عبيرُ الطُّهر يَتَلوّى في حلقِ الرجس

 

[…] غيرَ أنّه، وقد ألفَ الكِبْرَ،

ما لبثَ أن استرجعَ شموخَه، وبِألفاظٍ ساميةٍ

تُشبهُ الفضيلةَ ولا حقيقةَ لها، رقَّ فرفعَ

عزائمَهم الواهنةَ، وبدَّدَ مخاوفَهم؛

ملكُ الجحيم عند ميلتون هو في الأصلِ موضعُ إعجابٍ بما أُوتيَ من سعةِ البيان وحُسنِ الإفصاح؛ إذ «لسيطانِه ما لا يقلُّ عن خمسِ مناجاةٍ طويلةٍ، تكادُ تُضاهي ما لهاملت». فهذه الإطالاتُ في حديثِ النفس تُتيحُ للقارئ أن يراه خطيبًا مُفوَّهًا، يملكُ طرائقَ عجيبةً في تزيينِ القبيحِ حتى يُرى حسنًا، وفي ليِّ الحقائقِ وتعميةِ المقاصد؛ يستعملُ الملقَ، ويُلَبِّسُ بالنفاق، ويُجري الكذبَ مجرى الصدق، وكلُّ ذلك شواهدُ ثباتِه على غوايةِ الأوَّلين، ثم على إهلاكِهم هلاكًا أخلاقيًّا.

ثم إنَّ بلاغتَه تُصوِّره كما هو في دخيلتِه: مَلَاكٌ ساقطٌ مُفخمُ القول، ممزَّقٌ باطنًا وظاهرًا بكِبرٍ يُورِثُ حقدًا، وبنزعةِ انتقامٍ، وبحسدٍ لا يهدأ؛ ومع ذلك يندفعُ في حماسةٍ ليبسطَ سلطانَ تأثيرِه على سائرِ الشخوص في عالمِ الملحمة. فهو الفاسدُ الذي تُرسَمُ حياتُه الداخليةُ بلغةٍ وصفيةٍ صاغَها ميلتون لهذا الغرض. وهذا «إلهُ هذا العالم» يُبدي مقدرتَه من أوّلِ ظهوره، بل هو شديدُ الوعي بقيمةِ هذا السلاح وضرورتِه لوجودِه الشرير؛ فيكشفُ عن حقيقتِه - شرًّا متجسِّدًا - بسببِ استعمالٍ مقصودٍ لصفاتٍ إيجابيةٍ تُساقُ إلى غاياتٍ خسيسة. ولأجلِ ذلك يُسمَعُ أوّلًا قبل أن يُرى؛ كأنَّ السمعَ يسبقُ البصرَ في تعريفِه بوصفِه «مَلِكَ الجحيم».

ولفظُ الألقابِ عند ميلتون ركنٌ أصيلٌ في هذه الملحمة؛ فهي تكادُ تفيضُ بأسماءٍ لشيطانِه، فتراه يُدعَى: «العدوَّ الأعظم»، و«الخصم»، و«الرئيس»، و«القائد»، و«الإمبراطور»، و«الخائن»، و«المُعادِي»، و«المُغوِي»، و«الشيطان»، و«الملكَ المُروِّع»، و«الروحَ المتمرِّد»، و«أميرَ الجحيم»… إلى غير ذلك كثير.

وهو، إذ يرزحُ تحت عبءٍ لا يُطاق، يستعينُ بخطابةٍ تفيضُ بالعواطفِ لتسكينِ آلامِه، بل يَنفُذُ إلى كبرياءِ الملائكةِ الساقطةِ فيحرِّكُ طموحَهم الجريح، مُلوِّحًا - على سبيلِ السخريةِ المريرة - بوضاعتِهم الجديدة، ليبعثَ فيهم من جديدٍ مَن سُلبوا الرجاءَ وغُمسوا في قعرِ اليأس، وهم يجرعونَ نتيجةَ التمرُّدِ: الفناءَ وانقطاعَ ما كان قائمًا من علائقِ «سلسلةِ الوجودِ العظمى» بين الخالق والمخلوق.

إنَّ خطابَ «الفيند» (أي الشيطان) مملوءٌ بالتعالي وارتفاعِ النبرة، ويمكنُ تلخيصُه في معنى واحد: أنا - في عالمِكم الجديد - نقطةُ الارتكازِ التي لا تزول؛ أنا ربُّكم الذي أعانكم على رفضِ عبوديةِ الخالق، وأنا وحدي مَن يهبُكم حريةً حقيقيةً ونعيمًا. ويجلجلُ في قبةِ الجحيم صياحُه الظافر: «إيّايَ آثرتُ»، كأنه يُثبتُ فعلتَه ويُشرعنُها. وقد قال دايتش: «إنَّ الأسلوبَ الذي يُسمَّى كثيرًا "ميلتونيًّا" هو - لا مبالغةَ - الأسلوبُ الشيطانيُّ الرفيعُ لبلاغةٍ مقلوبةٍ، تلك التي حملتْ كثيرًا من نقّادِ الرومانتيكيةِ على أن يُمجِّدوا الشيطانَ بطلًا».

