سيرةُ مجتمعٍ يُنكرُ ندوبَه
في رسالةٍ وجَّهها إلى الفيلسوف مارتن هايدغر، أعلنَ إرنست يونغر في غضبةٍ حازمة: «أخبرني عن صِلتِك بالألم، أُخبرك مَن أنت». ففي أوائلِ الثلاثينيات من القرن العشرين، نَشرَ يونغر مقالًا جَدليًّا عن الألم، نَبَذهُ كثيرٌ من مُعاصريه ظَنًّا منهم أنه يُروِّجُ خُفيةً لأيديولوجيا ألمانيا النازية. واليوم، وبعد انقضاءِ نَحوِ ثمانيةِ عُقود، يوقِنُ الفيلسوفُ الألمانيُّ (كوريُّ الأصل) «بيونغ-تشول هان» بأنَّ يونغر قد وَقَعَ على اكتشافٍ عظيم؛ فصِلتُنا بالألم تَكشفُ حقًّا عن طَبيعةِ المجتمعِ الذي نَحيا فيه. وبناءً عليه، يرى هان أنَّ كلَّ نقدٍ اجتماعيٍّ ينبغي أن ينطلقَ من «هيرمينوطيقا الألم» (تأويلية الألم).
شأنُه شأن جيجك، ومؤخرًا باديو، يُعَدُّ بيونغ-تشول هان من الكُتَّابِ القلائلِ في التراثِ الفلسفيِّ القارِّي (Continental) الذين أَفلَحوا في جَذْبِ قُرَّاءٍ من خارجِ أَروقةِ أقسامِ الإنسانيات. وفي كتابِه الصادرِ: «مجتمع التّسكين: الألم اليوم» (The Palliative Society: Pain Today)، يَستلهمُ «هان» تَجرِبتَنا مع الجائحة ليَستقصيَ علاقةَ المجتمعِ الحديثِ المُضطربةَ بالألم. وفي مُعظمِ مَباحثِه، يُوسِّعُ كتابُ «مجتمع التسكين» الحُجَجَ التي طَرحها «هان» في كتابِه الأوَّلِ والأشهر: «مجتمع الاحتراق النفسي» (The Burnout Society)، ويَنطلقُ الكِتابانِ من مُقدِّمةٍ مَفادُها أنَّ مجتمعَنا (في الحداثةِ المتأخرة) لم يَعُدْ مُقيَّدًا بالبُنى الانضباطيةِ لعصرِ ما بعد الصناعة.
إنَّ نموذجَ «مجتمع الانضباط»، الذي شرَّحَهُ «فوكو» بدقَّةٍ في أعمالِه، قد أفسحَ المَجَالَ لِصورةٍ جديدةٍ من المجتمع، تُلقي عِبْءَ الانضباطِ على كاهلِ الفردِ ذاتِه. فالانضباطُ، الذي كان يومًا مَقرونًا بالطاعة، غدا اليومَ مَربوطًا بالإنجازِ ومسألةً من مَسائلِ الرَّقابةِ الذاتية. وإذا كان «مجتمع الانضباط» يُحَدُّ بأوامرِه ونَواهيه (زواجراتِه)، فإنَّ «مجتمع الإنجاز» يُعرَّفُ بتأكيداتِه ومُحفِّزاتِه. وفي نظرِ هان، فإنَّ شِعار «نعم، نستطيع» قد حَلَّ مَحَلَّ «يجب علينا» ليُصبحَ هو الدستورَ الهاديَ لِعَصرنا.
ومن عَواقبِ هذا التحوُّلِ النَّموذجيِّ أننا وَجَدنا أنفسَنا أسرى في «مجتمعِ أداء»، حَلَّ فيه خُضوعُ المرءِ لِذاتِه مَحَلَّ خُضوعِه للمؤسَّساتِ الانضباطية. وهذا التحوُّلُ لا يَعني انقطاعًا أو قَطيعة؛ بل يَبدو عقلانيًّا تمامًا متى سَلَّمنا بمبدأ أنَّ المجتمعَ الرأسماليَّ تصوغُهُ «رغبةٌ جماعيةٌ في تعظيمِ الإنتاج». فنَموذجُ الإنجازِ هو إطارٌ أَجدى لزيادةِ الإنتاجيةِ من النَّموذجِ القائمِ على «الانضباط» المفروضِ من عَلٍ. وبطريقةٍ أو بأخرى، تَستكشفُ كافَّةُ مؤلَّفاتِ هان المُترجمةِ الآثارَ النفسيةَ والاجتماعيةَ لِلعَيشِ في مجتمعٍ حَلَّ فيه «ذاتُ الإنجاز» مَحَلَّ «ذاتِ الطاعة» بوصفِه النَّمَطَ الوجوديَّ السائد.
