المُتجوّلُ في حريرِ اللُّغات
يكتب كازيمير ماليفيتش في بيانه «التّفوقية» (الجزء الثاني من كتابه «العالم اللّاموضوعي») قائلاً:
حينَ كان العامُ ١٩١٣، وفي محاولتي اليائسة أن أُحرِّر الفنَّ من ثِقَل الموضوعيّة، لجأتُ إلى هيئة المربّع وعرضتُ لوحةً ليست سوى مربّع أسود على حقلٍ أبيض؛ فتنفّس النقّاد، ومعهم الجمهور، تنهيدةً وقالوا: "لقد ضاع كلُّ ما كنّا نحبّ. نحن في صحراء".
وهذه الصحراءُ عالمٌ من الرسم قوامه خطوطٌ وأشكالٌ لا موضوعَ لها ولا واقعَ مُحاكًى؛ نحوٌ خالصٌ للرسم لا يَدينُ لِـ«الأشياء» بشيء. وقد امتلك ماليفيتش جرأةَ الدّخول في تلك الفلاةِ من اللّاشيئيّة التي تُلقي عن كاهلها «الثِّقلَ الميّتَ للعالم»، ويقول في مقالةٍ له: «لقد حوّلتُ نفسي إلى صِفرِ الشَّكل، وجَرَرْتُ ذاتي خارج دوّامةِ النفاياتِ في الفنّ الأكاديمي».
وعلى كثرة الفوارق - ماليفيتش يستضيء ببرغسون، وبارت بسوسور؛ ماليفيتش كثيرُ النزعة الصوفيّة، وبارت قلَّما يكون كذلك؛ ماليفيتش رسّامٌ ومنظِّر، وبارت منظِّرٌ وكاتب - فإنّ الذي يَبرزُ أنّ كليهما: ماليفيتش وبارت، يُعرضان عن تمثيل العالم، ويلتفتان إلى جدّةٍ جذريةٍ، إلى «صِفرِ الشَّكل».
أما كتاب «ساد، فورييه، لويولا» فهو الموضعُ الذي يحتفي فيه بارت بهذه الجدّة الجذرية، ويعرضها بوصفها تمنح القارئ لذّةً يَفترض بارت أنّها كانت تُحرِّك أولئك الثلاثة. فقد ابتدع الثلاثةُ «لغةً ثانية»، مادّتُها مأخوذةٌ من لغتهم الأولى، غير أنّها - بخلاف الأولى - ليست موضوعةً للتخاطب. لغاتهم الثانية تُركّب الكلماتِ المعروفةَ والفئاتِ النحويّةَ المألوفةَ من لغاتهم الأولى، لكن على نحوٍ لا يُنتجُ معنًى اجتماعيًّا أو أيديولوجيًّا أو فلسفيًّا أو سياسيًّا مقبولاً. ولكي لا تُنتجَ ذلك المعنى، كان أوّلُ ما عليهم أن يعزلوا أنفسَهم واللغةَ التي يُنشئونها عن العالم. لذلك يلتمس الثلاثةُ أشكالاً من الاعتزال: فساد يجعل اللّذّاتيين يسجنون ضحاياهم؛ وفورييه يبتدع «الفالانستير» (Phalanstère) - نمطَ عيشٍ جماعيٍّ ليس هو الأسرة ولا القرية ولا المدينة؛ ولويولا يُنظّم خلوةً دينيّةً يتعلّم فيها المعتكفون - بعيدًا عن صخب العالم - أن يصوغوا «طلبًا» قد يستدرج جوابًا من الرّب.
ولُغتُهم الثانية - كأيّ لغة - لها وحداتٌ أساسية وقواعدُ تركيب. فعند ساد وحداتُها: أوضاعُ الجسد، ومواضعُ اللذّة، والأفعالُ الجنسيّة التي تُوصَف وتُبْحَث. وعند فورييه وحداتُها: الأهواءُ الإنسانيّة (ويزعم أنّها ١٦٢٠ هوًى على التحديد) تُمارَس تبادليًّا بحيث إنّ وصف «الانسجام» - عالم فورييه الجديد - يُحقّق حلاوةً حسّيّةً متّصلة. أمّا عند لويولا فالوحدات: صلواتٌ ورؤى ودموعٌ تنتهي إلى صوغ طلبٍ نهائيٍّ من الرّب. وهذه الوحدات تُركَّب بحسب قواعدَ يضعها الثلاثةُ أنفسُهم، فتجعل منهم «مُخترِعي لغات»، أو «لوغوثيتات» بتعبير بارت.
فهؤلاء الثلاثةُ ينكفئون عن الإحالة (المرجعيّة)، تلك التي تُحوِّل الكتابة إلى «دوّامةٍ من القُمامة». وبعد أن تُعرّى لغتهم من اللغة العامّة، ومن الأيديولوجيا، ومن الرّبجة الاجتماعية (Sociolecte) (ومن «الاعتقاد» (Doxa) كما يسمّيها بارت: أي الرأي المبتذل المتوارث)، تزهر صحاريهم بسحرٍ جديد ولذّاتٍ جديدة للّغة. فسحرُ فورييه عند بارت - مثلاً - هو «الفصل» (Anacoluthon): «ذلك الالتواء الفجائي في التّركيب التعبيري (syntagm)»، تلك القفزةُ المنطقيّة-النحويّة التي تأتي كـ«لا تَتْبع» فتُحدثُ خطأً مُبهجًا يفتح تراكيبَ غيرَ متوقّعة في هوسه بالحسابات والتوالد الهندسيّ والتصنيف.
وسحرُ ساد يشمل «أرقَّى صور البلاغة: التّعاكس (chiasmus)»، في جملةٍ مثل: «إنّها تستخرج من أصابع هذه الفتاة الجميلة الخدمةَ نفسها التي تُؤدّيها لي بلسانها.» فالتعاكس هنا «(تستخرج.../ ...تؤدّي)» يجعل «القياس (Paradigm) شرطَ اللذّة»، لذّةً تقوم على «ذكاء النحو، عقلًا وتواطؤًا».