فخطبةُ الشيطان تُلقي البذرة؛ ثم تأتي خطبةُ بعلزبوب الأولى كلُّها في تهليلِ سيِّدِه، ضمانِ الأمنِ والنظامِ في دارِهم الجديدة. وهو لا يمدحُ مقامَ الشيطان قائدًا قادرًا على تخليصِهم من الضيقِ فحسب، بل يُصوِّره - بمهارةِ محامٍ بارعٍ - محاربًا أعظمَ يقاتلُ «قضيةً عادلة». ووفقًا لإدوارد داودن: «إنَّ أفضلَ آمالِ الشيطان قائمةٌ على قابليةِ الزعيمِ البطولي». وهكذا ينشدُ «الثاني الأفضل» في مديحِه:

أيُّها الأمير، أيُّها الرئيسُ بين قوىً كثيرةِ العروش،

أنتَ الذي قدتَ السرافيمَ المصطفَّةَ إلى الحرب

تحت رايتِك، وفي الأفعالِ المرعبةِ

ما هِبتَ أن تُعرِّضَ للخطر ملكَ السماءِ الأبديَّ،

ووضعتَ سموَّ سلطانِه موضعَ امتحان،

أهو قائمٌ على القوةِ أم على المصادفةِ أم على القدر!

وبذلك، وبسببِ الألقابِ المُطرية، يُقرأُ هذا الكلامُ بوصفِه صوتَ فزعِ الجماعةِ الساقطةِ من مستقبلِها في الجحيم. فبعلزبوب يعرفُ أنَّ هذه البيئةَ القاسيةَ تفرضُ عليهم أن يمدحوا مَن يُعدُّ الأقوى: طلبًا للحمايةِ، وإلقاءً لعبءِ القرارِ القادمِ كلِّه على كتفِه. ثم يُقذَفُ القارئُ بسيلٍ من الأوصافِ السامية لمقامِ الشيطان «مُخلِّصًا» جسورًا للملائكةِ الساقطة: «قائدُ تلك الجيوشِ المضيئة، التي ما كان لغيرِ القادرِ المطلق أن يقهرَها»، و«القائدُ العظيم»، و«سلطانُهم العظيم»، وغيرُ ذلك. غيرَ أنَّ مقامَه - مهما بدا راسخًا - إنما هو في الحقيقة بذرةُ الشرِّ الذي يسري في نسيجِ علاقاتِ الجحيم. وقد نبَّه فيش إلى أنَّ «بطولتَه الظاهرة تُفنَّدُ بإشاراتٍ خفيةٍ إلى أبطالٍ آخرين في ملاحمَ أخرى، وبانحطاطِه حين يساومُ "الأسرة" عند أبوابِ الجحيم، وبانكشافِه لاحقًا وهو رابضٌ عند أذنِ حواء في هيئةِ علجوم». فهو - تحت قناعِ الجرأة - مزوَّرٌ يرتعدُ من تفصيلٍ حقيرٍ كحكمِ رعيّتِه عليه.

ويُحسنُ استعمالَ فخامةِ القول بصفته خطيبًا وسيِّدًا شرعيًّا للجحيم، حتى يراه القارئُ على نحوِ ما يذكر ريكور عن «الذاتِ المتجسِّدة» التي هي، قبل كلِّ شيء، «ذاتٌ مُعبِّرة»، تُظهرُ بذلك التواءَ شخصيتِها. ويُثني أديسون على الشيطان مبرزًا ميلَه إلى الخطابة بقوله:

إنَّ الأفكارَ في الخطبةِ الأولى ووصفِ الشيطان - وهو أحدُ كبارِ الممثِّلين في هذه القصيدة - بالغةُ المناسبةِ في أن تمنحَنا صورةً تامّةً عنه: كِبرُه، وحسدُه، وانتقامُه، وعناده، ويأسُه، وعدمُ توبتِه؛ كلُّها منسوجةٌ بحذقٍ عجيب. وخطبتُه الأولى خلاصةٌ مركَّبةٌ لتلك الانفعالاتِ التي تتفرَّقُ في خطبِه الأخرى. وإنَّ قسمَ "العدوِّ الأكبر للبشر" ممتلئٌ بحوادثَ ترفعُ خيالَ القارئ وتُرهبُه.

وشيطانُ ميلتون يكادُ دائمًا هو الذي يبتدئُ الحديث، ولا يكادُ يُطيقُ فتورًا عن بلوغِ مقاصدِه مهما كان الثمن. يبدو كسياسيٍّ مُجرَّبٍ يستطيعُ - بمهارةٍ سحرية - أن ينالَ كلَّ ما يتخيّله بلسانه.

وعلى أنَّ أعظمَ الحركةِ البلاغيةِ وأشدَّ تأثيرِها يتركَّزان في الكتبِ الثلاثةِ الأولى من «الفردوس المفقود»، فإنَّ سائرَ الأجزاء مبثوثٌ فيها أيضًا شيءٌ من خطبِه الجريئةِ وتهديداتِه. يقول فيش: «يبدأ القارئُ بالإقرارِ بفعاليةِ بلاغةِ الشيطان ثم يُسقِطُها لأنها بلاغةُ الشيطان؛ ولكن في لحظةٍ ما يسمحُ قارئٌ مُدرَّبٌ على التحليل - وهو يقرأ - لإعجابِه بالحذقِ الفني أن يُزاحمَ واجبَ الحذرِ المسيحي».