يُروِّجُ المجتمعُ المعاصرُ بلا كَلَلٍ لمقولةِ أنَّه ليس ثَمَّةَ شيءٌ يَستعصي على مَنالِنا. وبِحَسَبِ هان، فإنَّ «الجهاز النيوليبرالي» قد مَطَّطَ خِطابَ الإنجازِ حتى بَلَغَ حَدًّا باتَ فيه النجاحُ واجبًا حَتْميًّا على المَرء. ويُتَصوَّرُ النجاحُ في مجتمعِ الإنجازِ كدالَّةٍ (Function) إنتاجيةٍ قابلةٍ للقياس، وكإسهامٍ في اقتصادِ السُّوقِ الحُرَّة. ويُصرُّ هان على أنَّ هذا المَوقِفَ قد أفضى - عن غيرِ قَصد - إلى استبعادٍ مُؤسَّسيٍّ للألم من الخِطابِ العام؛ إذ إنَّ السُّوقَ يُساوي بين الألمِ وفُقدانِ الإنتاجية. وبِحَصْرِ الألمِ في نِطاقِ الطِّبِّ والممارساتِ العِلاجيةِ وَحْدَها، يَرى هان أننا قد «أهملنا طابعَهُ كـ[علامة]».
وإذا كان للألمِ حقًّا وظيفةٌ سيميائية (عَلَامِيَّة) في مجتمعِ الإنجاز، فهي وظيفتُه كـ«علامة على الضعف». فالمعاناة، بسلبيتِها، «لا مَكانَ لها في مجتمعٍ نشطٍ تُهيمنُ عليه القُدرة». وفي نظرِ هان، فإنَّ المجتمعَ بأسْرِهِ يترنَّحُ اليومَ تحت وطأةِ «رُهاب الألم» (Algophobia)، ويُلازِمُ ذلك ظُهورَ «عِبادة الإيجابية» التي تَعِدُ بتحريرِ الفردِ من الألمِ والخَيْبَة.
بالنسبة لِهان، تُمثِّلُ الإيجابيةُ المُفرِطةُ كأسًا مسمومةً تَعِدُ بالخلاصِ وتُولِّدُ في الآنِ عينِه صُوَرًا جديدةً من الألم. وفي كتابِ «مجتمع الاحتراق النفسي»، يقتفي هان أثَرَ عالمِ الاجتماعِ الفرنسيِّ «آلان إرينبيرغ» في إرجاعِ أصلِ الاكتئابِ والاحتراقِ النفسي وسائرِ «الأمراض العصبية» إلى مرحلةِ الانتقالِ من مجتمعِ الانضباطِ إلى مجتمعِ الإنجاز. ففي رأيِه، «يتفشَّى الاكتئابُ حين تتراجعُ أوامرُ مجتمعِ الانضباطِ ونَواهيه أمامَ المسؤوليةِ الذاتيةِ والمُبادرة»؛ غيرَ أنَّه يُؤكِّدُ أنَّ «مَرَضَ المرءِ لا يَنبعُ من فَرْطِ المسؤوليةِ والمبادرة، بل من حَتميةِ الإنجاز».
ويُوسِّعُ كتابُ «مجتمع التسكين» هذه الحُجَّةَ برَبْطِ هذه الأمراضِ بتغيُّرِ مَواقفِ المجتمعِ تُجاهَ الجسد. ففي مجتمعِ ما بعد الصناعة، غدا الجسدُ البشريُّ مَحرابًا لِتكريسٍ وتعبُّدٍ عبوديٍّ خالص. ففي الرؤيةِ «البطولية» الكلاسيكيةِ للعالَم، لم يكنِ الجسدُ يُتَصوَّرُ إلا كـ«مَخفَرٍ أماميٍّ بَعيدٍ يُمكِنُ الزَّجُّ به والتضحيةُ به في ساحةِ المَعركة»، مِمَّا يَعني أنَّ «الحياةَ يجبُ أن تُنظَّمَ على نَحوٍ يُجعَلُها [مُدرَّعةً] في مَواجهةِ الألم».