وأمّا لويولا فيمنح بارت لذّةً أقلّ؛ إذ كان فورييه وساد أقربَ إلى مزاجه في طريقة التفكير والكتابة - حتى إنّ كتابات بارت في عقده الأخير أخذت تزداد نشيدًا متقطّعًا رابسوديًّا - أمّا لويولا فلا. ولا يَطيبُ بارتُ بإغناطيوس إلا بعد أن يَجرِّده من التصوّف والروحانيّة: «ليس الذي آخذه من حياة لويولا أسفاره ورؤاه ومجاهداته ودساتيره، وإنما "عيناه الجميلتان، الممتلئتان دائمًا قليلًا بالدمع"». فإذا ما نزع عنه اللباسَ الكهنوتيّ وجسّده، استطاع أن يجعل زُهدَه لاموضوعيّةً في لغته، لغةً يتلذّذ بها: «عند إغناطيوس، كلُّ فعلٍ إنسانيٍّ هو بطبعه قياسيّ»، ويتضمّن عمليّةً يسمّيها «الاختيار» (Prohairesis)، وهي «أن تُنَصَّب نقاطُ التفرّع في مشروعِ خطّ السلوك، وأن يُنظَر في الجهتين، ثم يُختار هذا دون ذاك، ثم يُمضى قُدمًا». وهذا الدفعُ المتدرّج للّغة عبر التفرّع ينتهي إلى لحظةِ توازنٍ تامّ بين بديلين نهائيّين، لا يَرجّح أحدَهما إلا الرّب: فإمّا أن يتكلّم الرّب، وإمّا أن تُقبَلَ سَكَتتُه. على الرّب أن يُزوِّد لغةَ إغناطيوس - المُهذّبة حتى آخر مفترق «نعم/لا» - بموضوعها. غير أنّ هذا القياس من التفرّعات لا يُنشئ نظامَ دوالّ، بل يستنطق علامةً ثنائيّةً واحدة: جوابُ الرّب («نعم/لا») أو صمتُه.
وهكذا يَكتسبُ الثلاثةُ حريّةً في استعمال الكلمات دون أن تُجبَر على الهبوط على معنى مُسبق. ويُبيّن بارت كيف يستثمرون هذه الحريّة: يُكثِرون من الكلمات، ويخترعون تصنيفاتٍ تقطّع هواجسهم الخاصّة (الإيروتيكا، اليوتوبيا، الروحانيّة) بتأنّقٍ يُفضي إلى تفاصيل لا تنتهي، وتوضيحاتٍ وإعادة ترتيبٍ، واستثناءاتٍ آسرةٍ كثيرة، حتى يتّسع الخطاب - هذيانًا - نحو اللانهاية. فهذا التزاوج بين النظام والاستثناء يُنتج نمنماتٍ لغويّة تُبهج بارت: التّعاكس (ساد)، والفصل (فورييه)، والاختيار (لويولا). ولغةُ ساد الجديدة «خطابٌ واسعٌ قائمٌ على تكراراته هو (لا تكرارات غيره)، يُبْسَطُ في التفاصيل، والمفاجآت، والرحلات، والقوائم، والصور، والتكوينات، والأسماء الأعلام... إلخ». وفورييه ولويولا يَصنعان خطابين واسعين من جنس ذلك، يقومان أيضًا على تكراراتٍ خاصّة «لا على تكرارات الآخرين»، ويحتاجان أيضًا إلى «إلخ» لتدلّ على أنّ هذا التفصيل الإحصائي كان يمكن أن يمضي أبعد.
ويشرح بارت أنّ ساد مُزعزعٌ لا لأنّه يكتب «ما يصدم الرأي العامّ والأخلاق والقانون والشرطة»، بل لأنّه يبتدع «خطابًا مفارقًا (نقيًّا من كلّ دوكسا): فالاختراع - لا الاستفزاز - فعلٌ ثوريّ؛ ولا يتمّ إلا بإقامة لغة جديدة». فالاستفزاز في قراءة ساد طُعمٌ يَخدع القارئ؛ إذ يرى إساءةَ القديم ولا يرى اختراعَ الجديد. وساد مُخترع لأنّه يُطهّر نثرَه من القيد الاجتماعيّ تطهيرًا يُشبه القيء (وفي المقابل - كما سنرى - قيءَ فورييه للسياسة). ساد يُفرِّغ خطابَه من الدوكسا كما يُفرِّغ فُجّاره مشاهدَ الفجور من الجمال والترف: «تكثر الورود والقرنفل والزنابق والياسمين وزنبق الوادي؛ لكنّ الفسق ينتهي إلى بحرٍ من الغائط والقيء؛ فالزهور افتتاحٌ، تُقيم بدء الانحطاط الذي هو جزء من خطّة اللذّاتي». أمّا قراءةُ ساد بإدانةٍ أخلاقيّة فمعناها «أن لا تتغذّى إلا بالكلمة الموروثة للآخرين، بالمادّة الرتيبة للرأي الشائع».
وقد يسخر القارئ من روايات ساد لاستحالة طبيعة الأفعال الجنسيّة وكثرتها. غير أنّ ساد لا يطلبُ «التصوير»، بل يريد: «إنّ استحالات المرجع تُحوَّل إلى إمكاناتِ الخطاب». فإذا قُرئ لأجل «إنجازات الخطاب» بدا ساد مُصمِّمَ قياس جديد، بقوانين جديدة تُسقِط قوانين الواقع الإحالي. يصير المرجعُ خرافيًّا لأنّ «صدق الواقعيّة» مُستبعَد. وساد «ينحاز دائمًا إلى السيميُوزِس (semiosis) لا إلى الميمِسِس (mimesis)»، وبارت يُصفّق له. فالميمِسِس تُكرّر، والسيميُوزِس تَخترع؛ وما تخترعه ضرورةً تركيبٌ من عناصر، أي نظامُ قواعد تُقيمُ الجديد. ولأنّ ساد - كما يفعل فورييه ولويولا - يبني تراكيب بلا تاريخ ولا سوابق، فهو يتباهى بصناعته ويستدعي دهشةً من جنس ما لاحظه ماليفيتش: «لقد ضاع كلّ ما كنّا نحبّ».