في الكتابِ الأول، تدلُّ خطبُ الشيطان على استكشافِه للموضعِ الجديد وحالِ الجنودِ بعد السقوط، وهي كذلك مقدمةٌ لمجمعِ الشياطين في «بانديمونيوم». ثم يقيمُ الكتابُ الثاني مناظرةَ الجحيم التي تُتَّخذ فيها القراراتُ العظمى لمستقبلِهم. ثم يرسمُ الكتابُ التاسع لحظةَ الإغواء، وفيها يظهرُ «نموذجُ عبقريةِ الشر» في أقصى توتُّرِه.

«أَنائمٌ أنتَ، يا رفيقُ الروح؟ أيُّ نومٍ يطبقُ جفونَك؟ أما تذكرُ ما صدرَ بالأمسِ القريب من فمِ الجبارِ في السماء؟» هذا سؤالُ لوسيفر لثانيهِ بعلزبوب، وهو يُفصحُ عن سخطِه على الأمرِ الواقع: فقد رُفع يسوع - الذي يتوهَّمه نِدًّا له - وأُجلِسَ سيِّدًا. وهو في الحقيقة يتمرَّدُ لأنَّه أُقصيَ عن مركزِ السلطةِ في «الإمبيريوم». ومن هذه الزاوية يبدو الشيطان واعيًا أنَّ القوةَ لا تقومُ إلا بالوحدة.

وتأتي محاورةٌ شبيهةٌ بعد الطردِ من السماء، بين هذين الثائرين نفسِهما؛ وهي في ترتيبِ الحكاية أولُ حوارٍ فيها. يوبِّخُ الشيطانُ شريكَه على الفتور: «إن كنتَ أنتَ… آهٍ كم سقطتَ وكم تغيَّرتَ، عن ذاك الذي في عوالمِ النورِ السعيدة، كان مُجلَّلًا ببَهاءٍ يفوقُ، ألوفًا مضيئة… […] وفي الهلاكِ سواء». وهكذا - في التاريخِ السرديّ والكرونولوجي معًا - يظهرُ «الخصم» شخصيةً لا تتردَّدُ في بثِّ خواطرِها لمن تثقُ به. ومن جهةِ النفس، تبدو الخطبُ كأنها فرارٌ من مستحقِّه وسط الاضطراب؛ فيُعرَضُ بوصفِه طبعًا عصابيًّا يحملُ معه دائمًا حرمانًا يُنشئُ احتقارَه لذاتِه. وحركتُه المحمومةُ التي يُعلِّقُ عليها الراوي بأنها تمثُّلٌ: «فأحسنَ التمثُّل»، إنما هي - على المدى الطويل - فرارٌ فاشلٌ من «جحيمِ الداخل».

صانعُ الخديعة، وهو أوّلُ مَن

ابتدعَ الكذبَ تحت ستارِ القداسة

ترى مارغريتا ستوكر أن «نقيضَ الرّب هو الشيطان: "مؤلِّفُ كلِّ شرّ"، داهيةٌ كذّاب، مُنافق، وبالتالي متكلّمٌ كاذب، يطلق "الأباطيلَ الملساء"»، فيتقمَّصُ بسهولةٍ دورَ سيِّدِ الأقنعة، وخطيبٍ عظيم. وبوصفِه تجسيدًا أدبيًّا للإثم، يُظهرُ ميلًا لا يُقاوَم إلى تظليلِ الحقيقة: يقدِّم للسامعين ما يريدون سماعَه - شعوريًّا أو لا شعوريًّا - ويحجبُ ما سواه. ثم إنَّه يحبُّ أن يُصوِّر الوقائعَ الشائكة كأنها كانت مخطَّطةً سلفًا أو متوقَّعةً منه، وأنه عليها قادرٌ قدرةً مطلقة. فيرسمُ طردَهم من «الإمبيريوم» وما تلاه تصويرَ حملةٍ مجيدةٍ لم تكتمل بعد؛ وفي ذلك خداعٌ رومانسيٌّ، يدلُّ - مع سائرِ وجوهِ لغتِه - على بحثٍ لا ينقطع عن «ذاتيّتِه».

في مطلعِ الكتابِ الأول يلقي «رئيسُ الشياطين» سؤالًا مُلتبسًا: «وماذا لو خُسِرَ الميدان؟»، ثم يجيبُ عنه في الحال وهو يخاطبُ جموعَ الأشرار: «ليس كلُّ شيءٍ قد ضاع»، ويُعيدُ المعنى في قوله: «لا أعدُّ السماءَ مفقودة». فالسؤالُ مركَّبٌ على نحوٍ يُحيِّر القارئ: أهو من العلوِّ بحيث لا يرى أنَّ القادرَ المطلق لا يُقهَر؟ أم هو - كيلا يَهونَ في أعينِ جندِه - يختلقُ روايةً جديدةً للأحداث ويُؤمنُ في قرارةِه بإمكانِ تحقيقِ ما ينطقُ به؟ ولعلَّه يجمعُ الأمرين. ومهما يكن، فإنَّ القارئ يسمعُه يزعمُ زعمًا جازمًا: «هنا، في الجحيم، على الأقل سنكون أحرارًا». فهو مرةً أخرى يُلطِّفُ فداحةَ حالِه الذي أُلقي فيه مُكرهًا، ويُضفي على «الجحيم» - وهو مكانٌ محدودٌ محسوس - إحساسًا بالاكتفاءِ الذاتي، مع أنَّ الراوي وصفَه بأنه «هلاكٌ لا قعرَ له… في سلاسلَ صمّاءَ ونارٍ عقاب».