أمَّا النَّقيضُ من ذلك، فذاتُ ما بعد الصناعةِ هي «ذاتٌ برجوازية... مُتْعَوِيَّة (Hedonistic)»، تَعبُدُ الجسدَ «بمنأى عن أيِّ غايةٍ عُليا». وفي رأيِه، فإنَّ الجسدَ الحَسَّاسَ لِذاتِ الحداثةِ المتأخرةِ «قد فقدَ أُفُقَ المعنى» الذي كان الألمُ يَكفَلُهُ تقليديًّا. وحين يُمسي الألمُ «طبيًّا ودوائيًّا صِرْفًا»، فإنَّه يَكُفُّ عن كَونِه «بليغًا [بل وحتى] نقديًّا». ونتيجةً لذلك، تَحُلُّ مَناطقُ التسكينِ ومباعَثُ الرفاهيةِ مَحَلَّ فضاءاتِ الانضباط، غايتُها الوحيدةُ إطالةُ أمَدِ الحياةِ البشريةِ لأقصى أَجَلٍ مُمكِن. ولعلَّ هان مُصيبٌ حين يُقرِّرُ أنَّ المنطقَ السائدَ في «مجتمع التسكين» هو «البقاء» (في مُقابلِ العيش أو الازدهار)، مِمَّا يَجعلُ تطلُّعاتِهِ لا تَختلفُ عن تطلُّعاتِ الفيروس!
بناءً على ذلك، يَرى هان أنَّ الجائحةَ كانت رَجَّةً جاءت من حيثُ لا نَحتسب، لتُصدِّعَ بُنيانَ الإيجابيةِ المُنفلتةِ في مجتمعاتِ الإنجاز. لقد كشفتْ عن زِيفِ أخلاقياتِ الرأسماليةِ التي «تفتقرُ» فقرًا مُدقِعًا إلى «سرديةٍ للحياةِ الطيبة». ومع ذلك، ولئن أفلحتِ الجائحةُ في تسديدِ «صدمةٍ للرأسمالية... إلا أنها لم تُعطِّلْها». رُبَّما تكونُ قد عَرَّتْ هياكلَ المجتمعِ المُتداعية، ولكنها في نهايةِ المَطافِ لا تعني شيئًا ما لم تُزوَّدِ الرأسماليةُ بنَموذجٍ يُوجِّهُ الحياةَ ويَمنحُها معنًى. يَرى هان أنَّ المجتمعَ المعاصرَ قد بَتَرَ عُرى الألمِ بِصِلاتِه التقليديةِ بمفهومِ «الحياة الطيبة»:
إنَّ الشَّغَفَ والمُكابدة (Passion) يَعقِدانِ القِرانَ بين الألمِ والسعادة... [بَيْدَ أنَّ] مجتمعَ التسكينِ لا يَأذَنُ للألمِ بأن يَنبعثَ شَغفًا، أو بأن يُمنَحَ لُغةً يَنطِقُ بها.
وغالبًا ما تتضمَّنُ الأفكارُ الكلاسيكيةُ للحياةِ الطيبةِ اشتباكًا بنَّاءً مع الألم. فالحياةُ الأخلاقية، وِفْقًا لهذه الرُّؤى، تُعرَّفُ بالاستراتيجياتِ التي يَصطبرُ بها المرءُ على الألمِ ويتجاوزُه، على نَحوٍ لا يَجلبُ المعنى والبهجةَ لِنفسِه فحسب، بل لِلإنسانيةِ جَمعاء. ويبدو أنَّ هان يُحاجِجُ باستحالةِ حَياةٍ أخلاقيةٍ دون افتراضِ نَوعٍ من الألم؛ لأنَّ الفِعلَ الأخلاقيَّ قد يَستلزمُ مُخالفةَ المرءِ لِرَغباتِه أو غَرائزِه.
علاوةً على ذلك، فإنَّ «نزعَ التسييسِ» عن الألمِ يُعدُّ كارثةً على مساعي التغييرِ الاجتماعي، إذ إنَّ «الدافعَ للثورة... هو الألمُ المُشترَك»: ففي نظرِه، لا نَعِي شبكاتِ الهَيمنةِ والظُّلْمِ الخفيَّةَ إلا حين نشتبكُ اشتباكًا حيًّا مع الألمِ بوصفِه مَنبَعًا لِمعنًى أعلى. ومِمَّا يَستلفتُ النَّظرَ أنَّ هان يَربطُ بين صُعودِ وأُفولِ سياساتِ «الطريق الثالث» (لا يسار ولا يمين) والإجماعِ الوَسَطِيِّ في العالَم الغربي، وبين عَجْزِ المجتمعِ عن مواجهةِ الألم. ولذا، لا غَروَ أن يُناصِرَ نَوعًا من «السياسة التنافُسية (Agonistic politics) التي تَسعى للجدال، والاختلاف، بل وربما الإساءةِ أحيانًا.
على رَغْمِ وَجاهةِ حُجَجِه، فإنَّ كِتابَ«هان لا يَخلو أحيانًا من خَطَرِ الوقوعِ في اختزاليةٍ ساذجة. فالأفكارُ المطروحةُ في النَّصِّ غارقةٌ لا مَحالَةَ في رُؤيةٍ عالميةٍ قارِّيَّة (Continental) تَعجزُ عن تفسيرِ المُجتمعاتِ الهَجينةِ التي تُستَوعَبُ فيها أيديولوجيا الإنجازِ أو تُدمَجُ ضِمنَ بُنًى انضباطية. فضلًا عن ذلك، يَصعُبُ الاتفاقُ بغيرِ تَحفُّظٍ مع التَّطابُقِ الذي يُقيمُهُ بين المرضِ النفسيِّ والبُنى الاجتماعيةِ المعاصرة. لعلَّ التعبيرَ عن هذه «الأمراضِ العصبية»، وبُروزَها، وتفشِّيَها الواسعَ هو ظاهرةٌ حديثة، غيرَ أننا نَجِدُ مُناقشاتٍ ثَرِيَّةً حولَ هذا الموضوعِ في التراثِ الكلاسيكيِّ، مُمتدَّةً من الرِّواقيين وصولًا إلى «روبرت بيرتون»؛ وهو تُراثٌ يتجاهَلُهُ هان بوضوح.
ولا عَجَبَ - إذن - ألا يُقدِّمَ الكِتابُ إلَّا النَّزْرَ اليسيرَ (إن وُجِدَ) من الاشتباكِ مع الأدبيَّاتِ السَّريريةِ المُتعلِّقةِ بالمرضِ النفسي. ومع ذلك، فإنَّ ما يَفتقرُ إليه الكِتابُ من صَرامةٍ عِلمية، يُعوِّضُهُ بسَلاسةِ مَقروئيَّتِه. كقطعةٍ تأمُّلية، يبدو «مجتمع التسكين» طَريفًا ومُمتعًا، ولكنه قد لا يكونُ العَمَلَ العِلميَّ النقديَّ الذي اقتضتْهُ الجائحة.
ومِثلَما فَعَلَ يونغر، يُخاطرُ هان بإضفاءِ قيمةٍ عُليا على صُوَرٍ مُعيَّنةٍ من الألمِ دون غَيرِها. كان يونغر - بطبيعةِ الحال - أحدَ أبرزِ مُنظِّري «الثورة المُحافِظة الألمانية» التي نَبَذَتْ فَردانيةَ التنويرِ لصالحِ «واقعيةٍ بطولية». وخِلافًا للمُحافظين التقليديين، لم يَحِنَّ يونغر ورفاقُهُ إلى ماضٍ مِثاليٍّ مُتخيَّل؛ بل على العكس، حَاولوا رَسْمَ مَعالِمِ بُطولةٍ من نَوعٍ جديدٍ تتكافأُ مع مُتطلباتِ «المجتمع التكنولوجي».
وقد يَتلمَّسُ القارئُ نَزعةَ مُحافَظَةٍ مُشابِهةً في كتابِ هان، غيرَ أنَّهُ في سَعيِهِ لإشكَلَةِ (Problematise) الألمِ كشرطٍ لازمٍ للرِّضا الأصيل، يَكادُ يَتطابَقُ رُوحيًّا مع كتابِ «السعادة» لباديو، الذي يُشيدُ - في مَسعًى مُشابِه - بأهميةِ المُخاطرةِ والمُغامرةِ في سَعيِنا نَحوَ الحياةِ الطيبة.