العُرْيُ الإنسانيُّ في المِحْنَةِ

اعلمْ أنَّ الحياةَ كَذُبَالَةِ شمعةٍ؛ تَضْطَرِبُ فوقَ فتيلٍ يقتاتُ مِن مَحْضِ شمعٍ أبيضَ يرضخُ للحرارةِ ذائباً، فَيَسِيلُ على حوافِّهِ الشاحبةِ والباردةِ، تِلْكَ التي تذوي مع انصرامِ الأوقاتِ في عَدٍّ تَنَازُلِيٍّ يُؤْذِنُ بِخُمُودِ الجَذْوَةِ المُتَّقِدَةِ. فإذا ما استنفدَتْ وقودَها الحيويَّ، لَفَظَ الرمقُ الأخيرُ خَيْطاً دُخَانِيّاً خفيفاً باهتاً، ثمَّ يَضِلُّ في مَتاهاتِ المدى. وإنَّما الحياةُ الإنسانيَّةُ سِوَى تَرِكَةٍ، ورُوحٍ عابِرَةٍ تخرقُ نسيجَ الزمانِ، فتخلفُ نُدوباً وآثاراً ضئيلةً في كُلِّيَّةِ الدَّهْرِ والمكانِ، بَيْدَ أنَّها في مَجْمُوعِها تُمَثِّلُ شهادةً على بقاءِ البشريَّةِ على أَدِيمِ الأرضِ.

أن يرمقَ المرءُ خَيالَهُ في المرآةِ فلا يرى قرينَهُ الذي يَسْكُنُها، وأنْ يُعَاوِدَ الذِّهْنُ اسْتِشْعارَ مَذاقِ الحِدَّةِ في شَفْرَةٍ تَفْرِي أَدِيمَ الجَسَدِ لتشقَّ الأنسجةَ التي تكسو الأورِدَةَ المارَّةَ بِمَعَاصِمِ الأيدي، وتُلامِسَ الأوتارَ والعضلاتِ عن كثبٍ حتَّى تُزْهِرَ الجِراحُ عَبِيقاً أحمرَ دافئاً وكثيفاً. أن ندعَ بواطِنَنَا تَنْسَابُ في عذوبةٍ وسلاسةٍ تَطْمِسُ بنشوتِها غَوَاشِيَ الألمِ والوجَلِ والغضبِ، وتُسْكِنُ فَوْرَةَ مُواجَهَةِ الحياةِ وصُرُوفِها بكَمَدٍ وحَنَقٍ مُفْرِطَيْنِ. وما المُنْهَزِمُ هو مَن يقطعُ أوداجَهُ، إنَّما يستلزمُ الأمرُ قَبْضَةً حازِمَةً ومُحْكَمَةً تَقْبِضُ على الشَّفْرَةِ مُفعمةً بالأَدْرِينَالِين، مع قلبٍ مُثْقَلٍ بالأوصابِ، قويٍّ ومُضْطَرِبٍ، يخفقُ كأَنَّما يرومُ الخروجَ مِن صَدْعِ الصَّدْرِ، حتَّى آخِرِ لَفْظَةِ هواءٍ يزفرُها الجسدُ المُحْتَضِرُ لِكائنٍ يَكُفُّ عن كينونَتِهِ، زُهْداً في بَقاءٍ مَسْلُوبِ المعنى في عُرْفِ الإدراكِ الفانِي.