ولا ريبَ أنَّ «الروحَ المتمرِّدة» يخطئُ عمدًا في تقديرِ قدرتِهم على الرجوع منتصرين من «الغمرِ الكريه» إلى نعيمِ موطنِهم القديم. ومع أن الدرسَ يبدو محسومًا، لا يزال يتباهى بسيادةٍ مطلقة؛ وذلك كلُّه زيفٌ يُخفي به خوفَه من العجز عن حملِ ما تقتضيه الأحوال. ويزيدُ هذا التظاهرَ خطبةٌ آمرةٌ لقومِه، تُشبه طرائقَ الساسةِ في الوعدِ بما لا يُصدَّق. وحتى إن أحسَّ القارئُ عنصرَ المباهاةِ في بلاغتِه، فإنه يوقن - مع ذلك - أن «الشيطان، إذا أُحكِم عليه المنطق، أوقعَ نفسَه في تناقضاتٍ لا تُحصى… بل إنَّ التمرُّدَ والسقوطَ نفسَهما تناقضٌ هائلٌ وعبثٌ في أصلِه». وهو يقول:

أيّها المقرّب الساقط، إن الضعفَ شقاء؛

أن تفعلَ أو أن تُعذَّب - سواء. ولكن اعلم:

لن تكونَ مهمتُنا قطُّ أن نفعلَ خيرًا،

بل أن نفعلَ الشرَّ دائمًا، فهو وحدَه لذّتنا،

لأنَّه نقيضُ إرادةِ العليِّ

الذي نقاومُه.

وبمثلِ هذه الكلماتِ الرهيبة تبدأُ خطةُ الانتقامِ من الرّب. فهو يتكلَّم كأنه قائدٌ فذّ؛ وقد علَّق برودبنت أن «القرنَ السابعَ عشر كان يتخيَّل الملائكةَ ذكورًا وعسكريّين». ويُرى أن نزعةَ الثأر - أو قل قلّةَ العقل - تنبتُ في هذه «العبقريةِ الجحيمية» وتُناقَشُ فورًا في مجمعِ الشياطين. وتدخلُ خدعةُ النفسِ عند أهلِ الجحيم - التي بانَتْ في اجتماعِ «بانديمونيوم» - في ظنٍّ آخر: أنَّ «وكرَ الأسى» يمكن أن يغدو موطنًا يُؤلَفُ رغم الضيق، وأنهم - مع اغترابٍ مُدمِّرٍ وصمتٍ مُفزع - يستطيعون أن يملكوا فيه مُنطلقين، مُتوهِّمين لذةً دائمةً تُسمّى عندهم «حريةً». ويصيحُ الشيطان: «هنا نستطيعُ أن نملكَ آمنين… وفي اختياري، إن الملكَ جديرٌ بالطموح وإن كان في الجحيم: فخيرٌ أن تملكَ في الجحيم من أن تخدمَ في السماء».

وهو يعدُهم بملكٍ مشتركٍ باستعماله «نحن»، غير أنَّ المُلكَ - في السخريةِ المُرّة - لن يكونَ إلا له؛ إذ يدلُّ لفظُ «اختياري» وما يليه على أنَّ السلطان سيُنتزعُ له وحده. ومن ثَمَّ تُدعَّمُ فكرةُ المُلكِ في الجحيم والرجوعِ إلى «الإمبيريوم» بتمجيدِ «الاتحادِ، والإيمانِ الثابتِ، والوئامِ الراسخ»، ليقدروا أن «يطالبوا… بإرثِهم القديم بحقّ». وبالطبع، فإنَّ الجماعةَ الساقطةَ - وقد جعلتْ منه «النموذجَ» و«نقطةَ المرجع» - تُفتَنُ بكلِّ ما ينطقُ به من كذب، فيَنسخُ شركاؤُه أكاذيبَه ويتعلَّمون منها.

