نَفْسٌ تَؤَرِّقُها الهَواجِسُ في دُجى الغَزَلِ
اليومَ أنا
أشدُّ قلقًا من يومٍ سواه،
والصدرُ مُتفَقِّعٌ
من حَرْقٍ آخر.
فَيْضي، من «غزل ٥٧٥».
مَن يُدرِك، من خلال نظريةِ الأرض ونظريةِ جسدِه أو جسدِها، وبالقياساتِ الدقيقةِ اللطيفة، سائرَ النظرياتِ كلَّها.
والت ويتمان، من «كوسموس».
في مطلع «تباشيرِ الصّبح» - وهو المقالُ الفارسيّ الذي يَتصدّر به فَيْضي، شاعرُ الهندِ المُتوَّج، وخادمُ البلاط، وصاحبُ التنظير (٩٥٤–١٠٠٣هـ/١٥٤٧–١٥٩٥م)، ديوانًا من شعره - يعرض تعريفًا غنائيًّا لشيءٍ ما. غير أنّ ذلك الشيءَ لا يتبيّن أوّلَ وهلة، لأنّ فَيْضي لا يُسَمّيه صراحةً. بل يفتتح كلامه على هيئة تعريفٍ بلا مُعَرَّف، وظلِّ جوهرٍ غائب، كأنّما يعرّف فراغًا له هيئةُ مادّةٍ لا تُرى:
هاكَ قبضةً من الذرّات، وحفنةَ حبّاتٍ من رملٍ من صحراءِ الخيال - سَرابَ عالمِ المعنى الحقّ. ثمّة قومٌ يتيهون في البيداء، شِفاهُهم يابسة، وأقدامُهم مُتفقِّعةٌ رَطْبَةٌ من قياسِ سَعَتِها بخُطا الطَّلب. فإذا أبصروه من بعيدٍ فجأةً ظنّوا أنّهم يُشرفون على نهرٍ مُتموِّجٍ. فإذا حدّقوا في ذلك اللَّمَعِ اضطرّوا إلى الرجوع، وأخمصُ أقدامهم مُحرَق، وعقولُهم مُضطرِمة. غيرَ أنّ ثمّة آخرين، سُيّاحًا مُتَّقدين، يَمضون سريعًا على السُّبُلِ الملوكيّةِ للقلب. فإذا تَجوَّلوا بين جُغرافيّاتِ اللفظِ والمعنى، بين اليابس والرطب، ظهرت لهم صُوَرٌ وأشباهُ مَنازلَ في الطريق. فيفهمون: أنّ أحدًا لا يبلغ عينَ الفيضِ الإلهيّ حتى يمرّ بهذه السُّرُبات.
أهو يُعرّف اللغة؟ أم قصائده هو؟ أم الخيال؟ أم الشِّعر؟ أم خبرةَ الإنسان في أصلها؟ ثم ما شأنُ هذين الصنفين من أهل البيداء؟ قومٌ يَغْلِطون السَّرابَ حقيقةً مرّةً بعد مرّة، فينصبغون بتجربةِ الاحتراق والرجوع. وآخرون أذكى نظرًا، يعلمون أنّ الذي يرونه ليس حقيقةً خالصة، ومع ذلك لا يَتَحاشَون الصورَ ولا يَنفونها. كأنّ فَيْضي يومئ إلى أنّ هؤلاء أَفْطَنُ من أولئك في موقفهم من الظواهر.
ومهما تكن إشاراتُ هذه الفقرة وما تبوح به على جهة الالتواء، فإن وصفَ فَيْضي لتِيهِ الصحراء في ظاهره أشبهُ بالشيءِ المَحْسوس. يعسر أن تقرأ تلك الأعراض الدقيقة من ألمٍ جسديٍّ ونفسيٍّ بل وجوديّ - «شفاهٌ يابسة، أقدامٌ مُتفقِّعة، أخمصٌ محترق، عقلٌ مُشتعل» - ولا ينقبض باطنُك. وعلى سطحٍ آخر، لا يسع القارئَ إلا أن يُعجب بتلألؤ الصنعة في نثره، الدالّ على براعةٍ في الحذق اللفظي. يجذب السمعَ والرؤيةَ ما بين «تموّج الموج» (tamavvuj) و«توجّه الذهن وتركيزه» (tavajjuh) من تناسُبٍ خفيّ؛ وما في سلسلة الجناس اللامع بين «اللَّمَعان» (lamʿān)، و«إمعان النظر» (imʿān)، و«المعنى الحقّ» (maʿnī) من تكسّرٍ ضوئيّ؛ وما في تقاليد السجع الفارسيّ من إحكامٍ عجيب، حيث يتقابل البناء الصرفيّ والنحويّ في تراكيب وفي عباراتٍ من نحو: «سالكو البيداءِ عطاشَ الشفاه»، و«قُطّاعُ وادي الطلبِ مُتفقّعو الأقدام». فَيْضي في نثره يستلذّ التعقيد؛ تتراكب الاستعارات وتتكاثف حتى تُغشي المراد وتُكسوه. غير أنّ هذا الحجاب البلاغيّ يخرقه ذلك النداء الأوّل الحاضر: انظر - يقول للقارئ - انظر إلى هذه الذرّات، إلى حفنة الرمل من صحراءِ الخيال التي تراها هاهنا. تظهر أولًا للحواسّ على هيئة ألفاظٍ في صفحة، آثارِ حبرٍ تُرى بالعين؛ ثم تعود فتظهر صورًا في الذهن خيالات، وأمثال، أشياءَ تحضر على نحوٍ آخر بواسطة «التخييل»؛ وهو ما يقارب «Phantasia» عند الفلاسفة، حيث تأخذ النفسُ تمثّلاتٍ ذهنيّةً فتضمّها قواها الباطنة. ولكن ما إن تنفجر هذه القبضة من الذرّات في انتباه القارئ حتى يصرّح فَيْضي بأنها سراب: لمعانٌ لا ثبات له، لا جوهرَ، بل كذبٌ بالقياس إلى شيءٍ «أصدق» وأرسخ. وهذا الشيء إنما هو في موضعٍ آخر، في «عالمٍ» آخر.
واللافتُ أنّ فَيْضي لا يصف بلوغَ ذلك العالم الآخر، ولا يضمن انتهاءَ التِّيه. وبذلك يفارق مجازاتٍ مألوفة في الأدب الصوفيّ، تقوم على التدرّج والمنازل والغاية المعلومة. فمثلاً في «منطق الطير» لفريد الدين العطّار (القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي) تُقسّم سُبُل المجاهدة الروحيّة إلى مراحلَ محدّدةٍ ذات خاتمةٍ معلمة. أمّا فَيْضي فيحوّل العناية من الأهداف البعيدة والمُثُل الأفقية إلى ما هو «هنا» و«الآن»، مُعلِنًا فكرةً جريئة سيلاحقها في مقالته: ماذا لو كان ذلك الأساسُ الذي لا يتزعزع للحقيقة - المفروضُ قديمًا أنه تحت دوّامة الظواهر الكاذبة - إنما هو دائمًا «هناك»، وراء التجربة، على الجانب الآخر منها، على وشك أن يُنال ولا يُنال؟ ماذا لو كان النظام الأعلى للأشياء - «عين الفيض الإلهي» في الدين، وعالم «المعنى الحقّ» الذي تفترضه اللغة - غيرَ متاحٍ مباشرةً؟ لعلّ بعضَ الساعين إذن مقدّرٌ لهم أن يظلّوا في صحراءَ مملوءةٍ بالسراب. ومعنى أن يبقى الإنسانُ إلى الأبد في تلك المسافة الوسطى بين الظواهر والاستعارات - ذلك ما يستقصيه فَيْضي.