إنَّ مَثَلاً كهذا لَيَكْشِفُ في ظَنِّي عن جَوْهَرِ الآدمِيِّ إزاءَ السِّياسَةِ المُمِيتَةِ؛ حين تصطدمُ تَشْيِيئِيَّةُ الكائنِ البشريِّ، الخاصَّةُ بالرأسماليَّةِ في مُفارَقَةِ التبادلِ ووفرةِ الفائضِ، بِمَرَامِ الفردِ في تَحَقُّقِ ذاتِهِ خارجَ أَنْوَالِ الِاسْتِعْمَارِ البائدِ. فإذا وُجِدَ المرءُ في حَوْمَةِ اسْتِثْنَاءٍ شُمُولِيٍّ، أو حِصارٍ إبَّانَ مَلْحَمَةٍ حربيَّةٍ، وكذا في مَحَاشِرِ الِاعْتِقَالِ والإبادَةِ النازيَّةِ، حيثُ تَسْطُو القسوةُ السِّياديَّةُ للعنفِ المُدَمِّرِ، والسُّلطةُ المطلقةُ على الحياةِ والموتِ، فَيُجَرَّدُ الفردُ مِن مكانتِهِ السِّـياسيَّةِ في ظِلِّ تَعْطِيلٍ مُؤَقَّتٍ لِدَوْلَةِ القانونِ، لِيُمْسِيَ نائياً عن أيِّ إمكانيَّةٍ تَرْتَقِي بهِ إلى فاعِلٍ أخلاقيٍّ متكاملٍ. وما ذلكَ إلَّا نتيجةَ التوظيفِ الآليِّ المُعَمَّمِ للوجودِ البشريِّ والدمارِ الماديِّ للأجسادِ ولشعوبٍ بأسرِها، حيثُ يَقْذِفُ بهمُ المَوْقِعُ الجيوسياسيُّ في مكانٍ يغدو فيهِ الموتُ عُفُونَةً للحياةِ، أو الموتُ كَمَثُوبَةٍ للحياةِ الأبديَّةِ عبرَ شقاءٍ وحرمانٍ وإنكارٍ للذاتِ أمامَ سِيادَةِ المُسْتَعْمَرَةِ، حينَ يُنْظَرُ إلى العملِ بِمَثَابَةِ المطيَّةِ لِلْخَلْقِ الذاتيِّ التاريخيِّ للجنسِ البشريِّ.

أُناسٌ انْتُزِعُوا عَنْوَةً مِن مُسْتَقَرِّهِمُ الاجتماعيِّ تحتَ وَطْأَةِ عملٍ مُعَسْكَرٍ يقومُ على تَقْوِيضِ الفارقِ بين الدولةِ والمجتمعِ، وعلى الإرهابِ الثوريِّ مع الِاسْتِئْصَالِ التامِّ للشروطِ الإنسانيَّةِ الأساسيَّةِ ممَّا يُبْقِيهِمْ في حالةِ فُقْدَانٍ دائمٍ؛ فُقْدَانِ المأوى، وفُقْدَانِ الحقوقِ على أجسادِهِم، وفُقْدَانِ مكانتِهِم السِّياسيَّةِ. وهذا الفُقْدَانُ الثلاثيُّ يُطَابِقُ الهيمنةَ المطلقةَ، والاغْتِرَابَ منذُ المَهْدِ، والموتَ الاجتماعيَّ بالطَّرْدِ خارجَ رِبْقَةِ إنسانيَّتِهِم، في حالةٍ مِن الاستعبادِ يُنْظَرُ إليها كأداةِ عملٍ، وبِمُوجِبِ هذا الوضعِ يصيرُ لهُ ثمنٌ، ويُعَامَلُ كَمُلْكِيَّةٍ مُشَيَّأَةٍ ذاتِ قيمةٍ مُحَدَّدَةٍ، يُلَبِّي عملُها حاجةً ويُسْتَغَلُّ، ولذلكَ يُبْقَى عليهِ حَيّاً ولكنَّهُ مُشَوَّهٌ في عالَمٍ طَيْفِيٍّ مِن الرعبِ والقسوةِ والتَّدْنِيسِ الشديدِ، كشكلٍ مِن أشكالِ الموتِ في الحياةِ، شيءٌ يملكُهُ شخصٌ آخَرُ، ظِلٌّ مُتَجَسِّدٌ.

