ الكتابةِ ذاتِهِ، يُعَدُّ التّوقّفُ عنِ الكتابةِ أمرًا يضاهي الكتابةَ أهمّيّةً.
يبرهنُ الاقتباسُ الذّاتيُّ من «التّلفزيونِ» بلا ريبٍ على الدّورِ المِفصليّ الّذي تضطلعُ بهِ هذه الرّوايةُ في مسيرةِ الكاتبِ، إذْ تصوّرُ مؤلّفًا - أكاديميًّا أكثرَ منهُ أديبًا - يعاركُ حركةَ الكتابةِ ذاتَها. علاوةً على ذلكَ، فإنّ حركةَ الكتابةِ هذهِ الّتي تأبى البدءَ بفعلِ التّسويفِ، تتمحورُ حولَ حركةٍ أُخرى تعجزُ عن القبضِ عليها، ألا وهي لحظةُ اللّقاءِ بينَ شارلكان وتيتيان، تلكَ الحكايةُ الأدبيّةُ الّتي سردَها موسيه في أُقصوصةِ «ابن تيتيان». نذكُرُ حتمًا حكايةَ الزّيتونةِ في «آلةُ التّصويرِ» الّتي حملتْ قيمةَ اقتناصِ الحدثِ ذاتَها، إلّا أنّ الفارقَ هُنا يكمنُ في أنّ الرّاويَ لا يتّخذُ موقفَ الشّاهدِ السّلبيّ، يتقلّدُ بالأحرى موقفَ مَن يعيدُ بناءَ الحدثِ بصورةٍ غيرِ مُباشرةٍ.
تغدو نطحةُ زيدانِ بقلمِ توسان أشبهَ بحركةٍ أدبيّةٍ، نتبيّنُ فيها المنهجَ المتأرجحَ بينَ العجلةِ والأناةِ، الّذي يميّزُ توسانَ: «كانتْ لنطحةِ الرّأسِ الزّيدانيّةِ مباغتةُ إيماءةِ الخطّاطِ وانسيابيّتُها. لئن لم يستغرقْ إنجازُها سوى ثوانٍ معدوداتٍ، فإنّها لم تقعْ إلّا إبّانَ عمليّةِ نضجٍ بطيئةٍ وتكوينٍ طويلٍ خفيٍّ ومستترٍ». هكذا يغدو لاعبُ كرةِ القدمِ الفرنسيّ مرآةً لتوسانِ الّذي لا يفتأُ يسائلُ نفسَهُ عمّا أسماهُ جان ستاروبينسكي - والّذي يستشهدُ بهِ الكاتبُ البلجيكيّ في «كآبةُ زيدان» - «الهروبُ الأخيرُ أمامَ إنجازِ الأثرِ». هكذا تأتي خاتمةُ نصِّ توسان لتطمسَ كلَّ ما بناهُ سلفًا، شاطبةً الحركةَ الخطّيّةَ بجَرَّةِ قلمٍ، محيلةً إيّاها إلى عدمِ اللّامرئيّ، لتعذُّرِ القبضِ عليها بصورةٍ ملموسةٍ.
حركةُ زيدانَ الخفيّةُ المُستغلقةُ على الفهمِ، تكتسبُ طابعًا استعراضيًّا فريدًا لكونِها لم تحدثْ قَطُّ. لم تحدثْ ببساطةٍ، إذا ما اكتفينا بالملاحظةِ المباشرةِ للوقائعِ في الملعبِ وبالثّقةِ المشروعةِ الّتي نوليها لحواسِّنا، لم يُبصرْ أحدٌ شيئًا، لا المتفرّجونَ ولا الحُكّامُ.