يكتب ساد عن الأجساد، ويُصنّف مواضع لذّتها الإيروتيكيّة، ويُدبّر أوضاعًا وأعمالًا ومشاهدَ تُتيح وتُفضي وتُيسّر وتُكثّف وتُضاعف «التفريغ». و«التفريغ» لفظٌ موحٍ، إذ «يجعل النُّطفة بديلًا للكلام...: "كان تفريغ سان-فون بَهيًّا، جسورًا، حارًّا"». جسدُ ساد كلمةٌ: فالمبدأ الإيروتيكي هو
تشبيعُ كلّ مساحةٍ من الجسد: يُراد توظيفُ كلّ جزءٍ منفصل (احتلاله). وهذه هي المشكلة نفسها التي تواجه الجملة... إذ لا فرق بين بنية القذف وبنية اللغة: فالجملة (الأدبيّة المكتوبة) جسدٌ أيضًا، ينبغي تحفيزُه بملء مواضعه الرئيسة (فاعل-فعل-مفعول) بالتوسعات والجمل الاعتراضيّة والتابعة والمُحدّدات.
ويريد بارت بالفعل «التفكيك» إلى أجزاء. فكما يُقسَّم الجسد الإيروتيكي إلى «المواضع الرئيسة للّذّة (الفم، الأعضاء الجنسيّة، السّرم)» تُقسَّم الجملة إلى «فاعل-فعل-مفعول»، فيجعل ساد الجسد لغةً، ويُذيب اللحمَ في الخطاب.
أمّا فورييه عند بارت فيتّجر في الاستحالة مثل ساد، ويُفتّت الأشياء إلى أجزاء ليُعيد تركيبها. وموضوع تفتيته هو اللذّة الحسّيّة بوصفها فائضًا و«إفراطًا» من الأشياء الماديّة، بحيث لا تكون السعادةُ محتاجةً إلى «تحويلٍ تساميٍّ لنقصٍ فرويديّ»، بل إلى «اندفاقٍ ذعريٍّ لذروة الشِّبع». لكن كيف يجمع تلك الذروة مع تجدّد الشهيّة؟ تأتي أجوبة فورييه واسعةً مُبهِجة، شديدةَ الجذرية في إقرارها «بالجديد المطلق الذي لم يُقَل فيه شيء بعد». لذلك ينبغي أن يُفتّت كلُّ ما هو قائمٌ ومنظَّمٌ وفق مبادئ قديمة، حتى تُخترعَ مضادّ-واقعيّة تُعتق من ثِقَل العالم. فبدل «الحضارة» يقيم فورييه «الانسجام»؛ وبدل التعارض بين العمل والفراغ يجعل ممارسةً تُحوّل العمل إلى لذّة؛ وبدل ازدراء المال - ولأنّ الفلاسفة كلَّهم، مسيحيين أو ماركسيين أو فرويديين أو غير ذلك، يزدرونه على وجهٍ ما - يرفع المال ويُمجّده؛ وبدل العلم والسياسة يضع «المنزليات» (Domestics)، وهو اسمٌ جامعٌ لمنظومته الجديدة. والمنزليات هي التخلّص من السياسة، و«قيءُ السياسة هو ما يسمّيه فورييه الاختراع». والمنزليات هي مبدأ تنظيم «الانسجام»، مجتمعٌ مُفصّلٌ في قياس من اللذّات، يستبعد كلَّ ما هو كئيبٌ في الموجود: الزهد، الفلسفة، المكتبات، الحاجة، العُصاب، الزواج، الطعام الرديء.
قياس اللذّة عند فورييه انفلاتٌ مثل قياس الرذيلة عند ساد. غير أنّ لذّة فورييه تَطرق بارت أسرعَ وأقربَ من لذّة ساد في الشرّ والجريمة: فورييه «كاتبٌ سعيد»، لذّتُه «لا تشمل الإغاظة على طريقة ساد، بل تُبدّدها». ولذّة فورييه الجذرية تُبرّئ المرءَ لأنّ «الانسجام» ينزع عن «الحضارة» نفاقَها وجدّيّتَها وحُكمَها على الناس. «سيُفرّج الانسجامُ عن الأهواء، وستُمتصّ السادية» بمزاوجة السادي بمن يُخرجه من ساديته. والشرّ في الانسجام يُحوَّل إلى لذّة حسّيّة عبر موازنة تصنيفات الأهواء (٨١٠ لكلّ جنس، فالمجموع ١٦٢٠). وتصنيفات فورييه تُنتج لذّة لأنها تُولِّد «دوارًا منطقيًّا». يطرد الجِدَّ من التصنيف ويُخفِّفه بالعبث. ففي الانسجام - مثلًا - لن يبقى من السمك إلا «الأنواع النافعة، كسمك البياض والرنجة والماكريل والسمك الموسويّ والتونة والسلحفاة... باختصار كلُّ ما لا يهاجم السابحين». وهذا التعداد يُبهج بارت لما يُحدثه من ارتدادٍ سريالي في الخيال: أن تُهاجم سمكةٌ بريئة كالمَاكريل سبّاحًا!
إنّ التصنيفاتِ عند فورييه لا تقلُّ لانهائيّةً عن التصنيفاتِ عند ساد ولويولا؛ غير أنّ لانهائيّتَه خاصّةٌ به، منشؤها هوسُه بالحساب ممتزجًا بضربٍ من الخبل. فهو يعلن أنّ طولَ الرجالِ في «الانسجام» سيكون سبعةَ أقدام. ولا يذكرُ ما الذي منحه هذه الطمأنينة، غير أنّه يُسوِّغ استعمالَ «القدم» وحدةً للقياس، ويزيدُ الأمرَ غرابةً إذ يجعلها «قدمَ ملكِ باريس» على الخصوص! وتلك القدم - في زعمه - هي القياسُ الطبيعيّ «لأنّها تساوي الجزءَ الثانيَ والثلاثين من مستوى الماء في مضخّات الشفط». فَيَقف بارتُ حائرًا لا يدري ما يقول، ثم يطربه الفصل ويستملحه: «في حيّزِ كلماتٍ قلائل، نجدُ مضخّاتِ الشفط ممزوجةً بطولِ إنسانِ المجتمع». ثم إنّ بين مضخّات الشفط، وقدمِ الملك، واتّخاذِها وحدةً للقياس صلةً اعتباطيّةً محضًا؛ والاعتباطُ من خصائصِ اللغة كذلك: إذ ليس في الدالّ /شجرةُ الإجاص/ شيءٌ ذاتيٌّ يُلزمُه أن يُطابق المدلول «شجرةَ الإجاص». غير أنّ اعتباطيّة فورييه تُحكِّمُ حكماً على غير المألوف، وذلك ما يجعله مُخترعًا للّغة. فاللسانيّاتُ المعياريّة تتخيّل العالم مؤلَّفًا من عناصرَ مفردةٍ قائمةٍ خارج اللغة، تُسمّيها اللغة بعلاماتٍ تقابلُها. والفروقُ في العالم - كالفرق بين شجر الإجاص وشجر التفاح - تُدلّ عليها بمبدأ الإبدال: تُستبدل علامةٌ بأخرى، /إجاص/ بـ /تفاح/. أمّا نظريةُ فورييه في اللغة فتتحوّل عن مبدأ الإبدال إلى مبدأ الإضافة؛ إذ تقوم - لا على الاستبدال - بل على نسبٍ بين الاختلاف والتشابه. فالثمار المختلفة، كالتفاح والإجاص، تشترك في قاسمٍ واحد: أنّ كليهما مُعلّقٌ على أغصان أشجارِ فاكهةٍ متقاربةِ الشبه.
فالثمرتان، التفاح والإجاص، تختلفان، لكنّهما تشتركان في أنّهما معلّقتان على أغصان شجرٍ متقارب الهيئة. وهذا في مجتمع فورييه المُصطنع يعني أنّه يَجمعُ الناس في زُمَرٍ يمكنها التعايشُ لا لاتّفاق أذواقها، إنما لتقابل أذواقٍ داخل أُلْفةٍ مشتركة. فمُحبّو الزهور جميعًا، تُضمُّ إليهم جماعةُ مُحبي الزهور الصغيرة المتنوّعة مع مُحبي الورود، فيتألّف - بهذا الاقتران - ما يسمّيه بارت «قياسًا مُسنتغمًا»؛ أي جماعةً من عناصر لا بدّ أن تكون غيرَ متساوية لكي يصحّ لها أن تتجاور في انسجام، كما أنّ الجملة لا تكون سليمةً إلا إذا تألّفت من عناصر مختلفة. وكارهُ الكسكس الزانخ (كما يصرّح بارت بنفسه في مطلع مقالته عن فورييه) سيُرسَل في «الانسجام» إلى جماعة «مضادّ الزانخ»، حيث يجد الكسكس الطريّ حاضرًا للأكل. وبهذا يصنع فورييه مجتمعًا شديد التدرّج في فروق الأذواق والأهواء حتى لا يُقصى أحدٌ من أهل «الفالانستير». ففي «الانسجام» يُلغى «جرحُ المنع».
وتضمنُ السعادةُ في «الانسجام» لأنّ تصنيفات فورييه تُدخِلُ في داخلها استثناءاتٍ تقع خارج التصنيف، فتُليّنُ حوافَّ الفروق. بل إنّ الخارجَ عن كلّ تصنيفٍ مقدارُه دائمًا ثُمنُه، وهو نصيب «الانتقالات أو المُحايدين… ذلك العازل، ذلك المُخمِّد، الذي شأنه أن يُخفّف ويُلين ويُسيِّل دقّات المعنى المتناوبة… التي يُنتجها الإبدالُ القياسيّ بإلحاح: نعم/لا، نعم/لا، نعم/لا… إلخ». وهذا «خطأ الثُّمن» يضمّ كلَّ ما ترفضه «الحضارة» لأنّه مُلتبسٌ مختلط: «الحسّاس، والخفّاش، والسمك الطائر، والبرمائيات، والحيوانات-النباتات، والسحاق، واللواطة، وزنا المحارم، والمجتمع الصيني…» وهو الذي يجعل «الانسجام» رفيقًا لأنّه مُزدوجٌ ومُلتبسٌ ويُربك «المعنى، والمعيار، والطبيعيّة». ثم إنّ فورييه وهو يخترع لغةً يبتدع استحالاتٍ أبهى من استحالات ساد: يُحوَّلُ ماء البحر المالح إلى ليمونادة؛ ويُصلح المناخ؛ وتُحوَّل الجلجلة من موضع صلاةٍ كئيبة إلى جبلٍ زراعيٍّ خصب؛ وتُعادُ هيئة القارات؛ وتغدو الأجسادُ سبعةَ أقدامٍ، وتبلغ الأعمارُ مئةً وأربعًا وأربعين سنةً من القوّة.
وكان روحُ فورييه - وإن خَفَت - أقربَ إلى زمن بارت من روح ساد أو لويولا. فمن ذلك مثلًا جون كيج، الذي يذكره بارت كثيرًا بالإقرار. ففي مقابلاتٍ مع كيج جُمعت في كتاب للطيور، يتحدّث - وهو خبيرُ فِطرٍ - عن أنّ «الفِطر يعصي محاولاتِنا للتصنيف»؛ ويعلن أنّ «الاقتصاد ينبغي أن يُلغى، والسياسة أيضًا». وبإلهامٍ من أفكار باكمنستر فولر يعتقد كيج أنّ «علينا أن نجعل مواردَ العالم كلَّها في حالةٍ سائلة متقلّبة متحرّكة بحيث لا يبقى شيءٌ نحتاج أن نسعى للتخلّص منه». ويضرب مثالًا عمليًّا: أن تكون لنا مجلاّت «نأكلُها بعد قراءتها». ورقٌ مأكول: حلٌّ أسمى بكثيرٍ من رفع الصحف إلى الإنترنت! ولأُعجب فورييه بذلك، بشرط أن يكون الورق الذي يأكله على الفطور ذا طعمٍ يُشبه «المِرليتون» (كعكات باريسية صغيرة مُتبّلة).
فبالنسبة إلى ساد تُصوغُ اللغةُ الثانيةُ الجسد: الجسد الإيروتيكي ومداخله اللذّيذة ينحلّان إلى ألفاظِ لغةٍ ثانية؛ وبالنسبة إلى فورييه تُصوغُ اللغة الثانيةُ الأهواءَ المُحدّدة حديثًا لتكون أُسسًا للّذة والسعادة. أمّا لويولا فيبقى أقرب إلى بيته وأبعد في طريقه: فمن اللغة (الإسبانية واللاتينية التعبديّتين) ينبغي أن تُشَكَّلَ لغةٌ جديدة (تعبديّة كذلك) تستطيع أن تستنفر عنايةً إلهيّة. وبينما يُلطّف فورييه «دقّات نعم/لا» بخلق انتقالاتٍ لا تكاد تُحَدّ بين نعم ولا، فإنّ لغة لويولا من الدعاء والتعبّد تهدف إلى تعليم المعتكفين سلسلةً من أسئلةٍ ثنائيّة تزداد تحديدًا حتى تُفضي إلى السؤال الأخير الذي لا يجيب عنه إلا الرّب. ومشهد «التّمارين» عند لويولا يشبه درسًا في لغةٍ ثانية، يُدرِّس فيه المعلّم (مُدير الخلوة، متعلِّمًا بدوره من المؤلّف التاريخي إغناطيوس) المعتكفين تلك اللغة الثانية المقصودة لمخاطبة الألوهة مخاطبةً دقيقة. وفي نص لويولا كفاءتان لغويتان: مُرشدٌ روحيٌّ ناسكٌ قد تخلّى عن ثِقَل العالم ويَعرفُ لغةً لا تُحيل إلى واقعٍ سابق؛ ثم يُعلّم تلامذتَه كيف يُخلون أنفسَهم من ذلك الحمل، تعلّمًا يقتضي الجهلَ بكلّ خطوةٍ مقبلة: فمأساة المعتكف أنه لا يدري كيف تنتهي الجملة التي شرع فيها.
وهذا الوصولُ إلى لاموضوعيةٍ غيرِ دنيويّة تتيح التفرّغ لتعلّم اللغة الثانية يقتضي الانضباطَ الزهديّ الكامل في نظام إغناطيوس. فتشمل التعليمات: العزلة، وشروطَ إنارةٍ مخصوصة، وأوضاعًا («راكعًا، منبطحًا، قائمًا، جالسًا، رافعًا بصرَه إلى فوق»)، وتنظيمًا شديدَ الدقّة للوقت من اليقظة إلى النوم، بحيث تُوصَف كلُّ فعلةٍ في اليوم، ويُملأ أصغرُ فراغٍ بفكرة ما ينبغي فعله بعده. فلا يبقى في ذهن المعتكف متّسعٌ لكلمةٍ خارج اللغة التي يُمعن في تعلّمها. وهذه التعليمات التي تغطّي كلّ لحظةٍ من يومه ليس غرضها - كما عند ساد الذي يُحوّل الجسد لغة، أو عند فورييه الذي يُحوّل الأهواء - أن تُترجم إلى لغة، بل أن تُنشئ فيه «فراغًا لغويًّا لازمًا لتكوين اللغة الجديدة وانتصارها».
وأهمُّ ما يُتعلّم في لغة لويولا الجديدة أنّها تُخالف الطبيعةَ الإخباريّة الجازمة للغة؛ فهي لغةٌ استفهاميّة، لغةُ سؤالٍ وجواب، أي لغةُ فراغٍ يستجدي الامتلاء. فمشيئةُ الرّب غيرُ معلومة، فلا بدّ من سؤالها - ولا يُسأل إلا الرّب لأنّه وحده يعلم - لكنّه لا يُجيب (إن أجاب) إلا إذا تهيّأ السائلُ لجوابٍ حتى يستحقّه. فالسؤال «ماذا أفعل؟» لا يدلّ على تفكّرٍ عميق؛ أمّا السؤال «أأفعل هذا أم ذاك؟» فيدلّ لأنه ثنائيٌّ قياسيّ، قد أعدّ فيه السائلُ قياس البديلين.
وإعدادُ القياس تُمَهِّد له ثنائيّاتٌ سابقة. ففي «التّمارين» «كلُّ شيءٍ يُقسَم فورًا ويُجزّأ ويُصنّف ويُرقّم في شروحٍ وتأمّلات وأسابيع ونقاط وتمارين وأسرار… إلخ». ولغة إغناطيوس لغةُ تفصيلٍ مُتعبٍ ينتهي إلى أن يتجاوز اللغة البشرية حتى تتولّى الكلمةُ الإلهيّة: فإغناطيوس عند بارت ليس صوفيًّا يطلب «التجلّي» (ظهور الإله رؤيةً)، إنّما طالب «سيميوفانيا» - أي علامةٍ مسموعةٍ منه. وساد وفورييه ولويولا «لوغوثيتات» لا لأنّهم كذلك في أنفسهم، بل لأنّ بارت يريدهم كذلك. فهو إذ يقرأهم ينفخ رغبتَه في «الجديد المطلق» فيصير الأمرُ مشروعًا مشتركًا. يكتب بارت نفسَه في «ساد وفورييه ولويولا»؛ والعنوان السرّي للكتاب: «ساد، فورييه، لويولا، بارت».
ويقول بارت في مقدّمة الكتاب إنّ النص لا يُرضي حقًّا إلا حين «يهاجر إلى حياتنا، وحين… تقعُ مُعاشرةٌ» تمكّننا «من العيش مع فورييه، مع ساد». وإنّه «مُحزِنٌ… أن نتخيّل النصّ موضوعًا ذهنيًّا (للتأمّل والتحليل والمقارنة والمرايا… إلخ)». ولكي يعيش بارت مع فورييه وساد ولويولا، يحتاج أن يخرج من كآبة الاشتغال العقليّ الخالص، وأن يفتح نفسه لنداءٍ آخر: نداء «نشيدِ الودادات المتقطّع». يريد أن يُحبّ الذين يحبّهم، وأن يحبّهم لسحرهم وشمائلهم، ويسمّي هذا النداء «عودةَ المؤلّف الودّيّة». وهذه العودة تقع في طرائق التعبير الخاصّة، وفي «سيّر ذاتية» (biographemes) صغيرة - مثل حُبّ فورييه لكعكات «المِرليتون»، و«عينَي» لويولا، ولهجة ساد الإقليميّة في قوله «مِلي» بدل «مادْموزيل». ويُختم «ساد، فورييه، لويولا» بقسمٍ قصير عنوانه «حيوات»، يجمع فيه بارت بيوغرافيماتٍ تُقرّب أولئك «المخترعين» إلى قلبه: اثنتان وعشرون لساد، واثنتا عشرة لفورييه (ولا شيء للويولا لأن «لا نعرف شيئًا من حياة إغناطيوس لويولا». وهكذا كان بارت - «لو كنتُ كاتبًا» - يودّ أن يُذكَر». وهذه البيوغرافيمات - على تافهها الآسر - هي علامةُ أُلْفة. وقد علّق شون بورك على بيوغرافيمات بارت فقال:
إنّ من فقدوا أعزّ الناس لا يذكرون موتاهم على طريقة صاحب التراجم المهيب، بل عبر صورٍ متفرّقة: حبّ القطط والزهور، ميلٌ إلى كعكاتٍ بعينها، عينان دامعتان كعيني إغناطيوس لويولا… فعند بارت… يرنّ البيوغرافيم بما فيه من شجن الزمن الضائع، ومع ذلك يُسهم في استعادته.
وهؤلاء «اللوغوثيتات» (أو اثنان منهم على الأقل) قريبون إلى قلب بارت حقًّا، وبيوغرافيماته من جنس الألفة البيتية التي يشارك بها قارئَه أيضًا في «عودته الودّيّة» بوصفه مؤلّفًا في أعماله المتأخّرة مثل «الغرفة المضيئة»، و«رولان بارت بقلم رولان بارت»، و«خطاب العاشق» - وهي أعمالٌ تُعلن انعطافًا إلى «لمسةٍ من عاطفيّة». ففيها يبوح بارت بيوغرافيماته هو: كعاداته اليوميّة (فهو رجلُ صباح)، وأذواقه في الأقلام والحبر والورق (ولا وِداد له مع أقلام «بيك»)، وفواكهه المفضّلة (الإجاص والخوخ والكرز؛ لا الفراولة).
وليس عسيرًا أن نرى أنّ بارت في «ساد، فورييه، لويولا» يعتمد - كذلك - على «التأمّل والتحليل والمقارنة والمرايا… إلخ» اعتمادًا شديدًا. فالنثرُ عند الأربعة «غيرُ محتمل»، غيرُ «مُتَنَفَّس» - على حدّ لفظه الفرنسي - أي غيرُ مهوّى ولا رحيب. ونثرُ بارت كثيفٌ مثلًا بالمنحوتات («لوغوثيت»، «بيوغرافيم»، «قياسات»، «سيميوفانيا») تنحدر من كونٍ سيميولوجيٍّ واسع، وتَحُول دون إسراع المعنى إلى خرائط التصنيف المألوف. وهذه الكلمات الجديدة من لغته الجديدة، لكنها لغةٌ قاحلة لا تُزهر إن استجبنا لندائها العقلي وحده. فإذا أردنا أن نعيش مع بارت بوصفه «لوغوثيتًا» كما يعيش هو مع ثلاثته، وجب أن نكسّر صلابة نثره، وأن نفتش فيه عن جيوبٍ تُبهجنا، وتُحبّبنا إليه، وتُسمِعنا ذلك «النشيد المتقطّع من الودادات».
ويشرح بارت كيف تُكسَر صلابةُ النثر: إنّها مسألةُ قراءةٍ على غير المألوف. ففي فقرة «حريرٌ مُموَّج» من «ساد الثاني» يقدّم طريقته الجديدة ويُبيح لنا - كأنّما - أن نقرأه هو أيضًا بتلك الطريقة. فالنصوص المعقّدة «متعدّدة الألوان» - ونصوص الثلاثة منها - يمكن قراءتُها «بحسب المزاج… وبالقفز، بحسب اللحظة». فيومًا تقرأ «الاستطراد السادي لا المشهد الإيروتيكي»، ويومًا آخر تقفز إلى المشهد وتترك الاستطراد. فإذا كان النص حقًّا لما يدلّ عليه أصله فهو نسيجٌ: سطحٌ «متقلّب مُتلألئ من الأساليب، حريرٌ مُموَّج من اللغات» يَقبل هذا الاجتياز المزاجيّ الجزئي. و«القفز» لفظٌ لطيفٌ لما يسمّيه بارت بعد ذلك بخمس عشرة صفحة «التجوّل» (Croisière). وقد سُئل عن هذا اللفظ في مقابلة فقال:
التجوّل هو سفرُ الرغبة. الجسد في حالِ تيقّظ، يترصّد رغبتَه. ثم إنّ التجوّل يفترضُ زمنًا يُبرز اللقاء، "المرّة الأولى"… والتجوّل فعلٌ يتكرّر، لكنّ صيدَه طازجٌ على الإطلاق. ولهذا يسهل عليّ أن أنقل هذه الفكرة من نظام السعي الإيروتيكي - وهو أصلها - إلى السعي وراء النصوص مثلًا… فما يَعرض نفسه هو مفاجأة "المرّة الأولى".
فبارت قارئٌ متجوّلٌ، يلتمس اللِّقاءات الأولى، ولذّاتِ الجديد المتكرّر بلا نهاية. ولمّا كان Croisière في أصل استعماله مرتبطًا بجانبٍ من ممارسات المثليّين، فهو عند بارت متّصل بفكرة «الانحراف»: أي «طلبُ لذّةٍ لا تُستثمر في غايةٍ اجتماعيّة، ولا منفعةَ للنوع». وهذه اللذّة غيرُ «المُربِحة» تمنح المتجوّل حساسيّةً أدقّ: انتباهًا خاطفًا إلى كلّ ما حوله، انتباهًا لا يَناله غيرُ المتجوّلين، أولئك المحرومون من «ذلك الامتياز الذي لم يُسمَع به» في «الانفصال عن كلّ تكرار»، العالقون في قراءةٍ كئيبةٍ لأجل «التأمّل والتحليل والمقارنة والمرايا… إلخ». فالتجوّل قراءةٌ تُسقِط السياق والتماسك والمعنى النهائي في سبيل الدهشة والمفاجأة.
فما معنى أن نتجوّل في «ساد، فورييه، لويولا»؟ معناه أن نسمح لأنفسنا - بحسب المزاج - أن نُخفّف النداء العقليّ للكتاب بنداءٍ آخر: نداء السحر والوداد، فنُضعِف صلابته ونُجدّده. علينا أن نرى بارت كاتبًا متجوّلًا، وأن ندخل روح «اللذة المنحرفة» بقراءةٍ تُشبهها، لا تُراد لربح خلاصةٍ أخيرة. وهذه هي القراءة التي يمارسها الروائيّ البريطاني آدم ثِرلْوِل في مقدّمته لعام ٢٠١٢ لإعادة نشر ترجمةٍ إنجليزية لكتاب بارت الأول «الكتابة في درجة الصفر» (١٩٥٣). يلاحظ ثِرلْوِل «دندنيّة» بارت و«شكَّه الحزين»، وصدى «طليعةٍ مُحبَطة يائسة» يُميّز «جلال» ذلك الكتاب النحيل المسموم. ويذكر - بحِنانٍ له - أنّ «هذا الكتاب الصغير متهوّر، مهمل، متعالم، سيّئُ الإحاطة، قليلُ القراءة. وهو كثيرًا ما يكون مُبهَمًا. وهو دائمًا إقليميّ». - على طريقة المثقّفين الباريسيين. وحين يقع ثِرلْوِل في سحر بارت، يعود المؤلّفُ الودّي فيَستحيلُ الكاتب المرهوب صاحبَ أُلْفة.
نُشر «ساد، فورييه، لويولا» سنة ١٩٧١، غير أنّ المقدّمة ومقالة «ساد الثاني» و«الحيوات» وحدها كُتبت في ذلك العام؛ أمّا «ساد الأول» و«فورييه» و«لويولا» فقد كُتبت قبل ذلك ونُشرت مقالاتٍ بين ١٩٦٧ و١٩٧٠. وقد علّق آندي ستافورد على الفرق بين «ساد الثاني» والمقالة الأولى: فـ«ساد الأول» يريد أن يَصرف انتباه القارئ عن الفجور إلى أناقة النثر؛ أمّا «ساد الثاني» فهو فعلُ سرقةٍ من بارت، إذ تحلّ المحاكاة الساخرة والتقليد محلّ صدمة إظهار الأخلاق بوصفها غيرَ ذات شأن - أي إعادة كتابة سادي بدل الكتابة عنه. ويمكن أيضًا أن نربط «ساد الأول» و«ساد الثاني» بطريقتَي القراءة عند بارت: قراءةُ السرير ليلًا للمتعة (قراءة غير مسؤولة)؛ وقراءةُ مكتب العمل صباحًا (قراءة مسؤولة). «ساد، فورييه، لويولا» يأخذنا من المكتب إلى السرير.
و«ساد الثاني» يُثبت تحوّل بارت إلى سخريةٍ أشدّ وخيبةٍ أكبر - «بارت المتأخّر» - الذي يتعامل مع مسروقاتٍ حيث كان «بارت المبكّر» يتعامل مع نزع أقنعة الدوكسا البرجوازية. وفي مقدّمة «ساد، فورييه، لويولا» المؤرّخة في يونيو ١٩٧١ - والمكتوبة أخيرًا - يوضح بارت ضرورة السرقة: لم يبقَ موضعٌ لغويّ خارج الأيديولوجيا البرجوازية؛ لم يعد التصادم أو الهدم ممكنًا، «ولم يبقَ إلا السرقة: فَتِّت نصّ الثقافة القديم، والعلم، والأدب، وغيّر سماتِه وفقَ صيغِ التمويه، كما تُموَّه المسروقات». وهذا التحوّل «المتأخّر» يخلخل كثيرًا من ثنائيات بارت الأولى ومطامحه. فالكتاب يحتفل بالجديد، لكنه ينتهي (في مقدمته) إلى مفارقةٍ: الجديد إنما هو القديم بعد تفتيته وتنكره. غير أنّ هذا الطريقَ «المُسْتَكْرَه» إلى الجِدّة يحقّق عند بارت ما هو أهمّ. فهو شديدُ القلق من تآكل اللغة، وكيف يَستنفدها الاستعمال حتى لا تُجيز للمرء أن يتكلّم ويفكّر إلا داخل ضيقٍ من التعبير. والمطاردةُ الصلبةُ للجديد في اللغة (ومن ثمّ في توابعها: الأدب والثقافة والفكر) تُقاوم هذا التآكل. فتفتيتُ اللغة المستهلَكة إلى رابسودية من الشذرات - كما يفعل بارت وكما يرى ساد يفعل في «ساد الثاني» - «يُحبط البنية القياسيّة للحكاية… وبذلك… يصير اعتداءً على المعنى: فالرواية الرابسودية (السادية) لا معنى لها ولا جهة؛ لا شيء يُلزمها أن تتقدّم أو تتطوّر أو تنتهي». والقراءةُ بوصفها تجوّلًا هي التي تجعلنا نرى ساد يكتب هكذا؛ والكتابةُ بوصفها تجوّلًا هي التي تُتيح لنا أن نقرأ بارت هكذا.