وتُمَثِّلُ المُسْتَعْمَرَةُ المكانَ الذي تَتَجَلَّى فيهِ السِّيادَةُ بالأساسِ في ممارسةِ سُلطةٍ خارجَ نطاقِ القانونِ، تَحْكُمُها مجتمعاتٌ يُعَدُّ فيها إدراكُ وجودِ الآخَرِ بِمَثَابَةِ اعتداءٍ على حياةِ المواطنينَ ذاتِها، كتهديدٍ مُمِيتٍ أو خطرٍ مُطْلَقٍ، مِن شأنِ إزالتِهِ البيوفيزيائيَّةِ أن تُعَزِّزَ إمكاناتِ الحياةِ والأمنِ. إنَّها بعبارةٍ أخرى تَرْوِيضٌ للحربِ وخَلْقٌ لنظامٍ قانونيٍّ يُطَبَّقُ بشكلٍ خاصٍّ على حَقِّ الحربِ في إزهاقِ الأرواحِ، حيثُ يُعْتَبَرُ القتلُ أو إبرامُ السلامِ مِن صَمِيمِ الوظائفِ الأساسيَّةِ لكُلِّ دولةٍ.

وهكذا يستمرُّ الرعبُ المُسَمَّى «سُلْطَةَ الموتِ» (Necropolitics)، حيثُ تُنَفَّذُ علاوةً على ذلكَ مُمارَسَاتُ الرعبِ والهيستيريا بآليَّةِ التَّمْزِيقِ الإقليميِّ، وحَظْرِ الوصولِ إلى مَنَاطِقَ بعينِها، وتوسيعِ المُسْتَعْمَرَاتِ بهدفٍ مُزْدَوِجٍ يرمي إلى جعلِ أيِّ حركةٍ أمراً مستحيلاً مِن أجلِ تنفيذِ الفصلِ العنصريِّ على غِرَارِ نموذجِ دولةِ «الأبارتايد»، مُقَسِّماً الأراضي المُحْتَلَّةَ إلى شبكةٍ مُعَقَّدَةٍ مِن الحدودِ الداخليَّةِ والخلايا المعزولةِ. وفي هذهِ الظروفِ، لا يكونُ الاحْتِلَالُ الاستعماريُّ مرادفاً للسيطرةِ والمراقبةِ والفصلِ فَحَسْبُ، بل يَرْدِفُ العزلةَ أيضاً، مِمَّا يُؤَدِّي إلى انتشارِ بَؤَرِ العنفِ السامِّ الذي يُتَرْجَمُ في صورةِ ميليشياتٍ حَضَرِيَّةٍ، وجيوشٍ خاصَّةٍ، وجيوشٍ مَحَلِّيَّةٍ، وشركاتِ أمنٍ خاصَّةٍ، وجيوشٍ حكوميَّةٍ، بل ومجموعاتٍ صغيرةٍ للدفاعِ عن النفسِ، حيثُ تقومُ الدولُ المجاورةُ والجماعاتُ المُتَمَرِّدَةُ باسْتِئْجَارِ جيوشٍ للدُّوَلِ الأكثرِ فقراً.

إنَّ العنفَ غيرَ الحكوميِّ يُفْضِي بِاطِّرَادٍ إلى تشكيلِ الغالبيَّةِ العظمى مِن الجيوشِ مِن مواطنينَ جُنودٍ، وأطفالٍ جُنودٍ، ومقاتلينَ وقراصنةٍ، يُعْلِنُونَ كُلُّهم في آنٍ واحدٍ حَقَّهُمْ في ممارسةِ العنفِ والقتلِ. هاهُنا تَتَبَدَّى صورةٌ غيرُ مسبوقةٍ للحكوميَّةِ مِن خلالِ إدارةِ الحشودِ بأساليبَ وحشيَّةٍ ترمي إلى شَلِّ حركةِ فئاتٍ بأكملِها وتَحْيِيدِها مَكَانِيّاً، أو، في مُفَارَقَةٍ عجيبةٍ، تحريرِها لإجبارِها على الانتشارِ لِتَتَشَتَّتَ لاحقاً بين مُتَمَرِّدِينَ، وأطفالٍ جُنودٍ، وضحايا، ولاجئينَ، ومدنيِّينَ أصابهم العجزُ جَرَّاءَ ما تَكَبَّدُوهُ مِن تشويهٍ، في حينِ يُزَجُّ بـ«الناجينَ» بعدَ أهوالِ النزوحِ، في معسكراتٍ ومناطقَ اسْتِثْنَائِيَّةٍ.

