أن تتصنَّعَ لتكونَ

 

بعنايَة هوسيَّة، "عنايَة غيورَة"، هيَّأت مغامرتي كما يُهيَّأ فراش، غرفَة للحبّ: لقد تلهَّفت للجريمَة.

جان جينيه، «يوميّات لصّ».

ما عسى أن يكون معنى ابتناء المرء ذاته في ظلمات الغياب؟ وأيُّ صنيع يُؤسِّس هويَّة متى أُنكِر الوجود، وانبتَّت صلة الكائن عن كلّ انتماء؟ لقد رام جان بول سارتر الإجابة عن هذا السؤال عبر سبر غوريّ لأطوار المتخيَّل، لا من حيث هو فرار من الواقع، وإنّما بوصفه قوَّة رمزيَّة، وفضاءً قصديًّا تُرسم فيه معالم وجود مُبتغى. فمن الصُّورة الذهنيَّة إلى الكلمة، ومن التشخيص إلى الكتابة، يستحيل المتخيَّل عند سارتر مسرحًا تُجلى عليه الحريَّة. وهي حريَّة لا تسبق التخييل، ولكنَّها تنبني في صميمه. ولمَّا نظرنا في كتابه «القدِّيس جينيه، ممثّلا وشهيدًا»، ألفينا هذه الفرضيَّة تتّخذ هيئة سيريَّة مأساويَّة. فإنّ جينيه، اللصّ والشاعر، المُشخِّص والملعون، يُجسِّد النهاية القصوى لوجود يتسربل بقناع. وما أثره، ولا سيرته، سوى ثمرة خيار جوهريّ: هو الرُّضوخ للإدانة، وجعل الذات مطيَّة للرذالة، بغية تحويلها إلى أسلوب، وإلى صنيع، ثمّ إلى كتابة. فالسرقة، والكذب، والمظهر ليست مَحيدًا عن الوجود، وإنّما هي المسلك الذي يُشاد به الوجود في غمرة الفقدان، عبر مسرحة هي في الآن نفسه أخلاقيَّة ووجوديَّة وأدبيَّة.

ويروم هذا المقال اقتفاء أثر المتخيَّل في الفلسفة السارتريَّة، لمساءلة شروط إمكان الذاتيَّة حيث تُقصى وتُنبذ وتُفصل عن العالم. بدءًا من كتاب «المتخيَّل»، حيث يحدّ سارتر الصورة بكونها فعل وعي نافٍ وعفويّ، مرورًا بمدارسة سوء النيَّة والتحليل النفسيّ الوجوديّ في «الوجود والعدم»، وانتهاءً إلى القراءة الجذريَّة لجينيه، سنروم إبانة كيف أنّ الخيال والمصطنع، بمعزل عن كونهما نقيضًا للحقيقة، يُشكّلان صورتها المنمَّقة. فالذاتيَّة، من هذا المنظر، هي منذ المبدأ مسألة شكل وإيماءة ولغة. ومقتفين أثر تحوّلات جينيه - الجماليّ واللصّ والكاتب - سنسبر في مطافنا الأخير إمكانيَّة ابتداع سياسة للمتخيَّل، «أنطولوجيا للسرقة» حيث الحريَّة، المُلزمة بالابتكار، تقلب الإقصاء إلى صنيع شعريّ.

ثمّ إنّ السائل ليسأل: ما حقيقة التخيُّل في مذهب سارتر؟ وما الخطب في كون المتخيَّل يتبوَّأ هذه المنزلة المركزيَّة في نظره حول الهويَّة والحريَّة؟ لقد شرع سارتر في «المتخيَّل» يُؤسِّس نظريَّة ظاهراتيَّة (فينومينولوجيَّة) للصورة من حيث هي فعل أصليّ للوعي. فالصورة، بمنأى عن كونها انعكاسًا سلبيًّا للواقع، إنّما هي ثمرة قصديَّة للوعي الذي يتخلَّق في نفي العالم المُعطى. ويُفصح عن ذلك بقوله: «إنّ الصورة فعل يقصد في حلوله موضوعًا غائبًا أو معدومًا، عبر محتوى فيزيائيّ أو نفسيّ لا يُوهب لذاته، وإنّما هو بمنزلة ممثِّل تماثليّ للموضوع المُراد».

وعلى هذا المهيع، يكون التخيُّل انسلاخًا عن الواقع، لا هربًا منه، ولكن لاتّخاذ مسافة، وبذلك تتقرَّر حريَّة رمزيَّة: ذاك أسلوب ذات تختار ألّا تلتحم بالعالم كما هو مُسطَّر. وقل إن شئت: هو فعل تعالٍ. وترتكز ملكة التجرُّد هذه على خصيصة بنيويَّة للوعي هي: العفويَّة. ويُلحّ سارتر على أنّ الوعي التخييليّ فعل يتبلور دفعة واحدة، بإرادة أو عفويَّة سابقة للإرادة. وما تقصر الإرادة عن إدراكه، يمكن أن تُبدعه عفويَّة الوعي الطليقة. وفيما يقتصر الإدراك على تسجيل المألوف، يحوز الخيال ملكة ابتداع ما ليس كائنًا، مُصدِّقًا بذلك على الحريَّة الأنطولوجيَّة للوعي. ولا يُذهبنّ بالظنّ أنّ هذه العفويَّة أضغاث أحلام عبثيَّة، وإنّما هي طاقة قصديَّة لإسباغ المعنى على الغياب، ولتشييد مشاهد وهويَّات غير واقعيَّة تُترجم المسعى الذاتيّ.

ولتبيين هذه الحركيَّة، يضرب سارتر مثلًا: أن تروم لقيا «بيير» في مقهًى، فلا تُبصره. فغيابه ليس محض فجوة في حاسَّة النظر: وإنّما أنت تتخيَّله. ومن رحم هذه المسافة تنبثق الصورة: يتشكَّل «بيير» من خلال عدمه. فالموضوع المُتخيَّل لا يُطلّ كحضور ولكن كشبه وجود، كشبحٍ لموضوع غائب. ومن هنا يبرز البون الشاسع بين الإدراك والتخيُّل: فالأوّل يرتطم بممانعة واقعيَّة، والثاني يُبدع موضوعه طوعًا. وفي هذه الحريَّة الأصيلة يتقصّى سارتر الطاقة العدميَّة والخلّاقة للخيال: فالملكة المُتخيِّلة للوعي «كان مبعثها في صميم القوَّة النافية للروح، وهي عبارة مرادفة لحريَّتها المطلقة».

وممّا ينبغي تقريره أنّ فعل النفي هذا هو إقرار بالتعالي: فالصورة ليست انعكاسًا، وإنّما هي خلق رمزيّ يُيسِّر حريَّة الذات. فليست الصورة محض غياب، ولكنَّها شكل من أشكال الخلق السلبيّ، وسبيل لإضفاء المعنى على المفقود. ويتجلّى كلّ مُتخيَّل «على خلفيَّة عالم وبعلاقة معه»، بيد أنّ كلّ فهم للواقع كعالم ينطوي، في المقابل، على تجاوز خفيّ شطر المُتخيَّل. وتتشابك هذه النظريَّة مع قضيَّة الهويَّة الشخصيَّة. فإذا كان الوعي قادرًا على تخيُّل ما سواه، فهو قادر كذلك على تخيُّل نفسه على شاكلة أخرى: أن يمنح نفسه وجهًا، وقصَّة، ودورًا. وسيكون هذا الملمح مفصليًّا في قراءة سارتر لجينيه: فإنّ الشاعر اللصّ لا يقصر همَّته على سلب الأشياء، وإنّما يسلب ذاته من العالم المُعطى، ويُبدع نفسه من جديد كشخصيَّة خياليَّة. وفي مسعى الابتكار هذا، يقتفي سارتر حريَّة مأساويَّة لا مناص منها: حريَّة ألّا يكون المرء ما هو عليه، وإنّما أن يختار ما يروم أن يتبدّى عليه.