وفيما يلي، أزعم أنّ «تباشير الصّبح» - وهو جوهرةٌ صغيرةٌ لامعةٌ لا تتجاوز صفحات - يقدّم نظريةً في الشعر، وذلك بأن يصوغ عمدًا طريقةً مائلة في التفكير، تتيه في الاستعارات المتحوّلة والنثر الغنائي. وهذه الطريقة في العرض تتسع حتى تصير ما أسميه «شعريةً كوكبيّة»: أي سبيلًا إلى إدراكٍ شعريٍّ بأن التجربة واللغة وطلب الحقيقة مقيّدةٌ في أصلها بقيدِ الأرضيّة، وبحدود منظور الإنسان المربوط بالأرض. وفَيْضي يحتفظ بصفاءٍ ماكر إزاء هذه القيود؛ فهو في مقالته وشعره يُقرّ بأن الاستقصاء قد لا ينجو قطّ من تشويهات اللغة. وخلافًا للأنظمة المعرفية الأكثر تفاؤلًا (الفلسفة، الدين، العلم)، يرى فَيْضي أنّ الشعر وسيطٌ أوسع صدرًا - وأصدق - يسع طيفًا كبيرًا من الطموحات والإخفاقات، ومن الحدود والإمكانات. وسنرى هذه القوى متفاعلةً في إحدى غزلياته التي تصوّر رغبةَ تجاوز الحدود الأرضية حين ترتطم بقلّة الطاقة. والغزل - بما فيه من وعيٍ حادٍّ بحدوده (الإيجاز، القيود الشكلية، التقاليد، الصنعة) - أجدرُ الأشكال بتنبيه القارئ إلى احتمال ألا ينفذ إلى ما وراء سطح الظواهر. في نظرية فَيْضي، يُواجَه القارئ بحدوده في زمانه ومكانه، ويُحاسِب فناءه؛ إذ كل قصيدة، ككل حياة، لها نهاية. غير أن للواقعية الغنائية وجوهًا مُثبِتة: فَيْضي، كغيره من شعراء الفارسية قبل الحداثة، يعتقد أن لقاء العالم عبر لغةٍ مصنوعة يمكن أن يُحدِث في العارفين أثرًا مُحوِّلًا: يهبهم الشعرُ لمحةَ جمالٍ وإمكان، وإن لم يمنحهم «الحقيقة القصوى» ولا الخلاص، فربما منحهم نوعًا آخر من الحرية.
ولكي يتبيّن وجهُ نظرية فَيْضي أوضح، ستقرأ هذه المقالة «تباشير الصّبح» قراءةً لصيقة، وتضعه بإزاء أعمالٍ ممثلة من تقاليدَ علمية وفلسفية ونقدية كانت متداولةً عند فَيْضي وقرّائه في الهندِ الفارسية المبكّرة. وبذلك ندرك كيف تتآلف في مقالته لوازمُ متكرّرة (مفهوم المركز الرياضيّ للأرض، والصحراء بوصفها فضاءَ كشفٍ وتحوّل، واللبس الوجوديّ لكائنات الأرض، وخسوف القمر) فتُحكم عقدةً من الغرور والهشاشة والعجلة والخلق الطموح. أي إنّ ما بين أيدينا «نظرية». وسأختم بالقول إن الشعرية الكوكبية عند فَيْضي تُفعّل معاني متعددة للنظرية في سياقاتٍ قديمة وحديثة: بوصفها مبادئ، وبوصفها رؤية، وبوصفها كشفًا ونقدًا للأنظمة القائمة، وبوصفها وسيلةً إلى الحرية. ومن ثمّ فهذه النظرية جديرةٌ بأن تدخل في مباحث الغزل والقصيدة الغنائية والشعر نفسه.
قلّ أن كان في شعراء الفارسية مَن كان أعظم شهرةً ونفوذًا وسلطانًا من أبي الفيض بن مبارك الملقّب بـ«فَيْضي». وُلِد بآغرة سنة ٩٥٤هـ/١٥٤٧م لأسرةٍ مسلمة تُرجع نسبها إلى اليمن، ثم لمع حين عُيّن معلّمًا لأبناء السلطان أكبر. وكان لقبه «فَيْضي» (مأخوذ من «الفَيْض» أي الإشراق الإلهي) لائقًا جدًّا، لا سيّما مع الدين الذي نحته أكبر للدولة: «الدين الإلهي»، وهو نظامٌ مُركّب استعار من الإسلام والتصوف والهندوسية والزرادشتية والمسيحية، وغلبت عليه رموزُ النور واللمعان والإشراق. وكان فَيْضيٌّ رأسًا من رؤوس المشروع السياسيّ المغوليّ الذي سخّر الأدب لتقوية «الوطنية الهندوستانية» - كما قال بعض الباحثين - ومن طرائقه مزجُ المبدأ الفارسيّ بنكهةٍ هندية عبر ترجماتٍ رسمية نقلت الآداب السنسكريتية إلى قرّاء الفارسية في أوراسيا. ومن ذلك صنيعه في تحويل قصة حب مشهورة من «المهابهاراتا» إلى منظومةٍ فارسية («نَل ودَمَن») مثالًا للشعر في خدمة السياسة. وكتب كثيرًا من المدائح للسلطان ونال بذلك لقب شاعر البلاط. كما أن تدخّلاته العلمية - في الأخلاق والرياضيات وتفسير القرآن والتصوف والسياسة - تدلّ على دربته بالنثر النظامي. لكنه سلك في مئات الغزليات التي نظمها نهجًا آخر؛ إذ تُسمِع الغزلُ عنده أصواتًا أقل يقينًا وألين مزاجًا، وهي نزعةٌ ستتضاعف في أجيالٍ تليه.
و«تباشيرُ الصّبح» بوصفه صدرَ الديوان يقدم تأملاتٍ نثرية مدهشة في ماهية الشعر وشكله وقيمته. وخلافًا لكتبه الأكثر انتظامًا، فإن هذا النصّ «مقالةٌ» بحقّ، تُشبه - من بعيد - محاولات ميشيل دي مونتين الفرنسي (٩٤٠–١٠٠٠هـ/١٥٣٣–١٥٩٢م) الذي يفرّق بين «العلماء الذين يميّزون أفكارهم ويحدّدونها» وبين نفسه إذ يقول إنه لا يرى إلا ما علّمته التجربة، بغير نظام، فيتكلّم كلامًا مُقطّعًا. وتتموّج في مقال فَيْضي تياراتٌ شبيهة من الشكّ والثقة. ويسهل أن يُظنّ أن «قبضة الذرّات» ليست إلا قصائد الديوان يقدّمها المؤلف تواضعًا، غير أنّ نثره يأبى التعريف القاطع: الأفكار في حركة، لا تستقرّ على شكلٍ واحد ولا صيغةٍ أخيرة؛ والنتيجة نظريةٌ طموحة (ومتردّدة) للشعر، هي أيضًا نظريةٌ للغة والمعرفة، وتأملٌ في حدود السعي الإنساني.