ولا يَتَمَرْكَزُ الرعبُ والموتُ في أماكنَ مُتَبَايِنَةٍ، إنَّما يَسْتَقِرَّانِ في صَمِيمِ كُلٍّ منها، حيثُ نَلْفَى مَنْطِقَ الشهيدِ، ويلتقي الرعبُ والحرِّيَّةُ مع مَنْطِقِ البقاءِ، إذ إنَّ الناجيَ هو مَن سَلَكَ دَرْبَ الموتِ، ووجدَ نفسَهُ مِرَاراً بين مَن سقطوا صرعى، لكنَّهُ لا يزالُ حَيّاً، مُفْلِحاً لا في الفرارِ فَحَسْبُ بل في قتلِ المُهَاجِمِ. لذلكَ، إلى حَدٍّ بعيدٍ، يُشَكِّلُ القتلُ الدرجةَ الأولى مِن البقاءِ، وبطريقةٍ شاذَّةٍ يَتَحَوَّلُ الرعبُ الذي كُوبِدَ إبَّانَ رؤيةِ الموتِ إلى رِضاً حينَ يَحُلُّ بآخَرَ.

وفي غُضُونِ ذلكَ، يَتَجَسَّدُ مَنْطِقُ الشهيدِ في شخصيَّةِ «الكاميكازي» التي تُوَلِّدُ تبادلاً جَذْرِيّاً بين طريقةِ القتلِ وطريقةِ الموتِ، إذ إنَّ هذا الفردَ لا يرتدي زِيَّ الجنديِّ ولا يُشْهِرُ سلاحاً. يُحَاصِرُ طالبُ الشهادةِ هدفَهُ، والعدوُّ فريسةٌ يَنْصِبُ لها شَرَكاً في فضاءاتِ الحياةِ اليوميَّةِ، يُضَافُ إلى ذلكَ فَخُّ الجسدِ الذي يَتَحَوَّلُ إلى قِناعٍ يُخْفِي السلاحَ المُوشِكَ على التفعيلِ؛ وعلى النقيضِ مِن الدبَّابةِ أو الصاروخِ الظاهرينِ للعيانِ، فإنَّ السلاحَ المَحْوِيَّ في غلافِ الجسدِ خَفِيٌّ ومُمَوَّهٌ، وَيُشَكِّلُ جزءاً مِن ذلكَ الجسدِ، ويرتبطُ بهِ ارتباطاً صميميّاً لدرجةِ أنَّهُ يَمْحَقُهُ لحظةَ الِانْفِجَارِ. وَيَأْخُذُ جسدُ الحاملِ معهُ أجسادَ الآخرينَ، إن لم يُحِلْهُمْ إلى أشلاءٍ مُمَزَّقَةٍ. لا يكتفي الجسدُ بإخفاءِ السلاحِ، بل يَتَحَوَّلُ هو ذاتُهُ إلى سلاحٍ، وليسَ بِمَعْنًى مَجَازِيٍّ، بل بِمَعْنًى بالِيسْتِيٍّ حرفيٍّ.