إنّ «ساد، فورييه، لويولا» كتابٌ في كيف يذوق هؤلاء الكتّاب ويُذيقون «اللذّة في القياس». ينتقل من اللذّة في قياس لغةٍ جديدةٍ مطلقةٍ بالاختراع، إلى اللذّة في إضلال القديم بالسرقة والتجوّل. وفكرةُ التجوّل لا تنحصر في قراءة رواياتٍ منفردة، ولا في النظر - كما هنا - إلى أعمال مؤلفين بعينهم، بل تشمل أيضًا كيف يرى بارت قانون الأدب الفرنسيّ كلّه. فهو لا يوقّر التسلسل الزمني (إذ يؤثر الرابسودية)، ولا يؤمن بالمدارس والحركات (وكيف يكون التابعُ جديدًا؟)، ولا يُعجب عادةً بـ«الأسلوب» (لأنه يُقيّد الكاتب بلغةٍ مقنّنة). وهو وهو يتجوّل طلبًا «للّقاء الأول»، يجد تلك اللقاءات داخل «الحداثة» وخارجها.
ومع ذلك فإلى جانب «حداثيي» بارت من أمثال روب-غرييه، ومالارميه، وباتاي، وسوليرس، في «قانونه الأدبي» الخاصّ فسحةٌ لكتّاب «ما قبل الحداثة»: راسين، ولا برويير، وميشليه، وشاتوبريان، وزولا، وفلوبير، وفيرن. وأكثرُ من ذلك: لبروست مكانٌ رحب. وهو يحبّهم جميعًا - لا «على شروطهم» كما يقول النقّاد التقليديون - بل لما فيهم من «حداثة»: أي لما يُتيحون له من متعة التجوّل والوثب، ومن انفتاحٍ وهواءٍ وتحرّرٍ من الإحالة. وفي مقابلة عام ١٩٧٤ يصرّح بارت أنّ «الطليعيّة» يمكن العثور عليها في
كتّاب الماضي لأنّها ليست مسألة شكل «بل مسألة اندفاع: كلّما كان الجسد هو الذي يكتب لا الأيديولوجيا، كان للنصّ حظٌّ أن يلتحق بنا في حداثتنا».
وبارت المتأخر أَطْوَعُ قبولًا لاستحالة الإفلات من الأيديولوجيا البرجوازية - أو على الأقل من الثقافة التي أنتجتها - ممّا يُوهم به في أكثر الكتاب. فـ«احتواء التمثيل احتواءً تامًّا» غيرُ ممكن، وبارت في الحقيقة لا يرغب به تمام الرغبة. ففي «لذّة النصّ» (١٩٧٣) يكتب أنّ «النصّ يحتاج ظلَّه: وهذا الظلّ شيءٌ من الأيديولوجيا، وشيءٌ من التمثيل، وشيءٌ من الموضوع». وهذا الظلّ نظيرُ «خطأ الثمن» الذي يُدخله فورييه في هوسه التصنيفي: فسحةٌ للّطافة، لِما لا يُصنّف. واللطائف هي شأن بارت المتأخر أيضًا: تُبقي الثنائيات قائمةً لكنها تُليّنها. فخطأ الثمن هو حيّزُ السحر اللغويّ و«الودادات» المؤلفيّة.
وعند «عودته الودّيّة» كمؤلف، يأتي «خطأ الثمن» عند بارت - في نظري - من «لمسته العاطفية». أمّا سحرُ نثره فلا أستطيع أن أسمّي له صورةً بلاغيّة بعينها، تقابل «التعاكس» و«الفصل» و«الاختيار»، وهي علاماتُ أناقة الثلاثة وعبثهم الطريف وتواضعهم اللغوي. ففي صفحةٍ واحدة - الصفحة التاسعة من المقدّمة (وهي أجمل مقاطع الكتاب أسلوبًا) - تجد حِكمةً قصيرة («لذّةُ القراءة تضمن حقيقتها»)، وحزنًا في صيغة التمنّي («لو كنتُ كاتبًا، ومِتُّ…»)، وحزنًا صريحًا (الذات تتناثر «كالرّماد الذي نذريه في الريح بعد الموت»)، وصورةً لنفسه وهو يعمل على كتابه كهوايةِ مُدمنٍ على خشب البلسا («أنا أفكّ النصّ عن غرضه»). وعلى نطاقٍ أوسع - هو بنية المشروع كلّه - يسهلُ وصفُ سِمته الأخصّ: إنّ علامةَ بارت هي المفارقة، وهي ثمرةٌ لا مفرّ منها لتفكيره الذي يمضي حلزونيًّا. فالحلزون يجعل زَلَقه ضربًا من الثبات. «الأسلوب»، «النص»، «الكتابة»، «المؤلف»، «المنهج»: مفاهيمُ تعودُ مرارًا عند بارت، لكنّ دلالاتها تدورُ من عملٍ إلى عملٍ دَورانًا حلزونيًّا. ومع ذلك فلهذا الدوران جهةٌ: من المكتب إلى السرير.