والأفكار التي يبسطها فَيْضيٌّ ليست سهلة. نصّه يمشي «مشيَ السرطان» منحرفًا عن جادة البرهان - على حد تعبيرٍ حديث - فتتفتح المعاني ببطء في ألعابٍ لفظية وصورٍ مزخرفة واستعاراتٍ متراكمة. وليس هذا دليلَ رخاوة، فالمجاز قد يولّد معرفةً مثل القياس العقليّ، وإن كان يتكلم «بصوتٍ من خارج الفضاء المنطقي». وكان فَيْضي قادرًا على الأسلوب المجرّد المباشر، فقد كانت كتب البلاغة والنقد بالعربية والفارسية قبل زمانه تميل إلى تشريح الشعر إلى عناصره: تُفرِد صنوف البيان، وتحدّد الوظائف، وتثبت القواعد. فمثلاً رَضوياني في القرن السادس الهجري أراد لكتابه أن يكون «دليلًا» عمليًّا للشعراء. وشمس قيس الرازي في القرن السابع قال: «غرض الغزل تسكين العقل وإرضاء النفس»، لكنه لا يذكر ذلك إلا بعد مئات الصفحات في العَروض والبيان.
أما «تباشير الصّبح» فيبدو كأنه محاولةٌ واعية للتنظير بطريقةٍ جديدة: تخييلًا وشعرًا. لا حججَ منحوتة ولا تعريفاتٍ خاطفة، بل تجربةٌ مُربِكة جميلة، تُدهش القارئ لا ببناء البرهان بل بـ«الانعطاف، والقول الخاطف، والصورة اللامعة». وتزداد براعة فَيْضي في الفقرة الثانية حين يقطع كلامه بتأوّه، ثم يسترسل بنفَسٍ محموم متكلمًا بضمير المتكلم:
ما الذي أقول! ما هذا الخواء، وما هذه الثرثرة الفارغة التي جعلتني أُجترّ الكلام! ليست حبّاتِ رملٍ أصلًا، بل شظايا ألماسٍ، مصقولةً صقلًا حجريًّا، كلُّ واحدةٍ قطعةُ حريرٍ تليق بستر الصور الإلهية. إن جوهرةَ الليل المضيئةَ - أي اللغة - لا تُوارى بالتراب، وشمسُ المعنى لا تتلطّخ بالقذر، وإن كان الحبرُ (مِداد) ليس إلا طينًا، بل هو أظلم من الطين.
والشيء الذي كان يَسعى لتعريفه يتعرض لضغط استعاراتٍ جديدة: تيه الصحراء ينقلب فجأةً إلى صورٍ من الصنعة الدقيقة (صوغ الحُليّ، والتطريز). وهذا التحول يُظهر فجوةَ المنزلة بين مصنوعات اليد البشرية وبين الحقائق الإلهية التي، مع كمالها، تبقى بعيدةً مجردةً عن الأرض. وعلى الشاعر الصانع أن يُلبس الحقيقة لغةً، وأن يعطي الفكرة وجوهًا، وأن يَصوغها في هيئةٍ تُلمع - بل تجعلها تظهر أصلًا. ولزوم «تلبيس الحقيقة باللفظ» معروف في التراث. فابن سينا في القرن الخامس الهجري يقرر أن الحقيقة الإلهية لا تُنال مباشرةً لعامة الناس، فلا بد أن تُكسى بـ«لغة الحسّ»، أي رموزٍ وإشاراتٍ تحمل المعنى البعيد. ومن الرسم إلى الصياغة إلى النسيج، استُعملت الصناعة استعاراتٍ للشعر عند المنظّرين الفرس. حتى إن شاعرًا يَزْديًّا في القرن التاسع ألّف ديوانًا في الخياطة والنسيج والزينة، يريد أن يُبهر القرّاء بـ«ثياب المعاني الحريرية الملوّنة».
والصنعة عملُ يدٍ على مادّة. وفَيْضي يمعن في هذه الفكرة بأن يُقيم اللغة على الأرض: أدنى الكواكب وأوسطها في تصور بطليموس. يلتذّ بمادّية الحرف، بسواد الحبر على بياض الورق. ومع ذلك، فشيءٌ ما يلوح من خلال هذا التراب - ولو على وجهٍ ناقصٍ ومُبهَم - إذ «شمس المعنى لا تتلطّخ». ولكن الذي يضيء ليس الحقيقةَ المطلقة؛ بل «جوهرةُ اللغة الليلية» نفسها. وللحبر في العربية والفارسية أسماء، واختيار فَيْضيٍّ لكلمة «مِداد» يدل على حبرٍ حالك من الزاج والسخام. فإذا قال «الحبر طينٌ» فهو على الحقيقة: اللغة تُصاغ من أحقر مواد الأرض وأشدّها سوادًا، حتى في أبهى أشكالها. وكأنه يُثبت ذلك، نراه ينسج فقرةً تموج بالجناس والردّ والرجع، فتخلق «نسيجًا نصيًّا» يستدعي كلماتٍ لا ترد في النصّ صراحةً. ومن اللطيف أن جذر «مِداد» (م-د-د) يدل على المدّ والبسط؛ فالحبر يمدّ الفكرة على الصفحة، ويُظهر امتداد اللغة.
ولِفهمِ هذا الموضع وما انشبكَ فيه من نَسْجِ الأفكار، يحسُن أن نقرأ فَيْضي على ضوء طائفةٍ من المصنّفات العلميّة والفلسفيّة والنقديّة التي كانت - على سبيل الشيوع والجوّ العام - مُتاحةً له ولجمهور القرّاء المتعلّمين في بيئتِه الفارسية-الهنديّة المبكّرة. وهذا يُظهر مقدارَ طموحِ نظريته، إذ إنّها - كما سأُبيّن - مؤسَّسةٌ على «شِعريّةٍ كوكبيّة».
وقد شرع الدارسون في السنين القريبة يُنظّرون لما سمّته إيمي إلياس وكريستيان مورارو «الانعطافة الكوكبيّة» في الدراسات الأدبيّة. وهذه «البنية الجديدة للوعي» تُطرَح نموذجًا نقديًّا يَنْحَرِف عن نزعاتِ التسطيح والتعميم التي وسمت نظريّاتٍ سابقةً صُنعت على صورة العولمة؛ وهي - برفضها لبعض مسالك ما بعد الحداثة التي غدت مرّةً بالية - تُقبل إقبالًا جادًّا جديدًا على العلائقيّة والأخلاق والبيئة وتعدّد الرؤى العالميّة. وتدعو هذه الانعطافة كذلك إلى طرائقَ في القراءة يفكّر معها القارئ بالكوكب كلّه - على حد تعبير واي تشي ديموك. غير أنّه، على ما في ذلك من نفعٍ وبهجةٍ، تبقى في هذه المحادثات فجوةٌ واسعة: غيابُ النظريّات «غير الغربيّة» السابقة على الحداثة. وقد قالت كريشنسوامي قولًا فَجًّا صريحًا: إن «غير الغرب» قد يُعدّ منبعًا لإنتاجٍ ثقافيٍّ «غريب»، لكنه لا يُقبل بوصفه «موضعَ نظرية». ويشتدّ هذا العوز حين يكون الحديث عن نظريّات الأدب ونظريّات «الشعر الغنائي»، إذ لا يزال الغنائيّ في الدرس الإنجليزيّ يُرى قبل كل شيء كائنًا أوروبيًّا. ومن أجل توسيع أفق النظرية وتخليصه من هذا القيد، أريد أن أُري كيف تقدّم نظرية فَيْضي انعطافةً كوكبيّةً أسبق: مقاربةً خَلّاقةً مشدودةً بالخيوط الفلسفيّة، تُفكّر في كيفيةِ وضع الشعر للحياة الإنسانيّة في علاقةٍ بالبُنى الكبرى التي تتكشّف ضمنها تلك الحياة.