وفي مناظرةِ الجحيم تلك، لا يتكلّمُ إلا رؤوسُ مراتبِهم: فمولُخ يقول: «حُكمي للحربِ الصريحة… أمّا الحيلُ فلستُ بها خبيرًا»، وقد أعماه الحقدُ حتى لم يرَ رجحانَ كفةِ الرّب. ثم يتكلّمُ بَليال فيزعمُ أنه «يميلُ إلى الحربِ الصريحة»، لكنه يعلم - بعد تجربةِ الطرد - أنَّ الرّب لو ثار عليه الجحيمُ كلُّه «لجلسَ على عرشِه غيرَ مُدنَّسٍ». ثم تؤولُ الكلمةُ أخيرًا إلى الشيطان بوصفِه قائدًا. ويُعيدُ مولُخ أيضًا صدى زعمِ الشيطان أن الرّب «يملكُ وحدَه طغيانَ السماء»، فيقول إن الرّب «يملكُ بتأخيرِنا»، بل يتباهى بأن «الصعودَ سهلٌ»، وهو فراغٌ ذهنيّ. ويزيد غروسمان أن «سردَ التكرار الذي يميّز الشيطان يُمَثَّل تمثيلًا دراميًّا في مجلسِ الشياطين؛ فكلُّ متكلّمٍ يُفصِّل موقفًا سبق أن ناقشه الشيطان وبعلزبوب في الخفاء؛ وكلُّ قائدٍ جحيميٍّ يُعبِّر - بطريقته - عن فكرِ الشيطان، لأنه يُعيدُ نمطًا من التفكير يحدِّدُ الذاتَ الساقطة».

[…] إنّي أرى سقوطَك

قد تقرَّر، وقطيعَك الشقيَّ منغمسًا

في هذه الخديعةِ الغادرة، وقد سرى الوباءُ

جريمةً وعقابًا معًا

المكرُ والتعليلُ العقلي - وهما مبثوثان في رحلتِه - يمارسان سلطانًا قويًّا على سائرِ الشخوص، وهو يعاملُهم باستعلاءٍ ويُسيءُ إليهم. فـ«نموذجُ عبقريةِ الشر» الذي يسوقُه نقصٌ نفسيٌّ وعصابٌ نحو الخبث، لا تقومُ حياتُه إلا بهذه المهارة؛ يكرِّرُ استعمالَ محاسنِه في مقاصدَ سيئة.

إنَّ «رئيسَ الجحيم» - مع فرطِ ذكائِه - يعلمُ في دخيلتِه أنه، ما دام البونُ شاسعًا بينه وبين القادرِ المطلق، فلن يجدَ إلا الخديعةَ سبيلًا. فلا خيارَ لهذا المتمرِّدِ إلا أن يعيشَ مُشبَعًا بالدسائس التي تُقنِّع يأسَه وخوفَه؛ وهو - بهذا - مثالٌ لما يُشير إليه باختين من «الذاتِ» التي تصيرُ تدريجًا مسؤولةً عن أفعالِها. وعلى الرغم من تبجُّحه بقدرةٍ على حربٍ مفتوحةٍ لا تنقضي، فإنه يختارُ خطوةً بعد خطوة مسلكَ التسلُّل والاحتيال ليحفظَ طموحَه؛ وهو طموحٌ لخّصه في خطبةٍ إلى شياطين مذهولين:

فإن كانت عنايتُه

تريدُ أن تُخرِجَ من شرِّنا خيرًا،

فعملُنا أن نُفسِدَ تلك الغاية،

وأن نجدَ حتى من الخير وسيلةً إلى الشر.

غير أنَّ «تمنّيَه قوةً دائمة» لا يدومُ إلا إلى نهايةِ الكتابِ الأول، ثم يأخذُ في التبدّل، حتى ينتهي إلى سؤاله: «وماذا لو وجدنا، عملًا أيسر؟» ومع أن نبرةَ الكلام تتلوّن بين جسارةٍ ومكرٍ مُضمَرٍ بخوف، فإن الجموعَ لا ترضى بالسكون في الجحيم، بل تريدُ الهجومَ على نحوٍ آخر. ويقول الشيطان:

كلُّ شيءٍ يدعو

إلى مشورةٍ سلمية، وإلى حالٍ مستقرةٍ

من النظام: كيف نؤلِّفُ شرورَنا الحاضرةَ

في أمنٍ، مع اعتبارِ ما نحن فيه وأين نحن،

مُطرِحين خواطرَ الحرب كلّها.

لقد نِلتم ما أنصحُ به.

وهذا المسلك يتجهُ صراحةً إلى آدم وحواء بوصفهما بديلًا للملائكة الساقطة في كونِ الرّب - وقد قال بردن إن «الشيطان في الجنة يغتنمُ الفرصةَ، يجازفُ بحظِّه» - ويتجهُ ضمنًا إلى الرّب الثابت لأجلِ رفعِ الابن وطردِ الشيطان إلى الجحيم. غير أنَّ مكرَه ليس لإيقاعِ الشرِّ الأخلاقي فقط، إنّما لجلبِ الموتِ الروحي كذلك. فالراوي يذكر أن الشيطان، لما حطَّ - مفارقةً - على «شجرةِ الحياة» في عدن، «جلسَ يُدبِّرُ الموت، لمن كانوا يحيون».

والموتُ الأخلاقي - غايةُ سعيِه وحاصلته - لا ينشأ من غير سببٍ في جنّةٍ كاملةٍ؛ بل إن الشيطان، بما لديه من ذكاءٍ خارق، يستخلصُ من آدم وحواء - وهما لا يدرِيان - معرفةَ إمكانِ الانهيار الأخلاقي، ثم يدفعُهما إلى السقوط بالتعليل والتمويه؛ وهي حرفةٌ صقلها في وكرٍ مملوءٍ بملائكةٍ ساقطةٍ تائهةٍ في «متاهاتٍ ضائعة، من الخير والشر».