وتشرع هذه النظريَّة الظاهراتيَّة الممرّ نحو الممارسات الرمزيَّة الأشدّ تعقيدًا، كالمسرح أو الأدب. إذ يخصّ سارتر الخواتيم من مقالته بشخصيَّة الممثِّل، بوصفه النموذج الأمثل للوعي المُتخيِّل. فالممثِّل ليس هو الشخصيَّة، وإنّما يُنتجها عن قصد، مستعملًا جسده، وصوته، وإيماءاته كمماثل حيّ. إنّه لا يُشخِّص كائنًا واقعيًّا، وإنّما موضوعًا خياليًّا يتخلَّق في رحم الوعي. ويُبين سارتر عن هذا بقوله: «من البديهيّ أيضًا أنّ الممثِّل الذي يُؤدّي دور هاملت يستخدم ذاته، وجسده رمَّةً، كمماثل لتلك الشخصيَّة الخياليَّة». وليس في هذا التماهي أيّ وهم: فالممثِّل لا يتوهَّم أنّه هاملت، ولكنّه يستنفر قواه بالكلّيَّة ليُجلّيه، «يستخدم جميع مشاعره، وكافّة قواه، وسائر حركاته كنظائر لمشاعر هاملت وتصرّفاته. بيد أنّه، لهذا السبب عينه، يُجرِّدها من طابعها الواقعيّ». فالممثِّل، في هذا المقام، هو التجسُّد التامّ للقوَّة المُتخيِّلة: إنّه يحيا قاطبةً في يمام اللاواقعيّ: «فليست الشخصيَّة هي التي تتحقَّق في الممثِّل، وإنّما الممثِّل هو الذي يستحيل لاواقعيًّا في شخصيَّته». وما هذا المسار بكذب ولا استلاب: وإنّما هو شكل مفارق من الصدق، يعرض على الخشبة الشرط البنيويّ للذاتيَّة. فعلى غرار الممثِّل، لا يتطابق الكائن البشريّ مع ذاته قطّ، وإنّما يبني نفسه عبر أقنعة وأدوار وإمكانات. وعليه، لا يُعدّ الممثِّل شخصيَّة ثانويَّة، وإنّما هو النموذج الأنطولوجيّ للحريَّة: إنّه يختار ألّا يكون ما هو عليه، لكي يجعل ما لم يكن بعدُ مرئيًّا.

ومن مشكاة هذا التأمّل، سيتسنّى لسارتر أن يقرأ جينيه لا كمؤلِّف فحسب، ولكن كممثِّل مأساويّ لحياته الخاصَّة، لصّ وشاعر يتّخذ نفسه حكاية خياليَّة، وفي هذه الحركة المفارقة ينال شكلًا قصوى من الحقيقة.

ولمّا كان الخيال يشرع بابًا أوّلًا للإرجاء الإراديّ عن الواقع، فإنّ سارتر يرى في سوء النيَّة أعقد المسالك والمقامات المأساويَّة التي يتملَّص بها الوعي من عبء حريَّته. فليس سوء النيَّة بمجرد كذب على الذات، وإنّما هو خطّة أنطولوجيَّة تقوم على غفلة قصديَّة، وحركة يتحاشى بها الإنسان مسؤوليَّة أن يكون ما هو عليه: أي حريَّة في مقام مخصوص. وفي سياق المشروع السارتريّ، تنهض هذه المقولة بوظيفة مفصليَّة: إذ تتيح النظر في الذاتيَّة لا كهويَّة راسخة، وإنّما كحقل تجاذب بين الكينونة والمظهر، بين الوجود-لذاته والوجود-للغير. ففي «الوجود والعدم»، يحدّ سارتر سوء النيَّة بكونه كذبًا على الذات، يبين جذريًّا عن الكذب بمعناه الصريح: «سنقرّ طواعية بأنّ سوء النيَّة كذب على الذات، شريطة أن يُميّز فورًا عن الكذب بمعناه الحرفيّ». بيد أنّه، في هذا المسار، لا ينشطر الوعي إلى فرقتين. إذ إنّ «سوء النيَّة يستوجب في عمقه وحدة وعي ما».

وتتجلّى المفارقة في أنّ من يصطنع الكذب على نفسه يلزمه العلم بالحقيقة التي يروم طمسها. وهذا لعمري ما يجعل سوء النيَّة بنية متزعزعة لا مَحيد عنها: «فإنّ الشخص المكذوب عليه والكاذب هما شخص واحد لا انفصام فيه، ممّا يوجب عليّ، بوصفي مخادعًا، أن أعلم الحقيقة التي تتوارى عنّي بوصفي مخدوعًا». فالوعي، في سعيه لخداع نفسه، يتكشَّف عالمًا بكليَّة المحتوى الذي يروم نفيه: «يلزمني أن أعرف هذه الحقيقة بمنتهى الدقّة لكي أُخفيها عن نفسي بعناية أشدّ، وذلك ليس في لحظتين متباينتين من الزمان، وإنّما في البنية الموحَّدة لمشروع واحد».

ويُوضّح سارتر هذه الآليَّة عبر مثال النادل الشهير، الذي يتصرَّف وكأنّ دوره هو مُنتهى هويَّته. فهو يُؤدّي دور النادل بتكلّف: يتحرَّك بدقّة مفرطة، ويُظهر صرامة تفوق الحاجة في مهنته. إنّه يلعب دوره وكأنّه جوهره، وبصنيعه هذا يكشف عن سوء نيَّته الكامنة في الممارسة المتصنَّعة لأن يكون ما ليس عليه: مجرد شيء أو وظيفة. ولكنّه في الحين ذاته يعلم أنّه ليس كذلك، وهذا العلم الخفيّ هو ما يجعل موقفه مفارقًا: «كائن هو ما ليس عليه، وليس ما هو عليه». وتأسيسًا على ذلك، فإنّ سوء النيَّة ضرب من الانتباه الانتقائيّ: وهو ذهول إراديّ، يتيح للوعي حجب تعاليه لينخزل فيما يبدو عليه. ولا يتعلَّق الأمر هنا بصراع بين قوى اللاوعي: إذ لا وجود عند سارتر لحقيقة مكبوتة بمعنى بنية مستقلَّة وعميقة للأنا. فالوعي يعلم ما يروم نفيه، ويبني بنشاط - على السطح - رموز قناعه. وعليه، فإنّ سوء النيَّة عمليَّة رمزيَّة تُستهلك برمَّتها في مدار المرئيّ، في ميدان المظاهر.

ويُجلّي سارتر هذا في الشطر المخصوص بالعلاقة مع الآخر: فنظرة الآخر تُشيِّئنا، وتردّنا كأشياء في العالم، ويردّ وعينا الفعل محاولًا استرداد تلك الموضوعيَّة، مُتصنّعًا أنّه ما يفرضه الآخر علينا. وما سوء النيَّة سوى هذا كذلك: شكل من أشكال المقاومة الرمزيَّة للنظرة، بيد أنّها تؤول إلى نسخ البنى ذاتها التي تروم الفرار منها. ويُؤكِّد سارتر طابعها المتقلِّب، مُلاحظًا أنّها «ظاهرة مُتلاشية، لا قِوام لها إلّا في تمايزها وبواسطته». ومع ذلك، فهي حالة يوميَّة: «يسع المرء أن يعيش في سوء نيَّة؛ ولا يعني ذلك خلوَّه من يقظات مفاجئة من الكلبيَّة أو حسن النيَّة، وإنّما يعني انطواءها على حالة حياة مُطّردة ومخصوصة».