رأينا كيف دلّت الفقرات الأولى من «تباشير الصّبح» على فُرجةٍ مضطربةٍ بين التيه والغاية، بين الساعي ومقصده، في الزمان والمكان. ثم يعود فَيْضي في موضعٍ لاحقٍ من مقالته إلى اللعب بفكرةِ «المسافة» والامتداد، لكن هذه المرّة على مقياسٍ كونيٍّ فسيح:
من ذلك الموضع الذي يسكن فيه المعنى إلى مركز الأرض طرقٌ كثيرة. وإن خسوفَ القمر إنما يكون لاعتراض الأرض، غير أنّ بين الأرض والقمر بونًا كبونِ الأرض والسماء.
وهذا الموضع يعسر أن يُلتقط على تفسيرٍ واحد، إذ تتشظّى الأفكار فيه كأنّها شُذَرٌ تنعكس عبر سلسلةٍ من الاستعارات، على نحو ما يفعل الغزل؛ ثم تُختَم بصورة خسوف القمر، كأنّها مثالٌ لخسوفٍ وجوديٍّ في النفس.
يبتدئ فَيْضي بحقيقةٍ يذكرها: أنّ بين مركز الأرض وبين ذلك الموضع الذي يسكن فيه «المعنى» طرقًا كثيرة. ومن الجدير أن يُنبَّه إلى أنّه لا يُعيّن أين يقع ذلك «الموضع» على التحديد. فلفظة «المعنى» لفظةٌ اصطلاحيّة متعدّدة الوجوه، قد تُفسَّر بالمقصود الذي تتّجه إليه الأذهان والألفاظ، وقد تُفسَّر بالحقيقة وراء الظواهر، وقد تُحمل على عالم الخالق وراء الكون الحسّي. ثم إنّ التقاليد الشعريّة الفارسية كثيرًا ما تشبك «الحقّ/المعنى» بنور الشمس الإلهيّة. غير أنّ «المعنى» في مقالة فَيْضي لا يظهر إلا مُبهَمًا: «هناك»، في «ذلك الموضع». والأعجب أنّه حين يذكر خسوف القمر بسبب اعتراض الأرض، لا يذكر الجِرمَ الثالث الذي لا تتمّ صورة الخسوف إلا به: الشمس. كأنّه يُسقط محاذاة الشمس-الأرض-القمر إلى تشكيلٍ ثنائيٍّ: قمرٌ وأرض. والأرض بجسمها تحجب الشمس حجبًا سلبيًّا لا فِعل فيه إلا «الوجود»، ثم يقع سواد القمر - على نحوٍ غريب - مع أنّ بينه وبين الأرض مسافةً شاسعة، «كبون الأرض والسماء».
فما معنى هذا؟ إنّ وصف فَيْضي للخسوف وصفٌ تقنيٌّ دقيق في ظاهره. ولنقارن بذلك تعريفًا أوردَهُ الجغمينيّ - وهو من علماء الهيئة - في مختصرٍ عربيٍّ للمجسطيّ عند بطليموس: «إن جرم القمر في ذاته مُعتمٌ مظلم، وإنما يستضيء بنور الشمس كالمرآة… فإذا كان القمر في مقابلة الشمس، توسطت الأرض بينهما، فوقع ظلّها على القمر، فلم يصل إليه نور الشمس، فبقي على ظلمته الأصليّة، وذلك خسوف القمر». وفي بعض نسخ هذا المختصر رسمٌ يرافق التعريف، تُصوَّر فيه الأجرام دوائرَ تامّة.
لكن - على سبيل الواقع - ليست الأرض دائرةً تامّة ولا بسيطة. بل إن الجغميني نفسه يشرح أن الأجسام البسيطة (الأفلاك والعناصر الأربعة إذا انفردت) شأنها أن تكون كرويةً، إلا الأرض؛ لأنّها موضع التكوينات الجيولوجيّة، وفي سطحها تعاريجُ وانخفاضاتٌ وارتفاعات: أوديةٌ وتلالٌ ونحوها. فسطح الأرض - إذن - أعقد أجزاء الكون، إذ هو موضع امتزاج العناصر وتأثير الأجرام عليه، وموضعُ التبدّل الدائم.
وهذه الفكرة - أعني كون سطح الأرض موضع امتزاجٍ وتحوّل - تُضيء مباشرةً اختيار فَيْضي لمصطلح «مركز الأرض». فقد استُعملت فكرة «المركز» من قبل لأغراضٍ لاهوتيّة (كقول ابن عربيّ إنّ الحقّ محيطُ الأشياء ومركزُها). أما فَيْضي ففكرته أقل تجريدًا وأكثر التصاقًا بالتصوّر العلميّ: فالمركز نقطةٌ يتردّد عندها أثرُ التأثيرات السماويّة ثم يعمل في العناصر الأربعة، فيستأنف دَوْران الكون في «الكون والفساد».
فما أثر هذا الدوران في الكائنات التي تعيش على الأرض؟ كان فَيْضي يعلم أنّ العلماء قبل زمانه حاروا في حقيقة الموجودات الأرضيّة التي لا تثبت على حال. ومن ذلك أنّ النظامي العروضيّ - في حديثه عن الأدب - التفت إلى علم الكون لأنه رأى أنّ فهم عمل اللغة وغرض استعمالها الصناعيّ لا يتمّ حتى تُوضَع اللغة ومستعملوها في أوسع سياقٍ ممكن: الكون. واستند العروضيّ كثيرًا إلى ابن سينا (ت ٤٢٨هـ/١٠٣٧م) الذي صاغ تركيبًا بين عقلانيّة أرسطو وأفلاطونيّةٍ محدثة أثّر في فهم الكوسمولوجيا والوجود والمعرفة عبر أفرو-أوراسيا قرونًا. وكانت أنطولوجيا ابن سينا مهمّةً للنقّاد من أمثال العروضيّ وفَيْضي: إذ يرى ابن سينا أنّ كل موجودٍ «ممكن» - من حجرٍ وزهرٍ وإنسان - يَسعى، بحسب طبيعته، ألّا يَنطفئ من الوجود. أي إنّ الكائنات الأرضيّة «تشتهي ألّا لا تكون». لكن هذا الشوق يلتبس ويغدو مأساويًّا لأن «المادّة مَقرّ العدم» - كما يقول ابن سينا. ويُضفي العروضيّ على هذه الفكرة مذاقًا وجوديًّا: «نحن - جميع الممكنات - أمسِ لم نكن، وغدًا لا نكون. فإذا تأمّل المرء قليلًا بان له أنّ كل موجود قد ذاق طعم العدم… فنحن البشر، الممكنين، راسخون في العدم». وهو يريد أن يوقظ في القارئ رجفةَ معرفةٍ بأنّ الموت يحدّ الحياة من جميع جهاتها.
وهنا يُحرّك فَيْضي معنى قريبًا، بإصراره على «المنظور الأرضي». ففي العبارة الأولى يزيح «المعنى» إلى «ذلك الموضع» البعيد عن الأرض. وفي الثانية يصف الخسوف نسبةً إلى اعتراض الأرض، وهو وصفٌ لا يفهم إلا من حيث تبدّل لون القمر في عين الناظر من الأرض. وفي الثالثة يقول: «من الأرض إلى السماء»، وهي عبارةٌ إنسانيّة تنبع من خبرة الخلق الذين ينظرون من سطح الأرض إلى سماءٍ بعيدةٍ لا تُنال. وهكذا يفعل فَيْضي انقلابًا مذهلًا: يعيد رسم الكون شيئًا فشيئًا من منظور من يعيش على الأرض.
وهذا الانقلاب من جنس تقاليد «المثال الأصغر» (الميكروكوسم) التي شاع استعمالها حتى قال مير داماد (ت ١٠٤١هـ/١٦٣١م) إنها موضعٌ مشترك بين الحكماء اليونان والعرب، والمتكلّمين، والمتصوّفة. وهو يصف الإنسان بأنه عجينٌ عُجن من عالمين: «التجريد الروحاني» و«المادّة». ثم يجعل لهذه «البينية» صورة الخسوف، ويُفصّل استعارتَه تفصيلًا شبهَ تعليمي: «الشمس» تُؤول بأشعّة العقل من العالم الروحاني، و«القمر» هو النفس لأنها تستضيء بأنوارٍ من العالم العقلي، و«جسم الأرض» هو الجسد. وهذا التحليل يُعيننا على رؤية أن خسوف فَيْضي يمكن أن يُفهم بوصفه تغشّي النفس بالجسد. لكن فَيْضي - على خلاف مير داماد - يُهمل ذكر الشمس، فيبقى التركيز على الأرض والقمر: على ما هو أشدّ التصاقًا بالبشر. فهو يثبت أنّ الأرض موضعُ ترابٍ ومادّة وتيه؛ ثم يُعلّم البون بين «ذلك الموضع» الذي يسكن فيه «المعنى الحقّ» وبين سطح الأرض الوعر، حيث يهيم الممكنون، ويتخيّلون، ويفكّرون، ويكتبون. ومع ذلك لا يجعل هذا المسرح مأساةً محضة؛ بل يراه إمكانًا: موضعًا تتشكّل فيه الأفكار، وتُوقد الطموحات، وتنبثق زوايا جديدة للرؤية.
وهذه النظرة الخاطفة إلى التقاليد السابقة تُبيّن كيف يأخذ فَيْضي أفكارًا متداولة ويحوّلها إلى أغراضه. وقد وصفت هدى فخر الدين نوعًا من «ما وراء-الشعر» في التراث العربيّ بأنه «وعيٌ شديد بتقليدٍ سابق» دون أن يُعلن ذلك الوعي دائمًا. وهذا يصدق على فَيْضي: يستدعي مفاهيم ولوازم ويُعيد صوغها إبداعًا وتخريجًا بين المعارف، وبأسلوبٍ شعريّ. ثم إن فقرة الخسوف تُظهر حذاقة تقديمه نظريته: فالنثر الغنائي لا يكتفي بالدعوى، بل يُجريها مجرى الفعل. إنه يتيه من استعارة إلى استعارة، فتتبدّل الأفكار والصور بسرعةٍ مُحيّرة، تنعقد ثم تذوب كما يذوب السراب. وتجيء استعارة الخسوف لتحدّ وتجمع ما سبق من لوازم: تيه البيداء، مادّية اللغة، منظور الأرض. كأن القارئ يفجأ بأنّ تلك اللوازم كلها كانت استجاباتٍ شعريّة لمسألة «التجسُّد» وكون الفكر مغموسًا في المادّة.
كانت افتتاحيات «تباشير الصّبح» مشغولةً بالهشاشة، وبالفناء المَحسوس، وبإخفاقات الممكنات وحدودها. ثم ما يلبث باقي المقال أن يطنّ بنبرة ثقةٍ عالية. بل إنّ في الفقرة الأولى إشارةً إلى شيء من الغرور، إذ وصفُ الغاية المرجوّة من التيه بأنها بلوغ «عين الفيض الإلهي» يضمّ توريةً جريئة تُقحِم لقب فَيْضي (المشتق من «الفيض») في حضرة المعنى الإلهي.
ولفَيْضيّ إنجازاتٌ كثيرة، يعددها في وسط المقال، فيعرض مسيرةً صاعدةً انتهت بتتويجه شاعرًا للسلطان أكبر. وهو يرسم نفسه هنا - غيرَ متواضع - رجلًا عظيم الموهبة والنجاح. ومع ازدياد النبرة سيرةً ذاتية، تزداد قوميةً وسياسية؛ فيطلق أحكامًا أكثر إيجابيةً عن اللغة والشعر وعن نفسه. يصف أنه لما كان يعلّم أبناء الملوك تعلّم هو أيضًا وتحسّن، ومَرّ بمنازلَ من «الصورة والمعنى»، وسافر في «قممٍ وأودية» داخل «برّية الخفيّ والظاهر»، حتى أثمرت «همّته العالية» فصار ينظم الشعر «بغير عسر». ثم يعود إلى قصائده - «قبضة الذرّات» المتواضعة في البداية - لكن لا بوصفها تواضعًا، بل بوصفها ظفرًا: «سواد جيش شعري» - يقول - يملأ «مخطوط البلاد السوداءِ التربة من هندستان». ثم يفتخر افتخارًا صريحًا، فيُشبه شعره «بالسمر الجميلين من أهل الهند»، بل ينسب «خواصه الخارقة» إلى الهند نفسها، المشهورة في المثل بسحرها الذي يُبدّل الأشياء. ويختم مقدمته بأن قصائده - التي نُظمت في الهند على يد شاعرٍ هندي - لها «معانٍ» هي «مدنٌ سوداءُ التربة»، تتجمّع فتكون «بقعَ ياقوتٍ أزرق» في «هذا البستان العتيق». فهو يثبت لنفسه موضعًا في «القانون الفارسي» المصوَّر بستانًا يتعاهد الشعراءُ زرعَه ويزدهر فيه كل من يكتب بالفارسية، أيًّا كان منشؤه؛ وفي الوقت نفسه يُنزِّل فكرة «المعنى» من سماء التجريد إلى أرض الهند.
وهذا الانتقال في النبرة إلى فخرٍ قوميّ يلتقط لَحْنًا قديمًا جارٍ في الشعر الفارسيّ كالباسّ المستمر: لحنُ ادّعاء الشاعر البراعة والقوة. صورته ثابتة وإن اختلفت ألفاظه: إنّ الله يضع البنى (الكون، الزمان، اللغة)، لكن السعي داخل تلك البنى - طلب المعرفة، تدبير الملك، نظم الشعر - هو عملٌ إنساني. وبين الطاقة الإلهية والطاقة البشرية فجوة، والحديث عن البنى والخلق والاستعمال لا بد أن يتضمّن دعوى في القوة الخلّاقة. وهذه الدعوى تتلوّن. فالنظاميّ (ت ٦٠٥هـ/١٢٠٩م) يقول: «النطقُ صناعتي، وأما الخلق والبناء فمن الربّ». وفي «الشاهنامة» يروي الفردوسيّ حكاية جمشيد الملك الذي أحدث بعلمه وصناعته أول ازدهارٍ للحضارة؛ ثم يفاخر جمشيد: «كم رتّبتُ الدنيا ترتيبًا حسنًا… ما رأى العرشُ ملكًا أعظم مني». ثم يجعل الفردوسيّ هذا الغرور سببًا في انحدار العالم. فمهما عظُمت صنائع البشر، فالقوة لله.
وثمّة صياغاتٌ أخرى، كقول أمير خسرو الدهلويّ (ت ٧٢٥هـ/١٣٢٥م): «إنّ المعنى الإلهيّ محتاجٌ إلى صورة البيان البشري». فهو يعيد التراتب بين معنى وصورة، وخالق ومخلوق، وحقيقة مطلقة ولغة ممكنة؛ لكنه يقلب الميزان بكلمة «يحتاج»: كأنّ الله يحتاج الشعراء. ثم يختم فَيْضي «تباشير الصّبح» بدعوى أجرأ: أن القوة في عالم البشر، عند الشعراء - بل عنده هو. ويختم ذلك برباعية من ثلاث رباعيات، لزمتها اللازمة: «منّي».
هذا قصرُ اللغة بنَيتُه أنا.
والفهمُ من الأحبّة، أمّا الإشاراتُ والدلالاتُ فمنّي.
كلُّ نكتةٍ ذكيّةٍ سالت من قلمي يومًا -
معناها من الله، وأمّا عبارتها… فمنّي.
لقد ذهب تهيّب الفردوسيّ، وذهب تلطّف النظاميّ. يعترف فَيْضي بأن الإطار من عند الله، لكن الفعل داخل الإطار - طلب المعرفة في عُسرٍ وضرورةٍ، وبالخلق والمجازفة - هو من شأن البشر، من شأن الشعراء، من شأنه هو. لا تواضع هنا؛ بل فخرٌ صرف.
يُحسّ امتزاجُ الغرور والهشاشة عند فَيْضيّ بالمقابلة. فمن ذلك قول سلمان الساوجيّ (ت ٧٩٩هـ/١٣٩٦م) في قصيدةٍ عن الإعراض عن الدنيا، حيث يجعل التيه في البيداء ميؤوسًا منه لولا علاماتُ الله:
بيداءٌ، وليلٌ داجٍ.
وأنا ضالٌّ، والمنزل بعيد.
ولا عَلَمَ لي… إلا أنت يا ربّ -
فاهدني السبيل.
فطريق سلمان واضح: الاستغاثة بالله وحده. لكن كيف يهيم الإنسان في وحشة عمره على الوجه الصحيح؟ يصف نصير الدين الطوسيّ (ت ٦٧٢هـ/١٢٧٤م) في الأخلاق كيف إنّ قدرة الإنسان على الاختيار تُحدث في الناس مراتبَ لا نهاية لها: في أسفلها أصحاب العيوب الغليظة، وفي أعلاها - كالأنبياء - مَن نال غاية الكمال. وأكثر الناس بين بين، فهم بين خيارين: أن يسعوا إلى الصلاح فيبلغوا «الوصول» إلى الله، أو يتيهوا وراء اللذائذ السفلى التي تبدو في البدء جذّابةً لكنها خادعة لا تُشبع. ثم يستشهد الطوسيّ بآيةٍ من سورة النور من القرآن تشبه فقرة فَيْضيّ الأولى: «كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا». فصلاح المرء عنده معلّقٌ بتنظيم الشهوات.
وكثيرٌ من الشعراء الفرس يجعلون من شعرهم العباديّ خدمةً لهذا الواجب: تهذيب الرغبات. وكثيرٌ منهم - مثل جلال الدين الرّومي (ت ٦٧٢هـ/١٢٧٣م) - شيّد «شعرية حبّ» كاملة. والرّومي يعالج مشكلة التجسّد: في غزلٍ مشهور يُسائل النفس كيف ابتُليت بالنَّفَس وخفقان القلب وهي محبوسةٌ في «بيت الماء والطين». ثم يفتتح الغزل بتعريفٍ واثق لا يدع ريبة: الحبّ - الحبّ الحقّ - هو الترياق الوحيد لوجع الانحدار إلى الأرض:
الحبُّ هذا: أن تطيرَ فوق السماء،
أن تخرقَ مئةَ حجابٍ في كلّ آن،
أن تكفَّ عن التنفّس بالأنفاس،
أن تتركَ المشيَ بالأقدام.
في هذا الإيقاع الموسيقي الوثّاب، يُعرّف الرّومي الحبّ بأنه قوةٌ تغيّر النفس وتدفعها «إلى الوطن»، فتُحلّق خارج قفص الجسد، وتترك سطح الأرض ومادّيته. وكما دعا سلمان إلى مدد الله، يجعل الرّومي حبّ الله وحده سبيلَ الانفلات.
ولا نجد عند فَيْضي هذا الاطمئنان. فالفلاسفة والشعراء - كالطوسيّ والرّومي - يتشبّثون بـ«الصراط» ويثبتونه. أما فَيْضي فيتقبّل الفكرة المزعجة: لعلّ لا مخرج، ولعلّ التيه والتعلّق بالسراب هو كل ما يكون. وهو لا يستنكف أن يعدّ نفسه أحيانًا من الفاشلين الذين «يرجعون بأخمصٍ محترق وعقلٍ مشتعل». كما يقول في مطلع غزلٍ له:
اليومَ أنا
أشدُّ قلقًا من يومٍ سواه،
والصدرُ مُتفَقِّعٌ
من حَرْقٍ آخر.
ومزجُ فَيْضيّ بين الشك والثقة، ونظرُه إلى اللغة - وخاصة الشعر - لا كوسيلة خلاصٍ فقط، بل كصورة حريةٍ بذاتها، يدلّ على تحوّلٍ في الحساسيّة.
وقد كُتب كثيرٌ عن تغيّر الأساليب الأدبيّة في الفارسية منذ عصر فَيْضي وما بعده في «الحداثة المبكّرة» (نحو ١٥٠٠–١٨٠٠م)، وغالبُ هذا البحث ينصرف إلى التقنيات (موضوعاتٌ جديدة، مجازاتٌ مخصوصة) وإلى أسماء «الأسلوب» و«التقسيم الزمني» (الهندي، الطريّ، الجديد). غير أنّ الأهمّ توسيع الكلام إلى معنى آخر للأسلوب: أساليب التفكير والشعور والمعرفة. وسأورد هنا غزلًا لفَيْضي يضع نظريته وشعريته الكوكبية موضع العمل، ويُحاكي نمطًا من الاستقصاء يقوم على التقطّع وإعادة البدء - وعلى الشك أيضًا. لازمتُه في كل بيت عبارةٌ واسعة: «أخرج» (burūn ravīm) تُترجم على وجوه:
قد آن أن أخرج فأجاوزَ عالمَ القفر؛
وعيسى-المثال أنهض فأغادرَ هذا الديرَ للحيّ.
أذكرُ سدرةَ المنتهى فأبسطُ أجنحةَ الشوق،
وكالعنقاءِ أَخْمِشُ فِخاخَ الفوضى وأفلت.
تحت هذا الفلك المحدّب أبدو كشيطانٍ في زجاج،
وكالمَلَكِ أرفرف إلى عالمٍ أعلى.
لِمَ أعيشُ مضغوطَ القلب في نفسٍ صخراءَ وعرة؟
أنا جوهرةٌ لامعة: أستخرجُ نفسي من الحجر.
هذه الأرضُ المظلمةُ الغُبَرية قبرٌ يسجن الرجالَ والنساء؛
أشقُّ الجدارَ وأخرج من مدينة آدم وحواء.
لما بلغتُ هذا المنزلَ وحدي، متحرّرًا من كل جسد،
وعند لحظة الرحيل، انطلقتُ… متحرّرًا من كل جسد.
يا فَيْضي، إنّ خُطا الأقدام تجعل طريق الحبّ محالًا عبثًا؛
فأين القُدرةُ التي أخرج بها بغير عونِ قدم؟
ليس هذا الغزل جوابًا مباشرًا للروميّ، لكنه يأخذ نفس المسائل: التجسّد، الفرار من مادّة الأرض، طلب الحرية، بل يأخذ الصورة عينها: «السفر بغير قدم». وكغزل الرّومي يحاول فَيْضي تخييلًا أن يتجاوز المادّة ويقطع قيود الأرض. بل إنّ الغزل كله محاولات متكررة للخروج: كل بيتٍ يبدأ من جديدٍ باستعارةٍ أخرى، من الكتاب، ومن الحكايات، ومن الأساطير: عيسى، العنقاء، الملَك. لكن هذا الحشد من النماذج لا يزيد العزم قوّةً بقدر ما ينثره. والتمثيل ذو الحدّين في البيت الثالث شديد الالتباس: هو كالمَلَك، ولكنه كشيطانٍ محبوسٍ في قارورة العالم. وهذا العالم قفرٌ وفوضى. ثم تزداد الأبيات صراحةً في عقدة التجسّد: النفس جوهرة محبوسة في صخر، والأرض سجن، والناس نزلاؤه. ثم يعرض في البيت السادس صورة «المنازل» والسفر المنظّم: رحلةٌ روحيّةٌ منفردة ذات محطّات وغاية: التحرّر من الجسد. ثم يختم بذكر «السلوك» - وهو الاصطلاح الصوفي لطريق الحب - الذي كان الرّومي يصفه بوثوق. ويعود فَيْضي إلى صورة «الخروج بغير قدم»، لكنه بدل أن ينهي بنغمة الظفر، يجعل ثقله على استحالة الطريق: إن كان الرّومي يأمر أن ترى بلا عين وأن تمشي بلا قدم، فإن فَيْضي يسأل: كيف أفعل ذلك وأنا كائنٌ متجسّد لا أستطيع أن «أخرج» بغير قدم؟ إن محاولة ذلك «مُحال» - وهي لفظة تدلّ على الاستحالة المنطقيّة. ثم يصرخ: «أين القُوّة؟» - وهي لفظةٌ اصطلاحيّة في النفسانيّات السينويّة لِـ«قوى النفس» وملكاتها. وينتهي الغزل، ويبقى السؤال بلا جواب: القُوّة لا تُوجد، والطريق لا يُوطأ.
كان الرّومي يجعل الشعر الغنائي يفتح باب الإمكان؛ فقد بلغ - في نظره - بصائر روحانيّة ويرسم للناس مسلكًا. فإذا كان الرّومي يتكلم في الممكن، فإن فَيْضي مشغولٌ بالمحال. لا لأنّ السؤال الأخير وحده معلّق؛ بل لأنّ جوّ الغزل كله قائمٌ على الشرط والتمنّي: «قد آن…»، لا «قد خرجت». إنه مدٌّ إلى ما ليس بواقع، وكل بيتٍ رؤيا خروجٍ يقيّده عدمُ واقعيتِه. إن تفتّت خطاب الغزل - ولا سيما في هذه المرحلة - ينشأ من رغبة الشعراء في أن يحكوا «قصةً يستحيل حكايتُها على استقامة». فتعود القصائد إلى قوس الخلق والفراق والحنين، لا لتثبّت نظامًا، بل لتهزّه. وربما صحّ أن نسمي ذلك «كونًا مغايرًا» (كوسمولوجيا مائلة)، وفَيْضي يفعل هذا حين يُغرّب فكرة «الطريق» و«الوصول».
فإن كان غزل الرّومي يفتتح بـ«الحبّ هو» تعريفًا موجبًا، فإن غزل فَيْضي لا يمسك إلا يقينين: «قد آن» و«طريق الحب محال». لقد جاء وقت الفعل، فأين القُدرة على الفعل؟ كيف يسلك المرء طريقًا أعلى وهو أرضيٌّ متجسّد؟ جواب فَيْضي: في قُدرة الشعر. يجد سلواه - بل يجد قوةً وحريةً وخلاصًا من نوعٍ ما - في اللغة. وكما قال فَيْضي نفسه: لا أحد أبرع منه في «عمارة الأدب». فلعلّ البشر ليسوا هم الذين ينبغي أن يستغيثوا؛ بل لعلّ الله «يحتاج» الشعراء وكلماتهم الأرضيّة.
لقد ذهبتُ في هذا المقال إلى أنّ نظرية فَيْضي تكشف الشعرَ موضعَ إمكانٍ رغم القيد: مكانًا ذو «تفكيرًا غنائيًّا»، حيث يصبح الفكر في آنٍ محدودًا ومنفلتًا وهو ينعطف على نفسه. وعلى هذا النحو يرفض فَيْضي التعريفات المستقيمة، لأن نثره المتحوّل لا ينفكّ يُمثل تبدّلات الفكر في اللغة. وهو يقدّم لنا طريقةً للنظر إلى الشعر، بل طريقةً للنظر إلى «النظرية» نفسها.
وقد طال أرقُ التعريف الدراساتِ الشعرية: كيف نُعرّف الغنائي؟ وهل ثَمّ نظرية للغزل؟ ثم تُثار مسائلُ «قابلية التصدير»: أهي ألفاظٌ تصلح للعبور بين اللغات أم محليّاتٌ محض؟ وقد استعملتُ «الغنائي» و«الغزل» على سبيل الإصغاء إلى الرنين لا على سبيل دعوى الترادف التام ولا بناء «فوق-صنف» يعبر كل اختلاف. الغرض ليس تثبيت المساواة، بل سماع الأصداء.
وأختم بمقابلةٍ تكشف اضطراب فكرة التعريف ذاتها: بين شمس قيس الرازي في القرن السابع، وفَيْضي في القرن العاشر، ورينيه ويلّيك في القرن العشرين. ففي النظرية الفارسية ثقةٌ وحيرةٌ في شأن الغزل: الناس متفقون على صورته (قصير، أبياته مستقلّة معنًى، يجمعها وزن واحد وقافية/رَديف)، لكنهم مختلفون في منشئه ووظيفته وغايته. بل إنّ شمس قيس نفسه يذكر أنّ قومًا يلحقون الغزل بالقصيدة العربية عبر «النسيب»، وقومًا يفرّقون. ثم يزيد المسألة تشابكًا بالاشتقاق: جذر «غ-ز-ل» عندنا يدلّ على المغازلة، ويجاور لفظ «الغزال»، وكل واحد منهما يُعطي تصوّرًا مباينًا للغزل.
ثم إنه يذكر للغزل «مقاصد» شتى: منها ما هو دنيويّ كاستمالة راعٍ، ومنها ما هو رقيق العبارة: «تسكين العقل وإرضاء النفس». وهذه التعدديّة تُظهر توترًا في معنى «التعريف»: أليس السؤال - ربما - ليس «ما الغنائي؟» بل «كيف ينبغي أن نرى مشكلة تعريف الغزل أصلًا؟» أتعريفه جمعُ أجزائه الشكلية؟ أم هو أثرُه؟ أم منشؤه؟ أم استعمالُه الاجتماعي؟
ويجيء ويلّيك (ستينيّات القرن العشرين) فيقول متحسّرًا إن «نظرية الغنائي… قد بلغت مأزقًا تامًّا». ويرى أن ردّ الغنائي إلى محورٍ واحد - كتجربة (Erlebnis) أو مزاج (Stimmung) - لا يفي بتنوّع الأشكال عبر التاريخ والآداب. ثم يقول: لا بد أن نترك محاولة تعريف الطبيعة العامة للغنائي، فلا يُنتج منها إلا عمومياتٌ مبتذلة؛ ولعلّ الأجدى وصفُ الأنواع وتاريخُها وتقاليدها. لكنه يعلق في مأزقٍ معروف: كيف نصف النوع تاريخيًّا بغير معرفةٍ سابقةٍ بماهيته؟ وكيف نعرف ماهيته بلا تاريخه وبلا أمثلته؟
ومن اللافت أنّ شمس قيس وويلّيك كلاهما يعلّقان الكلام على «الوصول». شمس قيس يتحدث عن «المقصد»، وويلّيك يجعل التحوّل من التعريفات الرديئة إلى وصف الأنواع «وصولًا» إلى ممارسةٍ أفضل. ولكنّهما لا يجدان طريقًا خطيًّا ميسّرًا يضمن الوصول. وهذا بالضبط ما يقوله فَيْضي شعرًا: النظريةُ تتيه. إنه يطوف على معارف شتى ثم يرى في كل شيء إمكانًا وتحوّلًا، فيرفض أن «يصل» إلى حدّ نهائي، لأنه يرى الاستقصاء أسيرَ اللغة زلِقَها. ويمكن أن نوجز «لا-تعريفه» هكذا: أن تتقافز من استعارة إلى استعارة، وأن تضلّ في السراب والتحوّلات، بلا ضمان لصورةٍ ثابتة أو كلمةٍ أخيرة. غير أنّ لشكّه وجهًا إيجابيًّا: ماذا لو تركنا شهوة الوصول، وأخذنا بحتمية التيه؟ التيه تفكيرٌ واسع، خلاق، شعري. وهذا التحويل من «الوصول» إلى «التيه» هو - في ظني - الانتقال من «التعريف» إلى «النظرية».
إنّ «الشعرية الكوكبية» عند فَيْضي تُفعّل وجوهًا متعددة للنظرية. فقد دخلت مفاهيم النظرية والعمل إلى الفارسية من اليونانية عبر العربية، أولًا في كتب الفلسفة العقلية حيث النظرية معرفةٌ مجرّدة تُشرف على الكليّات وتترك العمل. ومقالة فَيْضي نظريةٌ بهذا المعنى: تُعطي حسابًا عامًا للشعر ولغيره (اللغة، الخيال، الكون، الأخلاق، الوجود، حدود البشر). وهي بهذا تشبه بعض ضروب «النظرية» الحديثة التي تسعى إلى كشف البنى التي تُشكّل الحياة - غالبًا بألم. لكنها قد تكون - مفارقةً - عملاً عمليًّا: «عُدّةً» لا «نظامًا». وقد عبّر ميشيل فوكو عن ذلك حين قال: إنّ النظرية اليوم ليست منظومةً كليّة تمسك كل شيء، بل هي «صندوق أدوات» يُنمّي معرفةً استراتيجية بالتدرّج. وهذا المعنى للنظرية بوصفها وسيلةً للحرية ذو رهاناتٍ عاجلة، وفَيْضي يجعل إمكان التحرّر حاضرًا: فمجرد إدراك المرء أنه مقيّد بمنظور الأرض قد يتيح له أن يسكن هذا القيد بحذقٍ أعلى: أن يحلم بالخروج وهو يعلم أنه لا يملك «القدرة» على الخروج.
وما يبيّنه فَيْضي - في تقديري - أن النظرية طريقةُ رؤية. والنظرية في الفارسية والعربية (النظر) تحفظ صدى الأصل اليوناني لـ theoria بوصفها «مشاهدةً». في اليونان القديمة كانت theoria سفرًا جسديًّا إلى ما وراء حدود المدينة لمشاهدة مشهدٍ أو لتعلّم العالم. ثم يعود المسافر (المشاهد) فيرى وطنه رؤيةً جديدة: النظرية تُغرّب الأشياء، وتراها مائلةً مرارًا من زوايا مختلفة. وقد تمشي ببطءٍ وتجربةٍ والتواء. النظرية تتيه. تأخذ وقتًا لتتفرّس، لتختبر السراب.
وإذا كان في النظرية شيءٌ من الشعر، ففي الشعر - أيضًا - شيءٌ من النظرية. يقول الشاعر بيلي-راي بيلكور: «الشعر كائنيٌّ خلقيّ؛ يقاوم الأسرَ التصنيفي». فالنظرية والشعر كلاهما قلقٌ متحرّك: يجرّب طرائق رؤية، ويفتح حيّزًا لطرائقَ أخرى في التجسّد والتفكير. ويُشبه والت ويتمان روحَ الشعرية الكوكبية عند فَيْضي حين يقول عن ذاك الذي «من نظرية الأرض ومن جسده يفهم بسلاسل من القياس الخفيّ سائر النظريات». والشعر - على حد صياغة تيموثي هاريسون - ينتهج «استراتيجية إظهار الظواهر»؛ أي يُسكِن المفاهيم كما لو أنها تُعاش وتُحسّ.
ويُذكرنا فَيْضي بأن امتلاك الجسد معناه أن يعيش المرء في خسوفٍ دائم: تغشّي النفس بالمادّة. ويضع ابن سينا الأمر في صورةٍ صارمة: لا يتغلّب على المادّة إلا الأنبياء، فهم الكاملون الذين يدركون دفعةً واحدة ولا يحتاجون إلى «مددٍ وأزمنة» ليفهموا الحق. أما سائر السالكين فيحتاجون إلى وقت. والوقت هو ما يأخذه الشعر: بوعيٍ وشجاعةٍ، إذ يحاسب قِصره وقيده. وفخر فَيْضي بقوة اللغة تذكيرٌ بأن كوننا «أرضيّين» قد يكون هبة: فالملائكة والأنبياء لا يكونون شعراء؛ الشعر إقليمُ من يحتاج إلى سراب القصيدة - إلى نظرياتها وطرائق رؤيتها - لكي يفهم قبل أن يأتي الانتهاء.