حتّى مجتمعُنا المُفْرِطُ في الإعلاميّةِ، الّذي تبدو كلُّ لحظةٍ فيهِ مقتنصةً بكاميرا أو بأيّ جهازِ تسجيلٍ متاحٍ، يخفقُ في بلوغِ جوهرِ حركةٍ زاخرةٍ بالمعنى كهذهِ. لعلَّ التّسجيلَ المرئيَّ، أكثرَ من أيّ وسيطٍ آخرَ (لولا الأدبُ)، قادرٌ على إجلاءِ «الغموضِ الاستهلاليّ-التّكراريّ للحركةِ، الّتي تتأهّبُ دائمًا للبدءِ وتمضي في الاستمرارِ». مستندًا إلى مفهومِ الصّورةِ-الحركةِ الّذي اقترحَهُ جيل دولوز، والّذي يعتبرُ السّينما (والفيديو بوجهٍ عامٍّ) مُنتجًا لـ«مقاطعَ متحرّكةٍ» تُسقطُ «التّمييزَ [...] بينَ الصّورةِ كواقعٍ نفسيٍّ والحركةِ كواقعٍ فيزيائيٍّ»، يخلصُ جورجيو أغامبين إلى تعريفِ الحركةِ بمصطلحاتِ الإيتوس (الطّبعِ): «في الحركةِ، تنتقلُ للبشرِ دائرةٌ وسائطيّةٌ خالصةٌ لا غايةٌ في حدّ ذاتِها». بوصفِها وسائطيّةً خالصةً، لا تمثّلُ الحركةُ مقولةً ماوراءَ لغويّةٍ، إنّما ترمي إلى عرضِ «اللّغةِ عينِها، الوجودِ في اللّغةِ نفسِهِ كفجوةِ ذاكرةٍ هائلةٍ، كعطبٍ نُطقيٍّ يستعصي على الشّفاءِ». تُفضِي هذه الوسائطيّةُ الخالصةُ للحركةِ إلى مفارقةٍ زمنيّةٍ، مسافةٍ، تباعدٍ في صميمِ الحضورِ: «تسلبُ ديناميّةُ الحركةِ الجوهرَ والحضورَ والمُباشرةَ بداهتَها، لتشعرَنا بالمسافةِ والوسائطيّةِ في قلبِ كُلِّ ما يحيطُ بنا». ينتهي سردُ عامِ ٢٠٠٦ بهذهِ العبارةِ الأخيرةِ ذاتِ النَّفَسِ البروستيّ العميقِ (ولسببٍ وجيهٍ سأعودُ إليهِ):
لم يقتصرْ الأمرُ على عدمِ وقوعِ حركةِ زيدانَ، حتّى لو وقعتْ، وحتّى لو راودتْ زيدانَ نيّةٌ حمقاءُ، أو رغبةٌ أو وهمٌ، بتوجيهِ نطحةٍ لأحدِ خصومِهِ، فما كانَ لرأسِ زيدانَ أن يبلغَ خصمَهُ أبدًا، ذلكَ أنّهُ كُلّما قطعَ رأسُهُ نصفَ المسافةِ الّتي تفصلُهُ عن صدرِ الخصمِ، لتبقّى لهُ نصفٌ آخرُ ليقطعَهُ، ثمّ نصفٌ آخرُ، ونصفٌ آخرُ، وهكذا دواليكَ إلى الأبدِ، بحيثُ إنّ رأسَ زيدانَ المُتقدِّمَ دومًا نحو هدفِهِ دونَ أن يبلغَهُ قطُّ، كما في مشهدٍ بطيءٍ مكرّرٍ إلى ما لا نهايةٍ، لن يتمكّنَ أبدًا من ملامسةِ صدرِ الخصمِ، إنّهُ ضربٌ من الاستحالةِ الفيزيائيّةِ والرّياضيّةِ (إنّها مفارقةُ زيدان، إن لم تكن مفارقةَ زينون)، لن يلمسَهُ أبدًا، وما تراءَى لعيونِ المشاهدينَ في كافّةِ أنحاءِ العالمِ هو النّزوةُ العابرةُ الّتي اختلجتْ في ذهنِ زيدانَ فحسبُ.
يُحيلُ استحضارُ مفارقةِ أخيلَ والسّلحفاةِ الّتي أورثَنا إيّاها زينون الإيليّ، إلى مشهدِ السّهامِ المُريَّشةِ في «الحمّامِ»، روايةِ المؤلّفِ الأُولى، الّتي كتبَ عنها صديقُهُ جيل ديلانوي مقالًا ذائعَ الصّيتِ، أثّرَ في تلقّي شطرٍ من أعمالِ توسان، كما لعلّهُ أثّرَ في الكاتبِ شخصيًّا، لاسيّما وأنّ جيل ديلانوي كانَ أوّلَ قارئٍ للرّوايةِ الّتي ظلّتْ غيرَ منشورةٍ لردحٍ من الزّمنِ، «شطرنج»، وهي حلقةٌ نُدركُ من خلالِ «أنتَ الكاتبُ» أنّها ساهمتْ بقسطٍ وافرٍ في التّوجّهِ الّذي سلكَهُ الكاتبُ النّاشئُ آنذاكَ: «حينما قرأَ النّسخةَ الأخيرةَ من "شطرنج"، مستبقًا النّسخةَ الحاديةَ عشرةَ أوِ الثّانيةَ عشرةَ، قالَ لي [جيل ديلانوي] محتفظًا برباطةِ جأشِهِ، وكأنّهُ يصرخُ بأعلى صوتِهِ في وجهي: "الآن، توقّفْ عن الشّطرنج!"». إذا كانَ الكاتبُ البلجيكيّ قد فَهِمَ منها «الآن، توقّفْ عن الشّطرنج. امضِ لشيءٍ آخرَ، اكتبْ روايةَ الحمّام»، فمن الجديرِ أن نستشفَّ منها أيضًا تحذيرًا من الانزلاقِ من إخفاقٍ إلى آخرَ، بُغْيَةَ الانخراطِ في دربِ الإنجازِ. إلّا أنّ صاحبَ «رقعةِ الشّطرنجِ» يعلمُ عِلْمَ اليقينِ باستحالةِ الإنجازِ، على غرارِ أخيلَ الّذي لن يدركَ السّلحفاةَ أبدًا:
كيفَ نعلمُ بانتهاءِ المخطوطةِ؟ ليسَ ثمّةَ معيارٌ معصومٌ. نحسُّ بذلكَ، نحدسُهُ. في لحظةٍ ما، ومع توالي القراءاتِ، يتقلّصُ عددُ التّصحيحاتِ كانحسارِ المدِّ. [...] لا نبلغُ الصّفرَ المطلقَ حقًّا، فمجرّدُ فتحِ المخطوطةِ يدعو إلى إجراءِ تصحيحاتٍ جديدةٍ. [...] ما لم يُنشرِ الكتابُ، يمكنُنا دائمًا تنقيحُهُ، وإعادةُ صياغتِهِ إلى ما لا نهايةٍ، كما فعلتُ مع "شطرنج". إنّهُ الجانبُ السّيزيفيّ للكتابةِ، المخطوطةُ الّتي ندفعُها بلا توقّفٍ وتتهاوى دائمًا حينَ نظنُّ بلوغَ القمّةِ. يضعُ النّشرُ حدًّا لهذهِ الدّورةِ، لحسنِ الحظِّ (وإلّا لكنتُ إلى اليومِ أصحّحُ "شطرنج".
في «كآبةُ زيدانَ»، يوضَعُ مبدأُ الكتابةِ كتردادٍ على محكِّ حدثٍ لا يمتُّ للأدبِ بصِلةٍ في الظّاهرِ، يغدو بقلمِ توسانَ حركةً خطّيّةً. عبرَ التّردادِ الّذي يتمحورُ حولَ هذهِ الصّورةِ الغائبةِ أزليًّا، نلامسُ نقصًا جوهريًّا، ومن منظورِ تعدّدِ المقارباتِ للحظةٍ دقيقةٍ، يجدُ الأثرُ طريقَهُ للاكتمالِ. يرى غيرانُ أنّ الحركةَ «تصنعُ المعنى وتغدو المعنى، لكونِها مزيجًا من الذّاكرةِ والمشروعِ».
يتّخذُ الرّاوي الكاتبُ في «اللّحظةُ الدّقيقةُ لدخولِ مونيه المَرْسَمَ» الموقفَ ذاتَهُ لرَاوي «كآبةُ زيدانَ»، وكأنّ نشرةَ ٢٠٢٢ جاءتْ عرَضًا لتجيبَ عن نشرةِ ٢٠٠٦. يُبنى السّردُ على إيقاعٍ تكراريٍّ لاهثٍ، فتُستهلُّ كلُّ فقرةٍ بالنّهجِ ذاتِهِ: «أريدُ القبضَ على مونيه هُنا، في هذه اللّحظةِ الدّقيقةِ». تتجلّى الإرهاصةُ البرنامجيّةُ بنحوٍ ذي دلالةٍ في حركةِ يدٍ، وإنْ كانتْ مجازيّةً، تتمثّلُ في «القبضِ» على اللّحظةِ. بتوكيدِهِ الإنجازيّ، يُبدي الرّاوي الكاتبُ فضولًا لا ينضبُ حيالَ اللّحظةِ الّتي يلجُ فيها الرّسّامُ الانطباعيُّ مرسمَهُ، وكأنّ سرًّا خيميائيًّا يتخفّى في ثناياها: يُسخَّرُ مجملُ النّصِّ لإعادةِ بناءِ حدثٍ يبدو عابرًا وحاسمًا في الآنِ عينِهِ لتاريخِ الفنِّ، تلكَ اللّحظةِ الّتي يتقرّرُ فيها مصيرُ إحدى أشهرِ اللّوحاتِ في العالمِ، «زنابقُ الماءِ». يتّضحُ الرّهانُ المُعلنُ منذُ الفقرةِ الثّانيةِ جليًّا: يتعلّقُ الأمرُ باقتناصِ الحدِّ الفاصلِ بينَ الفنِّ والحياةِ، تلكَ اللّحظةِ الّتي يُحاكَمُ فيها الإبداعُ ذاتُهُ:
أريدُ القبضَ على مونيه هُنا، في اللّحظةِ الدّقيقةِ الّتي يلجُ فيها المَرْسَمَ، حيثُ يعبرُ الحدودَ بينَ الحياةِ الّتي يخلّفُها وراءَهُ، والفنِّ الّذي سيلتحقُ بهِ.
غيرَ أنّ التّكرارَ يُثبتُ خِداعَهُ، إذْ تُعيدُ كلُّ فقرةٍ بناءَ لحظةٍ بعينِها، وتتّصلُ كلُّ لحظةٍ بتاليَتِها، على إيقاعِ التّسلسلِ الزّمنيّ للحقبةِ الأخيرةِ من مسيرةِ مونيه، من صيفِ ١٩١٦ حتّى وفاتِهِ: «أريدُ القبضَ على مونيه هُنا، في اللّحظةِ الدّقيقةِ الّتي يلجُ فيها المَرْسَمَ. من عامٍ لآخرَ، تغدو الخطواتُ أثقلَ. بَيْدَ أنّ الطّقوسَ لا تتغيّرُ». رغمَ التّصريحِ الإنجازيّ التّكراريّ، تخفقُ كلُّ لحظةٍ بمعزلٍ عنِ الأُخرياتِ في اقتناصِ موضوعِ الكتابِ، في حينِ تقتربُ حصيلةُ اللّحظاتِ بلا ريبٍ منَ الغايةِ الّتي حدّدَها ميثاقُ القراءةِ المُبْرَمُ منذُ العنوانِ والسّطرِ الأوّلِ للنّصِّ. يفلحُ النّصُّ بكامِلِهِ في احترامِ بنودِ الميثاقِ، معَ إقرارِهِ بالعجزِ عنِ الاقتصارِ على لحظةٍ واحدةٍ، تلكَ اللّحظةِ الّتي نُعتتْ طوالَ الوقتِ بـ«الدّقيقةِ».
يقابلُ تدفّقَ الزّمنِ المحتومَ تلكَ الصّورةُ المُستعصيةُ على التّجمّدِ، رُغمَ انتمائِها لماضٍ ملموسٍ، وهي أشبهُ بـ«صورةٍ فوتوغرافيّةٍ مطلقةٍ»، استعارةً للمفهومِ الدّوراسيّ الّذي انبثقتْ منهُ روايةُ «العاشقُ». على خُطى دوراس، يقفُ توسانُ على هذا الخيطِ المشدودِ والوهنِ في آنٍ، سعيًا وراءَ المُستحيلِ ذاتِهِ: «نحنُ في عامِ ١٩١٨، عمّا قريبٍ سنكونُ في ١٩٢١. مونيه، لحظةٌ متجمّدةٌ هُناكَ على بابِ المَرْسَمِ، بينَ الحياةِ والفنِّ، إنّهُ متوقّفٌ في الصّورةِ ومتحرّكٌ في الزّمنِ في آنٍ واحدٍ». لم يعدِ الأمرُ متعلّقًا بالتّوتّرِ بينَ العجلةِ والأناةِ، أضحى جِسرًا ممدودًا بينَ عبورِ الزّمنِ ونقيضِهِ، الّذي يشرعُ الفنُّ أبوابَهُ: «تمضي السّاعاتُ ساكنةً في المَرْسَمِ، تمضي في زمنِ زنابقِ الماءِ المُعلّقِ للأبدِ».
يطابقُ تعليقُ الزّمنِ تلكَ اللّحظةَ الإشراقيّةَ المفعمةَ بالامتلاءِ والاكتمالِ الّتي يتيحُها إنجازُ الفنِّ أو تأمّلُهُ. من هذا المنطلقِ أكّدَ إيمانويل سامي، بشأنِ التّأمّلِ التّوسانيّ، أنّ «الحياةَ، كالزّمنِ، لا ينبغي احتجازُها، ينبغي على النّقيضِ إدراكُها من خلالِ غايتِها، سكونِها، الّذي يتوجّبُ قبولُهُ كمسلّمةٍ أُولى». معَ ذلكَ، لئن بدا السُّكونُ مُحفّزًا على إدراكِ الزّمنِ أوِ الوجودِ، فلا يمكنُ اعتبارُهُ غايةً في حدّ ذاتِهِ: فالسُّكونُ لا يُدركُ إلّا قياسًا بالحركةِ الّتي تقتضيها سعيًا لاقتناصِ اللّحظةِ. تكشفُ الحركةُ في واقعِ الأمرِ زيفَ التّعارضِ بينَ الحركيّةِ والسُّكونِ. لعلَّهُ المكمنُ الّذي يستقرُّ فيهِ «الطّابعُ النّسبيُّ» للحركةِ الّذي رصدَهُ توسانُ سابقًا في «السيّد»، وجعلَهُ السِّمةَ البارزةَ للسّفرِ في «الهروب»: «كما لو أنّ هذه الحالةَ العابرةَ [للسّفرِ] قابلةٌ للامتدادِ إلى ما لا نهايةٍ، وكأنّني في النّهايةِ، بأفكاري، لم أعدْ في أيِّ مكانٍ، لا في بكين ولا في جزيرةِ إلبا، إنّما دائمًا على سطحِ هذه الأماكنِ العابرةِ الّتي أجوبُها، متوقّفًا ومتحرّكًا في الآنِ عينِهِ».
في نظرِ توسان، الأدبُ شأنٌ زمنيٌّ، وقد تجشّمَ منذُ ولوجِهِ ميدانَ الأدبِ عناءَ هذا البحثِ عن نقصٍ جوهريٍّ، إن لم نقل أصليًّا، ذلكَ الشّيءِ المفقودِ الّذي أثبتَ لنا التّحليلُ النّفسيُّ استشعارَنا لفقدانِهِ، الشّيءِ الّذي يوجّهُ مسارَ حياتِنا نحو مستقبلٍ غامضٍ قد يفلحُ، لِحُسْنِ الطّالعِ، في سدّ الفراغِ الّذي خلّفَهُ. إنّ اللّحظةَ الّتي يصبو توسانُ لابتغائِها - والّتي تتبيّنُ في النّهايةِ متعدّدةً ومتبدّلةَ الأشكالِ - هي لحظةٌ من الماضي تزجُّ بالذّاتِ، بحكمِ تحديدِها للمستقبلِ، في ضربٍ من الرّكودِ المتمثّلِ في حاضرِ الإنجازِ أوِ التّأمّلِ. وفقًا لسيلفي لوانيون، ينطوي شطرٌ كبيرٌ من آليّاتِ التّشكيلِ الزّمنيّ لدى الكاتبِ البلجيكيّ على أثرِ التّكرارِ الّذي يُحدِثُ تشويشًا سرديًّا، ويخلقُ في الوقتِ ذاتِهِ نوعًا من الازدواجيّةِ المتدرّجةِ للماضي في الحاضرِ، ممّا يفضِي إلى تعزيزِ الرّغبةِ في إيقافِ جريانِ الزّمنِ: «يتعثّرُ الزّمنُ، وهو ما تبرزُهُ إرادةُ الرّاوي [...] في وقفِ مسارِ الزّمنِ. على العكسِ من ذلكَ، يبدو الزّمنُ، كالمكانِ الخاضعِ للتّكرارِ والازدواجيّةِ، مُنْفَلِتًا من التّاريخيّةِ رغمَ كونِ السّردِ استرجاعيًّا». بعبارةٍ أُخرى، يُشكّلُ التّردادُ الّذي ينخرطُ فيهِ توسانُ جزءًا لا يتجزّأُ من عملِهِ، وهو أحدُ محاورِهِ الحيويّةِ. على غرارِ جاك هولد في «اختطافُ لول ف. شتاين» لمارغريت دوراس، يقفُ توسانُ على أُهْبَةِ الاستعدادِ لكافّةِ الابتكاراتِ بغيةَ القبضِ على مَن «تتسرّبُ من بينِ يديكَ كالماءِ»، تلكَ الّتي «كان ينقصُها شيءٌ [...] لتكونَ - كما تقولُ – هُنا».
«عملٌ على الجسدِ بأداةٍ ميتافيزيقيّةٍ خفيّةٍ هي الزّمنُ»، هكذا تبدو الحركةُ في نظرِ الفيلسوفِ ميشيل غيران. تقلبُ «يدُ ونظرُ» جان فيليب توسان المنظورَ بإضفاءِ تجسيدٍ حرفيٍّ على الزّمنِ. في المُحصّلةِ، ألا يسعى توسان، منذُ قرابةِ خمسَ عشرةَ سنةً ومن خلالِ النّشريّتينِ «كآبةُ زيدانَ» أو «اللّحظةُ الدّقيقةُ لدخولِ مونيه المَرْسَمَ»، إلى اقتناصِ حركتِهِ الخاصّةِ ككاتبٍ، تلكَ الحركةِ الّتي تقرّرَ بناءً عليها وجودُهُ بأسْرِهِ؟ في هذا الصّددِ، تُميطُ الأسطرُ الأُولى من الفصلِ الأوّلِ من «العجلةُ والأناةُ» اللِّثامَ عن الطّريقةِ الّتي يتعقّبُ بها الكاتبُ ذاتَهُ عبرَ شخصيّاتِ مبدعينَ آخرينَ:
نسيتُ السّاعةَ المُحدّدةَ من اليومِ الدّقيقِ الّذي اتّخذتُ فيه قرارَ الشّروعِ في الكتابةِ، إلّا أنّ تلكَ السّاعةَ موجودةٌ، ذلكَ القرارَ، قرارَ الشّروعِ في الكتابةِ، اتّخذتُهُ بغتةً، في حافلةٍ بباريس، بينَ ساحةِ الجُمهوريّةِ وساحةِ الباستيل. لم تعدْ لديَّ أدنى فكرةٍ عمّا اقترفتُهُ قبلَ ذلكَ في ذلكَ اليومِ، لأنّ ذاكرتي تخلطُ بينَ ذلكَ اليومِ الواقعيّ من سبتمبر أو أكتوبر ١٩٧٩ وبينَ ذكرى الفقرةِ الأُولى من الكتابِ الّذي ألّفتُهُ، والّذي سردَ قصّةَ رجلٍ يتجوّلُ في شارعٍ مشمسٍ مستحضرًا يومَ اكتشافِهِ للعبةِ الشّطرنجِ [...].
ذكرى أشدُّ شرودًا وتلاشيًا من نطحةِ رأسٍ، مع أنّها ترهنُ كيانَ رجلٍ مدعوٍّ ليغدوَ كاتبًا بأسْرِهِ، «اليومُ الّذي شرعتُ فيه بالكتابةِ» - وهو عنوانُ الفصلِ - يُبنى بصورةٍ متداخلةٍ مع حبكةِ الرّوايةِ الأُولى ذاتِ العنوانِ الدّالِّ «شطرنج» (أو إخفاقات)، الّتي ستقبعُ في الأدراجِ، خلافًا لما سيعقبُها، قبلَ أن تخرجَ للعلنِ عبرَ طبعةٍ إلكترونيّةٍ، كأثرٍ محاذٍ للأثرِ، وشهادةٍ مواربةٍ على شيءٍ آخرَ.
يقفُ هذا المقطعُ من «العجلةُ والأناةُ» على النّقيضِ تمامًا من الإلهامِ الّذي صَعَقَ مارسيل، راوي «البحثُ عنِ الزّمنِ المفقودِ»، حينَ أيقنَ أنّ كافّةَ الحلقاتِ الّتي كابدَها على امتدادِ الأجزاءِ السّبعةِ للعملِ البروستيِّ العظيمِ، قد قادتْهُ ليصبحَ كاتبًا. تدفعُ منزلةُ القارئِ، في هذه الحالةِ، إلى إعادةِ تأويلِ كلِّ ما طالعَهُ بوصفِهِ تتويجًا لهذهِ الدّعوةِ. أمّا عندَ توسان، فتنفلتُ اللّحظةُ الإشراقيّةُ، وكأنّها لم تقعْ، مثيرةً ضربًا من الرّيبةِ لدى الكاتبِ الّذي يبدو متخلّفًا عن ذاتِهِ، مع تبنّي اللّحظاتِ المُقاربةِ للنّقصِ الأصليِّ على النّفَسِ البروستيِّ، معتمدًا الجملةَ الطّويلةَ الّتي تيسّرُ التّكرارَ والتّردادَ السّيزيفيّ.
في «أنتَ الكاتبُ»، يندرجُ هذا الاستحضارُ للمنبعِ المفقودِ لشهوةِ الكتابةِ تحتَ عنوانِ فصلٍ أشدَّ إيحاءً: «المنبعُ». يمتدُّ ارتقاءُ الذّكرياتِ لأبعدَ من ذلكَ، إذْ تُستحضرُ فترةُ مراهقةٍ لا تكترثُ بقراءةٍ أو كتابةٍ، كـ«تكوينٍ طويلٍ خفيٍّ ومستترٍ». المنبعُ قائمٌ، بيدَ أنّ الخرائطَ المُفضيةَ إليهِ تظلُّ مستعصيةً على القراءةِ: «مهما توغّلتُ في استرجاعِ الأزمنةِ الغابرةِ لِطُفُولَتِي ومراهقتي، لا تعودُ لِذَاكِرَتِي أيُّ صورةٍ تمتُّ للأدبِ بصِلةٍ. كأنّهُ لم تكنْ لديَّ أيُّ ذكرياتٍ أدبيّةٍ قبلَ أن أشرعَ في الكتابةِ».
يعقبُ ذلكَ استحضارُ القراءةِ المطبوعةِ الأُولى، «الجريمةُ والعقابُ» لدوستويفسكي، الّتي يقودُ «مشهدُ الجريمةِ» فيها مُباشرةً إلى السّيناريو الأوّلِ الّذي غدا فورًا بمثابةِ الرّوايةِ الفاشلةِ الأُولى، «شطرنج»، هذا الإخفاقُ الّذي يعلّمُ المرءَ ألّا يرتكبَ المزيدَ، أو بالأحرى، ألّا يتورّطَ في سعْيٍ نحوَ الكمالِ لن يفضيَ لأيّ إنجازٍ. يخلصُ نصُّ «أنتَ الكاتبُ» حينَها إلى عبارةٍ بليغةٍ، تقومُ مقامَ فقرةٍ كاملةٍ وتُشيرُ، من خلالِ توظيفِ اسمِ الإشارةِ والماضي التّامِّ، إلى ضياعِ الحدثِ، رغمَ التّسليمِ المُطلقِ بمعايشتِهِ: «ها قد، شرعتُ في الكتابةِ». لتتوارى إذن محاولةُ القبضِ على الحدثِ إيثارًا لتجسيدِ غيابِهِ.
ينبثقُ عنوانُ المُجلّدِ التّأمّليّ لعامِ ٢٠٢٢، «أنتَ الكاتبُ»، من عبارةٍ للناشرِ جيروم لاندون، الّتي يُنَصِّبُ بها جان فيليب توسان. بنحوٍ ذي دلالةٍ، يستأثرُ النّاشرُ بدورِ الشّاهدِ الّذي سيضطلعُ بهِ الرّاوي الكاتبُ إزاءَ زيدانَ أو مونيه، مانحًا حدثًا يستعصي على التّبلورِ فرصةَ التّجسّدِ، والانبثاقِ في شهادةٍ بَعْديّةٍ، شهادةٍ، لكونِها تستلزمُ طرفًا ثالثًا يرتضي الشّهادةَ على عبورِ الحدثِ، من خلالِ انزياحٍ معجميٍّ بالغِ الدّلالةِ:
"أنتَ الكاتبُ". وسمتْني العبارةُ إلى الأبدِ. هو، جيروم لاندون، النّاشرُ المرموقُ للرّوايةِ الجديدةِ، يقولُ لي، أنا المؤلّفَ المغمورَ لروايةٍ أُولى، إنّني أنا الكاتبُ.