ولقد أبان فانسان ديكومب هذه النقطة جليًّا: فالإنسان عند سارتر ليس قطّ ما هو عليه، وليس بالكلّيَّة ما ليس عليه. إنّه مُعلَّق دوامًا بين الواقعة والجوهر، بين الموقف والمشروع، ويحاول توطيد نفسه بارتداء أقنعة اجتماعيَّة: المهنيّ، الزوج، الثوريّ، القدِّيس. غير أنّ كلّ قناع هشّ، وكلّ هويَّة إيماءة مسرحيَّة: فأن تكون يعني أن تُمثِّل. وما سوء النيَّة إلّا الشكل الوجوديّ لهذا التمثيل.

ومن هنا تنعقد الخيوط التي تقود إلى التحليل النفسيّ الوجوديّ: فإذا كان الإنسان حريَّة مُتَنكِّرة، وإيماءة تتصنَّع الشيئيَّة، فالأمر لم يعد يتعلَّق باستكشاف اللاوعي ككبت، وإنّما بتأويل العلامات التي يُخلّفها الوعي في العالم. ومن ثمّ يُفتح المسار نحو شخصيَّة جينيه. فإذا كان سوء النيَّة، عند سارتر، مسرحيَّة يحاول الإنسان من خلالها تقنيع حريَّته، فإنّ جينيه يتّخذها خيارًا شعريًّا. إنّه لا يكتفي بالفرار من الكينونة: إنّه يتنكر، يبني نفسه، يعرض ذاته على الخشبة. اللصّ، الشاعر، المنبوذ: يتقمَّص جينيه أدوارًا اجتماعيَّة هامشيَّة بالصرامة ذاتها التي يتقمَّص بها النادل دوره. بيد أنّ فارقًا حاسمًا يبرز هنا: جينيه يعلم أنّه يُمثِّل، ويجعل من التمثيل حقيقته. إنّه لا يبحث عن الأصالة في رفض القناع، وإنّما في القناع نفسه، مَعيشًا بوصفه قدرًا مقصودًا. وعلى هذا، ليس جينيه صاحب سوء نيَّة: إنّه ممثِّل واعٍ تمام الوعي، يُمثِّل ليُؤكّد حريَّته في عالم يُقصيه. فحيث يتصنَّع النادل بسذاجة، يتلاعب جينيه بعنف.

لقد أسلفنا كيف صوَّر سارتر سوء النيَّة بوصفه تخييلًا تأسيسيًّا، وقناعًا واعيًا يتسربل به الوعي للفرار من لوعة الحريَّة. فإن قيل: إذا كانت الذاتيَّة عُرضة لغوائل الخداع بهذا السمت الجذريّ، فكيف السبيل إذًا إلى إدراكها في جوهرها؟ وكيف تُرصف وحدة الوجود انطلاقًا من تشعُّب الإيماءات والأقنعة والمُصطَنعات؟ هاهنا تتصادم التأمّلات السارتريَّة مع التحليل النفسيّ، نابذةً النموذج السببيّ للّلاوعي الفرويديّ لتُبدع نمطًا جديدًا من الاستقصاء: هو التحليل النفسيّ الوجوديّ.

وممّا ينبغي تقريره أنّ أحد الجوانب الأصيلة للتفكير السارتريّ حول الحقيقة الإنسانيَّة كوجود-لذاته يكمن في تصوُّره المُبتكَر للزمنيَّة، لا باعتبارها تعاقبًا زمنيًّا، وإنّما كبنية للوعي نفسه. فيأبى سارتر أن يكون الزمن وعاءً موضوعيًّا تنتظم فيه التجارب المُعاشة. وإنّما الوعي هو الذي يُزمِّن، أي أنّه يُؤسِّس ذاته بوصفه ماضيًا، وحاضرًا، ومستقبلًا. فنقرأ له أنّ «الزمنيَّة ليست كينونة، وإنّما الوجود-لذاته يُزمِّن نفسه إلى موجود». وهذا يُفضي بنا إلى أنّ الكائن البشريّ يمتنع حصره فيما هو عليه أو فيما كانه. فالوجود-لذاته مطروح دائمًا خارج-ذاته، مفصول عن ذاته بعدم يُرسي قواعد حريَّته. فالزمنيَّة إذًا أفق داخليّ للوعي: حيث الحاضر محطَّة تلاق بين ماضٍ يُؤوَّل دوامًا ومستقبل ينتظر التشكُّل: «الإنسان مفصول دائمًا بعدم عن جوهره... والجوهر هو جِماع ما تُدركه الحقيقة الإنسانيَّة عن ذاتها كما كانتْه».

وهذا العدم، الذي يصدع الذات عمّا تكونه، هو مَناط الحريَّة: فالإنسان ما لم يكنه بعد، وليس قطّ ما هو عليه. وبذا يسوغ لسارتر أن يُقرّ بأنّ «المستقبل يُؤسِّس معنى وجودي-لذاتي الحاضر بوصفه إسقاطًا لإمكانيَّته، بيد أنّه لا يُحدِّد مسبقًا وجودي-لذاتي المستقبليّ بحال من الأحوال».

وهذه البنية «الشتاتيَّة» للوعي، المقذوفة دائمًا أبعد من ذاتها، تشرع بابًا لتصوُّر الهويَّة الإنسانيَّة لا كمُعطًى ناجز، وإنّما كمشروع. فالحاضر، في عُرف سارتر، لا يقف معزولًا البتَّة: إنّه مُخترق بالمستقبل الذي نستبقه والماضي الذي نُعيد تأويله على نبراس خياراتنا. فتنبني الهويَّة إذًا في الزمان، كسيرورة تُرَكِّب فيها الذات مُعاشها بأثر رجعيّ وتُسبغ عليه المعنى. وعليه، فليست الذاكرة محض خزانة للوقائع، ولكنَّها صرح انتقائيّ، تقوده وجهة ما تروم الذات أن تكونه. فالزمنيَّة السارتريَّة غائيَّة في الصميم: إذ يصوغ الفرد ماضيه من منظور المستقبل الذي يعقد العزم على تأسيسه.

ومن مشكاة هذا التصوُّر الزمنيّ، يُوجِّه سارتر نقده للتحليل النفسيّ الفرويديّ. فبدلًا من التنقيب في الماضي عن علل لاواعية مُحكَمَة، يُبرهِن أنّه لا كينونة لماضٍ صلد، وأنّ كلّ معنى ينبجس من فعل استحواذ تأويليّ. فالذات لا تُحدَّد بما كانتْه، وإنّما بمسلكها في قراءة ما كانتْه وتنظيمه. ولا يجحد سارتر قيام باحة مُعتمة في الذاتيَّة، ولكنّه يردّها إلى لاوعي وجوديّ لا يجري على سنن مستقلَّة، وإنّما كشطر أصيل من مشروع حريَّة الذات. فاللاوعي ليس آخر مُفارِقًا، وإنّما هو سبيل يحجب به الوعي عن نفسه ما آثر ألّا يضطلع به جهرًا.

وفي هذا المضمار، يقوم المشروع الجوهريّ مقام فعل طليق وأصيل، يُسبغ الوحدة والانتظام على الوجود بأسره. وليس المُراد قرارًا صادرًا عن وعي جليّ، وإنّما وجهة شموليَّة ترسم معالم الحياة العمليَّة للذات، مُعتبَرَة لا كميدان مُغْفَل أو قوَّة غُفْل، وإنّما كمجمع تاريخيّ ومُتأنِّق من الإيماءات والمسالك والمواقف. وبذا يستحيل كلّ مفردة من مفردات السلوك الفرديّ تعبيرًا رمزيًّا عن مشروع ذات، هو في الآن نفسه حريَّة وخلق للمعنى، «شيء أقرب إلى قرار جذريّ، لا ينفكّ عن كونه احتماليًّا، سيكون هو المُعطى النفسيّ الحقيقيّ العصيّ على الاختزال».

وعلى خلاف علم النفس التجريبيّ الذي يقف عند ظواهر الوصف، يُلِحّ سارتر على أنّ المسالك لا تُعلَّل بحشد الأسباب، وإنّما تُستنطق كأمارات لمشروع. وينطق مُنتقدًا المنهج الاختزاليّ: «فحيثما تقف رحاب عالم النفس، تتبدّى الواقعة المنظورة كمُعطًى أوّليّ. وهذا لعمري ما يُفسِّر حالة التردُّد والاستسلام وغير الرضا التي تُخلِّفها فينا مطالعة تلك المقالات النفسيَّة». فلا عبرة، في مذهب سارتر، بأن يُقال إنّ رجلًا صار كذا لأنّه كابد صدمة في الصِّبا أو تربية قاسية: ولكنّ العبرة بما يصنعه بما تلقّاه. فالتحليل النفسيّ الوجوديّ يتّخذ الوعي مصدرًا للمعنى، لا حافظة للحتميَّات.

ومن أجل ذلك، فإنّ الزمان في عُرف سارتر ليس كرونولوجيًّا، وإنّما ميدان من الإمكانات الوجوديَّة. فالإنسان ماضٍ من جهة ما يُؤوّله، وحاضر من جهة ما يتخطّاه، ومستقبل من جهة ما يُدبّره. وما الهويَّة بمُعطًى ناجز أبدًا، ولكنَّها عمارة تتمفصل في الزمان كابتكار مُتّصِل.

وفي كنف هذا الإطار النظريّ، الذي تتجلّى فيه الذاتيَّة تدبيرًا زمنيًّا وحريَّة رمزيَّة، سيقرأ سارتر جينيه. لا كثمرة لطفولته، وهجره، وإقصائه الاجتماعيّ. وإنّما كخيار جماليّ ووجوديّ، قادر على قلب الوصمة إلى قناع، والجريمة إلى أسلوب، والطرد إلى قداسة. هذه القراءة تُتيح سبر المدى المأساويّ للحريَّة السارتريَّة، التي تُزاول دائمًا في طيّات موقف. فالتحليل النفسيّ الوجوديّ لا يقتصر على مقابلة الحريَّة بالضرورة، وإنّما يضفرهما في توتُّر مُقيم: فلا حريَّة للذات إلّا من جهة كونها مقذوفة في العالم، ومَناط حريَّتها يكمن في وجه صياغتها لشروطها كخيار. وعليه، فلن يكون «القدِّيس جينيه» سجلًّا سريريًّا لحالة شاذّة، ولكن محاولة لاستنطاق المعنى الدفين لسيرة ذاتيَّة عيشت كأثر فنّيّ.

إذا كان سارتر قد أبان في التحليل النفسيّ الوجوديّ أنّ الذات تتخلَّق من خلال مشروع جوهريّ يُوجِّه وجودها بأثر رجعيّ، فإنّ «القدِّيس جينيه» يمضي بهذا الحدس نحو مآل جماليّ أقصى: فالمشروع لا يُوجِّه فحسب، وإنّما يصوغ هويَّة الذات كشخصيَّة رمزيَّة مُختَلقَة، وكأسلوب. وبذا تنتفي الحياة أن تكون مجرد أفق للمقام، لتغدو مادّة تُنظَّم في إيماءة، وقناع، ومظهر.

وفي الكتاب الثالث من «القدِّيس جينيه»، يقتنص سارتر الانعطافة الكبرى الثانية للذاتيَّة الجينيهيَّة: إذ لم يبق الأمر مَنوطًا بالسرقة، أو بالخزي، أو بالتمرُّد، وإنّما بالبناء الجماليّ للذات كشخصيَّة شعائريَّة مُنمَّقَة تتبدّى للأنظار. فلا غَناء بعد اليوم في تمثيل دور ما: ولكن يتحتّم أن يستحيل المرء ذاته عملًا فنّيًّا. وهذا التبدُّل يسم الانتقال من مسرحيَّة مُعاشة إلى شعريَّة للنجاسة، ومن هويَّة مُقنَّعة إلى هويَّة مُصاغَة كقناع. "«يجعل من حياته عملًا فنّيًّا؛ ويُحيل نفسه جهرة إلى عمل فنّيّ»: يجعل جينيه من حياته أثرًا، لا مجرد سرد، وإنّما آية جماليَّة، وتركيبة مُتأنِّقة تستنزف الكينونة في المظهر. هكذا، تستحيل الذاتيَّة موضوعًا: فالآخر هو من يهب الاسم، والمجتمع هو من يُؤسِّس القناع؛ وسيؤول الأمر بجينيه إلى تبنّيه.

فإن كان التحوُّل الأوّل، أي تحوُّل المنبوذ الذي يتدثَّر بالشرّ كشعار، يتجلّى كرفض فاعل للهويَّة المفروضة، فإنّ هذه المرحلة الثانية تنطوي على تبدّل أشدّ جذريَّة: فجينيه يُجمِّل نفسه. إنّه لا يكتفي بنبذ ما هو عليه، وإنّما يُعيد ابتكار نفسه كموضوع شعريّ. والشرّ نفسه، الذي كان يتبجَّح به سالفًا بروح التمرُّد، قد جرى تصعيده الآن في شكل جماليّ. فلم يعد الحدث هو ما يُعيِّن الهويَّة، ولكنّ الهويَّة هي التي تُرَكِّب، بأثر رجعيّ، معنى الحدث. فهذا الحاضر المُبهر ببدَاهته هو الذي يُسبغ الدلالة على الماضي. تنقلب لحظة الفعل إلى تجلٍّ: ومن هناك تُعاد صياغة الحياة، ويُبتكَر معنًى، ويُتَّخذ قدر. ويُضيف سارتر: «الشعر هو الشرّ صريعًا، وهو يزداد لؤمًا في عجزه؛ أمّا الجمال فهو الشرّ مُظفَّراً». فالأمر إذًا لا يتعلَّق بتطهير الشرّ، وإنّما بالارتقاء به إلى شكل وإحالته أسلوبًا.