وفي هذهِ الحالةِ بعينِها، يَتَزَامَنُ مَوْتِي مع موتِ آخَرَ في عمليَّةِ قتلٍ وانتحارٍ يَتِمَّانِ في فِعْلٍ واحدٍ، وَبِمَنْظُورٍ آخَرَ، تغدو المقاومةُ والتدميرُ الذاتيُّ صِنْوَيْنِ، وفي هذهِ الحالةِ يَتَطَلَّبُ القتلُ الاقْتِرَابَ قَدْرَ المُسْتَطَاعِ مِن جسدِ العدوِّ؛ فَلِإِحْدَاثِ انفجارِ القنبلةِ لا بُدَّ مِن حَلِّ مُعْضِلَةِ المسافةِ، عبرَ لعبةِ الِاقْتِرَابِ والتمويهِ، وَتُحْسَبُ تكلفةُ بقائي بناءً على حقيقةِ أنَّني قادرٌ على قتلِ سِوَايَ وأنَّني مستعدٌّ لذلكَ، ذلكَ أنَّ إرادتي للموتِ تَلْتَحِمُ بإمكانيَّةِ إفناءِ الحياةِ للجميعِ في سيميائيَّةٍ جديدةٍ للِاغْتِيَالِ. ولا يَنْبَنِي جسدُ الشهيدِ بالضرورةِ على علاقةٍ بين الصورةِ والمادَّةِ حينما لا يكونُ الجسدُ كذلكَ غَرَضاً للوقايةِ مِن الخطرِ والموتِ، إذ إنَّهُ في حَدِّ ذاتهِ عديمُ السُّلطةِ والقيمةِ؛ وحينئذٍ يستطيعُ الشهيدُ، بعدَ أن أرسى لحظةَ تَفَوُّقٍ ينتصرُ فيها الفردُ على فنائِهِ الحتميِّ، أن يُدْرَكَ بِمَغْزًى آخَرَ، ففي الموتِ يتلاشى المستقبلُ في الحاضرِ.

ثَمَّةَ سبيلٌ آخَرُ لفهمِ ذلكَ، وهو أنَّ الجسدَ، في شوقِهِ إلى الخلودِ، يَمُرُّ في حالةِ الحصارِ بمرحلتينِ؛ الأولى يَتَحَوَّلُ فيها إلى شيءٍ تافِهٍ ومادَّةٍ طَيِّعَةٍ، ثمَّ تُضْفِي عليهِ الطريقةُ التي يُسَاقُ بها إلى حَتْفِهِ عبرَ الانتحارِ دلالتَهُ النهائيَّةَ، حينَ تَتَوَشَّحُ المادَّةُ - وهي الجسدُ - بخصائصَ لا يمكنُ إدراكُها مِن صفتِها كشيءٍ، بل مِن كِيَانٍ مُتَعَالٍ خارجٍ عنها، فَتَتَضَاعَفُ، وفي الموتِ تُفْلِتُ، حَرْفِيّاً ومَجَازِيّاً، مِن حالةِ الحصارِ والاحتلالِ.

إنَّ الكينونةَ للموتِ الإنسانيِّ هي شرطُ كُلِّ حرِّيَّةٍ بشريَّةٍ حقيقيَّةٍ، أو بعبارةٍ أخرى، إنَّني حُرٌّ في أن أحيا حياتي الخاصَّةَ فقط لأنَّني حُرٌّ في أن أموتَ مِيتَتِي الخاصَّةَ. في النموذجِ الهيغليِّ للعلاقةِ بين الموتِ وصيرورةِ الفردِ، حيثُ يُعَدُّ الموتُ طوعيّاً بالأساسِ كنتيجةٍ للمخاطرِ التي يضطلعُ بها الفردُ عن وعيٍ، وحيثُ يُقْهَرُ «الحيوانُ» الذي يُشَكِّلُ الفردَ البشريَّ بطبيعتِهِ، ليصبحَ بحقٍّ ذاتاً مُنْفَصِلَةً عن الحيوانِ، غادياً، مِن خلالِ مواجهةِ الموتِ، بطلاً في حركةِ التاريخِ الدائبةِ. وعليهِ، فإنَّ كونَ المرءِ ذاتاً يفترضُ حِفْظَ صنيعِ الموتِ، حيثُ يُعَرِّفُ هيغل حياةَ الروحِ بأنَّها الحياةُ التي لا تَهَابُ الموتَ وتَلْتَفِتُ إلى تدميرِها الذاتيِّ، إذ إنَّها تَتَقَبَّلُ مَوْتَها وتحيا بهِ، بالغةً حقيقتَها فقط عبرَ البحثِ عن ذاتِها في التَّمْزِيقِ المطلقِ.

وبالنسبةِ لمارتن هايدغر، تُعَدُّ الكينونةُ للموتِ تجليّاً للحرِّيَّةِ، بينما يُلَمِّحُ جورج باتاي إلى أنَّ الموتَ في الفداءِ، في واقعِ الأمرِ، لا يَكْشِفُ عن شيءٍ، فليسَ هو التَّجَلِّيَ المطلقَ للسَّلْبِيَّةِ فَحَسْبُ، إنّما هو أيضاً مَلْهَاةٌ. بالنسبةِ لباتاي، يَكْشِفُ الموتُ عن الجانبِ الحيوانيِّ للفردِ البشريِّ، الذي يُشِيرُ إليهِ أيضاً باعتبارِهِ كينونتَهُ الطبيعيَّةَ. لكي يَتَجَلَّى الإنسانُ في النهايةِ لذاتِهِ، يجبُ عليهِ أن يموتَ، ولكنْ يَتَعَيَّنُ عليهِ فعلُ ذلكَ وهو حَيٌّ يَرْنُو إلى نفسِهِ وهي تَكُفُّ عن الوجودِ. بعبارةٍ أخرى، يجبُ أن يكونَ الفردُ البشريُّ مُفْعَماً بالحياةِ لحظةَ مماتِهِ لِيَحْظَى بوعيٍ تامٍّ، ليحيا مستشعراً أنَّهُ يموتُ؛ وينبغي أن يَتَحَوَّلَ الموتُ ذاتُهُ إلى وعيٍ بالذاتِ في اللحظةِ ذاتِها التي يَمْحَقُ فيها الكائنَ الوعيَ، في حينِ أنَّ الفداءَ لدى «الكاميكازي» يَتَمَثَّلُ في اسْتِشْرَافِ إعدامِ الذاتِ، في أن يكونَ هو ضحيَّةَ نفسِهِ، ألا وإنَّهُ لَخِدَاعٌ! وبالنسبةِ لباتاي هذهِ هي تقريباً الوسيلةُ التي بها «يَخْدَعُ الفردُ البشريُّ نفسَهُ طوعاً» بالتضحيةِ بالذاتِ التي تَتَمَثَّلُ في رفضِ حَظْرَيْنِ: حَظْرِ التضحيةِ بالنفسِ وحَظْرِ القتلِ. في الفداءِ يَكْتَسِبُ الموتُ طابَعَ الانتهاكِ، لكنَّهُ بخلافِ الصَّلْبِ، لا يحملُ بُعْداً تكفيريّاً، في الواقعِ، لا يستطيعُ الميِّتُ أن يَتَعَرَّفَ على قاتلِهِ الذي ماتَ هو الآخَرُ، مِمَّا يعني أنَّ الموتَ يَتَجَلَّى كفناءٍ مَحْضٍ وليسَ سوى إفراطٍ وفضيحةٍ. وسواءٌ نُظِرَ إليهما مِن منظورِ العبوديَّةِ، أو الحربِ، أو الاحْتِلَالِ الاستعماريِّ، فإنَّ الموتَ والحرِّيَّةَ يرتبطانِ ارتباطاً لا رجعةَ فيهِ، لأنَّ العيشَ في ظِلِّ شكلِ الاحْتِلَالِ المعاصرِ يعني مُكَابَدَةَ الحياةِ بشكلٍ دائمٍ في كَنَفِ الألمِ وفي ضَرْبٍ مِن الجنونِ المَوْسُومِ بالشططِ؛ فَيَتَحَوَّلُ الموتُ إلى وسيطٍ للخلاصِ ويُنْظَرُ إليهِ كَحَلٍّ للرعبِ والاستعبادِ.

ومثالٌ على ذلكَ ما أوردَهُ غِيلْرُوي بشأنِ تفضيلِ الموتِ على الاستعبادِ بالنسبةِ للعبدِ أو المُسْتَعْمَرِ، الذي بِحُكْمِ وجودِهِ يكونُ الغيابُ ذاتُهُ وسيلةً لِاسْتِحْضَارِ فنائِهِ، في إشارةٍ إلى ممارسةِ الانتحارِ الفرديِّ أو الجماعيِّ للعبيدِ المُحَاصَرِينَ بصائدي العبيدِ، وبالتالي فإنَّ الموتَ هو على وجهِ التحديدِ الشيءُ الذي أملكُ السُّلطةَ لأجلِهِ وعليهِ.

إنَّ قيمةَ حياتي ومماتي مَرْهُونَتَانِ بهشاشتي. كما هو حالُ شعلةِ الشمعةِ التي تستمرُّ في مسارِها طالما سمحت حالتُها كشمعةٍ بذلكَ، ثَمَّةَ عواملُ أخرى بِمَعْزِلٍ عن الشمعِ أو القاعدةِ التي تستقرُّ عليها الشعلةُ المكشوفةُ أمامَها، حيثُ تَتَعَرَّضُ لخطرِ الِانْطِفَاءِ بشكلٍ مفاجئٍ وبلا هَوَادَةٍ بفعلِ حالاتٍ شَتَّى، أجنبيةٍ ومُسْتَعْصِيَةٍ على التحكُّمِ. فَتَيَّارُ ريحٍ، أو رَذَاذُ ماءٍ، أو سقوطُها جانباً على الأرضِ فانطفاؤُها، أو الِانْعِدَامُ المفاجئُ للأكسجينِ في المحيطِ؛ كُلُّها مظاهرُ تُشْتَرَطُ بها كينونةُ الشعلةِ وتجعلُها هَشَّةً عُرْضَةً للخطرِ، وضمنَ المقاربةِ ذاتِها، فإنَّ طبيعتَنا البشريَّةَ - والفانيةَ تبعاً لذلكَ - تجعلُنا إذن مُعَرَّضِينَ للخطرِ على حَدٍّ سواءٍ. ينطبقُ الأمرُ على الحياةِ السِّياسيَّةِ وتعرُّضِنا للعنفِ المُعَوْلَمِ الذي لم يَعُدْ يُرَكِّزُ جيوسياسيّاً على مناطقِ الصراعِ فَحَسْبُ، إنَّما يَفْضَحُ الظروفَ التي تَتَجَلَّى فيها المستوياتُ المختلفةُ للموتِ والعنفِ.

وأمامَ كُلِّ هذهِ الأهوالِ وأخطارِ العيشِ ومواجهةِ الإقرارِ بهشاشتنا، نجدُ أنفسَنا أمامَ حقيقةِ أنَّ الحياةَ نفيسةٌ لأنَّها هَشَّةٌ، غيرَ أنَّ الحَيَوَاتِ ليست سواسيةً في النفاسةِ، بل هناكَ عواملُ سِياسيَّةٌ جليَّةٌ تُحَدِّدُ أيُّ حياةٍ جديرةٌ بالعيشِ، دونَ أن يَتَوَفَّرَ مقياسٌ مُشَفَّرٌ ضمنَ المنطقِ والعقلِ يفلحُ في أن يُحَدِّدَ على نحوٍ مُعَمَّمٍ ما الذي يجعلُ حياةً ما جديرةً بالعيشِ، أو تَفْضُلَ ببساطةٍ حياةً أخرى، أو على العكسِ مِن ذلكَ: ما هي التداعياتُ السِّياسيَّةُ للموتِ. هذهِ التداعياتُ المُتَأَصِّلَةُ في مواكبةِ فُقْدَانِ العزيزِ، التي تَتَسَرَّبُ إلى نفوسِنا عبرَ الفجيعةِ والحدادِ، لكنَّها تتجاوزُ أفكارَنا لِتَسْتَحِيلَ ألماً جسديّاً للغيابِ، ألمَ البترِ، والفراغِ المُقِيمِ في إحساسٍ بالنقصانِ، ويُدْرَكَ كتغيرٍ أزليٍّ لن تعودَ معهُ الأشياءُ أبداً إلى سالفِ عهدِها طيلةَ حياتنا؛ لأنَّ أولئكَ الأشخاصَ الذين شَكَّلُوا جزءاً مِن شبكةِ روابطِنا الوجدانيَّةِ قد انقطعوا في لحظةٍ ما، لِيُفْقَدَ ذلكَ الرباطُ إلى الأبدِ. وفي الوقتِ عينِهِ، يُتِيحُ الحدادُ صياغةً مُعَقَّدَةً لمعنى الجماعةِ السِّياسيَّةِ، بدءاً بتسليطِ الضوءِ على الروابطِ التي تَتَطَلَّبُ أيُّ نظريةٍ حولَ تبعيَّتِنا الأساسيَّةِ ومسؤوليَّتِنا الأخلاقيَّةِ التفكيرَ فيها. وإلى هذا الحَدِّ، يُمَزِّقُنا الآخرونَ، ولولا ذلكَ لَنَقَصَنَا شيءٌ ما في تَجَرُّدٍ مِن أسلوبِ كينونةٍ لأجلِ آخَرَ أو بسببِ آخَرَ، في حالةٍ وجديَّةٍ، حيثُ يكونُ المرءُ خارجَ ذاتِهِ، محمولاً بعاطفةٍ تتجاوزُ كيانَهُ، ولكنَّهُ يخرجُ عن طَوْرِهِ أيضاً غضباً وألماً. كُلُّ شيءٍ يَتَبَدَّى في حلقةٍ مُفْرَغَةٍ إبَّانَ الفَقْدِ؛ فمهما كانت الظروفُ، كُلُّ شيءٍ يَتَعَنَّتُ وَيُضْحِي جزءاً مِن الدورةِ ذاتِها، وما فَسَدَ إنَّما هو مُنْتَظَمٌ وجوهريٌّ للسياسةِ المميتةِ؛ فما نحنُ إلَّا دُمًى تُحَرِّكُنا دواعٍ شَتَّى نابعةٍ مِن البُعْدِ العامِّ لأجسادِنا.

غدا لِزَاماً إذن، أن نَقْلِبَ معنى حياتنا رأساً على عَقِبٍ، وأن نُقْلِعَ عن مُصَارَعَةِ الموتِ ومغالبةِ الخوفِ مِن الفناءِ داخلَ وجودِنا ذاتِهِ، وأن نُحَارِبَ «اللاسِياسيَّةَ» في هشاشتنا، ونُعَدِّلَ مفهومنا للأبعادِ سعياً وراءَ رفاهيَةِ ذواتنا بقدرِ ما نسعى إلى رفاهيةِ الآخرين. فَلْنَسْتَهِلَّ العيشَ في مصاحبةِ مَوْتِنا وشرطنا الأوَّلِيِّ المُتَمَثِّلِ في الهشاشةِ، بِمَعْزِلٍ عن التعلُّقِ المُتَطَرِّفِ. لَعَلَّهُ يوجدُ شكلٌ آخَرُ مِن الحياةِ لا يَسْتَحِيلُ فيهِ المرءُ ميتاً وجدانيّاً، ولا عنيفاً مُحَاكَاتِيّاً؛ سبيلٌ للخروجِ مِن دَوَّامَةِ العنفِ الداميَةِ.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق