أن تُغلقَ أُذنيكَ لتَسمعَ
يقولُ «فولتير» في رِسالةٍ بعثَ بها إلى الكاتبِ المسرحيِّ «سيدين» في الحادي عشرَ من أبريل عام ١٧٦٩: «إنَّ إسعادَ الناسِ لساعتينِ من الزمانِ لفنٌّ عظيم». ولعمري إنَّ البلوغَ بهذا الفنِّ إلى ذروتهِ ليُمثِّلُ سَنامَ المجدِ الأدبيِّ في عصرٍ غلبَ عليه «الهوسُ المسرحيّ». بل إنه ليرتقي بصاحبه إلى مقامٍ أشبهَ بالتأليه، وهو مجدٌ حظيَ به «فولتير» نفسُه عام ١٧٧٨ على خشبةِ المسرحِ الفرنسيِّ إبانَ عرضِ مأساتِه «إيرين»، وذلك عند مآبِه إلى باريسَ قبيلَ دُنوِّ أجله. ومن هنا، لا يعجبُ المرءُ من النصيحةِ التي أسداها «فولتير» للشابِّ «مارمونتيل» حين كان يلتمسُ مرشداً أدبياً، إذ قال له: «المسرحُ يا صديقي، إنَّ المسرحَ لأبهى المسالك؛ ففيه يظفرُ المرءُ في يومٍ واحدٍ بالمجدِ والثروة. وما هي إلا نجاحٌ واحدٌ حتى يصبحَ الفتى ذائعَ الصيتِ موفورَ الغنى في آنٍ واحد». وقد ابتسمَ هذا النجاحُ بدءاً لـ«مارمونتيل» بفضلِ مأساتِه «دينيس الطاغية»، التي عُرضت في فبراير عام ١٧٤٨ على خشبةِ المسرحِ الفرنسيّ. وكان «فولتير» قد خيَّره بين صنفينِ أدبيين: إما «مَلهاةٌ (كوميديا) جيدة» أو «مآسٍ (تراجيديات)».
بيدَ أنَّ هذا المسعى التقليديَّ نحوَ المراتبِ المسرحيةِ لم يكنِ الدربَ الذي سلكه «ديدرو». فالمسرحُ عنده لا يُرادُ به حرفةٌ أو مسارٌ مهني، وإن كان عارفاً بخطرِ الخشبةِ وأثرِها في المجتمع، وإن طمحت نفسُه أيضاً إلى النجاحِ في هذا المضمار. لقد كان يَجالِدُ في نفسه مَطمَحاً آخر: أن يلجَ بابَ المسرحِ بوصفِه «فيلسوفاً». ولم يكن مَرامُه مقصوراً على تجسيدِ الفضيلةِ والإحسانِ والمشاعرِ النبيلةِ على الخشبةِ فحسب، بل كان يرمي إلى الخوضِ في ماهيةِ الشعرِ الدرامي، وصنعةِ الشعر، و«العقلِ الشعريّ» في آنٍ معاً، ليُنصِّبَ نفسَه نِدّاً لأرسطو. وعلاقةً على ذلك، كان يبتغي إعادةَ النظرِ في المسرحِ لإصلاحه، بل لتطويره وتبديله. ولا ريبَ أنه لم يكن بدعاً في السعيِ إلى هذا التجديد. فها هو «فولتير» قد تبنَّى المأساةَ التقليديةَ وطوَّعها بإدخالِ مضامينَ فلسفيةٍ عليها (وكان «مارمونتيل» تلميذَه في هذا الباب)؛ وها هو المُحدَثُ «ماريفو» قد عبَّد الطريقَ لملهاةٍ (كوميديا) جديدةٍ مع «المسرحِ الإيطاليّ». لكنَّ «ديدرو» كان متفرداً بـ«طبيعتِه» الفلسفيةِ الخاصة. فالإصلاحُ عنده لا بدَّ أن يكونَ منهجياً وجذرياً. ولم يعدِ الأمرُ متعلقاً بالنجاحِ في الملهاةِ أو المأساةِ، تلك القوالبِ المعهودة، بل تعدَّاه إلى ابتداعِ جنسٍ أدبيٍّ حديثٍ، جاعلاً عِمادَه العقلَ والطبيعة، مستلهماً طريقةَ الأقدمين (من اليونان و«تيرينتيوس») في مواجهةِ الكلاسيكيين، وهو ما أُطلِقَ عليه اسم «الجنسِ الرصين» أو ما سيعرفُ لاحقاً بـ«الدراما البُرجوازية»، وهو صنفٌ فلسفيٌّ جديرٌ بالفلاسفة.
وفي نفس «ديدرو»، لم يكنِ المرامُ محصوراً في إيجادِ جنسٍ واحد، بل كان حقلاً واسعاً من الأجناسِ الأدبيةِ يدعو إلى الاكتشاف، وحيزاً يتوسطُ منظومةَ الأجناس، حيث يمكنُ، بين الملهاةِ الفكهةِ والمأساةِ العامة، إيجادُ الملهاةِ الجادَّةِ والمأساةِ المنزلية. وقد صاغ في عام ١٧٥٧ برنامجاً متكاملاً يشملُ شتى ألوانِ العروضِ المسرحية، بيَّنه في قوله: «لا بدَّ من ابتكارِ المأساةِ المنزليةِ والبُرجوازية. ولا بدَّ من الارتقاءِ بالجنسِ الجادّ. وينبغي إحلالُ حالاتِ الإنسان (أوضاعِه الاجتماعية) محلَّ سِماتِ الشخصيات، ورُبما ينسحبُ هذا على الأجناسِ كافة. ولا بدَّ من ربطِ التمثيلِ الإيمائيِّ ربطاً وثيقاً بالحدثِ الدرامي. ويجب تبديلُ هيئةِ الخشبة، وإحلالُ اللوحاتِ المشهديةِ محلَّ الانعطافاتِ المسرحيةِ المفاجئة. [...] وينبغي إدخالُ المأساةِ الواقعيةِ إلى المسرحِ الغنائي. وأخيراً، لا بدَّ من جعلِ الرقصِ قصيدةً حقيقيةً تُكتَبُ، وفصلِه عن أيِّ فنٍّ آخرَ من فنونِ المحاكاة». ثم إنه لم يكتفِ بالجمعِ بين النموذجِ والقاعدة، وفقَ الصيغةِ المعروفة، بل جاوز ذلك إلى المزاوجةِ والمزجِ بينهما، وقرَن «القاعدةَ» بالنقد، بل بنقدِ الذات. فنصوصُه الدراميةُ والنظريةُ ما برحت بُنىً مركبةً متشابكة: ففي عام ١٧٥٧، أُتبِعت مسرحيةُ «الابنُ الطبيعي» بـ«محاوراتٍ حولَ الابنِ الطبيعي»، لتشكِّلَ ما يشبه «الروايةَ» المسرحية؛ وفي عام ١٧٥٨، صدرت مسرحيةُ «أبو العائلة» مشفوعةً بمقالِ «في الشعرِ الدرامي»؛ حتى إنَّ نصاً نظرياً مثلَ «مفارقةٌ حولَ الممثل»، الذي شرع في صياغته عام ١٧٦٩، قد دَبَّت فيه روحُ الحياة (بقدرٍ ما) عبرَ قالبٍ حواري؛ ثم غدت ملهاتُه اللاحقةُ «هل هو خيِّر؟ هل هو شرِّير؟» ثمرةَ عملٍ مركَّب، ابتداءً من «المقدمة» وصولاً إلى المسرحيةِ الاجتماعية، في فترةٍ امتدت بين عامي ١٧٧٧ و١٧٨٤.
وعلى هذا النحو، كان «ديدرو» يوصِلُ الفكرَ بالتجربةِ أبداً. وتَبدو لفظةُ «التجربة»، في دلالاتها الثلاث: المعيشِ الحسيِّ، والمحاولةِ الفنيةِ، والاختبارِ العقلانيِّ، مدخلاً سديداً لوصفِ صلته الفريدة بالمسرح. فالعقلُ الشعريُّ راسخٌ في واقعِ التجربة. ولكي يتسنى للمرء أن يُمعنَ الفكرَ في المسرحِ من جذوره، فعليه أن يُلمَّ بأطرافِ التجربةِ المسرحية، تلك التي تمثلُ كلاً متكاملاً يُنسَجُ من ثلاثِ جهاتِ نظرٍ متتامة: تجربةِ المتفرِّج، وتجربةِ المؤلِّف، وتجربةِ الممثِّل. ولنا أن نضيفَ إلى ذلك مقامَ ما نسميه اليومَ بـ«المدرِّب»، حين بذل نصائحَ جمةً (بين عامي ١٧٦٥ و١٧٦٨) عبرَ رسائلَ تتناولُ شؤونَ حياتها وفنِّها، وجَّهها إلى الآنسة «جودان»، وهي ممثلةٌ شابة، وابنةُ إحدى جاراتِه، كانت قد غادرت لتمثِّلَ في «وارسو». إنه الجانبُ «الماديُّ» من المسرح هو الذي يُفضي، بحسبِ المنطقِ الحسِّيِّ القويم، إلى التأملِ النظري. ويمكنُ القولُ إن «ديدرو» قد رام أن يحتَلَّ «فلسفياً» مواقعَ المنظومةِ الدراميةِ بأسرها، ليتفكَّرَ في المسرحِ بوصفِه تجربةً شاملة.
إن نزعةَ «ديدرو» الإصلاحيةَ لتضربُ بجذورها في تجربةِ متفرِّجٍ متيقظٍ لأدقِّ التفاصيل، كثيراً ما يكون ناقماً، ودائماً ما يكون ناقداً. ففي عام ١٧٤٨ (وهو العامُ نفسه الذي صدرت فيه مسرحيةُ مارمونتيل «دينيس الطاغية»)، وفي الفصلِ الثامنِ والثلاثين من روايةِ «الجواهرُ الثرثارة»، يسخرُ «ديدرو» من الخشبةِ على لسانِ إحدى شخصياته، المحظيةِ «ميرزوزا»، تلك المتفرِّجةُ الجسورةُ القاسية التي تضحكُ في المسرحِ لإدراكها زيفَ الخاتمة، في حين ينتحبُ الآخرون لمصرعِ شخصيةٍ بطعنةِ خنجر. ومن هنا ينبثقُ نقدٌ مفصَّلٌ للمأساةِ الفرنسيةِ وممثِّليها (من حبكةٍ مجافيةٍ للمنطق، وإلقاءٍ مبالغٍ فيه، و«روحٍ» مصطنعةٍ في الشخصيات لا تستمدُّ جذورها من المواقف...). وهو نقدٌ سيتركُ بصمته على «ليسِنغ» ومؤلَّفه «دراماتورجيا هامبورغ» (١٧٦٧). غير أن غضبةَ السلطانةِ الساخرةَ ما تلبث أن تستحيلَ إلى خيبةِ أملٍ متجهِّمةٍ تصيبُ متفرِّجاً محبطاً، حينما يفصحُ «ديدرو» في رسالته إلى السيدة «ريكوبوني» في السابع والعشرين من نوفمبر عام ١٧٥٨ قائلاً: «انظري يا صديقتي، لم أرتَعِ المسرحَ عشرَ مراتٍ طيلةَ خمسةَ عشرَ عاماً. إن الزيفَ الكامنَ في كلِّ ما يُعرضُ هناك يَقتلُني». وخمسةَ عشرَ عاماً تعني رجوعَنا إلى عام ١٧٤٣، تلك اللحظةِ التي ولج فيها «ديدرو» حقيقةً غمارَ الحياةِ الأدبيةِ حين أصدر ترجمته عن الإنجليزية لكتاب «تاريخُ اليونان» لـ«تيمبل ستانيان». غير أن وقاحةَ المتفرِّج وخيبتَه وامتعاضَه ليست كافيةً وحدها.
ففي رده هذا على السيدة «ريكوبوني»، تلك الروائيةُ الغزيرةُ الإنتاج والممثلةُ المرهفةُ الحسِّ التي أبدت اعتراضاتٍ على إصلاحِ الفيلسوفِ الدرامي، يأخذُ «ديدرو» موقفَ المتفرِّجِ الحقيقي الذي يصفُ التجربةَ المسرحيةَ المُبتغاة، مستلهماً المواضيعَ المطروحةَ في «المحاورات» و«المقال»: فهو ينشدُ رؤيةَ «لوحةٍ» تتبدَّى فيها جميعُ التفاصيل، بعيدةٍ عن التماثلِ المُفرِط في الصورة، وألا يكون الممثلُ واقفاً على الدوامِ مولياً وجهَه شطرَ الجمهور... وهذا يقتضي «تحريرَ» الخشبة، وهو ما تحقق فعلاً في المسرحِ الفرنسيِّ في الثالث والعشرين من أبريل عام ١٧٥٩، بفضلِ مساعي «فولتير» والممثل «لوكان»، وبفضلِ أموالِ الكونت «دي لوراغيه» الذي ابتاع مقاعدَ المتفرجين المنصوبةَ على الخشبةِ نفسها. ويستدعي ذلك العنايةَ بـ «الأزياء»، أي الصبغةَ المحلية. كما يتطلبُ تطويرَ فنِّ «التمثيلِ الإيمائي». وفي هذا السياق، يروي «ديدرو» مشهداً بديعاً للممثلِ الشهير «غاريك» الذي استطاع، مستعيناً بِوِسادةٍ لا غير، أن «يجسِّدَ إيمائياً» دورَ الأبِ وطفله. وهذا ما يمهدُ السبيلَ لبلوغِ «الإيهام» الذي يجعلُ من المتفرِّجِ محورَ العرضِ المسرحي، والتفكُّرِ في «الجدارِ الرابع»، ذلك الفاصلِ الخفيِّ بين الخشبةِ والصالة، وإقامةِ ما أسماه في «أبو العائلة» بـ«المشاهدِ المتزامنة»... حيث تحلُّ «الانعطافاتُ الضوئية» محلَّ «الانعطافاتِ المسرحيةِ» المفاجئة.
إن في صميمِ الفكرِ المسرحيِّ عند «ديدرو»، يكمنُ حلمٌ بتجربةٍ بصريةٍ مُستحدَثةٍ للعرض؛ حلمٌ باللوحةِ والتصوير، وهو أيضاً حلمٌ بـ«الإخراجِ المسرحي»، ذلك الفنِّ الذي كان لا يزالُ في طورِ المستقبلِ في عصره. ولتنفيذِ رؤاه، أظهر «ديدرو» حساسيةً فائقةً للشروطِ الماديةِ للمسرح. فقد تخيَّل فضاءاتٍ جديدة. وضربَ مثلاً على ذلك مسرحَ «سوفلو» في مدينةِ ليون. فهو لم يُعْنَ بتنظيمِ الخشبةِ فحسب، بل التفتَ أيضاً إلى الجوِّ العامِّ داخلَ الصالة. وفي هذا الصدد، يُفصِّلُ نقطةً لافتةً في رسالته إلى السيدة «ريكوبوني». فيلاحظُ ابتداءً أن «شرطةَ المسارحِ» المُستحدَثةَ، تلك الكفيلةَ بإرساءِ النظامِ والهدوء، تُتيحُ للممثلين إيصالَ أصواتهم بشكلٍ أفضل، حتى وإن لَوَوا أعناقهم شطرَ الكواليس. وهذا ما يمهدُ الطريقَ لأداءٍ أقلَّ خطابيةً وأكثرَ طبيعيةً، وهو ما يوافقُ مبتغاه. لكنه لا يلبث بعد ذلك مباشرةً أن يصفَ، ببراعةٍ لا تخلو من حسرة، ذلك «الصخَبَ» الساري، و«العاصفةَ» الملهمة، و«الحرارةَ» التي كانت تصنع «متعةَ» المسرحِ «قبلَ خمسةَ عشرَ عاماً»، أي قبل نشأةِ تلك الشرطة، مؤكداً أنها كانت مواتيةً جداً لـ«الشاعر»... فهل هذا تناقض؟ أم إنها إرادةٌ لاحتواءِ التجربةِ المسرحيةِ بكليتها؟. وعلاقةً على ذلك، يُورِدُ لنا هذا النصُّ قائمةً طريفةً بـ«ترديداتِ» جمهورِ الصالة (النُظَّارة)، وهي عباراتٌ يشوبُها شيءٌ من العبث، قد تُعكِّرُ صفوَ العرضِ بتكرارِها الآلي، غير أنها تشكِّلُ في حدِّ ذاتها مشهداً زاخراً بالألوان. إن «ديدرو» ينشدُ المشهديةَ الحيةَ على الخشبة، كما يستملحُها في الصالة. مع ذلك، فإن موقفَ المتفرِّج، حينما يكون فيلسوفاً، لا يقتصر على التلقِّي السلبي. وتُتيحُ لنا بوحةٌ شهيرةٌ لـ«ديدرو» وصفَ تجربةٍ عملية، بل منهجاً اختبارياً نقدياً لتقييمِ الأداءِ المسرحي.
ويتمثَّلُ هذا في «رسالةٍ حولَ العميِ والبكم» الصادرةِ في فبراير عام ١٧٥١، حيث يقول: «كنتُ فيما مضى كثيرَ الارتيادِ للمسارح، وكنتُ أحفظُ عن ظهرِ قلبٍ جلَّ روائعِنا المسرحية. وفي الأيامِ التي كنتُ أعزمُ فيها اختبارَ الحركاتِ والإيماءات، كنتُ أقصدُ المقاصيرَ الثالثةَ العليا: فكلما كنتُ نائياً عن الممثلين، كان موقعي أفضل. وما إن يُرفعُ الستار، ويحينُ الوقتُ الذي يتأهبُ فيه سائرُ المتفرجين للإصغاء، حتى أميلَ إلى وضعِ إصبعيَّ في أُذنيّ، وهو صنيعٌ لم يخلُ من إثارةِ الدهشةِ في نفوسِ من حولي، ممن لم يفقهوا غايتي، فنظروا إليَّ شَزَراً كأنني معتوهٌ جاء إلى المسرحِ لئلا يسمعَ شيئاً. لم أُعرْ أحكامَهم التفاتاً، وبقيتُ مُصرّاً على سدِّ أُذنيّ، ما دام الفعلُ وأداءُ الممثلِ في ناظريَّ متسقين مع الخطابِ الذي أستحضره في ذاكرتي. ولم أُرهِفِ السمعَ إلا حينما تختلطُ عليَّ دلالاتُ الإيماءات، أو حين أظنُّها كذلك. آهٍ يا سيدي، ما أقلَّ الممثلين القادرين على الصمودِ أمامَ محنةٍ كهذه، ولئن سُقتُ التفاصيلَ التي في جُعبتي لكانت مذلَّةً لغالبيتهم». وها هنا نشهدُ برنامجاً اختبارياً صِرفاً يقومُ بدءاً على التلاعبِ بالمسافة، لامتحانِ التواصلِ الملموس. ولشدَّ ما أثار دهشةَ مجاوريه، حين رأوا «ديدرو» يسُدُّ أذنيه ليسمعَ بشكلٍ أفضل، بل ويمضي إلى حدِّ الزعمِ بأنه يذرفُ الدمعَ وأُذناه مسدودتان عند المشاهدِ المفجعة! ويقترحُ «ديدرو»، فضلاً عن ذلك، اختباراً رديفاً يقومُ على المبدأِ المعاكس: الإصغاءِ دونَ النظر. فالتحليلُ التجريبيُّ والحسِّيُّ الصارمُ للمتفرِّج يتناغمُ مع تحويراتِ المؤلِّفِ المختبر. وهو موضوعٌ بالغُ السعةِ عند «ديدرو»، ويتجاوزُ آفاقَ المسرح.
ولئن نظرنا إلى النتاجِ المسرحيِّ للمؤلف «ديدرو»، بين مسرحياتٍ وكتاباتٍ نظرية، لم نجده غزيراً من حيث الكم. غير أننا نجدُ حشوداً من المسودات، والتخطيطات، والمشروعات، من قبيل «العُمْدة» (الشريف) (١٧٥٩)، و«مسارُ العالم أو طبائعُ النبلاءِ على حقيقتها» (١٧٥٩)، و«الآباءُ الأشقياء»، و«تيرينتيا»... وإنه لَمِمَّا يثيرُ الفضولَ أن نتتبَّعَ مساعي المؤلِّفِ الدرامي في «أفكارِ» عروضه المسرحية، على وقعِ تقلُّباتِ الحياةِ وصروفِ الإلهام. ففي روايةِ «العُمْدة»، تُبرِزُ موضوعاتُ الشرِّيرِ والتعصُّبِ واضطهادِ الرجلِ الصالح، وكذلك الصورةُ المروِّعةُ لفتاةٍ تعرَّضت لخيانةٍ قاسيةٍ وسُلبت بصرَها، السعيَ الحثيثَ نحوَ استدرارِ العاطفةِ «الإنجليزية» بغيةَ تجديدِ المأساةِ الفرنسية. ولا بدَّ من إفرادِ مكانةٍ خاصةٍ لـ«موتِ سقراط»، التي خُطَّت في موضعينِ من «مقالٍ في الشعرِ الدرامي»، ذلك أن هيئةَ سقراطَ المضحِّي تمثلُ نموذجاً أخلاقياً ومثالاً مسرحياً. وبدا هذا الأُنسوذجُ المبكرُ لـ«الدراما الفلسفية» مشروعاً مضاعَفَ الروعةِ ومُثبِّطاً للعزائمِ في آنٍ واحد. حتى إن «ديدرو» قد ذكر في رسالةٍ بعث بها إلى القسيس «جاكوب فيرن» في التاسع من يناير عام ١٧٥٩، في إشارةٍ إلى هذا المشروع: «بهذه القطعة، أودُّ أن أودِّعَ عالمَ الآداب». ولكنه ارتأى أيضاً أن الأمرَ يفوقُ طاقته. فبقي المشروعُ العظيمُ ضرباً من التجاربِ الفكرية.
كما يندرجُ صنيعُ إعادةِ الكتابةِ في نطاقِ الرؤيةِ الاختبارية. ففي «محاوراتٍ حولَ الابنِ الطبيعي»، يقترحُ «ديدرو» على لسانِ شخصيةِ «دورفال» إعادةَ صياغةِ مسرحيته لتُستحالَ إلى مأساةٍ، تُختَتمُ بانتحارِ «دورفال»، في تدبيرٍ ساديٍّ طويلِ الأمد. كما يشيرُ أيضاً إلى صياغةٍ كوميديةٍ جاد بها «كليرفيل»، وهو بطلٌ آخرُ من أبطالِ المسرحية. ومن هنا يتبدَّى أن اختيارَ الجنسِ الأدبيِّ ليس سوى اختبارٍ للحبكة. ومما لا ريب فيه، أن شطراً كبيراً من مسرحِ «ديدرو» يمثلُ امتحاناً للفضيلة، ولاسيما فضيلةَ الأبناءِ والآباء، بل هو أيضاً امتحانٌ للأجناسِ الدراميةِ في ذاتها. وتكتسبُ هذه التحويراتُ النصيةُ مغزاها الكاملَ في بنيةٍ خاصة: وهي الازدواجيةُ في شخصِ المؤلف. وتتمثَّلُ هذه الازدواجيةُ، دونما مفارقةٍ، بمثابةِ الثمرةِ لمناجاةِ النفسِ التي أَلِفَها «ديدرو». ففي «الابنُ الطبيعي»، نلتقي بـ«الأنا» الذي أفرغ لتوه من إنجازِ المجلدِ السادسِ من الموسوعة، في مواجهةِ «دورفال» المكتئبِ والمتحمس، ذلك الفردِ الحقيقيِّ بثقله وتعقيده، الجامعِ بين صفاتِ الشخصيةِ والممثلِ والمؤلفِ في آنٍ واحد؛ وفي خواتيمِ «مقالٍ في الشعرِ الدرامي»، ينبري لنا «النموذجُ المثاليُّ» و«أريست»؛ وفي «هل هو خيِّر؟ هل هو شرِّير؟» تبرزُ صورتانِ لشاعرين: «هاردوين» و«سيرمون». ولئن كان تجسيدُ الناقدِ في شخصيةِ «أريست» أمراً معهوداً، بل ومتعارفاً عليه (ولنا في «كورناي» واعتذاريته إلى أريست عِبْرة)، فإن تكرارَ هذا النهجِ وتنويعَه يُؤذنانِ بمنهجٍ قائمٍ بذاته، بل منظومةٍ متكاملة. إن كلَّ هذه التجلياتِ ما هي إلا نماذجُ للفعلِ والفكر، ومحاكمُ نقديةٌ تُتيحُ المواقعةَ بين المسرحِ الواقعيِّ والمسرحِ المحتمل. ولا يفوتنا أن نشيرَ إلى السياقِ الجدليِّ الذي يمكنُ إدراجُه ضمنَ الرؤيةِ الاختبارية، والذي أقحمه «ديدرو» بنفسه في صميمِ أثره. ففي معرضِ رده على تهمةِ السرقةِ الأدبيةِ التي أثارها «فريرون»، و«باليسو»، ومناهضو الموسوعيين، اندفع «ديدرو» في «في الشعرِ الدرامي» ليُضاهيَ حبكتَه بحبكةِ «غولدوني» في مسرحيته «الصديقُ الحقيقي»، مُشرِّحاً كِلْتَيْهِما جنباً إلى جنب، على نحوٍ ما، ليستخلصَ ما تتميَّزُ به كلٌّ منهما. فهل مسألةُ نسبِ الابنِ غيرِ الشرعيِّ، الحاضرةُ عند «ديدرو» والغائبةُ عند «غولدوني»، تُعدُّ نافلةً في الحدثِ كما يزعمُ بعضُ خصومه كـ«باليسو»، أم إنها جوهريةٌ لبلوغِ المغزى؟
إن الدسائسَ، وصفراتِ الاستهجان، وصيحاتِ التنديد، وخصوماتِ المؤلفين والممثلين، ناهيك عن التصفيق، ونشواتِ الغرور، أو لنقل اختصاراً ملحمةَ كلِّ مؤلفٍ درامي؛ تلك كلُّها هي ما يشكِّلُ صميمَ التجربةِ المسرحية، كما يتبدَّى لنا لاحقاً في مستهلِّ «مفارقةٌ حولَ الممثل». وكعادةِ «ديدرو»، خُطَّ هذا النصُّ عبرَ إضافاتٍ متلاحقة. فقد كان لعرضِ مسرحيةِ «أبو العائلة» والنجاحِ الذي أصابته في «نابولي»، كما نقل القسيس «غالياني» في يناير عام ١٧٧٣، الفضلُ في إتاحةِ الفرصةِ لـ«ديدرو» ليستعرضَ مسيرته، ويُحلِّلَ «البغضاءَ» التي أجَّجتها مساعيه. إن قراءةَ «مفارقةٌ حولَ الممثل» لتُطالعُنا بيسرٍ على خلاصةٍ مكثفةٍ للإشكاليةِ الاختبارية. أفلا يجوزُ القولُ إن قطبيِ التجربة، الحسِّيَّ والعقلانيَّ، يلتقيان هناك ويتصادمان؟ وأرى لزاماً أن نُدرِجَ ذلك في مسارِ الموسوعة (الإنسايكلوبيديا). فقد ساهم «ديدرو» في صياغةِ مادةِ «الممثل» للمجلدِ الثالث. وكان يسعى منذ تلك اللحظةِ إلى إعادةِ الاعتبارِ للممثلين في نظرِ المجتمع، والارتقاءِ بهم ليكونوا فنانين أصلاء. وعلاقةً على ذلك، فكما كان يُكابِدُ في الموسوعةِ لإماطةِ اللثامِ عن أسرارِ الفنونِ والحرف، ينصرفُ في «المفارقة» إلى جلاءِ السرِّ الحقيقيِّ الكامنِ وراءَ التميُّزِ الدرامي. ويقولُ في هذا الصدد: «حتى لو ثبتت هذه الحقائقُ بالبرهان، فإن كبارَ الممثلين لن يُقِرُّوا بها؛ فذلك هو سرُّ صنعتهم». مع ذلك، فإن الجدلَ حولَ أداءِ الممثلِ كان مطروحاً بقوةٍ حين صاغ «ديدرو» مقالته عام ١٧٦٩؛ حيث كانت المقارنةُ معقودةً بين الممثلِ المرهفِ الإحساسِ والممثلِ البارد. لكن «ديدرو» كان يمتلكُ ناصيةَ الاستفزازِ ويُبدعُ في فنِّ «المنشورِ الجدلي». فقد أشار على تلميذته الآنسة «جودان» بالتوفيقِ بين حرارةِ المشاعرِ وضبطِ العقلِ الهادئ. أما في «المفارقة»، الذي لم يُبصرِ النورَ إلا عام ١٨٣٠، فكان حازماً ومستفزاً حين أعلنها: «لا مكانَ للعاطفة!». مستنداً إلى رؤيةٍ جماليةٍ وفيزيولوجيةٍ متكاملة، حوَّل «ديدرو» الممثلَ ابتداءً، على نحوٍ غريبٍ لكنه بليغُ الدلالة، إلى «متفرِّجٍ باردٍ وساكن»، ثم إلى مراقب، ثم إلى محاكٍ، لينتهيَ به المطافُ فناناً حقاً؛ وباختصار، شاعراً ينسجُ شخصيته من لدن «نموذجٍ مثالي»، مبدعاً بصيراً، لا ممسوساً. وإن ضربةَ هذه المفارقةِ، إن جاز التعبير، لَهيَ ضربةُ معلم، أفلحت في إثارةِ حفيظةِ جلِّ الممثلين وبثِّ الشقاقِ بين شُرَّاحِ أثرِ الفيلسوف.
ومن هنا، فإلى جانب «ديدرو» المتفرِّج، و«ديدرو» المؤلِّف، يسعُنا أن نضيفَ «ديدرو» الممثل، الذي مارس التمثيلَ كما فعل «فولتير»، وتقمَّص شخصيةَ «هاردوين» (قرينَه) في ملهاته الفكهة، ولعب أيضاً دورَ الفيلسوفِ في حياته الاجتماعية وفي «ابنُ أخِ رامو»، والذي يمكنُنا أن نُذكِّرَ، في ختامِ المطاف، بميله الفطريِّ المبكر. ففي «مذكراتٍ تُعينُ على تدوينِ تاريخِ حياةِ ومؤلفاتِ ديدرو»، تروي «أنجيليك دي فاندول» مقالةً لأبيها في أواخرِ أيامِ دراسته. يسأله «كليمون دي ريس»، المدعي العامُّ الذي كان يقيمُ في كنفه ليتعلمَ الحقوق، بعد أن أبى الفتى امتهانَ الطبِّ والادعاءِ والمحاماة: «ماذا تريدُ أن تكونَ إذن؟» فيجيبه: «لعمري، لا شيء، بل لا شيءَ على الإطلاق. أنا أهوى التحصيلَ؛ وأنا في غايةِ السعادةِ وغايةِ الرضا: ولا أبتغي سوى ذلك». وتُؤذنُ هذه الإجابةُ بميلادِ الطالبِ السرمديِّ الذي سيغدو «الفيلسوف»، بعد تلك «السنواتِ العشرِ الكاملةِ التي تُرِكَ فيها لشأنه» وبعد ذلك الشغفِ بالعلومِ الذي ذكرته «أنجيليك». لكن هذا الردَّ على «كليمون دي ريس» قد يتردَّدُ صداه أيضاً في مقطعٍ من «مفارقةٌ حولَ الممثل»، حيث يصفُ المتحَدِّثُ الأولُ «حالةَ» الممثلِ رداً على محاوره الذي يلاحظُ قائلاً: «من كلامك، يُستشفُّ أن الممثلَ العظيمَ هو كلُّ شيءٍ ولا شيء»، فيجيبه: «ولعل ذلك راجعٌ إلى أنه، لكونه لا شيء، فإنه يغدو كلَّ شيءٍ بامتياز، إذ إن شكلَه الخاصَّ لا يناقضُ قطُّ الأشكالَ الغريبةَ التي يجب أن يرتديها». وتستلحقُ هذه الملاحظةُ تأملاً للممثلِ الإنجليزيِّ الشهير «غاريك» الذي كان يدَّعي حرصَه على ألا يكونَ نفسَه أبداً، ولا أيَّ شيءٍ آخرَ... (وهو ما نصادفُه في مقالةِ الصالون لعام ١٧٦٧). وعند «ديدرو» مؤلفِ «المفارقة»، هذه القابليةُ المطلقة، وهذا الخواءُ من الكينونة، فضلاً عن كبحِ العاطفة، هو ما «يُهيِّئُ» الممثلَ العظيمَ ويُؤهِّلُه للعبةِ المحاكاة. ومن هنا، فإن «ديدرو» الشابَّ، إذ كان يرمي إلى مواصلةِ الدراسةِ بعد فراغه منها، قد كان يمتلكُ أيضاً سمةً لا غِنى عنها لممارسةِ حرفةِ الممثل. وهذا ما يقودنا إلى إقراره الشهير بسيرته الذاتية في ذات «المفارقة»: «أما أنا نفسي، حين كنتُ في ريعانِ الصبا، فقد ترجَّحتُ بين رحابِ السوربون وخشبةِ المسرح (الكوميدي فرانسيز). كنتُ أمضي في الشتاء، في أقرسِ الأيامِ برداً، لأنشُدَ بصوتٍ جهوريٍّ أدوارَ موليير وكورناي في أروقةِ حديقةِ لوكسمبورغ الموحشة. ما كان مَأْرَبي من ذلك؟ هل هو سماعُ التصفيق؟ لَرُبَّما. أم لأعيشَ في كنفِ ممثلاتِ المسرح اللواتي كنتُ أراهنَّ في غايةِ الرقةِ واللطفِ، وكنتُ أعلمُ سهولةَ مرامِهنَّ؟ ذلك ما لا شكَّ فيه. لستُ أدري ما الذي كان يسعُني ألا أفعله لأحظى بإعجاب (لاغوسان)، التي كانت في مُقتبَلِ أيامها، وكانت آيةً في الحسن؛ أو لإرضاءِ (دانجفيل)، التي كانت تتحلَّى بجاذبيةٍ ساحرةٍ على خشبةِ المسرح».
لا ريب أن «ديدرو» قد أدنى بين «الكوميديا» و«السوربون» حين أرخى العنانَ لفلسفةٍ حولَ العرضِ المسرحيِّ والممثل. بيد أن مكرَ الأيامِ والأجيالِ اللاحقة، كما هو معروف، قد نحَّى دراما «ديدرو» إلى زوايا النسيان، في حين باتت الخشبةُ المعاصرةُ أكثرَ إقبالاً على عرضِ «ابنُ أخِ رامو» أو «جاك القدري». أليس بليغَ الدلالةِ أن يُعثَرَ على المخطوطةِ الأصليةِ لـ«ابنُ أخِ رامو» في عام ١٨٩١ على يدِ «جورج مونفال»، أمينِ مكتبةِ الكوميدي فرانسيز، قابعةً بين أوراقِ «مآسٍ عَفا عليها الزمن»؟ حتى إن البعضَ قد يقولُ إن «ديدرو» متخصِّصٌ في المسرحِ الذي وُلدَ ميتاً. فها هو يُعيدُ ذكرَ مسرحيته «العُمْدة» في «المفارقة» واصفاً إياها بـ«المصنَّفِ العظيم»... الذي لم يُكتَب قط. ولكن ما يعصى على صروفِ النسيانِ وتقلُّباتِ الأجيالِ هو جَذوةُ الفكرِ المتقدة. وقد ختم «غابرييل دوفاي» حواراً تمهيدياً لطبعةٍ حديثةٍ من «المفارقة» بقوله: «نحن هاهنا إزاءَ حقائقَ متحركة، ومحاولاتِ تقارُبٍ، وتساؤلاتٍ تأمليةٍ تعكسُ شكوكَ الممثلِ ذاتِه ومفارقتَه التي لا قرارَ لها». إن الحوارَ لَطائرُ فينيقٍ يُبعثُ من رماده أبداً. ومع ذلك، فإن ما يتبقَّى عند «ديدرو» - إلى ما وراءَ الاستفزازِ الكامنِ في «المفارقة»، وأبعدَ من مواعظِ الواعظِ العلماني، وأعمقَ من النزعتين الأخلاقيةِ والواقعية - إنما هو التجربةُ النقديةُ للمسرحِ بأسرها، بحلوها ومُرِّها، وبكليتها النابضةِ بالحركة؛ تلك التجربةُ التي ستظلُّ أبداً درساً يبثُّ الحياةَ في الأوصال.