وأمّا الجمال، في هذا المعمار الأنطولوجيّ، فليس نجاة، وإنّما هو فريضة. هو ناموس باطنيّ، لا يقصر عن الناموس الأخلاقيّ صرامةً، يأمر بالفعل لا باسم الخير، وإنّما باسم الأسلوب: «فإذا استشعر جينيه في قرَارته أنّ الجمال يعنيه، فلأنّ الجمال، كالشرّ، يقتضي منه أشقّ التكاليف. إنّه يُطالبه بأن يحيا وفق سُنّته، تلك السنّة التي وسمها وايلد، أمير الجماليّين، بالأسلوب، وأسماها جينيه بالأناقة»، «فالمعيار الأوحد لأيّ فعل هو أناقته». الأناقة إذًا هي الدستور الأخلاقيّ للإيماءة، ومقياس ظفرها، ومعيار أصالتها الرمزيَّة. وكلّ فعل لا تتحدَّد قيمته بما يُنجزه، وإنّما بكيفيَّة تبدِّيه للأنظار. إنّه مجّانيّ، مُدمِّر، ومسرحيّ: «وإنّ الفعل، بمجانيَّته وتدميره، ليزداد أناقة كلّما أحال الواقع إلى مظهر لحشد أكبر من الناظرين».

وهذه الجماليَّة للفعل، المُشادة على المظهر والمجّانيَّة، تلقى اكتمالها الأشدّ جذريَّة في جسد جينيه نفسه، الذي يمنح نفسه كسطح مسرحيّ للرذالة. فاللذّة، بدل أن تُكابَد كامْتلاء طبيعيّ، تنقلب إلى معاناة طقسيَّة، وتغدو السلبيَّة شكلًا قصوى لقوَّة المُتخيَّل:

إنّ اللحظة العليا للجماع، ليست لحظة الركون إلى الامتلاء الطبيعيّ، أو الانسياب، أو الاسترخاء، أو الترقُّب المُشبع: وعلى الضدّ، يكون في ذروة التوتُّر، فيتقوَّس جسده قاطبةً ويُهدي نفسه كوعاء للذَّة التي تُحايثه، وتسكنه، وتتفتَّح في دياجير أحشائه، والتي لن يعرف منها قطّ سوى وجهها المقلوب، أي المعاناة. ومن المعاناة هذه يجتني المتعة كلذّة من حيث هي شيء آخر... فألمه لذّة مُتخيَّلَة. يتوتَّر، يبذل نفسه، يلهث، يُغشى عليه... والأمر مَنوط بمواقف سحريَّة تروم التعامل مع المعاناة بمنزلة اللذّة.

وكما يُلاحظ سارتر، ينبذ جينيه الرعشة عمدًا، لا عن خور، وإنّما كخيار جماليّ، ليبني عبر الألم لذّة مُتأنِّقَة:

جينيه، سيِّد الشرّ، يُحِلّ عمدًا المظهر محلّ الكينونة. فالرعشة، بمقدوره أن يُسبغها على نفسه وهو يرفضها: فإن كان يلهث وراء هذه اللذّة المُتخيَّلَة، فليس على الرغم من لاواقعيَّتها، ولكن بسببها... في سُويْداء الفعل الجنسيّ نلفى رغبة بائسة في المستحيل.

يتقوَّس الجسد، يُقدِّم نفسه، يتوتَّر كوعاء لشهوة لا تقع، وإنّما تُمثَّل. يُحاكي جينيه اللذّة عبر المعاناة، ويجعل من النقصان سِيماءه، ويبني ذاتيَّة جماليَّة مدارها الكلّيّ على تقديم الذات لعين الآخر. فليست المتعة هي ما يُعرِّفه، ولكن إيماءة التمتُّع، ومشهد البذل، وإضفاء القداسة على الخيبة كامْتلاء رمزيّ. وبهذا الاعتبار، ليست السلبيَّة ضدًّا للفاعليَّة، وإنّما هي طَوْرُها الأشدّ إطلاقًا: تلك التي تترك نفسها تُرى، التي تنبني كموضوع متعة فقط لتُجلّي لاواقعيَّة الرغبة. وعليه، لم تعد الرذالة حالة مُكابَدة، وإنّما ضربًا من المجد المأساويّ، المُختار والمُبلغ حدّ التمام. إنّه بمنزلة قذارة، على حدّ تعبير سارتر، فوق مائدة الأبرار، لكنَّها مجلوَّة كذهب مُقَدَّس، مرفوعة إلى مرتبة الشكل، مُتجلّيَة كفنّ. ومن هنا تهيَّأ لجورج باتاي، في مُصَنَّفه عن جينيه، أن يُقرّ أنّ الشاعر:

يُريد الرذالة، وإن أفضت إلى المعاناة: يُريدها لذاتها وراء كلّ المآرب التي يُدركها فيها، يُريدها لنزوع مُدوِّخ نحو الرذالة، فيها يفنى، بصورة لا تقصر كلّيَّة عن فناء المتصوِّف في النشوة في الرّب.

وفي المسلك الذي يُحيل به جينيه الرذالة إلى شكل، يستبين سارتر بزوغ ذاتيَّة جماليَّة، قِوامها الإيماءة، والمظهر، والتشييد الرمزيّ للذات. ولكنّ هذه الذاتيَّة ليست مقصورة على الجماليَّة. فكما بيَّن جورج باتاي في تعليقه، إنّها تلبس لَبُوس قداسة معكوسة، وتكريس سلبيّ. فالذات الجينيهيَّة لا تقتصر على أسلبة طردها: وإنّما تُشكِّله في مراسيم، وترفعه إلى شكل من المُقَدَّس. فإذا كان بِناء الهويَّة في جينيه عند سارتر هو فعل حريَّة جذريَّة، وإثباتًا جماليًّا، فإنّه عند باتاي يتحقَّق في دوار الفقدان، في «تكريس» يعقد القِران بين الجماليَّة والفناء، بين السيادة والازدراء. فالقدِّيس والمجرم، في منظور باتاي، يلتقيان في إفراطهما المشترك: فكلاهما مبتوت عن العالم، محظور؛ وكلاهما يبلغ شكلًا من السيادة يتطابق وخرق الشريعة: «فلا يكون جينيه سيِّدًا إلّا في الشرّ، ولعلّ السيادة ذاتها هي الشرّ، وما يكون الشرّ قطّ أشدّ يقينًا في شرِّه ممّا يكون حين يُنزَل به العقاب».

وهكذا يصير عرض الرذالة مسرحيًّا فعلًا طقسيًّا. فلم يعد الخيال محض قناع: وإنّما تجلٍّ سلبيّ: فكلّ إيماءة من جينيه، وكلّ فعل إقصاء يُجَاهر به، وكلّ خيار معاناة وخيانة، يتسربل بسمات قداسة مُدَنَّسة، بيد أنَّها لا تُردّ. ومثل متصوِّف هابط، ينغمس جينيه في لجّة دماره، لا ليُفتدى، وإنّما ليُسبغ عليها هالة شعائريَّة: «إنّ قداسة جان جينيه... هي قداسة مهرِّج مُتبرِّج كبَغِيّ، جذل بأن يكون أضحوكة».

وبهذا الاعتبار، فإنّ الذاتيَّة التي يُجلّيها جينيه ليست طليقة فحسب: ولكنَّها مُقَدَّسَة، بالمعنى الأشدّ تهلكة للكلمة. مُقَدَّسة لكونها مُحرَّمة، منيعة، مُدَنَّسة. وهي كذلك لأنَّها تُقيم في تلك التخوم التي يستحيل فيها الجمال فُحشًا، وتمتزج فيها السيادة بالرذالة، والشعر بالخراب. ويقرأ سارتر في هذه المسرحيَّة اكتمال مشروع رمزيّ. في حين يلمح فيها باتاي الانقلاب المأساويّ للتعالي: أي قداسة الشرّ، التي تحترق في دوار المستحيل. وفي هذا المقام، لا يعود التخييل خداعًا: وإنّما هو ابتداع. فليس الشأن في ممارسة الكذب، وإنّما في اختلاق مسافة، والارتقاء بالحياة إلى مصافّ الرمز. فيُحيل جينيه نجاسته إلى شكل من أشكال النعمة المُنحرفَة، ويستعرض الرذالة كما لو كانت طيلسانًا كهنوتيًّا. «فالجمال قبل كلّ شيء هو تلك المكيدة الشنيعة التي يكيد بها شرِّير للفضيلة»: الجمال كفخّ للفضيلة، والجماليَّة كانقلاب ساخر للأخلاق.

وأمّا الذات فلا تعيش نفسها: وإنّما تتأمَّل نفسها وهي تعيش. ويُفصح سارتر عن ذلك بلا لبس: «لقد أفرغ نفسه حرفيًّا، فحقيقته أمست خارجه؛ ومن جهة الواقع لم يبق سوى وعي خالص في مقام تأمُّل مظهره». وفي هذا الانشطار بين الكينونة والمظهر، بين الحياة والشخصيَّة، يقع التحوُّل الثاني: إذ تُهجر الهويَّة كقِوام صلب، لتُعاد كسطح جليّ. «تلك الكينونة التي لا غاية لها سوى إعارة وجودها للمظهر». فالكينونة لم تعد قاعدة، وإنّما هيولى تهب نفسها للتمثيل.

واللغة نفسها، من حيث هي كتابة، لا تقوم بوظيفة الكشف وإنّما تعمل كصنيعة جماليَّة. فيستنزف جينيه وجوده عبر الكلمة، كما لو كان للغة ذاتها فعل خيميائيّ: «إنّ هذه اللغة البديعة تُذيب الجسد، وتستهلكه حتّى الشفافيَّة، حتّى الجمرة المُتَّقدة. وبعد بسطه، ثمّ طيّه على بكرة أخرى، يَمثل جينيه - أخيرًا ! - في مواجهة نفسه». وعليه، فالكتابة ليست تعبيرًا عن الذات، وإنّما هي تجلٍّ لما آثرت الذات أن تبدو عليه. إنَّها لا تُتَّخذ للاعتراف، وإنّما للتكريس. إنَّها قدَّاس جماليّ، لا بوح أخلاقيّ.

ويُجمل سارتر هذه الجدليَّة ببراعة حين يقول:

وهكذا نكون قد وصفنا العمل الفنّيّ عند جينيه: إنّه موضوع رعب، أو بالأحرى جينيه نفسه هو من يُولِّد نفسه كفعل إجراميّ، كموضوع للرعب العالميّ ويتَّخذ من هذا الرعب مجده، مادام قد خلق نفسه ليستفزَّه. ويقول في "سيِّدة الزهور" عن قصيدة: لقد خَرِئتها. فذلك هو قصده الجماليّ: أن يتغوَّط، ليتبدّى كعذرة على مائدة الأبرار.

فالجريمة لا تُلغى: وإنّما تُمَسرح، وتُحال مراسيم. فلا تطهير، وإنّما تجلٍّ. ولا نجاة، وإنّما تسامٍ. وما التحوُّل الثاني بمرادف للخلاص. إنّما هو الشكل الأقصى لهلاك مُدبَّر، مُتأمَّل، مُتَّخذ كطقس. فجينيه لا ينجو: إنّه يتحوَّل. وفي هذا التحوُّل، لا يشهد سارتر هربًا من الحريَّة، وإنّما شكلها الأشدّ مأساويَّة وجذريَّة: أي الحريَّة كبناء خياليّ للمصير، والذاتيَّة كقناع واعٍ، والنفس كشخصيَّة جماليَّة للرذالة. وفي معطف هذا الانقلاب، يرصد سارتر القوَّة المأساويَّة للاستلاب، لا كقدر محتوم، وإنّما كتواطؤ من الحريَّة مع إدانتها ذاتها. في زمان الإقصاء، لا سبيل إلى المزاولة العمليَّة (Praxis)، ولا مطمع في الخلاص. فجينيه، اليتيم، اللصّ، المثليّ، يتربّى على هوامش عالم ينطق بلسان لا يفقهه وينبذه. وفي صمت هذا الرفض تنبجس الكتابة كتحوُّل ثالث: ليست انعتاقًا، وإنّما ذريعة لنحت الهاوية.

فتطلّ الكتابة حيثما أخفق المظهر. ويرتدّ الجماليّ، مُزيِّف الواقع، وعابد الإيماءة، إلى فنّان. «ولمّا كان جماليًّا، كان نهبًا لإيماءات مَوقوفة؛ أمّا وقد صار فنّانًا، فإنّه يبتدع أفعالًا تُحقِّق الإيماءات. وإنّ الخيار الجديد الذي يُبسط أمامه سيُيسِّر له مجاوزة كافّة تناقضاته»: فالفنّ لم يعد مُلَطِّفًا للكينونة، وإنّما خطّة لإسباغ طابع شكليّ على الفراغ. فلا يبغي جينيه التعبير عن كوامنه، وإنّما صياغة موضوع يسع إدانته ويُترجمها. فيغدو الموضوع الفنّيّ شركًا، وإيماءة تتحقَّق في عقر نظام رمزيّ مُعادٍ، فتقلبه. إنّه المسعى لـ«تحقيق المُتخيَّل»، ولردّ صور الأبرار إليهم، مُلوَّثة، مقلوبة، مقذوفة كمرآة لذنبهم.

وفي صميم الكتاب الرابع، يُعرِّف سارتر هذا الصنيع الخالق (الديميورجيّ) قائلًا: «بإعادة تشييد الكون في كتابه، سيُشبع نَهمته بالكلّيَّة لأنّه سيُقيم نفسه مقام العناية التي تُدبِّر الأشياء وفي الحين ذاته، مقام الإنسان الذي يستجلي المقاصد العنائيَّة». فالكتابة تعني إذًا اختلاس الوظيفة الإلهيَّة، وأن يستحيل المرء قدرًا وأسطورة معًا. فالكتابة، عند جينيه، زيف مثاليّ: استحواذ مُختلَس على الأنطولوجيا. ولكنَّها أيضًا نقيض لأيديولوجيا الملكيَّة. فالسرقة، التي ينبجس منها كلّ شيء، هي صورة رمزيَّة: إنَّها النفي الإنجازيّ للنظام. وكما في صنيع السرقة، كولوج مكتبة والتظاهر بالشراء، يتلاعب جينيه بالواقع، ويُقيم المظهر مقام الحضور، ويُكره الآخر على التصديق. ويُسطِّر سارتر ذلك صراحة: «فالحقيقة الدفينة تستحيل مظهرًا خالصًا مسلوب الفاعليَّة، وأمّا المظهر، على النقيض، فهو ما يُصبح حقيقة». فما السرقة بمجرد فعل إجراميّ: وإنّما هي النموذج الأصليّ للمُتخيَّل السلبيّ، المبتوت عن الممارسة، والمُجرَّد من كلّ وظيفة مقصودة.

وهنا تنبني الكتابة كموضوع رمزيّ للإقصاء. ففي عالم تُربط فيه الكينونة بالأرومة، حيث الأسماء نعوت والنعوت طبقات، تعني الكتابة خلق شكل طقسيّ لسلطة مُضادَّة. فلا ينشد جينيه حقيقة ذاتيَّة: فحقيقته خارجة عنه، في النصّ، في الشكل، في الميثولوجيا. وبهذا المُستنَد، ليس الأثر الفنّيّ حرمًا لحريَّة مُسْتَرَدَّة، وإنّما هو مسرح للإدانة. فلا ممارسة ممكنة، ولا تاريخ: وإنّما محض عصور وسطى مفاهيميَّة، حيث يُسقط الجوهر نفسه في الزمان ويُحجِّر كلّ إيماءة. فالكلمات، والعلامات، ولغة الحواري الشعريَّة التي يستعملها جينيه لا تكشف، وإنّما تُسدل الستار. واللغة التي ينطق بها هي لسان الملاعين: شوائب، حروق، تمويهات. تنتظم الصور كالمنظار، ويغدو الشعر تميمة مُقَدَّسَة، نظيرًا لكلمة الرّب التي تقضي بالعذاب.

فتصبح الملهاة بذا السبيل الرمزيّ الأوحد لقلب إقصائه إلى صرح. فلغة جينيه سلاح لا يُقارع جهرة: وإنّما يُدالس، ويُحيِّر، ويُسبِّت المدارك. وما الكتابة إلّا الخديعة الخاتمة، والأشدّ حبكًا. إنّه لا ينطق «أنا بريء»: وإنّما يُردِّد «أنا كابوسكم». وفي هذا المضمار، ليست تحفته تصرُّم القيم، وإنّما مسرحتها في نظام رمزيّ مُقفل. ومع ذلك، لا يقف سارتر عند تشييد أسطورة اللصّ القدِّيس. فجينيه هو أيضًا، وقبل كلّ شيء، ثمرة مجتمع الأبرار، والمرآة التي تُعاين فيها البرجوازيَّة رياءها ثمّ تلفظه. جينيه قملة في مفارق المجتمع، هو الرقية التي تدرأ بها البرجوازيَّة آفاتها عن نفسها. فشرّه هو الظلّ اللازم للنظام: إنّه قناع الاستحالة الذي تُرسى عليه عقيدة المستحيل.

وأمّا الكتابة، في هذا المشهد، فما كان لها أن تكون ثوريَّة. لم يخبر جينيه قطّ المزاولة العملية: فهو يجهل ماهيَّة العمل، وكنه المشروع. وكلّ إيماءة له هي جماليَّة، وكلّ كلمة هي إنجازيَّة. لا طاقة له بتغيير العالم: وإنّما قصاراه تمثيله. ومن أجل ذلك ينعته سارتر بالطفيليّ، لا الثوريّ. ولكن لهذا السبب نفسه يمسّنا شأن جينيه، اليوم أشدّ من عام ١٩٥٢. لأنَّنا إن عجزنا أن نكون إيّاه، فبمقدورنا أن نكون ما أفرزه. وفي بنية الإقصاء المُسْتَشْري هذه، تُصبح كتابة الهاوية طريقة كذلك للإشارة إليها. وكما يُذكِّرنا إنجلبيرت، مُستلهمًا إحدى أجلّ عبارات «القدِّيس جينيه»، فإنّ الرعب الأصيل هو الرعب من الهويَّة المُتخيَّلة: «"التردّي في الخيال إلى غاية أن يستحيل هو نفسه كائنًا خياليًّا"، ذاك هو الفزع الأكبر للحالم لدى الصحو». فالكتابة إذًا ليست كشفًا بقدر ما هي عزيمة روحيَّة: لدفع خطر التلاشي في حلم الآخر، عبر إسداء صورة طقسيَّة له ليُطيل فيها التأمُّل.

إذا كان الجماليّ هو من يُسخِّر الكينونة ويُخفِّفها، مُستَلِباً إيّاها في الإيماءة أو مُصَعِّداً لها في المظهر، فإنّ الكاتب هو من يبلغ تخوم المُتخيَّل فيروم تقييده في شكل باقٍ: الكلمة. غير أنّ الكلمة، شأنها شأن السرقة، والتنكُّر، والإيماءة، هي لدى جينيه فعل انقلاب: فهي لا تُبين عن العالم، وإنّما تنفيه؛ ولا تردّه، وإنّما تُعيد ابتداعه. إنَّها كلمة أعجميَّة لا حظّ له في ملكها ولا انتماء له إليها. فلا مطمع في الاستحواذ، وإنّما مجرد نبذ وتفاوت، ومحاكاة مهزليَّة. وفي عالم جينيه المقلوب، حتّى الكلمة تستحيل سرقة. فليست ذريعة للتواصل، وإنّما إيماءة قاتمة، وخديعة شعائريَّة، ولباسًا صوتيًّا مُستعارًا: لا تكشف، وإنّما تصدع؛ ولا تُؤلِّف، وإنّما تسم بالميسم. وإن كان المُتخيَّل عند سارتر قوَّة طبيعيَّة للوعي، صالحة لأسلبة الواقع وفتح كوَّة للحريَّة، فإنّ هذا الفضاء يبدو عند جينيه مصدوعًا، مهشومًا، عريًّا من كلّ جذور في المزاولة. لم تعد الكلمة استباقًا رمزيًّا لمشروع، وإنّما شيئًا هامدًا، غريبًا، سليبًا من التبادليَّة. فالكلام، عند جينيه، يتضمَّن هتكًا مُسبقًا للحظر:

لقد قضوا على جينيه بالصمت: فالمجرم لا ينبس... ولماذا يحقّ لجينيه أن يتكلَّم؟ لا يتأتّى له سوى أن يكذب أو يخدع، لكونه لصًّا... فإن هو تجاهل المنع، فلا يسوغ الاستماع إليه، وبالأحرى لا يجوز الردّ عليه: فإنّ المرء سيقع في أحبولة أو يُورَّط، بل ما هو أدهى: إذ بإجابته سيُبقي، ولو لهنيهة، على روابط التبادليَّة معه.

الكلمة إذًا، كالكتابة، ليست حقًّا مُكْتَسَباً، وإنّما إثمًا: فجينيه لا يتحدَّث، إنّه يستلب الكلمات. يستعيرها، يُفكِّكها، يُفرغها، يُدلِّسها. إنّه دائمًا في مقارعة مع لسان غريب عنه، لسان لا يعرفه ولا سبيل له إلى الاعتراف به. ومن هنا تغدو كلّ كلمة منطوقة إيماءة مسرحيَّة، وقناعًا زائفًا. ويُبيِّن سارتر ذلك في مشهد جينيه الذي يتقمَّص على نفسه دور الرجل العفيف:

كلّ ما هنالك ملهاة: اللغة وحدها هي الحقيقة. فإذا قال للبائع هذه الكَرّة: "أبتغي مُبْتَاع حذاء"، فهو لا يكذب. ولكن ليس جينيه من ينطق: إنّه الممثِّل الذي يُشخِّص دور الرجل الشريف. إنّه يُنصت إلى نفسه ببرود وهو يُؤدّي دور الشريف، على غرار ممثِّل "المُفارقة" الذي يستمع خلو البال لهاملت أو بريتانيكوس وهو يُزمجر من ثغره. فاللغة لا تفتأ تتفلَّت منه. سواء أكان لصًّا قُحًّا وأفّاكًا، أم برجوازيًّا مُتصنِّعاً ينطق بالحقّ، فإنّ الكلمة تبقى دائمًا أجنبيَّة عنه، يستعيرها أو يسرقها. فالكلمة هي الآخر.

وفي هذا الفضاء اللغويّ الممسوخ، يتزيّا المُتخيَّل بحلّة الانقلاب السيميائيّ. فالكلمات لم تعد تُشير إلى مُسمَّيات راسخة، ولا تدلّ على أشياء في العالم: وإنّما هي طلاسم سحريَّة تُشيِّد التَّنَكُّرات، والعزائم، والصور المصنوعة. ولهذا السبب أمكن لسارتر أن يخطّ قائلًا:

الكلمة إيماءة: فحينما تصيح ديفين: "أنا المأفونة-المأفونة"، فإنَّها تُعيِّن نفسها وتُزَوِّقها على النحو عينه كما لو كانت تُركِّب صفًّا من الأسنان المُستعارة على جمجمة... الكلمات سواحر؛ منذ نعومة أظفاره، درج جينيه على التحوُّل تحت الصيحات اليابسة لعصيِّهنّ الدُّهم.

فاللغة لا تصلح للبلاغ، وإنّما لبناء المظهر. والكلمة لا تُجلّي مضمونًا ذاتيًّا، وإنّما تنفي إمكانيَّة الذاتيَّة برمَّتها. إنَّها البُعد اللفظيّ لاستحالة الكينونة: لغة أضاعت عالمها، وعوض أن تُعبِّر، باتت تتبرقع. هكذا، وعلى غرار الممثِّل الذي يتصنَّع من غير تصديق، تُمسي الكلمة عند جينيه مرآة مُشَوِّهة، وحيلة. إنَّها لا تبوح «أنا هكذا»، وإنّما «أنا ما تهابون أن أكونه». فتستحيل الهويَّة إيماءة لغويَّة، إنجازيَّة وطفيليَّة. ولكنّ هذه الكلمة المسلوبة، المُتَبَرْقِعة، والمُعْبودَة، ليست عقيمة: إنَّها أسّ الكتابة ذاتها:

جينيه، المنبوذ من اللغة، يُعاين الكلمات من ظاهرها: ففي الكلمة التي وسمته أبد الدهر، كانت كينونة اللصّ تختبئ... وتقوم الكلمات مَقام، في خلوته، بعض النفائس التي لن ينالها قطّ، أمّا معانيها، فبدلًا من أن تسري إلى الأشياء، تستقرّ فوقها كأرواح هائمة.

فالمعنى لم يعد يتدفَّق، وإنّما ينحبس في العلامة، كروح مُعَذَّبَة: الكلمات «نفائس» يعدمها جينيه، فيستعيض بها عن أشياء العالم. وعلى هذا، فالكتابة هي التجلّي الأعظم للسرقة: تغتصب المعنى، وتجعل منه موضوعًا خياليًّا، مُغلقًا، شعريًّا. فجينيه لا ينطق: وإنّما يكتب، وهذه الكتابة هي التي تكفله كلّيَّةً، لتقلبه إلى نقيضه. كما يُقرِّر سارتر: «يكتب جينيه في المنام، وتثبيتًا لرؤياه، يحلم بأنّه يكتب، ثمّ يكتب أنّه يحلم وفعل الكتابة يستفزّ صحوته؛ فوعي الكلمة هو عتبة يقظة في أحشاء الأحلام؛ إنّه يصحو دون أن يقطع حبل أحلامه».

فأن تكتب هو حلم يصطنع اليقظة، ويحتلّ مكان الواقع. فالمُتخيَّل إذًا لم يعد صنيعًا قصديًّا: وإنّما بنية أنطولوجيَّة، إدانة، ولغة مُوصَدَة. الكلمة لا تردّ العالم، وإنّما تطمسه؛ لا تُسمّي، وإنّما تمسخ. ولم تبق حقيقة تُرام، وإنّما صورة تُكرَّر، وفي النهاية، رعب يُتجَسَّد. وفي هذه الشجرة للمُتخيَّل اللغويّ، ما الكتابة بفداء ولا انعتاق. إنَّها الحركة التي يمنح بها جينيه نفسه كمشهد رمزيّ للمجتمع الذي أقصاه، وهي التبدُّل الخاتم لتخييله. فالكلمة، كالسرقة، ضرب من الاستحواذ الاختلاسيّ: لا تردّ الكينونة، وإنّما تمكر بها. غير أنّه، في هذا المكر بالذات تتمّ الجماليَّة المأساويَّة للحريَّة. يكتب جينيه لينفلت من الصمت. يكتب كما يلصّ: ليتصنَّع حيازة ما مُنِع عنه. وفي خضمّ إيماءة هذه الكتابة المُماحكة، المسرحيَّة، والمذنبة، تستحيل الكلمة المرآة المكسورة للواقع المعدوم.

وممّا يلزم ختم هذا المقال به أنّ جينيه لا يطلب أن يُفهم، وإنّما أن يُقرأ. فهو لا يُفسِّر: وإنّما يستعرض. ولا يُعلِّل: وإنّما يتقنَّع. وفي هذا التشكُّل الأقصى من العرض المسرحيّ، الشعريّ، والمُدَنِّس، يتبيَّن سارتر السمت المأساويّ للحريَّة. فما السرقة، والكتابة، والكلمة المُزيَّفة بنفايات عرضيَّة للذاتيَّة: وإنّما هي صنيعها التأسيسيّ. فعند جينيه، تنبجس الذاتيَّة في اللحظة التي تتقبَّل فيها منفاها، وتُمسرحه، وتُتْحِف به العالم كقناع وتحدٍّ.

وما كان سارتر يرفع من قدر جينيه، وإنّما يسوقه إلى المسرح. فـ«القدِّيس جينيه» ليس لوحة لرجل، وإنّما أمثولة لذاتيَّة صاغت من عدمها شكلًا. فالمُتخيَّل، وما يعزب، وما ينتفي أن يكون، ليس مهربًا من الواقع، وإنّما هو المقام الأوحد الذي يتهيَّأ فيه الوجود لمن سُلِب كلّ شيء. ففي السلب، في التبدُّل، في الإيماءة التي تُماحِك وتُدارِي، تتراءى إمكانيَّة أنطولوجيا مُغايرة: لا للكينونة، وإنّما للمظهر كفعل طليق.

اللصّ، الممثِّل، الكاتب: ثلاثة أقنعة، ومسعى واحد. أن تتصنَّع لتكون. أن تسلب لتملك. أن تكتب لتُوجَد. فعند جينيه، تغدو الكلمة إيماءة، وتستحيل الصورة أسلوبًا، ويُضحِي الإقصاء إمضاءً. وعلى هذا المهيع، فهو بطل، لا لكونه مثالًا، وإنّما لكونه مُسْتَأْصَلًا؛ لأنّه يبلغ الغايات القصوى للوضع المشترك لمن، وقد أُقْصِيَ عن عالم، لا يجد مَناصًا من أن يبتني عالمًا لنفسه، في كنف الكذب، والجمال، والإثم. فما جينيه ببدع ولا استثناء. إنّه المرآة المجلوَّة. فخياله يمسّنا، لأنّه يُفصح عن كوامننا: عن جريرتنا، عن التباسنا، عن افتقارنا للخيال. فقراءته - حِلْفاً لسارتر وخِلافاً له - تقتضي الإقرار بأنّ اختلاس الكينونة قد يكون، لمن مَثَلَ للدنيا خاوي الوفاض، الحيلة الوحيدة ليستوطن العالم. ولعلَّها الحقيقة الفذَّة، كما يُذكِّر سارتر:

قد يقتنع المرء بتعليل جريمة بالرجوع إلى الحالة الاجتماعيَّة والخِلقَة السيكوباثيَّة للمجرم؛ غير أنّ دلالتها الإنسانيَّة، لا يقوى على فضّ مغاليقها سوى الشاعر.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق