ثلاثُ شذراتٍ تُلخّصُ عالمًا
في ربيعِ عامِ ١٩٤١، يَطرحُ «إزرا باوند» على أمريكا واليابانِ خُطّةً لتسويةٍ سِلميّةٍ لأزمةِ المحيطِ الهادئِ: إذ يتعيّنُ على الولاياتِ المتّحدةِ أن تتخلّى لليابانِ عن جزيرةِ «غوام» في مُقابلِ ثلاثِمائةِ عرضٍ مُصوّرٍ سينيمائيّاً لمسرحِ «نو» (Noh). وقد بعثَ «باوند» بِهذا الاقتراحِ إلى وكالةِ «يونايتد بريس»، وأذاعَهُ في خِطابٍ عَبرَ إذاعةِ روما، ونشرَهُ في صحيفةِ «يابان تايمز»، كما أحاطَ بِهِ عِلماً أصدقاءَهُ اليابانيّينَ والسّفيرَ اليابانيَّ في روما «يوسوكي ماتسوكا». ومَهما يكُنْ من مَوقفِنا إزاءَ هذهِ المبادرةِ السّلميّةِ أو الجَدوى من اتّخاذِ الفنِّ عُملةً دبلوماسيّةً، فإنّ اقتراحَ «باوند» لَيَشهدُ بجلاءٍ على المكانةِ الّتي تتبوّأُها تَرِكَةُ المسرحِ اليابانيِّ التّقليديِّ في عالَمِهِ.
ولئن كُتِبَ الشّيءُ الكثيرُ عن أثرِ مسرحِ «نو» في نِتاجِ «باوند»، ولا سيّما في بِنيةِ قصائدِهِ «كانتوس»، فإنّ تجاربَهُ الدّراميّةَ الخاصّةَ، الّتي استلهمَها من الجماليّةِ اليابانيّةِ، لم تَحظَ بِحَظٍّ وافرٍ من الدّرسِ. وسينصبُّ القولُ في مقالِنا هذا على هذهِ الصّفحةِ الّتي هي أقلُّ صفحاتِ سيرتِهِ الأدبيّةِ شُهرةً؛ عَنَيتُ «باوند» الكاتبَ المسرحيَّ، مُؤلّفَ مسرحيّاتٍ عِدّةٍ على طِرازِ «نو». وإنّ هذا الفصلَ من حياتِهِ، وإن بَدا مَهموشاً في مسيرةِ مؤلّفِ «كانتوس»، لَيَكتسي أهمّيّةً بالغةً؛ إذ يمثِّلُ خُطوةً حاسمةً في الطّريقِ نحو «القصيدةِ الدّوّاميّةِ (الفورتيسيّةِ) الكبرى». وتَرتدُّ مساعي «باوند» لُولوجِ عالَمِ المسرحِ إلى عامِ ١٩١٦، إبّانَ الشّتاءِ الثّالثِ الّذي أمضاهُ بمعيّةِ «و. ب. ييتس» «في كوخِ ستون، في ساسكس، على الأراضي القَفرِ»، كَما سَيَخُطُّ في نشيدِهِ الثّالثِ والثّمانينَ، إبّانَ شَغَفِهِما المشتركِ بفنونِ اليابانِ. وبطبيعةِ الحالِ، مَثّلتْ مخطوطاتُ «إرنست فينولوسا» المَنهَلَ الأوّلَ لإلهامِ «باوند» المسرحيِّ، والمَورِدَ الأساسيَّ لمعارفِهِ حولَ المسرحِ اليابانيِّ؛ وهي المخطوطاتُ الّتي آلتْ إليهِ من أرملةِ العالِمِ عامَ ١٩١٣، وعَكفَ على دراستِها في «كوخِ ستون». بَيدَ أنّهُ كانتْ ثَمّةَ مصادرُ أُخرى. ففي عامِ ١٩٠٩، تعرّفَ على «لورانس بنيون» وحضرَ مجالسَهُ حولَ التّصويرِ اليابانيِّ. وفي صيفِ ١٩١١، انبرتْ مراسلاتٌ بينَهُ وبينَ الشّاعرِ والنّاقدِ اليابانيِّ «يونيجيرو نوغوتشي» (وهو نَفسُهُ الّذي دَعا الشّعراءَ الأمريكيّينَ عامَ ١٩٠٤ للالتفاتِ إلى فنِّ الـ«هايكو»، وأشارَ على «ييتس» عامَ ١٩٠٧ باستلهامِ تُراثِ مسرحِ «نو» في تجاربِهِ المسرحيّةِ). وفي شتاءِ ١٩١٥، التقى «باوند» بالرّسّامِ اليابانيِّ «تامي كومي»، والكاتبِ المسرحيِّ «كايانو جيسويتشي»، فضلاً عن الرّاقصِ «ميتشيو إيتو»، الّذي سيُسدي النُّصحَ لـ«ييتس» و«باوند» في شؤونِ مسرحِ «نو»، وسيَرقُصُ لاحقاً في المسرحيّةِ «اليابانيّةِ» الّتي صاغَها «ييتس» تحتَ عنوانِ «عندَ بئرِ الصّقرِ» (مُثِّلَتْ عامَ ١٩١٦، ونُشِرَتْ عامَ ١٩١٧).
ولطالما أثارَ الدّارسونَ لأدبِ «باوند» مسألةَ مَدى دِقّةِ التّصوّراتِ الّتي كوّنَها عن اليابانِ وشِعرِها ومسرحِها استناداً إلى هذهِ المصادرِ، مُبْدينَ شُكوكاً لها وِجاهتُها حَولَ العَديدِ من فَرَضيّاتِ «فينولوسا»، ومُشيرينَ إلى افتقارِ «ميتشيو إيتو» للمَعرفةِ العميقةِ بثقافةِ «نو»، إذ تلقّى فنونَ الرّقصِ في أوروبّا لا في اليابانِ. وانطلاقاً من مُسلّمةٍ مَفادُها أنّ «يابانَ» «باوند» ما هي إلّا بُنيانٌ مُركّبٌ تشوبُهُ مَسحَةٌ من التّخييلِ والمَثْلَنَةِ (إضفاءِ المثاليّةِ)، فإنّني لن أتناولَ مسرحَ «نو» في ذاتِهِ بِقَدْرِ ما سأتناولُ قراءةَ «باوند» لِجمالِيّاتِهِ، دونَ الخوضِ تفصيلاً في مَدى صَوابيّةِ هذهِ القراءةِ.
وهكذَا، في العَقدِ الثّاني من القرنِ الماضي، أخذتِ التّيمةُ اليابانيّةُ تتردّدُ بصوتٍ أجلى في مقالاتِ «باوند» وبياناتِهِ الأدبيّةِ، وتُساقُ غالباً كَحُجّةٍ لإرساءِ دعائمِ جماليّتِهِ الخاصّةِ (كما في مقالِ «إدوارد وادزورث، الدّوّاميُّ» في مجلّةِ «الأنانيِّ» عامَ ١٩١٤، أو «الدّوّاميّةُ» في «فورتنايتلي ريفيو»). لَقد ألَحَّ «باوند» جليّاً على التّقارُبِ النَّمَطِيِّ بينَ التّقليدِ اليابانيِّ وجمالِيّاتِ الصّوريّةِ/الدّوّاميّةِ. وممّا يسترعي الانتباهَ، أنّهُ في مَعرضِ تسويغِهِ لبَرنامجِهِ الجماليِّ بالاستنادِ إلى ثقافةِ اليابانِ وفنِّ الـ«هايكو»، كانَ قد ألمحَ منذُ عامِ ١٩١٤ في مقالِهِ «الدّوّاميّةُ» إلى إمكانيّةِ تسخيرِ تُراثِ مسرحِ «نو» لإبداعِ «قصيدةٍ صُوريّةٍ أو دوّاميّةٍ كُبرى». ويبدو أنّ هذهِ الفكرةَ، وإن لم تتبلوَرْ بَعدُ في نظريّةٍ متكاملةٍ، كانتْ بالغةَ الأهمّيّةِ عندَهُ؛ إذ عادَ إليها عامَ ١٩١٦ في مقدّمةِ كتابِهِ «"نو"، أو الإنجازُ: دراسةٌ للمسرحِ الكلاسيكيِّ في اليابانِ»، وإن جاءتْ عَرَضاً في إحدى الحواشي.
لَقد رامَ «باوند» أن يَربطَ في الفنِّ اليابانيِّ (وإن كانتْ ياباناً مُتخيّلةً) فُرصةً لتجديدِ ثقافةِ الغربِ، وهو تجديدٌ تصوّرَهُ كعودةٍ إلى «الأصيلِ»، إلى الينابيعِ الّتي غِيضَ ماؤُها في الفنِّ الغربيِّ، غيرَ أنّهُ صِينَتْ، في حُسبانِهِ، في فنونِ الشّرقِ الأقصى. فَما الّذي وجدَهُ «باوند» في فنِّ اليابانِ تحديداً؟ يُمكِنُ القولُ إنّهُ لم يقعْ على أمرٍ جِدريِّ الجِدّةِ، بل على شيءٍ مألوفٍ لَديهِ. فإذا كانَ قد وجدَ في فنِّ الـ«هايكو» مِصداقاً لِنظريّتِهِ في الصّورةِ الشّعريّةِ، فإنّ أحكامَهُ على مسرحِ «نو» تحملُ أصداءَ تأمّلاتِهِ (وتأمّلاتِ غيرِهِ من الدّوّاميّينَ كـ«ويندهام لويس» و«هنري غودييه-برزيسكا») حَولَ الشّكلِ الفنّيِّ وهيكلةِ البِنيةِ الصّوريّةِ في فنِّ الصّوريّةِ والدّوّاميّةِ الجديدِ. وبالنّظرِ إلى تعليقاتِهِ على نُصوصِ «فينولوسا»، فإنّ ما استهواهُ في مسرحِ «نو» مبدآنِ: الأوّلُ هو وَحدةُ الصّورةِ وتكثيفُها، والثّاني هو طريقةُ نَظمِ هذهِ الصّورِ، أيْ ما اصطلحَ عليهِ هو و«غودييه-برزيسكا» في بياناتِ الدّوّاميّةِ بـ«التّرتيبِ» (arrangement). وتقتضي هذهِ الطّريقةُ نَبذَ المفهومِ المحاكاتيِّ للفنِّ، وترتكزُ على الطّابعِ الاستبداليِّ للرّوابطِ بينَ الصّورِ (التّراكُبُ)، فضلاً عن التّوظيفِ الواسعِ للتّناصِّ الأدبيِّ في بِنيةِ العَمَلِ. ومن البَدهيِّ أنّ مسرحيّاتِ اليابانِ، إن قُرِئَتْ على هذا النّحوِ، لتبدو وكأنّها شواهدُ تطبيقيّةٌ لبياناتِ الدّوّاميّةِ.
وجُملةُ القولِ، إنّ نظريّةَ «باوند» لمسرحِ «نو» لتغدو امتداداً مَنطقيّاً لنظريّتِهِ في الـ«هايكو». فمسرحُ «نو» ينبني في تصوّرِهِ على المبدأِ ذاتِهِ القائمِ على «تراكُبِ» الصّورِ كما في المقطّعاتِ الثّلاثيّةِ اليابانيّةِ؛ غيرَ أنّ ما يتراكبُ في بِنيةِ المسرحيّةِ ليسَ الصّورَ فَحسْبُ (لغويّةً كانتْ أم بصريّةً أم موسيقيّةً)، بل النّصوصُ الأدبيّةُ والتّقاليدُ الأدبيّةُ برُمّتِها. وهكذَا، لا يُعَدُّ مسرحُ «نو» نموذجاً رمزيّاً للكونِ وحسْبُ، إنّما أُنموذجاً مُصغّراً للأدبِ – ذلِكَ الأدبُ الّذي يتراءى لـ«باوند» كبِنيةٍ استبداليّةٍ عابرةٍ للزّمانِ تتجاوبُ فيها النّصوصُ. وليسَ من قَبيلِ الصُّدفةِ أن يُعنى النّصُّ الشّارحُ الّذي صاغَهُ «باوند» عن مسرحِ «نو» بإبرازِ النّظائرِ التّيولوجيّةِ، ويُدرِجَ هذا المسرحَ في سِياقِ تقاليدَ أدبيّةٍ قريبةٍ إلى نفسِهِ: كَشِعرِ البروفانس بقوافيهِ المتعدّدةِ الأصواتِ، والدّراما اليونانيّةِ الكلاسيكيّةِ، و«دانتي»، ناهيكَ عن فنِّ الصّوريّةِ والدّوّاميّةِ. لَقد كانتْ فكرةُ التّوازي الثّقافيِّ بينَ الشّرقِ والغربِ (وبينَ الجماليّةِ الكلاسيكيّةِ اليابانيّةِ والدّوّاميّةِ) بالغةَ الخَطَرِ عندَهُ، حتّى إنّهُ أباحَ لنفسِهِ تنقيحَ نصِّ «فينولوسا» وشَطبَ شَذَراتٍ منهُ رأى أنّها قد تُضعِفُ التّوكيدَ على التّماثُلِ بينَ الثّقافتينِ. وقد عمِلتْ فِكرةُ الدّراما الجديدةِ، الّتي تضافرَ عليها «باوند» و«ييتس»، على تفعيلِ هذا التّوازي وإرسائِهِ كَمبدأٍ هَيكليٍّ للمسرحِ الحديثِ. ففي الدّراما «اليابانيّةِ» لـ«ييتس» و«باوند»، ستغدو التّقاليدُ الأدبيّةُ الشّرقيةُ والغربيّةُ في حالةِ «تراكُبٍ». ولسوفَ نُبصِرُ كُنهَ هذا الاصطناعِ (التّوليفِ) بينَ التّقاليدِ جليّاً في مسرحيّاتِ «باوند» المستوحاةِ من مسرحِ «نو».
في فبراير من عامِ ١٩١٦، أنبأَ «باوند» أباهُ في رِسالةٍ بِعزمِهِ على كتابةِ مسرحيّةٍ. وأشارَ إلى الطّابَعِ الاختزاليِّ لِدراماهُ المرتقبةِ، مُحِيلاً إِلَى اختزاليّةِ دراما «ييتس» («عندَ بئرِ الصّقرِ») المستلهمةِ كذلكَ من مسرحِ «نو». وفي أبريلَ من ذاتِ العامِ، أتى على ذِكرِ مَشروعِهِ الدّراميِّ في رِسالةٍ إلى أمِّهِ، وإن خالجَهُ الشّكُّ في إتمامِهِ. وبالفعلِ، خَطَّ «باوند» مُسوّداتٍ لأربعةِ نُصوصٍ مسرحيّةٍ تفاوَتتْ نِسبةُ إنجازِها: «البطلُ»، و«عزاءاتُ الزّواجِ»، و«عشاءٌ في بيتِ الآنسةِ راشيل، بقلمِ دي موسيه»، و«تريستان». ولَم تَرَ أيٌّ من هذهِ المسرحيّاتِ نورَ الخشبةِ قَطُّ، وظلّتْ حبيسةَ المُسوّداتِ في قِسمِ الكُتبِ النّادرةِ والمخطوطاتِ بمكتبةِ «بينيكي» في جامعةِ ييل، حتّى نُشِرَتْ لأوّلِ مَرّةٍ عامَ ١٩٨٧. يندرجُ النّصّانِ الأوّلانِ في جِنسِ المَلهاةِ الفَكِهَةِ، ويُمكنُ رَدُّهُما تقريباً إلى تقليدِ «كيوغين». وسأقِفُ هُنا عندَ المسرحيّتينِ الأخيرتينِ، لكونِهِما الأوفرَ إنجازاً والألصقَ بتقليدِ «موغين-نو» (مسرحيّاتِ الأشباحِ والخوارقِ)، وهو النّوعُ الأثيرُ لدى «باوند» من مسرحِ «نو».
تُعَدُّ مسرحيّةُ «عشاءٌ في بيتِ الآنسةِ راشيل، بقلمِ دي موسيه» ولرُبّما من أسطعِ الأمثلةِ الباكرةِ على صنيعِ «باوند» الإبداعيِّ في التّعاطي مع النّصِّ الآخَرِ، ودَمجِ الكلمةِ الغريبةِ في مَشروعِهِ. ففي واقعِ الأمرِ، لا يَعودُ نصُّ المسرحيّةِ إلى «باوند» نَفسِهِ؛ إذ يعمِدُ إلى اقتباسِ شَذرةٍ من رِسالةٍ دبّجها «ألفريد دي موسيه» يصفُ فيها أمسيّةً أمضاها إثْرَ عرضٍ مسرحيٍّ في بيتِ الممثّلةِ الآنسةِ راشيل، ليُقدّمَ قراءتَهُ الخاصّةَ لنصِّ «دي موسيه» بوصفِهِ مسرحيّةً أوروبيّةً مَصوغةً على نَسقِ «نو».
إنّ حَبكةَ «دي موسيه» ليسيرةٌ: يلقى الكاتبُ ممثّلةَ «الكوميدي فرانسيز» عقبَ العرضِ («تانكريد»)، فتدعوهُ إلى تناولِ العشاءِ في دارِها. وأثناءَ الطّعامِ، تستعيدُ راشيلُ ماضيها المريرَ، وتخوضُ في شُجونِ المسرحِ ونُقّادِهِ، وفي خِتامِ المَطافِ تَشرعُ هي و«موسيه» في قراءةِ مسرحيّةِ «فيدرا» لـ«راسين» بصوتٍ عالٍ. ولا يستغرقُ هذا المشهدُ بأسْرِهِ سِوى ساعتينِ ونصفٍ.
يُصَدِّرُ «باوند» مسرحيّتَهُ بِمُقدّمةٍ يُؤكّدُ فيها مِراراً أنّهُ لَم يُحرِّفِ النّصَّ («نُسخةٌ مَحضةٌ»). غَيرَ أنّ هذا الزّعمَ لا يَخلو من مُجانبةٍ للصّوابِ. فبِمُقارنةِ نصِّ «باوند» بالأصلِ، يَتبيّنُ أنّهُ أعملَ مِبضَعَ التّنقيحِ في نصِّ «دي موسيه»، فاستأصلَ تفاصيلَ ومقاطعَ صُغرى. والمآلُ أنّ ما أصابَ نصَّ «موسيه» هُنا هو ذاتُهُ ما سَيُصيبُ عمّا قريبٍ «الأرضَ اليَبابَ» لـ«ت. س. إليوت» على يَدَيْ «باوند». وتَشِي طبيعةُ هذا التّنقيحِ بِمَرامِ «باوند» وتصوّرِهِ لِتَوْلِيفِ مسرحِ «نو» مع التّقليدِ الدّراميِّ الأوروبيِّ.
ويُمكنُ تأويلُ الباعثِ العامِّ لتنقيحاتِ «باوند» في ضوءِ مبدأِ وَحدةِ الصّورةِ و«تكثيفِها» المذكورِ آنِفاً، وهو من المبادئِ الرّكيزةِ لمسرحِ «نو» في نظرِ «فينولوسا» و«باوند». ففي المَقامِ الأوّلِ، ينبذُ «باوند» الألوانَ الزّائدةَ: فيشطُبُ الوصفَ المستفيضَ لِمُجوهراتِ راشيلَ المبثوثةِ على الطّاولةِ. وعلاوةً على ذلِكَ، يُقصي التّلميحاتِ المُشتِّتةَ حولَ نِزاعاتِ البطلةِ الاجتماعيّةِ والمهنيّةِ والأُسريّةِ، مُكثِّفاً بذلِكَ التّيمةَ الّتي يبتغيها: تيمةَ الفنِّ. ومن خِلالِ إعادةِ صياغةِ نصِّ «دي موسيه» وإسقاطِ أشدِّ الأحكامِ العاطفيّةِ انفعالاً من حديثِ البطلةِ والرّاوي، يصرفُ «باوند» بُؤرةَ التّركيزِ عن الطّابعِ الشّخصيِّ الحميمِ، ليُضفيَ على الصّورةِ المستحدَثةِ طابَعاً يتجاوزُ الذّاتَ.
وكاشفاً عَن صَنيعِهِ، يُورِدُ «باوند» في مقدّمتِهِ إحالاتٍ صريحةً إلى مسرحيّاتِ «نو» الأصليّةِ. فيستحضرُ مسرحيّةَ «نيشيكيغي» (بوصفِها النّظيرَ الأقربَ، على حَدِّ تعبيرِهِ) والمشهدَ الحاضرَ فيها للكهفِ المظلمِ، والأشباحِ، والنّورِ المُومِضِ في الدّاخلِ. وتتجلّى اللّوحةُ اللّونيّةُ ذاتُها في المقطعِ الّذي نقّحَهُ «باوند» من «دي موسيه»: حُجرةٌ مُظلمةٌ، وضوءٌ مُومِضٌ - شُموعٌ في مَدارِجِها، وشَرابٌ مُلتهِبٌ في كأسِهِ. وتأخذُ تيمةُ الضّوءِ في التّحوّلِ إلى مَجازٍ. فراشيلُ، الّتي تَحلُمُ بأداءِ دَورِ فيدرا، تَصِفُ بطلةَ «راسين» بأنّها «امرأةٌ تَفترسُها النّيرانُ والدُّموعُ». ونصُّ «راسين» نَفسُهُ يُحيلُ الممثّلةَ - إذ «يُضيءُ وجهَها». وسيكونُ «الضّوءُ» آخِرَ كَلمةٍ في مسرحيّةِ «باوند»: إذ يَرجو الرّاوي أن تَخرُجَ وقائعُ تِلكَ الأمسيّةِ العجيبةِ يوماً ما «إلى الضّوءِ». إنّ الضّوءَ، بوصفِهِ الصّورةَ النّاظمَةَ في المسرحيّةِ، لَيَرتبطُ ارتباطاً بَيِّناً بتيمةِ الفنِّ؛ فمَشهدُ راشيلَ، بعينيها المُتّقدتينِ وهي تقرأُ «راسين» على ضوءِ الشّموعِ، يتبدّى كأثرٍ فنّيٍّ - «كَلَوحَةٍ جديرةٍ بريشةِ ريمبراندت»، على حَدِّ قَولِ الرّاوي. والفنُّ نَفسُهُ هو الّذي يَغدو التّيمةَ المَركزيّةَ في مسرحيّةِ «باوند».
ويتجلّى مبدأُ التّراكُبِ (بوصفِهِ أُسَّ الـ«هايكو» والـ«نو») هُنا في التّطابُقِ لا لِصُورٍ بَصريّةٍ فَحسْبُ (كما كانَ الحالُ مَثلاً في قصيدةِ «في محطّةِ المترو»)، بل لنُصوصٍ وتقاليدَ ثقافيّةٍ برُمّتِها: فـ«باوند» يعيدُ صياغةَ نصٍّ دبّجَهُ «دي موسيه»، يَقرأُ فيهِ أبطالُهُ نصّاً لـ«راسين»، ليَغدوَ المشهدُ الختاميُّ إحالةً إلى «ريمبراندت». ويُدرِجُ «باوند» هذا البُنيانَ المُتعدّدَ الطّبقاتِ (التّرتيب) ضِمنَ إطارِ تقليدِ «نو» اليابانيِّ، ليُقدّمَ للقرّاءِ قراءةً «يابانيّةً» (مُحمّلةً بإحالاتٍ إلى «نيشيكيغي») لكيفيّةِ قراءةِ «دي موسيه» لـ«راسين». وهذا كُلُّهُ ليُوافقُ تماماً مَفهومَ «باوند» الدّوّاميَّ لمسرحِ «نو» بوصفِهِ بِنيَةً قائمةً على التّطابُقِ المَجازيِّ لحَبكاتٍ وسِياقاتٍ وتداعياتٍ شَتّى - «مجموعةٌ من الأفعالِ في مُواجهةِ مجموعةٍ أُخرى بالكاملِ، وسِلسلةٌ مُتّصلةٌ من الخَلفيّاتِ والذّكرياتِ». واليابانُ تَحضرُ في النّصِّ مبدأً مُولِّداً للجِنسِ الأدبيِّ وإحالةً صَريحةً إلى «نيشيكيغي» في آنٍ معاً.
وتكتسي الإحالاتُ إلى «راسين» في هذهِ البِنيَةِ طَرافةً لِكونِها من الإشاراتِ النّادرةِ جِدّاً للكاتبِ المسرحيِّ الفرنسيِّ في نُصوصِ «باوند». ومن الجليِّ أنّ «راسين» لا يندرجُ ضِمنَ كوكبةِ الكُتّابِ الأقربِ إلى نفسِ «باوند»، غيرَ أنّ ثَمّةَ خَصلةً يَقرِنُها «باوند» باطّرادٍ بدراما «راسين»، ألا وهي «الرّصانةُ والكَبْحُ»، وهو ما يُذكّرُنا لا مَحالَةَ بِمَعاييرِ «باوند» في مُقاربتِهِ للشّعرِ الحديثِ ومسرحِ «نو» على حَدٍّ سَواءٍ. وقد استشهدَ «باوند» بِرصانةِ «راسين» وتَماسُكِهِ في مُراجعتِهِ لأوبرا «الجندوليّونَ» لـ«غيلبرت وسوليفان»، المنشورةِ في مَجلّةِ «آوتلوك» في ١٨ أُكتوبرَ ١٩١٩. كما ذكّرَ بِرصانةِ «راسين» في رِسالةٍ بعثَ بها إلى «جيمس جويس» (١٠ يونيو ١٩١٩) ناصحاً إيّاهُ بِحَذفِ السّطرينِ الأخيرينِ (الْمُلْتَبِسَيْنِ) من فَصلِ «السّيريناتِ» في روايةِ «عوليس». ومن البيّنِ أنّ تنقيحَ «باوند» لنصِّ «دي موسيه» يُمكنُ تأويلُهُ هو الآخَرُ في ضَوءِ الصّرامةِ «الرّاسينيّةِ». وممّا يَلفتُ النّظرَ، أنّ «جورج سانتايانا»، في إحدى رسائلِهِ إلى «روبرت لويل» (٢٥ ديسمبَر ١٩٥٠)، وإذ يُشيدُ بِـ«رِقّةِ» النّظمِ في «فيدرا» راسين، يَعقِدُ مُوازنةً عارضةً بينَ «راسين» و«باوند».
تلكَ الأجواءُ الحُلميّةُ الّتي تُخيّمُ على «عشاءٌ في بيتِ الآنسةِ راشيل»، والّتي تُذكّرُ بـ«نيشيكيغي» (إذ يقولُ بطلُها إنّهُ لا يَدري إن كانَ ما يَراهُ حَقيقةً أم مَحْضَ حُلْمٍ)، لَتَنسحبُ أَيضاً عَلَى مسرحيّةِ «باوند» التّاليةِ: «تريستان»، وهي الأتمُّ إنجازاً والألصَقُ على الأرجحِ بتقليدِ «موغين-نو».
ولئن كانَتِ الإحالاتُ إلى «فيدرا» و«راسين» نادرةَ الوُرودِ في نُصوصِ «باوند»، فإنّ أُسطورةَ «تريستان وإيزولدا» لَتتبوّأُ مَكانةً فَريدةً في نُسختِهِ من القانونِ الأدبيِّ. فقد كتبَ «باوند» عن شأنِ هذهِ الأُسطورةِ وطاقتِها ورَوعتِها منذُ عامِ ١٩١٠ في كِتابِهِ «رُوحُ الرّومانسيّةِ». ولم يَفتأْ يعودُ إلى هذهِ القِصّةِ الوسيطيّةِ مِراراً - في المَرحلةِ السّابقةِ للتّصوريّةِ، والمَرحلةِ التصوريّةِ، بل وحتّى في أناشيدِ «كانتوس» المتأخّرةِ. ولعلّ كَثرةَ وُرودِ اسمِ إيزولدا في أشعارِهِ مُقارنةً بسائرِ شُخوصِ الأُسطورةِ، تجدُ لها تفسيراً في سِيرتِهِ الذّاتيّةِ: إذ يَكفي أن نَستحضرَ قِصّةَ عِلاقتِهِ بـ«هيلدا دوليتل»، الّتي كانَ يُسمّيها «إيس-هيلدا» أو «إيزولدا».
وعلاوةً على ذلِكَ، يُمكنُ القولُ إنّ مُعظَمَ نُصوصِ الشّاعرِ الباكرةِ المُوجّهةِ إلى «إيزولدا» لا تدورُ حَولَ الحُبِّ بقَدْرِ ما تدورُ حولَ مِيلادِ الشّعرِ. ففي شِعرِ «باوند» المبكّرِ، تُمثِّلُ «إيزولدا»، شأنَها شأنُ بطلاتِ شِعرِ التّروبادور، يَنبوعَ الإلهامِ الإبداعيِّ للشّاعرِ. ولا تنحصرُ شَكوى الشّاعرِ في لَواعجِ الهَوى، بل تمتدُّ إلى مُكابدةِ الإبداعِ، والأسَى من قُصورِ كَلماتِهِ («مُثقلةٌ بشذاكِ ومَطويّةٌ، في كَلماتٍ مُتعثّرةٍ»)، والنُّزوعِ إلى بلوغِ شَأْوِ الأساتذةِ القُدامى («ثَمّةَ مُنشِدونَ كُثُرٌ أعظمُ مِنكِ»). وهذهِ التّيمَةُ، أي انبثاقِ الفنِّ من رَحِمِ مُعاناةِ الأبطالِ، سَتُحفَظُ كذلكَ في المسرحيّاتِ: سَواءٌ في «عشاءٌ في بيتِ الآنسةِ راشيل» أو في «تريستان».
كما ستُصانُ في «تريستان» تلكَ اللّوحةُ اللّونيّةُ المَرسومةُ سَلَفاً في القصائدِ الباكرةِ المُهداةِ لـ«إيزولدا». وتحديداً - التّضادُّ بينَ اللّونِ الرّماديِّ («عَباءةُ الرّماديِّ»، «رَماديّةُ الشّفَقِ») والأخضرِ الزُّمُرُّدِيِّ («بيارقُ الأغصانِ الخضراءِ»، «الأمواجُ الخضراءُ العُظمى»). وستَبقى تيمَةُ النّفْيِ حاضرةً، وكذا صُورةُ «تريستان» الّذي يَجعلُهُ «باوند» صِنواً لنفسِهِ بلا رَيبٍ.
وممّا يُثيرُ الاهتمامَ، أنّ «باوند» منذُ عامِ ١٩١٠ كانَ يشعُرُ بحاجةٍ إلى تنقيحِ الأُسطورةِ الوسيطيّةِ وبَتْرِها بعضَ الشّيءِ: ففي «رُوحُ الرّومانسيّةِ» افترضَ وُجودَ نُسخةٍ أُولى ضائِعةٍ، يَقضي فيها تريستانُ وإيزولدا نحبَهُما في غابةِ «موروا» بُعَيدَ نَفيِهِما، أمّا مُغامراتُ الأبطالِ اللّاحقةُ فقد أُلحِقَتْ بِها فيما بعدُ. وفي مسرحيّتِهِ، يقتفي أَثَرَ هذهِ النُّسخةِ «المبتورةِ»، مُختزِلاً إيّاها إلى الحَدِّ الأدنى، أي إنّهُ بِسَيرِهِ على نَهجِ «الصّرامةِ الرّاسينيّةِ»، يَصنعُ بالأصلِ ما صنعَهُ بـ«عشاءٌ في بيتِ الآنسةِ راشيل»، ولكنْ بصورةٍ أشدَّ جِذريّةً.
ومن بَينِ المَصادرِ الّتي استقاها «باوند»، يُمكِنُ ذِكرُ نُسختينِ مُبكرتينِ من الأُسطورةِ أحالَ إليهِما في «رُوحُ الرّومانسيّةِ»؛ وهُما نَصّا الرّوايتينِ الوسيطيّتينِ لـ«بيرول» و«توماس البريطانيِّ»، واللّتانِ يُمكنُ تقصّي إحالاتٍ إليهِما ضِمنَ نصِّ المسرحيّةِ. كما استندَ إلى تَرجمةِ «جوزيف بيدييه» الذّائعةِ، الّتي ألمحَ إليها بإيجازٍ في «رُوحُ الرّومانسيّةِ». ويَشهدُ على إكبارِ «باوند» لصنيعِ «بيدييه» تِلكَ التّعقيباتُ المُسهَبةُ الّتي دوّنَها إبّانَ قراءتِهِ للكِتابِ في أيّامِ الجامعةِ. وإلى جانبِ الفَضائلِ اللُّغويّةِ لنصِّ «بيدييه»، لابدّ وأنّ «باوند» قد استَملحَ مَسعَى الباحثِ إلى استعادةِ النُّسخةِ الأصلِيّةِ (الْبُرُوتُو-نُسْخَة) للرّوايةِ الوسيطيّةِ، مُطهّرةً من التّرَسُّباتِ اللّاحقةِ (ما يُعرَفُ بـ«الأُور-تريستان»).
وبالمُوازنةِ مع سائرِ مسرحيّاتِ «باوند»، فإنّ «تريستان»، هذهِ التّرجَمةَ «اليابانيّةَ» للأُسطورةِ الأوروبيّةِ، هي الأوفى لِتصوُّرِهِ عن دراما «نو». وينطبقُ هذا باديَ الرّأيِ على البِناءِ الحَبكِيِّ للمسرحيّةِ. ففي كِتابِ «"نو"، أو الإنجازُ» (١٩١٦)، يَصِفُ «باوند» المُستَهلَّ النَّمَطِيَّ لمسرحيّةِ «نو» اليابانيّةِ على النّحوِ التّالي:
غالباً ما تُصوِّرُ المسرحيّةُ شخصاً يَمضي في رِحلةٍ. تَسيرُ الشّخصيّةُ على الجِسرِ أو على الخشبةِ، وتُعلِنُ عن مَكانِها ووِجهَتِها، وكثيراً ما تَشرَحُ مَغزى إيماءاتِها الرّمزيّةِ، أو تُبيّنُ مَعنى الرّقصةِ، أو غايةَ الرّقصِ.
ويُردِفُ «باوند»، ضارباً المَثلَ بمسرحيّةِ «سوتوبا كوماتشي»، أَنّهُ تقعُ مُصادَفةٌ مع عَجوزٍ يَتَبيّنُ لاحقاً أَنّها شَبَحٌ لِامرأةٍ فارقَتِ الحَياةَ مُنذُ زَمَنٍ. وعلى ذاتِ النَّسَقِ تُبنى «تريستان» لـ«باوند». ففيها نَجِدُ شَخصيّةً هائِمةً تَرتحلُ بَحثاً عن شجرةٍ عَجيبةٍ، وتَقعُ لِقاءٌ مع امْرأةٍ مَجهولةٍ تستحيلُ فيما بَعدُ إلى شَبَحٍ، وتَحضُرُ رَقصَةُ شَبَحَيْ تريستانَ وإيزولدا، الّتي تَرْوي رَمزيّاً قِصّتَهُما، وفي الخِتامِ تُزهِرُ الشّجرةُ العَجيبةُ.
وكما هو الشّأنُ في عَديدٍ من مسرحيّاتِ «نو» التّقليديّةِ، فإنّ مَسرحَ الأحداثِ هُنا مَكانٌ مُقدّسٌ: فنحنُ أمامَ أطلالِ قَلعةٍ غابرةٍ وشجرةٍ أُسطوريّةٍ. وتِيمةُ الشّجرةِ العجيبةِ حاضِرةٌ بقُوّةٍ في مسرحِ «نو»، كَما نَلحَظُ في مسرحيّاتٍ ترجمَها «باوند» و«فينولوسا». وفي «تريستان» لـ«باوند»، تَغدو الشّجرةُ هي «الصّورةَ النّاظمَةَ» الّتي تُمثِّلُ أُسّاً من أُسُسِ الجماليّةِ في «نو». غيرَ أنّنا، رُغمَ التّقليديّةِ في البِناءِ، لا نَملِكُ إلّا أن نَلحَظَ تَحويراً للمَضامينِ المُتَعارَفِ عليها في اتّجاهينِ يَبْدُوانِ مُتضادّينِ. فمِن جِهَةٍ، هُناكَ تَوسيعٌ للحُدودِ الزّمانيّةِ والمكانيّةِ والثّقافيّةِ للقصّةِ، ومِن جِهَةٍ أُخرى هُناكَ تَخصيصٌ تاريخيٌّ للشّخوصِ والصُّوَرِ والتّيماتِ.
ويُمكِنُ التّمثيلُ للاتّجاهِ الأوّلِ بما لحِقَ مَكانَ الفعلِ المسرحيِّ من تعديلٍ. فهذهِ ليستْ مُجرّدَ قلعةٍ في «كورنوال»، بل قَلعةٌ تُذكّرُ بِحضارةِ الإتروسكانيّينَ:
تَحسَبُ أنّكَ تَرى قَلعةً من حِجارةٍ عِظامٍ
كَتِلكَ الّتي استَخدمَها البنّاؤونَ الإتروسكانيّونَ
قَبلَ أن يَبني بيريكليسُ أثينا...
وبِتَوسيعِهِ لِهذا الفضاءِ الفنّيِّ، يَنسُجُ «باوند» عُنصُراً إيطاليّاً في تَرجمتِهِ «اليابانيّةِ» للأُسطورةِ البريطانيّةِ. وكَما سَتُسفِرُ الأيّامُ، لَم يكُنِ اصطفاءُ هذهِ الأقطابِ الجُغرافيّةِ الثّلاثةِ عَبَثاً. فالفِكرةُ الّتي صاغَها «فينولوسا» بـ«انصهارِ الشّرقِ والغربِ»، قد تحوّلتْ تدريجيّاً عِندَ «باوند» إلى نظريّةِ «المثلّثِ» الّذي يَربطُ بينَ الثّقافاتِ الأنجلوفونيّةِ والإيطاليّةِ واليابانيّةِ. ومن أوجهِ هذا المَشروعِ الكَوكَبيِّ ذلِكَ النّظامُ الثُّلاثيُّ اللُّغاتِ للتّواصُلِ العالميِّ الّذي دَعا إليهِ «باوند» أواخرَ الثّلاثينيّاتِ وأوائلَ الأربعينيّاتِ: الإيطاليّةُ، والإنجليزيّةُ، والرُّموزُ الإيديوغراميّةُ بِلَفظٍ يَابَانِيٍّ. ويَجدُرُ التّنويهُ عَرَضاً بِأنّ إحداثيّاتِ هذا العالَمِ الثّالوثيِّ العجيبِ لا تُحدّدُها المَعالِمُ الجغرافيّةُ بقَدْرِ ما تُحدّدُها الميولُ الأدبيّةُ والثّقافيّةُ لـ«باوند» نَفسِهِ؛ ممّا يُفسّرُ، مَثلاً، تَميُّعَ الحُدودِ بينَ اليابانِ والصّينِ في مُخيّلتِهِ: فكما أَنّهُ لا حُدودَ بينَ أدبِ التّروبادور و«دانتي»، فلا ينبغي أن تَكُونَ هُناكَ حُدودٌ، في حُسبانِهِ، بينَ «كونفوشيوس» وثقافةِ «نو».
أمّا الاتّجاهُ الثّاني، وهو التّخصيصُ، فيَكْمُنُ في استعمالِ عَلاماتٍ تُشيرُ إلى راهنيّةِ النّصِّ وإلى ميولِ المؤلّفِ الجماليّةِ. فعلى سبيلِ المِثالِ، تَخلو مسرحيّةُ «باوند» من الدّلالاتِ الدّينيّةِ اللّازمةِ في مسرحِ «نو» الكلاسيكيِّ. وسيحُلُّ الفنُّ مَحلَّ الدِّينِ في دراما «باوند»: فالشّخصيّةُ المِحواريّةُ في المسرحيّةِ ليستْ راهِباً أو كاهِناً يَحلُّ العُقدةَ، بل رَجُلُ فنٍّ، ألا وهو «النّحّاتُ». وممّا يزيدُ الأمرَ جَلاءً، أنّ بَعضَ سِماتِ هذا النّحّاتِ تُحيلُنا إلى شخصيّةٍ مَلموسةٍ من دَائرةِ «باوند». فالنّحّاتُ يُقِرُّ بأنّهُ فرنسيٌّ، وأنّهُ «طافَ بِكُلِّ جَنوبِ أوروبّا» في طَريقِهِ إلى إنجلترا، ممّا يَستحضرُ إلى الذِّهنِ الفنّانَ والنّحّاتَ «هنري غودييه-برزيسكا»، الّذي وُلِدَ في جَنوبِ فرنسا وقطعَ الدّربَ ذاتَهُ. وهكذَا، يَتجلّى في المسرحيّةِ «اليابانيّةِ» عن «تريستان» أثرٌ دَوّاميٌّ صريحٌ، ولن يَكُونَ الأثرَ الأوحدَ.
كما تَتَعرّضُ الشّجرةُ العجيبةُ لتَحويرٍ يَكسوها بعضَ الطّابَعِ الدّوّاميِّ. فإذا كانتْ طَبيعةُ إزهارِ الشّجرةِ العَجيبِ في مسرحِ «نو» التّقليديِّ لا تُطرحُ مَوضِعَ شَكٍّ قَطُّ، فإنّ مسرحيّةَ «تريستان» تَشهدُ صِدَاماً بينَ مَوقفينِ مُتضادّينِ إزاءَ ما يَخترقُ حُدودَ العَقلِ. فالنّحّاتُ الفِرنسيُّ يوقِنُ سَلَفاً أنّ الإزهارَ المبكّرَ للشّجرةِ مرَدُّهُ إلى أسبابٍ طَبيعيّةٍ بَحتةٍ، كَتأثيرِ تَيّارِ الخليجِ. أمّا المرأةُ الّتي يَلقاها (والّتي سَتبدو لاحقاً كَشَبَحِ إيزولدا)، فتسخرُ صراحةً من مُحاولاتِهِ إيجادَ تفسيرٍ عقلانيٍّ للمُعجزةِ. وتَدفعُنا هذهِ السّخريَةُ من العقلانيّةِ الفرنسيّةِ إلى استحضارِ بياناتِ الدّوّاميّةِ الّتي طَفَقتْ تُردّدُ المُضادّةَ بينَ «الشَّماليِّ» و«الجَنوبيِّ»؛ أيْ بينَ الفنِّ الإنجليزيِّ الحَيِّ الجديدِ وبينَ فنِّ إيطاليا وفرنسا المُعاصرَتَينِ. وفي خِتامِ المسرحيّةِ، تنهزمُ العقلانيّةُ الفرنسيّةُ، ليَنظرَ النّحّاتُ إلى الشّجرةِ المُزهِرةِ بعينينِ جديدتينِ، مُكِفّاً عَنِ التماسِ المبرّراتِ العَقليّةِ.
بَيدَ أنّ أروعَ التّحويراتِ الدّوّاميّةِ لجِنسِ «نو» ستتجلّى في كيفيّةِ عرضِ قِصّةِ تريستانَ وإيزولدا في المسرحيّةِ. فمِن جِهَةٍ، تُعرَضُ حَبكةُ «هذهِ القِصّةِ داخِلَ القِصّةِ» عَبرَ حِوارٍ-رَقصَةٍ لِشَبَحَيِ البطلينِ، تِبعاً لِبعضِ مسرحيّاتِ اليابانِ. ومِن جِهَةٍ أُخرى، وخِلافاً لـ«نو» التّقليديِّ، يَغيبُ هُنا السّردُ الخَطّيُّ المُترابطُ. وبَدَلاً مِنهُ، نَجدُ تَفاصيلَ تَبدو عشوائيّةً، وجُمَلاً مَبتورةً، وعَودةً مُتكرّرةً إلى الصّورِ ذاتِها. ومن الواضِحِ أنّ «باوند»، الّذي يَرى في التّناصِّ رُكناً أصيلاً في «نو»، يُعوّلُ على مُشاهدٍ أو قارئٍ مُلِمٍّ بِفَحوى الأُسطورةِ.
فلن يُنطَقَ باسمِ قلعةِ «تينتاغيل» الأُسطوريّةِ إلّا في النّهايةِ؛ حيثُ ستَكُونُ تِلكَ آخِرَ كَلماتِ شَبَحِ إيزولدا قبلَ أن تَتَوارى. كما سَتُرجَأُ الحادثةُ الأُولى، أيْ قُدومُ البطلِ اليافعِ إلى تينتاغيل، إلى ما قُبَيلَ خِتامِ المسرحيّةِ. وسَتُذكَرُ حادِثَةُ اللّقاءِ الأوّلِ مَرّتينِ: مَرّةً في وسطِ المسرحيّةِ، ومَرّةً في مُناجاةِ البطلةِ الختاميّةِ. وعُموماً، يَشيدُ «باوند» نَصَّهُ على مَبدأِ تراكُبِ الصّورِ الّذي ألِفْناهُ في بياناتِ مَجلّةِ «بلاست»، ومقالاتِهِ، وقَصيدتِهِ البَرنامجيّةِ «في مَحطّةِ المترو».
غيرَ أنّ «باوند» لا يقفُ عِندَ حُدودِ التّشظّي السّرديِّ واللّاخَطّيّةِ فَحسْبُ؛ إذ تجري في النّصِّ أُمورٌ غريبةٌ بِأصواتِ الشّخصيّاتِ. فَتَنشأُ حالَةٌ يُمكِنُ وَصفُها بالقطيعةِ بينَ الشّخوصِ على الخشبةِ وبينَ السّردِ الّذي يَنسُجونَهُ والّذي يشرعُ في العَيشِ بحياةٍ مُستقلّةٍ خاصّةٍ بِهِ. وهذا الذّوَبانُ للشّخصيّاتِ لَيُذَكِّرُ بِعَقيدَةِ «الأرضِ اليبابِ»، حَيثُ كُلُّ النّساءِ، على حَدِّ تَعبيرِ «إليوت»، هُنّ امرأةٌ واحِدةٌ، وكِلا الجِنسينِ يَتّحدانِ في شَخصيّةِ «تيريسياس». وتَحمِلُنا هذهِ الفجوةُ بينَ الشّخصيّةِ والكَلمةِ المنطوقةِ على الظّنِّ بِأنّ أبطالَ مسرحيّةِ «باوند» الحقيقيّينَ لَيسوا الشّخوصَ بَلِ الكلماتِ الّتي يَتلفّظونَ بِها - فَحِوارُ أبطالِ المسرحيّةِ يَغدو أشبهَ بِحوارٍ للنّصوصِ.
فَشَبَحُ إيزولدا، مَثلاً، «يَتَذكّرُ» أحداثاً لا يُمكِنُ لـ«إيزولدا» أن تَتَذكّرَها وِفقاً للحَبكَةِ - كَاختطافِ تريستانَ اليافعِ على يَدِ تُجّارٍ نرويجيّينَ. ويبدو أنّ إيزولدا لا تَتَذكّرُ قِصّةَ حُبِّها مع تريستانَ بِقَدْرِ ما تَقتبسُ القِصَصَ الّتي كُتِبَتْ عَنهُما. وتَتفوّهُ إيزولدا بِكلماتٍ قَد تُوحي بِسِجالٍ خفيٍّ مع مُؤلِّفي قصّتِها، مُحوّلةً الصِّراعَ من صِراعٍ غَراميٍّ إلى صِراعٍ وُجوديٍّ. وفي هذا السّياقِ، يَبدو إقرارُها التّهكّميُّ باطّلاعِها على نُصوصٍ فرنسيّةٍ بِمَثابةِ كَشْفٍ للصَّنيعِ الفنّيِّ.
وكذلكَ الحالُ مع شَبَحِ تريستانَ، الّذي تَتخلّلُ خِطابَهُ «الكلمةُ الغريبةُ» باطّرادٍ. فَكثيراً ما يَنطِقُ بِرُدودٍ كانَ حَريّاً بإيزولدا أن تَنطِقَ بِها حَسَبَ الحَبكةِ؛ أيْ أنّهُ يَقتبسُ نَصّاً هو نَفسُهُ شَخصيّةٌ فِيهِ. فَيُحَذِّرُها، مَثلاً، من خَطَرِ مَلِكِ «مارك» المُتجسِّسِ، مَعَ أنّ إيزولدا هي مَن تفطّنتْ للأمرِ في نَصِّ «بيرول». ويُشبِّهُ شَبَحُ تريستانَ نَفسَهُ مرّتينِ بالرّمادِ في المَهبِّ - وهو ما تقولُهُ إيزولدا عن نَفسِها في الأصلِ. فضلاً عن ذلِكَ، يَتَحدّثُ تريستانُ عن إيزولدا بِكلماتِ الرّاوي في نَصِّ «بيرول»، أيْ إنّهُ يَقتبسُ مُؤلِّفَ قِصّتِهِ. وأحياناً يَشرعُ تَريستانُ في التّكلُّمِ بصوتِ النّحّاتِ، حتّى تَكادَ صُورَتَاهُما تَلتحمانِ. وهكذَا تَتَراكَبُ في خِطابِ تريستانَ أصواتُ شَخصيّاتِ الرّوايةِ، وصوتُ مؤلِّفِها، وصوتُ الفنّانِ الدّوّاميِّ في القَرنِ العِشرينَ.
على أنّ مَدى الأصواتِ في خِطابِ تريستانَ لا يَقِفُ عِندَ هذا الحَدِّ. فَقبلَ ظُهورِ شَبَحِهِ، نَسمعُ صَوتَهُ يَتفوّهُ بِكلماتٍ تَعُودُ لـ«برنارت دي فينتادورن»، تُشيرُ إلى «تريستان». وهكذَا، يَقتبسُ تريستانُ «باوند» قولَ «برنارت دي فينتادورن»، الّذي كانَ يُشبِّهُ نَفسَهُ بتريستانَ. والمآلُ أنّ تريستانَ، و«بيرول»، و«برنارت دي فينتادورن»، والنّحّاتَ الدّوّاميَّ، يَلتَقونَ جَميعاً في فَضاءٍ واحِدٍ. فـ«كُلُّ العُصورِ مُتزامنةٌ»، كما كَتَبَ «باوند» عامَ ١٩١٠.
بناءً على ذلكَ، فإنّ نُسخةَ «باوند» «اليابانيّةَ» لَيستْ قِصّةً عن تريستانَ وإيزولدا بِالضّبطِ. فالشّخصيّاتُ لا تَستحضرُ قِصّةَ حَياتِها بِقَدْرِ ما تستحضرُ القِصَصَ الّتي كُتِبَتْ عَنها. وتَغدو المسرحيّةُ مَجازاً للأدبِ، ويُصبِحُ الفضاءُ الّذي يَخلقُهُ «باوند» هو ذلكَ الفضاءَ اللُّغويَّ والأدبيَّ الّذي يُشبِّهُهُ «جينيت» بِعَمَلٍ مُوحَّدٍ، خارِجَ الزّمانِ ومَجهولِ الهُويّةِ.
وكما أنّ مَفهومَ الفضاءِ الأدبيِّ عِندَ «باوند» يَنبني على المبدأِ الاستبداليِّ للمَجازِ، فإنّ تَصوُّرَهُ للصّورةِ الشّعريّةِ مَجازيٌّ في جَوهرِهِ. ولِذا، ليسَ بمُستغرَبٍ أن يَكُونَ خِتامُ «تريستان» مَجازيّاً، حَيثُ تُزهِرُ الشّجرةُ العَجيبةُ، لتَستحيلَ المُعاناةُ، كَما في قَصائِدِ «باوند» الباكرةِ، إلى جَمالِ الفنِّ. والمُدهشُ أنّ النّحّاتَ، في حَديثِهِ الخِتاميِّ، يُحقّقُ مَجازَ الإزهارِ بِكلماتٍ لَيستْ لَهُ، بل هي اقتباساتٌ حَرفيّةٌ من حِواراتِ تريستانَ وإيزولدا:
أعرِفُكِ ولا أعرِفُكِ،
بَينَنا أشياءُ كَثيرةٌ.
صَنعَةُ ثَلاثِ سِنينَ في الكأسِ.
هذهِ الاقتباساتُ الثّلاثةُ، إذا ما اصطُفّتْ، تَخلُقُ نَسَقاً، وثَلاثُ صُورٍ في حالةِ «تَراكُبٍ»، تُذكّرُ بِالـ«هايكو»، على الأقلِّ وِفْقَ فَهْمِ «باوند» لِهذا الجِنسِ. وكما تُكثِّفُ قَصيدةُ «في مَحطّةِ المترو» نَصّاً طَويلاً، فإنّ أسطُرَ النّحّاتِ الثّلاثةَ تَختزلُ جَوهرَ المسرحيّةِ: تَطابُقَ الأصواتِ والنّصوصِ والثّقافاتِ. وإن رَأَينا في النّحّاتِ صُورةَ «غودييه-برزيسكا»، أَمْكَنَنا تَصوُّرُ هذا التّطابُقِ كمَبدأٍ دَوّاميٍّ لتَراكُبِ الصّورِ. وهذا النّصُّ الدّوّاميُّ الصّغيرُ في الخِتامِ، المُنبثِقُ مِنَ الكَلِماتِ الغريبةِ والتّناصِّ، لَيُبشِّرُ بِمِيلادِ "القصيدةِ الدّوّاميّةِ الكُبرى" الّتي شَرَعَ «باوند» في نَظْمِها.
ويُمكنُ استِشْفافُ تِيماتٍ مُشترَكَةٍ بَينَ المسرحيّتينِ المَذْكُورَتَيْنِ: كتيمةِ «الحِوارِ» مع الأمواتِ (نَصُّ «راسين» الّذي دَبّتْ فيهِ الحَياةُ، وقِصّةُ تريستانَ وإيزولدا المَبعوثَةُ)، وتيمةِ التّكرارِ التّاريخيِّ. أمّا التّيمةُ الثّالثةُ فهي تيمةُ التّحوُّلِ والتّجلّي. ففي «عشاءٌ في بَيتِ الآنسةِ راشيل»، تُحيلُ قِراءةُ «راسين» البَطلَةَ والمَكانَ. وفي «تريستان»، تَفعلُ قِصّةُ الأبطالِ، الّتي تُسْرَدُ عَبرَ رَقصَةِ الأشباحِ، الشّيءَ نَفسَهُ بالمَكانِ وبالشّخصيّةِ (النّحّاتِ). وهذهِ التّيمةُ «اليابانيّةُ»، الّتي التقطَها «باوند» سابِقاً من الـ«هايكو»، تَتَدرْيَمُ (تُتَرْجَمُ درَامِيّاً) في المسرحيّاتِ وتَتبدّى في دِينامِيّتِها، ممّا يُوافقُ تَطوُّرَ جَماليّةِ «باوند» نَفسِهِ من الصّوريّةِ إلى الدّوّاميّةِ الدّيناميّةِ.
ولَم يَدمْ شَغَفُ «باوند» بِالدِّراما طَويلاً، بَيْدَ أنّ خِبرتَهُ مَعَ «نو» قد حَفَرتْ أثَرَها العَميقَ. ويُلاحظُ «بيتر نيكولز» أنّ مسرحيّاتِ «باوند» هِيَ كَالْمُؤشِّرِ على انتِقالِهِ من الصّورِ الحَدْسِيّةِ الخاطِفَةِ في الصّوريّةِ إلَى البُنَى المُرَكّبَةِ المُسهَبَةِ في «كانتوس». ولَعَلّنا نُضيفُ أنّ التّيماتِ الثّلاثَ النّاظمَةَ في المسرحيّتينِ (التّحوُّلُ، والحِوارُ مع الأمواتِ، وتَكرارُ التّاريخِ) هِيَ ذاتُها المبادئُ الثّلاثةُ الرّئيسيّةُ الّتي، وِفْقَ رِسالةِ «باوند» الشّهيرةِ لأبيهِ عامَ ١٩٢٧، سَتُرسي دَعائمَ قَصائِدِ «كانتوس».