ويقول سوراه إن مسعى الشيطان هو «سببُ الدراما الإنسانية؛ والخطة بسيطةٌ واضحةٌ جليلة». فهو، بما هو الشرُّ المتجسِّد، مُهلكٌ لا يرحم، يلتذُّ بتدنيس كلِّ بريءٍ نقي. وبسببِ اندفاعِه يدخل «الخطيئةُ» و«الموتُ» - وهما صورتان رهيبتان - إلى العالم: يصوَّر ذلك في عمليةِ مدِّ طريقٍ من الجحيم إلى العالم. وهكذا يغرسُ الموتَ الجسدي في الحيّ. وإلى جانبِ التدبير، ينغمسُ أيضًا في تعليلٍ عقليٍّ بطّال، يمكن فهمُه بوصفِه بحثًا عن «ذاتيّتِه». وهذا اللونُ من الكلام - بوصفه حيلةً بلاغية - يسخرُ منه عبدئيل، المَلَاكُ الأمينُ، حين لا يفوّت فرصةَ إظهارِ ولائه في جدالٍ مع الشيطان. فيقول دون رهبةٍ من جموعِ الجحيم: «أيّها المرتد! ما زلتَ تضلُّ، ولن تجدَ نهايةً للضلال، بعيدًا عن طريقِ الحق. تفسدُه ظلمًا باسمِ العبودية: أن تخدمَ مَن يعيّنه الرّب أو الطبيعة».

ويحذّر الصوتُ السردي مرارًا من الانزلاقِ إلى تحويلِ الحكمةِ الصادقة - التي أصلُها فهمُ موضعِ المرءِ في «سلسلةِ الوجود» وقبولُه - إلى تفكيرٍ متاهِيٍّ موسومٍ بالعصيان، يتخذُ هيئةَ رغبةٍ لا تُقاوَم في أن يكونَ الإنسان «أعظمَ شأنًا». ويزيدُ الشيطان نفسُه هذا المعنى حين يذكر - في يأسٍ - أنَّ تعليلهم الأخير هو اليأسُ المحض، وأنهم يريدون استثارةَ الغالبِ ليصبَّ غضبَه عليهم، حتى ينتهوا إلى العدم؛ ثم يأسى لأن «مَن ذا يريدُ أن يفقدَ - مع الألم - هذا الوجودَ العقلي، وهذه الخواطرَ السابحةَ في الأبدية؟»

فإنَّ الإنسانَ سيُصغي إلى أكاذيبِه الملساء

ومع تطوّرِ السرد، يدركُ القارئُ ميلَ الشيطان إلى النفاق حين يلقى «رئيسَ الملائكة يوريئيل، واحدًا من السبعة، الذين يقفون في حضرةِ الرّب أقربَ الناس إلى عرشِه، مستعدين لأمرِه، وهم عيونُه، التي تجولُ في السماوات كلّها». هناك يغيّر الشيطان صورتَه القبيحة ليبدو كواحدٍ من الملائكة الأدنى، فيتقمَّص بسهولةٍ هيئةَ المتصنِّع الكاذب. وهو يعلم أنه لا ينجحُ في مهمتِه إلا بتغييرِ الظاهر، لأن عارَ ثورتِه - بوصفه نموذجًا لأشكالِ العصيان اللاحقة - ينتشر سريعًا في الكون الميلتوني. وبامتزاجِ النفاقِ بالتمويه، يخدعُ يوريئيلَ «وصيَّ الشمس»؛ وقد قال فيش: «إنّ فشله معذور، لأنه بطبعِه عاجزٌ عن اختراقِ قناعِ الشيطان؛ بل إن فضيلتَه تزيدُ احتمالَ خداعِه». فيُظهر الشيطان خضوعًا مصطنعًا ويستأنفُ خطّةَ الثأر.

وحين يغادرُ إلى الجنة، يغتنمُ فرصةً ليُظهر حدَّ لسانِه في مشادّةٍ مع ملاكَين: إيثوريئيل وزيفون، أرسلهما جبرائيل للقبض على الجاسوس. وبعد أن غلبَ يوريئيل، ثم تدارك يوريئيل سهوَه فأبصر سلوكًا شاذًّا «تحجبه أهواءٌ دنيئة»، انكشف أن «عدوَّ الرّب» لا يستطيعُ المكثَ في نظام، فكشفَ عن هويتِه الصريحة بوصفه مخلوقًا مُزدوجًا. وقد قالت بلسي:

جسدُ الشيطان يتكلمُ أيضًا، ونرى النفاقَ الذي يفضحُه. متنكِّرًا في صورةِ مقرّبٍ (Cherub) لينفّذَ ثأرَه خفيًّا، يذكّرنا الراوي بأنه ليس ما يبدو. إنه غيرُ أصيل، ومن منظورٍ إنسانيٍّ فهو غيرُ بطولي. إن عدمَ الإخلاص وخيانةَ الذات أعظمُ خطيئةٍ إنسانية.

وتبرزُ دلالةُ نزولِه على الجبلِ الشماليِّ من عدن؛ إذ يُشبه ذلك الشمالَ من «الإمبيريوم» الذي اندلعت منه الثورة. وفي الكتابِ الرابع يجيبُ الشيطانُ رسلَ السماء متعاليًا: «إن كان لا بدَّ من قتالٍ… فليكن مع الأفضل، مع المرسِل لا مع المُرسَل؛ أو ليكن دفعةً واحدة: فإما مزيدُ مجدٍ يُنال، وإما خسارةٌ أقل». وهذا هو مثالُ الكبرياءِ والنفاق في صورةٍ حيّة، وغايةُ اللحظة عنده إغواءُ آدم وحواء.

ولا شكَّ أن الإغواء خيطٌ يسري في الملحمة من أولِها إلى آخرِها. غيرَ أنَّ أثرَه - مع قوّته - غائرٌ لطيف. فالراوي، في الدعاء الأول، يذكر الشيطان بوصفِه «الحيةَ الجهنمية؛ هو الذي خدعَ بمكرِه، المُثارِ بالحسد والانتقام/ أمَّ البشر». وميلتون يفرِّقُ بوضوح بين خطبِ الشيطان القيادية للملائكة الساقطة - في الحرب وبعد السقوط - وبين «الإغواء» نفسه لآدم وحواء. وقد أكد بردن أن «ميلتون يُحسن إذ يعاملُ المناسبة كمناظرةٍ عامة لا كإغواء». وكأنها محاضرةٌ علنية؛ تمهيدٌ يقود إلى الذروة: غوايةُ الأبوين.

وتُستولد فكرةُ الإغواء في مجمعِ الجحيم على لسانِ بعلزبوب، إذ يردِّد تنبّؤَ الشيطان: «قد تُنتجُ المسافةُ عوالمَ جديدة» حيث أراد الرّب «أن يخلق… نسلًا يخصّه بالاختيار…، […] أبناءَ السماء»؛ ولذلك «فالتجسُّسُ… لعلَّه، أولُ انفجارِنا». كأنَّ الشيطان يتوقُ إلى أن يصبَّ شرَّه الفائضَ على مَن هم - في فلسفتِه المريضة - أحبُّ إلى الخالق. وقد يوحي ذلك بأنه يمتلكُ ضربًا من الاستشراف. لكن بعلزبوب يُنمّي الفكرة، فيذكر إمكانَ خلق «عالمٍ آخر، مقعدٍ سعيد لعرقٍ جديد يُدعى الإنسان»، ويقترحُ استطلاعَ المكانِ والمخلوقين لمعرفةِ قوتهم وضعفهم، ثم اختيارِ أنسبِ السبل: المكرُ الدقيق بوصفه أحكمَ طريقةٍ لتكثيرِ الشر.

ثم لا يلبث أن ينفرد الشيطانُ باختيارِ التنفيذ؛ فيمدحُ أصحابه على «الفكرةِ الحاذقة» ثم يشرعُ في رحلةٍ وحيدةٍ شائكة نحو عدن.

وبما أنه محاربٌ نمطيٌّ مُنحرف، يُظهرُ ذكاءً باهرًا وهو يتهيّأ للإغواء. يتفحّصُ الجنةَ فحصًا شديدًا ليلتمسَ «الوعاء» الأنسب؛ فيقعُ بصرُه على الحية - «أدهى وحوشِ الحقل» - فتكون خادمَه في الحيلة. وهو يعلم أن نجاحَ الإغواء متعلقٌ بهذا الاختيار؛ إذ إن «الميراثَ الذي سيتركه الشيطان هو قلبُ الخيرات الطبيعية، وإرثُ الوهم: "الهيئة" و"المظهر"». فهو يدري أن صورةَ الملاكِ الساقط - وقد رأى آدم وحواء الملائكةَ في مجدِهم السماوي مرارًا - ستُفزع حواء فتفشلَ الخطة. ثم إن قناعَ الحية يمنحُه وقتًا للتهيّؤ: «ففي الحيةِ الماكرة، لا يشكُّ أحدٌ في أيِّ حيلة».

وفي هذا اللباس يبدأ الهجوم بفكرةٍ واحدةٍ: فكرةٌ ملطّخةٌ بالحقد والانتقام والحسد. يقول: «أطلبُ… أن أجعلَ غيري مثلِي […] فإنما أجدُ الراحةَ في التدمير، لأفكارِي التي لا ترحم». ولا شيء يوقفه حينئذٍ؛ فقد تجاوز عقباتٍ كثيرة ليبلغ عدن، فانتفخ كبرياؤه ودفعه إلى حركةٍ محمومة.

يبدو الإغواء أولَ الأمر تهديدًا يسيرًا لأن حواء تظنُّ نفسَها ثابتةً لا تُفتَن: «قد يُجرِّبُه عدوّ، وما كنتُ أظنُّ أن أسمع». لكن العاقبةَ تكون الطردَ من عدن؛ وفي ذلك - رجاءً لآدم وحواء - «فرصةٌ ليجدا فردوسًا أبهى داخلَ أنفسِهما».

ويرسمُ ميلتون للإغواء خطَّين زمنيين: بدءُ الفعل حين تصرُّ حواء - بعد رجاءاتِ آدم - على مفارقتِه بحجةِ تقسيمِ الأعمال؛ وهو في الحقيقة نزوةٌ لتذوق «حريةٍ» من رقابةِ آدم المُفرِطة. فتقول وتفعل: «وهكذا قالت؛ ثم سحبتْ يدَها من يدِ زوجِها سحبًا لينًا… ومضتْ… كأنها من ركبِ دِليا… إلى الغياض». وحركةُ «سحب اليد» ذاتُ شأن؛ فهي تُثبت أن قرارَ التفلُّت قرارُها. ومن ثم يبدأُ الإغواء حقًّا. وأمّا النهاية فحين تأكل الثمرةَ المحرَّمة ثم تُناولُها لزوجِها.

ويجدر هنا أن يُذكر أن ميلتون خالفَ كثيرًا من التفسيرات السابقة لنصِّ التكوين: إذ لم يذكر سفرُ التكوين هل كان آدم حاضرًا أم لا، لكن أكثرَ الشُرّاح رجَّحوا - من جهةِ النظر - أنها كانت وحدها، لأن آدم لو حضر لانكشف زيفُ حججِ الحية بسرعة. كما أن تصويرَ حواء بوصفها «الأضعف» الذي يدخلُ من جهته الإثمُ والفسادُ متصلٌ بخطابٍ أوسع في عصرِ النهضة يرى المرأة «آلةَ إغواءٍ وشَرَكًا». غالبةَ الحسّ، «تخضعُ للغريزة والاندفاع» أكثر مما تخضع للعقل؛ فيصير جسدُها «صورةَ التعدّي والفساد».

ويخلص الشيطانُ في صورةِ الحية إلى أن نجاحَ الإغواء متوقّفٌ - خصوصًا - على اقتناصِ حواء منفردةً عن آدم؛ فلابد من «استعراضٍ» يقتحمُ قلبَها. وليس من الدقة أن نقول إنه ممثّل فحسب؛ بل هو مهرّجٌ مُفرِطُ التهيّج، يخرقُ قوانين الطبيعةِ والجاذبية ليُدهش «أمَّ البشر» وهي تتيهُ متعجبة:

هكذا تكلّم عدوُّ البشر، محتبسًا

في الحية - نزيلًا خبيثًا - وقصدَ حواء

لا متموِّجًا على الأرضِ كما صار بعدُ،

بل قائمًا على مؤخرِه،

على قاعدةٍ مستديرة من طيّاتٍ صاعدة،

طيّةً فوق طيّة، كمتاهةٍ هائجة؛

رأسُه مرفوعٌ، وعيناه كالكربنكل؛

وعنقُه مصقولٌ كذهبٍ أخضرَ قائم،

بين لوالبِه الدائرة التي على العشب

تطفو فائضة.

ومع أن ميلتون يسمّي ذلك «إغواءً مخادعًا»، فلا شك أن في هذا المشهد تملّقًا بالغًا لحواء. فالشيطان - بوصفه استراتيجيًّا بارعًا - يبدأ الفعل رفيقًا لئلا يفزعَها فتفسدَ الخطة. وأول ما يصنعُه أن يمدحَها كأنها ملكة، وهو من وجهٍ حقّ: فهي حبيبةُ آدم، و«ملكُ» البشر الأول؛ وهي «معينة» - امرأة - لكن الشيطان يقول ذلك على نحوٍ يجعلها تشعر بهذا الامتياز لأول مرة في نعيمِها: «هكذا زيَّن المُغوي كلامَه وضبطَ مقدمته، حتى نفذتْ كلماته إلى قلبِ حواء».

ولما رأى أولَ علامةِ نجاح، نفخَ فيها الكِبرَ حتى ينمو ثم ينفجر يوم تقطف الثمرة. يقول والْدُك: «إن المُغوي يمنحُها - إلى حدٍّ ما - إحساسًا بحقوقٍ مُنعَت عنها؛ ويستثير روحَها المُعجبةَ بذاتِها؛ ويوقظُ فيها - ربما - شعورًا باستحقاقٍ مجروح». وذلك حين يصفُها بأنها شَبَهُ الإله، ثم يناديها: «يا إمبراطورةَ هذا العالمِ الجميل، يا حواء المتلألئة!»، ويعلنها «سيِّدةَ المخلوقات، سيدةً كونية!»

فهذا المديحُ يطوِّقها حتى تسألَه عن سبيلِ الوصول إلى الشجرةِ العجيبة؛ وهي الأمنيةُ التي يتلهّفُ لها. ومن تلك اللحظة - كما تُلمح ستوكر - تكون حواء، ثم آدم، «قد صارا بالفعل في سلطانِ الشيطان؛ سلطانٍ هما أنفسُهما منحاه له بقبولِ "أباطيله الملساء" على أنها حقّ». وهكذا يحقق «نموذجُ عبقريةِ الشر» - بسطوتِه وكاريزميتِه، وبطموحاتٍ نفسيةٍ مجروحة - أقصى رغباتِه: أن يشاطرَ غيرَه عبءَه الكريه، فتغدو غوايتُه أخصَّ سماتِه وأبينَها.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق