قطرتا عسلٍ على فمِ التنّين
إنَّ الحبَّ ليَحُولُ دونَ الموت، والحبَّ هو الحياةُ نفسُها. وكلُّ ما أفهمُه إنما أفهمُه لأنني أحبُّ. وكلُّ شيءٍ كائنٌ، وكلُّ شيءٍ موجودٌ، لأنني أحبُّ. وبالحبِّ وحدَه تتوحَّدُ الأشياءُ كلُّها. والحبُّ هو الرّب، وأن أموتَ يعني أنني، أنا - جُزيئةٌ من الحبّ - سأعودُ إلى المصدرِ العامِّ الأزليِّ.
بحسبِ جميع الروايات، لم تكن حياةُ تولستوي حياةً سعيدةً على نحوٍ خاص. ولم يكن عدمُ سعادته - على ما يبدو - راجعًا إلى ظروفِ حياته إلا قليلًا أو لا يكاد. وُلد في طبقةِ النبلاءِ الروس، ومع أنّه فقد والدَيه في وقتٍ مبكّر، فقد نشأ هو وإخوته على يدِ عمّةٍ في بيئةٍ تبدو محبّةً ومُنعَّمةً ومحصّنة. ولمّا بلغ أشدَّه، أتاح له ميراثُه ودخلُه أن يعيش عيشًا مترفًا (فيه كثيرٌ من الشرب، والقمار، والتهتّك في العشرينات وأوائل الثلاثينات). عاش عمرًا طويلًا صحيحَ البدن. وتزوّج زوجةً صالحةً محبّة أنجبت له ثلاثة عشر طفلًا (مات بعضُهم في طفولته الأولى، وكان ذلك مألوفًا في ذلك الزمان)، وساعدته في عمله، وبقيت وفيّةً معه حتى موته (وليس ذلك بالأمر الهيّن). وكان، روائيًّا، بالغَ النجاح، وكان - بوصفه مصلحًا سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا - معروفًا محترمًا في أواخر حياته في أنحاء العالم. كان الناس يعشقونه إلى حدّ أنّه صار، تقريبًا، بمنأًى عن يدِ السلطات. وحين مات في الثانية والثمانين، نعاه الملايين. لقد امتلك تولستوي كلَّ شيء. لكنّه لم يكن سعيدًا.
يبدو أنّه كان، طوال حياته، يفتّشُ في يأسٍ عن شيءٍ لم يجده قطّ. كان يطارده الإحساسُ الدائم بأنّ كلَّ ما صنعه، وكلَّ ما أحرزه من مناقبَ ونجاحات، لا يعني في النهاية كثيرًا - إن كان يعني شيئًا أصلًا. وأنّ ما فعله كلّه لم يكن بالغَ الكفاية. وأنّه هو نفسُه لم يكن بالغَ الكفاية. وأنّه يراهن على الحصان الخطأ. وأنّ شيئًا جوهريًّا مفقود. كانت المشكلةُ التي شغلته طوال عمره الطويل هي أن يتبيّن ما الذي كان مفقودًا على وجه التحديد، على أمل أن يستطيع بعد ذلك أن يُصلح مسلكَه في العيش وفقًا لذلك.
وذلك أسهلُ قولًا من فعل. فقد كان تولستوي، منذ شبابه، يطلب هدفًا، غايةً في الحياة، لكنه كان يعلم أيضًا أنّك لا تستطيع أن تمنح نفسك هدفًا اعتباطًا؛ بل ينبغي أن تعثر عليه، هدفًا يستحق أن يُتَّبع. لا يكفي أيُّ هدف؛ لا بدّ أن يكون الهدفُ الصحيح. ولسوء حظ تولستوي، تبيّن أنّ هذا الهدف عسيرُ المنال. كان تولستوي الشابُّ قلقًا على خلود روحه، وعزم على أن يُنمّي كلَّ قواه إلى درجة الكمال. أراد أن يصير أفضل. لكنه لم يكن يعرف على التحقيق ممّ يتكوّن «أن يصير أفضل»، ولم يكن أيضًا بارعًا في اتّباع وصاياه. فظلّ يتخبّط بلا وجهةٍ واضحة، يترك دراسته الجامعية قبل أن ينال شهادة، ويقضي كثيرًا من وقته في طلب الإشباع الجنسي وبذل أقصى جهده ليبدّد ثروته في القمار. قد تكون هذه حياةً فارغةً سطحيّة، ولكنّه - من جهةٍ أخرى - لم يكن يملك سببًا قويًّا ليطلب غيرها. فماذا في الحياة أكثر؟ حسنًا، اتّضح أنه يستطيع أن يكتب على نحوٍ جيّد. لكن حين كتب ونال الاعتراف، وإن غدت حياته - في ظاهرها - أكثر احترامًا، ولا سيّما من الناحية الفكرية (أي صار أيسرَ عليه أن يرى نفسه فاعلًا في شيءٍ مهمٍّ ذي جدوى)، فإنه انتهى إلى إدراك أنّ شيئًا لم يتغيّر في العمق، وأنّه ما يزال بعيدًا عن عيش حياةٍ «تَعنِي» حقًّا. بل كان أسوأ حالًا من قبل، لأنّه لم يكن يجهل فحسب «جوابَ السؤال الأكثر بداهةً في الحياة - ما الخير وما الشر»، بل إنّه فشل، لوقتٍ ما، في ملاحظة أنّ الجواب ما يزال مفقودًا. قد تكون حياةُ الروائي الناجح أبهجَ وأجدرَ بالاحترام من حياةِ الغنيّ العاطل، لكنها في النهاية لا تقلّ عبثًا، ولا سيّما لأنها - مهما يكن - ستنتهي أيضًا بالموت.
بالنسبة إلى تولستوي، إنّ حقيقةَ الموت وحتميّتَه تهدّدان بأن تُفرغا الحياةَ وكلَّ ما يجيء معها من أيّ معنى. وهما كذلك تجعلان العثورَ على جوابٍ لسؤال «كيف نعيش؟» أمرًا بالغ الإلحاح. وحين يصدح بيير بيزوخوف، في «الحرب والسلام» (١٨٦٩)، بصدى انشغال تولستوي بمعنى الحياة وغايتها، يربط السؤال فورًا بفنائيّته هو:
ما السيّئ وما الحسن؟ ماذا ينبغي أن نحبّ وماذا ينبغي أن نكره؟ ما الحياة؟ وما أنا؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ أيّة قوّةٍ هذه التي تسوق كلَّ شيء؟… ظللتُ أسأل نفسي. ولم تكن ثمّة أجوبةٌ عن أيٍّ من تلك الأسئلة، إلا جوابًا واحدًا غيرَ منطقيّ لا يجيب عن شيءٍ منها. وكان ذلك الجواب: 'ستموت، وحينئذ إمّا أن تعرف كلَّ شيء، وإمّا أن تكفَّ عن السؤال.' ولكنّ الموت كان مُرعبًا أيضًا. (…) 'الموت، نهايةُ كلِّ شيء، ولا بدّ أن يأتي اليوم أو غدًا، وفي الحالين هو ومضةٌ على مقياس الأبديّة'.
قد يمنح الموت، حين يأتي، جواب الأسئلة الكبرى، لكن إنْ منحها (وذلك ليس يقينًا بحال)، فسيكون الأوان قد فات. فات وقتُ تغيير أيِّ شيء في طريقتنا في العيش. نحن بحاجةٍ إلى جوابٍ الآن، ليمنح حياتنا وجهةً. أمّا ذلك الجواب فلا يستطيع الموت أن يهبنا إيّاه، أيًّا يكن ما سيظهر أنّه. الموت نهايةُ كلِّ شيء بمعنى أنه ينهي وجودنا، لكن ما يجعله فظيعًا أنّه قد يكون أيضًا نهايةَ الحياة بمعنى كونه غايتها الوحيدة. لعلّنا لا نعيش ثم نموت فحسب؛ لعلّنا نعيش لكي نموت. لعلّ هذا هو كلُّ الأمر. وعلى أيّ حال، فإنّ كوننا محكومين بالموت يومًا ما لا بدّ أن يجعلنا نتساءل: لماذا نتكلّف العيش أصلًا؟ ما دام كلُّ شيء سينقضي قريبًا، فلن يكون هناك فرقٌ كبير لو انقضى الآن. الحياة قصيرةٌ إلى حدّ أنّها تكاد تساوي العدم. الموت هو الحقيقة القصوى، والحياة - وقد رُبطت أبدًا بظلّه الداجي - ليست سوى «مزحةٍ غبيّةٍ شريرة».
«اليوم أو غدًا»، يكتب تولستوي في «اعترافات» (١٨٨٢)، «سيجيء المرضُ والموت (…) إلى مَن أحبّ، وإليّ أنا أيضًا، ولن يبقى شيءٌ سوى النتن والديدان. عاجلًا أو آجلًا ستُنسى أفعالي، أيًّا تكن، ولن تعود موجودة. فعمَّ كلُّ هذا الضجيج إذن؟ كيف يستطيع المرء أن يواصل الحياة ولا يلحظ هذا؟ هذا ما يثير الدهشة! إنما يمكن أن تواصل العيش ما دمتَ مُسكرًا بالحياة؛ فإذا صحوتَ استحال ألّا ترى أنّها كلَّها خدعةٌ محضة، وخدعةٌ غبيّة!»
الحياة - عند تولستوي الناضج - هي المخادع الأكبر. والموت هو الحقيقة التي تحاول الحياة، بمغرياتها، أن تحجبها عنّا. لكنّنا إذا أمعنّا النظر أدركنا أنّ كلَّ ذلك تمويه. وفي الحقيقة، فإنّ حالنا - بحسب تولستوي - ليس بعيدًا كثيرًا عمّا تصفه حكايةٌ شرقيّة: مسافرٌ في السهوب يحاول الفرار من وحشٍ مفترس، فيختبئ في بئرٍ فارغة، ثم يكتشف أنّ في قعر البئر تنّينًا فاغرَ الفم ينتظر أن يلتهمه. لا يستطيع الخروج لأن الوحش ينتظره في الأعلى. فيتشبّث بغصنٍ نابتٍ من جدار البئر، وهو يعلم تمام العلم أنّه لا يستطيع التشبّث به إلى الأبد، وأنّه سيضطرّ في النهاية إلى إفلاته. وما يزيد المصيرَ يقينًا أنّ فأرين، أحدهما أبيض والآخر أسود، قد شرعا يَقْرِضان الغصن؛ فلا بدّ أن يأتي وقتٌ يعجز فيه الغصن عن حمله، فينكسر ويسقط في فم التنّين الواسع. لا يستطيع المسافر أن يفعل شيئًا حيال ذلك. ليس له إلا أن ينظر - عاجزًا - إلى وقوعه. والعزاء الوحيد الذي يجده هو قطرتان من عسلٍ على الغصن يستطيع أن يلعقهما. إنهما حلوتان مُغذِّيتان، فينسى لحظةً الوحشَ والتنين، ويستمتع بطعم العسل. لكنه في النهاية يعترف لنفسه بأنّ هاتين القطرتين - على حلاوتهما - لا تغيّران شيئًا من يأس موقفه، وتكفّان عن منحه شعورًا أفضل.
«وبالمثل»، يشرح تولستوي، «فأنا متشبّثٌ بشجرة الحياة، وأنا أعلم علم اليقين أنّ تنّين الموت ينتظرني لا محالة، مستعدًّا ليمزّقني إربًا. (…) تلك القطرتان من العسل، اللتان صرفتا بصري عن الحقيقة القاسية أكثر من أيّ شيءٍ آخر، حبّي لأسرتي وكتابتي، التي كنتُ أدعوها فنًّا - لم أعد أجدُهما حلوتين».
على أنّ الموت، ورُعب الموت، كان حاضرًا بقوّةٍ منذ روايته العظمى الأولى «الحرب والسلام»، غير أنّه لم يُدرك على تمامه مدى فظاعة أن نموت جميعًا إلا بعد أن فرغ من الرواية ونشرها. ففي سنة ١٨٦٩، وهو في عامه الأربعين، سقط في اكتئابٍ عميق. وربما ساهمت قراءته لشوبنهاور في ذلك الصيف. كان يعلم منذ زمنٍ بعيد أنّ الموت شرٌّ وغيرُ مفهوم. غير أنّ الموت كان شرًّا لأنه يُنهي الحياة، والحياة كانت ثمينة. والتأمّل في الموت يُبرز ثمن الحياة بوضوحٍ قاسٍ. وغالبًا ما يزيد ذلك من تقديرنا للحياة، وليس هذا شرًّا خالصًا. لكن تولستوي أحسّ الآن بقوّةٍ أنّ توقّع الموت الحتمي يجعل العيشَ مستحيلًا. وأنّ العدم الآتي يردّ كلَّ شيءٍ إلى العدم، فلا يبقى سببٌ وجيه لتأخير الموت وورود العدم. «خداعُ النفس لا طائل منه. كلُّ شيءٍ باطل. سعيدٌ من لم يُولَد قط. الموت خيرٌ من الحياة؛ ينبغي للمرء أن يتحرّر منها».
إذا لم يكن لشيءٍ معنى، فالانتحار هو الاستنتاجُ المنطقيّ الوحيد. ويبدو أنّ تولستوي فكّر جدّيًّا، لبرهة، في وضع حدٍّ لحياته. وما تزال آثارٌ واضحة (أو ذكريات) لهذه النظرة التشاؤميّة تُرى في روايته الكبرى الثانية «آنا كارنينا» (١٨٧٨) (التي تنتحر بطلتها آنا - كما نعلم - قرب النهاية، وإن لم يكن السبب واضحًا كلّ الوضوح). حين ينتظر كونستانتين ليفين، الذي يقوم - مثل بيير بيزوخوف في «الحرب والسلام» (وديميتري نيخلودوف في «البعث») - بدور قرين تولستوي (وهو في الحقيقة الشخصية المحورية في «آنا كارنينا»)، موت أخيه نيكولاي، تنجذب أفكاره - بطبيعة الحال - إلى الموت: ماهيته ودلالته. وتأتي خاتمته قاتمةً غاية القتامة:
ظهر له الموت - النهاية الحتميّة لكلّ شيء - لأوّل مرّة بقوّةٍ لا تُقاوَم. وهذا الموت الذي كان هنا، في أخيه الحبيب، يئنّ في نومه وينادي - بحكم العادة، دون تمييز - مرّةً الرّب ومرّةً الشيطان، لم يكن بعيدًا كما كان يبدو له من قبل. كان فيه هو أيضًا - كان يشعر به. إن لم يكن الآن فغدًا، وإن لم يكن غدًا فبعد ثلاثين عامًا - هل يحدث فرق؟ وما هذا الموت الحتميّ… لم يكن يعرفه فحسب، ولم يكن قد فكّر فيه قط، بل كان لا يستطيع ولا يجرؤ أن يفكّر فيه. (…) لكن كلما أجهد نفسه في التفكير، ازداد اتّضاحًا لديه أنّه (…) كان قد نسيَ (…) ظرفًا صغيرًا واحدًا - أنّ الموت سيجيء وأنّ كلَّ شيء سينتهي، وأنّه لا يستحقّ بدءُ أيّ شيء، وأنّه لا يمكن فعلُ شيءٍ حياله. نعم، كان ذلك مُرعبًا، لكنّه كذلك.
يبدو أنّ وقتَ الموت لا فرق فيه. إنّما المهم هو واقعُ الموت: أنه سيجيء لا محالة. وبسبب ذلك لا يستحقّ شيءٌ أن يُبتدأ أصلًا. لماذا نبدأ ما لا بدّ أن ينتهي؟ لماذا نستدعي إلى الوجود ما لا بدّ أن يفنى؟ ويصعق ليفين كذلك التباينُ بين حال أخيه الآن - جسدٍ واهنٍ هزيلٍ يتداعى - وبين صورتِه في ذاكرته حين كانا شابّين: ممتلئًا قوّةً وفرحًا، ممتلئًا حياةً. كلُّ ذلك ذهب الآن وإلى الأبد. تلك هي صنائع الزمن بنا. (ذلك الفأر الأبيض والفأر الأسود اللذان يَقْرِضان حياتنا). يجد ليفين تأمّلَ هذا التباين بين ما كان وما هو (وبالاستلزام: بين ما هو وما سيكون) شديدَ الاحتمال. كان أخوه شابًّا قويًّا منذ قليل، وها هو يموت. وليفين ما يزال صحيحًا قويًّا، لكنه هو أيضًا سيموت يومًا ما، ولن يطول الأمر. نحن - يخلص - لا نستطيع أن نعيش إلا بدفع أفكار الموت بعيدًا، وبالتمثّل - على خلاف علمنا الأفضل - أن الأشياء ستدوم.
وتنشأ صلةٌ كذلك بين حتميّة الموت وشعورٍ بالضآلة الكونية يستتبع منه عبثيّةُ حياتنا. فيقول ليفين لصديقه ستيبان أوبلونسكي: «إنّني أُقدّر فكري وعَملي تقديرًا هائلًا، ولكن في الجوهر - تأمّل - إنّ هذا العالم كلّه ليس إلا شيئًا من العفن نما على كوكبٍ ضئيل. ونحن نظنّ أن لنا شيئًا عظيمًا - أفكارًا، أفعالًا! إنّها كلُّها ذرّاتُ رمل». وحين يردّ صديقه بأنّ هذا «قديمٌ قدمَ الجبال» محاولًا تسفيهه بوصفه مبتذلًا، يصرّ ليفين: «قديم، نعم، لكنك تعلم، حين تفهمه بوضوح، يغدو كلُّ شيءٍ تافهًا على نحوٍ ما. ما إن تفهم أنّك ستموت اليوم أو غدًا وأنّه لن يبقى شيء، حتى يصير كلُّ شيءٍ تافهًا». ولتفادي هذا، نقضي أعمارنا نحاول أن نُلهي أنفسنا عن معرفة الموت. ونحن - في الغالب - حاذقون في ذلك.
وما يعيننا على ألا نتأثّر كثيرًا بمعرفة النهاية الحتميّة لكلّ شيء هو الفرقُ بين الإقرار بحقيقةٍ في التجريد، والإقرار بالحقيقة ذاتها في الملموس. وأنّ بينهما واديًا سحيقًا، يبرهنه تولستوي بعبقريةٍ في واحدةٍ من أرسخ قصصه القصيرة في الذاكرة: «موت إيفان إيليتش» (١٨٨٦). نحن جميعًا نعرف أنّنا سنموت. لأنّنا نعلم - أو على الأقل نقبل - أنّ كلَّ أحدٍ يموت، ومن ذلك يلزم منطقيًّا أنّنا سنموت نحن أيضًا. لكن حين نقبل هذا، فإنّنا نعدّ أنفسنا مجردَ حالةٍ خاصّةٍ لقاعدةٍ عامّة لا سببَ عقليًّا لدينا لمنازعتها. فإذا كان كلُّ الناس فانون، فذلك الرجل الخاص - الذي هو «أنا» - فانٍ أيضًا. لكنّ كونَ «أنا» فانٍ قضيةٌ أخرى تمامًا، قضيةٌ أرفض غالب الوقت أن أتأمّلها. وإيفان إيليتش في قصة تولستوي يتعلّم ذلك بالطريقة القاسية (كما سنتعلّمه جميعًا في النهاية). إنّه يموت، وبعد أن يرفض في البداية الاعتراف بأنه يموت، ينتهي إلى قبول ذلك كواقع. غير أنّه لا يفهم كيف يمكن لهذا أن يكون، ولا يقبله بمعنى الرضا به - بل العكس. إنّه يتألّم ألمًا مبرّحًا، لمجرّد أنّه يعلم أنه سيموت الآن، ويتألّم أكثر لأنّ أحدًا سواه - حتى أسرته - لا يبدو كأنه يدرك ضخامة ما يحدث، والفجيعة الأخلاقيّة التي ينطوي عليها موته. لذلك يشتاق إلى شفقةٍ لا ينالها، لأن موته عند الآخرين أقلُّ شأنًا بكثير مما هو عنده: فهو ليس لهم - كما هو له - نهايةَ كلِّ شيء. وبينما يتمنّى أن يُداعَب ويُواسى كطفلٍ مريض، لا يريد الآخرون إلا أن يواصلوا حياتهم. وهذا - طبعًا - لا يزيده إلا يأسًا:
بكى من عجزه، ووحدته الرهيبة، وقسوة الإنسان، وقسوة الرّب، وغياب الرّب.
هو عاجزٌ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا حيال ذلك. وهو وحيدٌ، وحيدٌ إلى حدٍّ فادح، لأنه وحده يموت بينما يمضي العالم دون أن يتعثّر لحظة. والإنسان قاسٍ لأنّ أحدًا لا يبدو أنه يهتمّ أو يفهم، على الأقلّ لا بالقدر الذي يستوجبه المقام. والرّب قاسٍ لأنه يدع ذلك يقع. والرّب غائبٌ لأنه ليس هناك ليمنح عزاءً. لقد تُرك إيفان إيليتش وحيدًا مع التنّين؛ والذي سيمزّقه قريبًا جدًّا، إذ إنّ الغصن الذي يتشبّث به على وشك الانكسار.
لعلّ تولستوي قد خطر له الانتحار، غير أنّه - في نهاية المطاف - لم يقتل نفسه، على الرغم من أنّه انتهى إلى أنّ لا أسرته ولا فنَّه سببٌ كافٍ كي يواصل العيش. ربّما كان، مثل إيفان إيليتش، شديدَ الخوف من الموت. لكنّه أخذ يعتقد، على نحوٍ متزايد، أنّ العبث ليس في الحياة من حيث هي حياة، بل في نوعٍ مخصوص من الحياة، في نمطٍ مخصوص من العيش. لعلّ وجودًا ذا معنى يمكن العثور عليه بتغيير الحياة لا بإنهائها. ولكن كيف؟
كان إيفان إيليتش، وهو ينتظر أن يجيء الموت، يلتفت إلى حياته الماضية فيراها ناقصةً فقيرة. كان قد عاش عيشًا حسنًا مريحًا، ويتمنّى بادئ الأمر أن يعود إليه كلُّ ذلك، ثم يدرك أنّ هذا وحده لا يكفي. فجأةً تبدو لذّات العيش المترف توافهَ، بل خبيثةً في كثيرٍ من الأحيان، وعلى كلّ حال لا قيمة لها. وربما كان في الطفولة شيءٌ من الخير - يفكّر - لكنّه يتناقص أكثر فأكثر في حياة الرشد، حتى إنّ حياته كانت شبيهةً جدًّا بحجرٍ يهبط إلى أسفل بسرعةٍ متزايدة. أي إنّه - بعبارةٍ أخرى - كان يموت منذ زمنٍ طويل، أو كانت روحُه كذلك.
فماذا يعني هذا إذن؟ لِمَ؟ لا يمكن أن تكون الحياةُ بهذه الدرجة من العبث والفظاعة. ولكن إذا كانت حقًّا بهذا القدر من الفظاعة والعبث، فلماذا ينبغي أن أموت، وأن أموت في عذاب؟ ثَمَّة شيءٌ غيرُ صحيح!
«لعلّي لم أعش كما كان ينبغي أن أعيش»، خطر له فجأة. «ولكن كيف يمكن ذلك وأنا فعلتُ كلَّ شيءٍ على نحوٍ صحيح؟» أجاب نفسه، ثم طرد من ذهنه على الفور هذا الحلَّ الوحيد لجميع ألغاز الحياة والموت، بوصفه شيئًا مستحيلًا كلَّ الاستحالة.
في البداية يرفض إيفان أن يقبل أنه لم يعش حياته كما يجب، لكنه في النهاية يعترف بفراغ حياته السابقة ويقبل ذلك بوصفه التفسير الوحيد الممكن للغز: لماذا ينبغي أن يموت الآن بهذه الطريقة. غير أنّه يبقى غامضًا: كيف كان ينبغي له أن يعيش؟ فليس يكفي أن يعرف المرء أو يعتقد أنّ حياته أُهدرت من غير أن يملك صورةً واضحة عمّا كان ينبغي أن يفعله كي لا يُهدرها. ثم إنّ قبولَ حقيقة أنّه أخطأ كلَّ شيء وأنّه كان يجب أن يعيش حياةً أخرى، لا يزال غامضَ الصلة بكيفيّة حلِّ «كل ألغاز الحياة والموت». فإذا كانت حتميّة الموت تجعل حياتنا بلا معنى، فلماذا نتوقّع أن يصير لها معنى إذا عشناها على «الوجه الصحيح»؟
في «اعترافات»، يسرد تولستوي أربعةَ مسالك يلجأ إليها الناس عادةً لتجنّب مواجهة فنائنا: الجهل، واللذّاتية (الأبيقورية)، والانتحار، والضعف. فثَمّة من لا يفكّرون كثيرًا في الموت وما يجعله لا يُحتمل من الحياة؛ لا يلاحظون أصلًا التنّينَ الذي ينتظرهم. وآخرون يفهمون ذلك، لكنهم يقرّرون أن يصنعوا أفضل ما يستطيعون: أن يستمتعوا بالحياة ما دامت باقية؛ يرون التنّين ولكنهم يحدّقون في العسل. وثَمّة من يقبلون اللوازم فينهون حياتهم؛ لا يرون فائدةً في انتظار انكسار الغصن، فيُفلتون أيديهم ويتركونه. وثَمّة من يفهمون ويقبلون، لكنهم أضعف من أن يستخلصوا نتيجةً عمليّة؛ يظلّون معلّقين، عاجزين عن مواجهة التنّين بعدُ. أمّا تولستوي فيرفض هذه المسالك جميعًا. ويُقنع نفسه بدل ذلك بأنّ تعليله كان خطأ. وأنّ الحياة، في الحقيقة، ليست عبثًا أصلًا - أو على الأقل ليست كلُّ حياة - وإن كانت الحجّة العقليّة تُظهر أنّها كذلك. بل إنه يرى (مستدلًّا على نحوٍ يبدو واضحًا في نظره) أنّ العقل لا بد أن يكون مخطئًا، لأنّ الملايين يعيشون حياتهم في سعادةٍ بلا خوف، ومن غير أن يفكّروا قطّ في الانتحار، وبذلك يظهر أنهم يجدون لحياتهم قيمةً تستحقّ أن تُعاش. ما داموا يعيشون ويواصلون العيش، فلا بدّ لهم من سببٍ يفعلون ذلك لأجله، ولا بد أن يعرفوا شيئًا يفلت من يد المفكّر، الفيلسوف. لا بدّ أنهم يعرفون شيئًا عن معنى الحياة، أو أنهم وجدوا طريقةً يجعلون بها الحياة ذات معنى. ولذلك ينبغي أن نتوجّه إليهم إذا أردنا أن نفهم ما الذي يجعل الحياة جديرةً بالعيش، وينبغي أن نقلّد طريقتهم في العيش إذا أردنا نحن أيضًا أن نعيش حياةً ذات معنى.
هذه الحجّة - في ذاتها - غريبةٌ حقًّا، ولا تقنع كثيرًا. فتولستوي نفسه قدّم لنا قبل قليل ثلاثةَ تفسيرات لكون الناس يواصلون العيش على الرغم من يأس الوضع: قد يكونون جاهلين، أو لذّاتيّين، أو ضعفاء. ثم إنّ هؤلاء الناس سيموتون أيضًا مهما فعلوا. وما داموا سيَموتون، فالتنين لا يبرح مكانه. فمرةً أخرى: إذا كان الموت هو الذي يهدم المعنى أو يهدّده، فلا يمكن أن تكون حياتهم أعمق معنى من حياة تولستوي. فما الذي جعله يعتقد أنّ بعضهم على الأقل يعرف شيئًا لا يعرفه؟ إنّه يرى أنّهم لا يبدون خائفين من الموت حتى حين يواجهونه مواجهةً مباشرة. التنّين ما يزال ينتظرهم، لكنه لا يقلقهم. إنهم ينظرون التنّين في عينيه. ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يعرفوا شيئًا عن التنّين، عن ماهيته، ما لا نعرفه نحن: أنّ التنّين ليس كما يبدو، وأنه - في الحقيقة - لا شيء هناك يستحقّ الخوف.
حين كان أخو ليفين، نيكولاي، يحتضر في «آنا كارنينا»، أصاب ليفينَ الذهولُ من التفاوت بين قلقه واضطرابه إزاء كيفية التصرّف أمام الموت، وبين الطمأنينة واللياقة التي تتعامل بها نساءُ البيت مع الموقف: يفعلن ما ينبغي فعله بلا ضجيج وبلا حرج. ويخطر له أنّه، على الرغم من أنه أذكى وأعلم كثيرًا من زوجته وخادمته، فإنه لا يفهم الموت على الحقيقة، بينما هما تفهمانه. والدليل على أنهما كانتا تعرفان «ما الموت» حقًّا، أنهما تعرفان - بلا لحظة شك - كيف تتعاملان مع المحتضرين، ولا تخافان منهم. أمّا ليفين وغيرُه، فمع أنهم يستطيعون أن يقولوا عن الموت كلامًا كثيرًا، فإنهم - في الواقع - لا يعرفون، لأنهم يخافون الموت ولا يملكون أدنى فكرة عمّا ينبغي فعله حين يموت الناس.
وبمثل ذلك، في «موت إيفان إيليتش»، يكون الخادم الفلّاح غيراسيم هو الذي يرعى إيليتش المحتضر بإيثارٍ وبديهيّةٍ واقعيّة (بل وبشيءٍ يكاد يكون مرحًا)، فيفعل كلَّ ما في وسعه ليجعل أيامه الأخيرة ألين ما يمكن. وهو وحده الذي يقبل على التمام حقيقة أنّ سيّده يحتضر، ويكون راضيًا عنها؛ فلا يحاول سترها ولا يظهر علامات خوف. إنّه «يفهم». وفي كلا المثالين يُعدّ الخوف من الموت علامةً يقينيّة على نقص الفهم: إمّا لأننا نفترض أننا لا نخاف ما نفهمه، وإمّا لأننا نفترض أنّ الموت لا ينبغي أن يُخاف أصلًا. والثانية أرجح، لأنّ النصّ يؤكّد في «آنا كارنينا» أن معرفة الزوجة والخادمة ليست «غريزية، حيوانيّة، غير عقلانيّة»، بل واعية تنمّ عن فهمٍ صحيح، لأنهما تعتنيان كذلك بروح نيكولاي المحتضر (فتضمنان أنه يتناول القربان ويُمسح بالزيت). وهذا يوحي بأنّ ما تعرفانه هو أنّ الموت ليس - في الحقيقة، وعلى خلاف الظاهر - نهايةَ كلِّ شيء.
بل إنّ في أعمال تولستوي الأدبية مقاطع كثيرة توحي بحدوث نوعٍ من الكشف في لحظة الموت أو قبيلها. فليفين، وهو ينتظر موت أخيه نيكولاي، يلاحظ أنّ شيئًا ما كان «يصبح أكثر فأكثر وضوحًا» للمحتضر، شيءٌ ظلّ عنده هو «مظلمًا كما كان دائمًا». غير أنّ ما ذلك الشيء لا يُقال بعدُ. وآنا كارنينا نفسها تعيش لحظةَ صفاءٍ وفهمٍ قبل موتها: «والشمعةُ التي كانت، بضوئها، تقرأ ذلك الكتاب المملوء بالقلق والخداع والحزن والشرّ، اشتعلت أكثر من أيّ وقت، فأضاءت لها كلَّ ما كان في الظلمة، ثم فاضت شررًا، وخبت، وانطفأت إلى الأبد». لا يُفهم من هذا أنّ موت آنا (ولا موت نيكولاي) غيرُ نهائيّ، لكن تولستوي يرفع بقيةَ الغموض في «موت إيفان إيليتش»: فعندما يقترب أخيرًا ختام حياة إيليتش وعذابه، يفاجأ بأنّ الموت ليس كما كان يتصوّره: «'والموت… أين هو؟' بحث عن خوفه القديم المألوف من الموت فلم يجده. 'أين هو؟ أيُّ موت؟' لم يكن ثَمَّة خوفٌ لأنه لم يكن ثَمَّة موت. عوض الموت كان هناك نور». لقد اختفى التنّين أخيرًا - أو بالأحرى تبيّن أنّه مجرّد وَهْم.
غير أنّنا بالطبع لا نستطيع أن «نعلم» أنّ الموت غيرُ حقيقي أو ليس كما يبدو، على الأقل ليس بالطريقة التي نعلم بها الأشياء عادةً. لا أحد يعرف على وجه اليقين ماذا سيحدث لنا بعد موتنا، لأنّ أحدًا منا لم يكن ميتًا من قبل. ليست لدينا بيّنةٌ في أيّ من الجانبين. فإذا كان ثَمَّة «علم» هنا، فهو علمٌ من نوعٍ خاص: لا يقوم على العقل ولا على التجربة (ومع ذلك فليس «لا عقلانيًّا» بمعنى معاداة العقل). تولستوي يسمّي هذا العلم الخاص: «الإيمان».
الإيمان معرفةٌ تتجاوز المحدود. إنه يصنع صلةً بين الفاني واللامتناهي (أو بين المحايث والمتعالي). وهذه المعرفة الخاصة لا تمكّننا (أو بعض الناس) من تقبّل الموت والتعامل معه فحسب، بل تمنحنا أيضًا سببًا كي لا نطلب الموت أصلًا؛ تمنحنا سببًا للبقاء أحياء. من دون إيمان - يزعم تولستوي - لا نستطيع أن نعيش. «الإيمان معرفةُ معنى حياة الإنسان، والنتيجةُ المترتّبة عليها أنّ الإنسان لا يقتل نفسه بل يعيش. الإيمان قوّةُ الحياة. إذا كان الإنسان يعيش، فلا بدّ أنه يؤمن بشيء. ولو لم يؤمن أنّ ثَمَّة شيئًا ينبغي أن يعيش لأجله لما عاش».
غير أنّ أصحاب الإيمان بهذا المعنى ليسوا هم الذين يُظَنّ عادةً أنهم أهلُ إيمان. فحين ينظر تولستوي إلى «المؤمنين» المفترضين - الورعين من أهل التدين - لا يجد ما يطلب. إنهم ينكرون العقل ويحتضنون اللاعقلانية؛ يؤمنون بخرافاتٍ شتى. والأهم أنهم ما يزالون - فيما يبدو - يعيشون في خوف. ولكي نفهم صورة الإيمان الحقّ، ينبغي - في رأي تولستوي - أن نوجّه نظرنا إلى عموم الناس العاملين: كيف يعيشون حياتهم، وكيف يقبلون الموت والحياة معًا بلا شكوى. «كانت أنشطةُ الناس الكادحين، أولئك الذين يُنتجون الحياة، هي وحدها التي بدت لي الطريقَ الحق». فهم لا يعيشون ويواصلون العيش أفرادًا فحسب؛ بل يُنتجون الحياة، ويضمنون استمرارها بعد وجودهم الفرديّ. ومن مثالهم يظهر أنّ العبث ليس في الحياة من حيث هي حياة، بل في حياة تولستوي هو، أو في نوعٍ مخصوص (أو أنواع مخصوصة) من الحياة التي عاشها: حياةُ مُلّاك الأرض الأغنياء، حياةُ أبناء الأرستقراطية، حياةُ الفنان الذي يمارس شطحاتِ التخييل دون أن ينتج شيئًا ذا قيمةٍ حقيقية. لعلّنا، لكي نعثر على المعنى، لا نحتاج إلا إلى طريقةٍ أخرى للعيش: أقلّ تأمّلًا وأكثر - لعدم وجود لفظٍ أدقّ - انغماسًا، أقلّ انفصالًا وأكثر ثقة. ينبغي أن نتوقّف عن انتظار العلم أو الفلسفة كي يقدّما جوابًا عن الأسئلة الأشدّ جذرًا: «من أنا؟ وأين أنا؟ ولماذا أنا هنا؟»، وعن سؤال ما إذا كان «ثَمَّة معنى لحياتي لا تُفنيه حتميّةُ الموت الذي ينتظرني». فالعلم عادةً يتجاهل هذه الأسئلة، والفلسفة - وإن حاولت - لا تقدّم جوابًا حقيقيًّا، بل لا تفعل إلا إعادةَ صياغة السؤال إلى غير نهاية. الفلسفةُ لا جدوى منها في النهاية، لأنّ أحسنَ ما نرجوه منها أن تعيدنا إلى ما كنا نعرفه دومًا، وأسوأَ ما تفعله أن تُحطّم المعنى الذي نطلبه بواسطة وسائلها نفسها. نحن، مثل الأطفال، «نفكّ الساعة، ونخرج نابضها، ونجعل منها لعبة، ثم نتعجّب حين تتوقّف الساعة عن العمل».
ولهذا لا يجد بطل تولستوي كونستانتين ليفين في «آنا كارنينا» معنى للحياة إلا حين يكفّ عن تفكيك «ساعة الحياة»: أي حين يرمي جانبًا لا الطموحات الفكرية وتزيُّدها فحسب، بل كذلك الرؤيةَ العقلانية العلمية للعالم التي تصحبها في الغالب، وتعرض العالم على نحوٍ يستحيل معه العثور على معنى. «من غير أن أعرف ما أنا ولماذا أنا هنا، يستحيل عليّ أن أعيش. وأنا لا أستطيع أن أعرف ذلك، إذن لا أستطيع أن أعيش… في زمنٍ لا نهائي، وفي لا نهائية المادة، وفي لا نهائية المكان، تنفصل فقاعةٌ-كائنٌ حيّ، وتبقى هذه الفقاعة لحينٍ ثم تنفجر، وتلك الفقاعة - هي أنا». ما دمنا نرى أنفسنا على هذا النحو، وما دمنا نؤمن أننا لا نزيد على «فقاعة» كهذه، فلا بدّ أن تبدو الحياة عبثًا. لكن ليفين يدرك أنّ هذا «باطل» (هو ثمرة العلم والتعليل) وأنه «سخريةٌ قاسية من قوّةٍ شريرة»، ونحن نتخيّل أن الموت وحده يخلّصنا منها، فيبدو الانتحار خيارًا جذّابًا. فالعقل - لا يكشف معنى الحياة - بل يخفيه. «حين كان ليفين يفكّر في ما هو وما الذي يعيش لأجله، لم يجد جوابًا وسقط في اليأس؛ ولكن حين كفّ عن السؤال بدا أنه يعرف ما هو وما الذي يعيش لأجله، لأنه كان يعمل ويعيش بثباتٍ وحسم». كانت الحياة بلا معنى حين يفكّر فيها، وكانت ذات معنى حين لا يفكّر فيها. «التعليل ساقه إلى الشك ومنعه من رؤية ما ينبغي أن يفعل وما لا ينبغي. ولكن حين لم يفكّر، بل عاش، كان يشعر في نفسه على الدوام بحضور قاضٍ لا يخطئ يقرّر أيّ الفعلين الممكنين خيرٌ وأيّهما شرّ».
إنّ القدرةَ على الإصغاء إلى هذا القاضي الداخليّ - المفترض أنه لا يخطئ - والاستعدادَ لذلك، هي لبُّ الإيمان الذي يتحدّث عنه تولستوي. وليس هذا إيمانًا يقوم على اتّباع غيرك بافتراض أنهم أعْرَف. على العكس، الإيمانُ التولستويّ يقتضي التحرّر من الآراء السائدة، ومن العقائد والطقوس والقواعد الموروثة لما ينبغي وما لا ينبغي، لأنّ هذه - في معظمها - لا تزيد على تشويه ذلك الصوت الداخليّ وحجبه؛ الصوت الذي يساويه تولستوي بصوت الرّب وهو يُفصح عن الحاجات الحقّة لروح الإنسان. (وهذه الرؤية انتهت بتكفير تولستوي وحرمانه كنسيًّا، وهو حكمٌ ما يزال قائمًا بعد أكثر من مائة عام). بهذا الإدراك تنتهي معاناة ليفين أمام عبث الحياة في وجه الموت الذي لا مفرّ منه. وحلّه: أن نعيش لا لإشباع حاجاتنا (وهو ما يبدو «معقولًا»)، بل لنعيش من أجل… شيءٍ آخر، شيءٍ وراء العقل. نسميه الرّب، أو - وهو الشيء نفسه - الروح، أو «الخير». العقل يقول لنا: اهتمّ لبطنك، وقدّم مصالحك الفردية دائمًا. أمّا أن نعيش للحق، أو للرّب، أو للخير، فهو - من هذا المنظور - غيرُ معقولٍ قطعًا. لكنّنا جميعًا نعلم - يزعم تولستوي - في أعماقنا أنّ هذا هو ما ينبغي أن نعيش لأجله حقًّا. لأنّ المعنى لا يُمنح لحياتنا إلا بالعيش للخير. وحينئذ ندرك أنّ الشرّ ليس في الحياة، بل في تفكيرنا فيها. الحياةُ طيّبة حين تُعاش وفق ما يسمّيه تولستوي الحقيقة الروحية. ونحن جميعًا على علمٍ بهذه الحقيقة؛ نعرف ما الذي ينبغي أن نعيش له. ولو لم نعرف لما حاولنا أن نكون خيرين، وأن نُعين الآخرين، وأن نُراعي، وأن نهتمّ بأشياء غير تعظيم مصالحنا الشخصية. من غير هذه الحقيقة الروحية لعشنا «حياةً بهيمية». لكنّ أكثرنا لا يعيش كذلك - أو لا يعيش كذلك دائمًا. وإن عاش، فهو على الأقل يعرف أنّ تلك ليست الحياة التي ينبغي أن يعيشها.
وسببُ اعتقاد تولستوي (على نحوٍ يبدو غير واقعي) أنّ هذه الحياة المثالية تتجسّد في الطبقات العاملة، ولا سيّما الفلّاح الروسي، هو أنّه يراهم يعملون لا لوجودهم وحده، بل لوجود الجميع. وعلى خلاف معظم أبناء طبقة تولستوي نفسها - الذين يمقت عيشهم العاطل - لا يعيش الفلاحون طفيليّين. ولعلّ الأهم من ذلك أنهم يعيشون حياةً بسيطة. والبساطة عند تولستوي خير. إنها تُترجم إلى طهارة، إلى تحرّر من الزوائد والفضول، ومن غير الضروريّ وغير الجوهريّ. فما معنى الحياة الذي يمنحه العاملون لها؟
كلُّ إنسانٍ يأتي إلى العالم بإرادة الرّب. وقد خلق الرّب الإنسان على نحوٍ يستطيع معه كلّ واحدٍ منا إمّا أن يُهلك روحه وإمّا أن يخلّصها. وغرض الإنسان في الحياة أن يخلّص روحه؛ ولكي يخلّصها ينبغي أن يعيش وفق الرّب. ولكي يعيش وفق الرّب ينبغي أن ينبذ كلَّ نعم العيش، وأن يعمل، وأن يكون متواضعًا، وأن يحتمل الألم، وأن يكون رحيمًا.
اعملْ وكن متواضعًا، تحمّل الآلام التي تقذف بها الحياةُ إليك، ولاقِ الآخرين بالحبّ والشفقة: ذلك سرُّ الحياة الطيبة ذات المعنى. جميع أبطال تولستوي العظام - بيير في «الحرب والسلام»، وليفين في «آنا كارنينا»، ونيخلودوف في «البعث» - ينتهون إلى محاولة الاقتراب من هذا المثال، وإن لم يفلحوا على السواء ولا بالطريقة نفسها. وهذا المثال ذاته لا يظهر في عمل تولستوي دفعةً واحدة؛ بل يتكوّن ويتبلور تدريجيًّا.
في «الحرب والسلام» تكون العناصرُ كلّها موجودةً سلفًا: صدمة الموت الموقِظة، وفراغُ أنماطٍ بعينها من الحياة، وتمجيدُ الفلّاح، والإحساس بأنّ ثَمَّة أكثر من مجرّد إشباع رغباتنا، والحنينُ إلى ضربٍ من التعالي، والإيمانُ بقوة الحبّ التحويلية. لكن كيف يمكن لهذا كلّه أن ينتظم ليصنع حياةً ذات معنى على نحوٍ موثوق؟ ذلك لم يتّضح بعد. يسود اللايقين. الشخصياتُ تبحث منذ الآن عن حياةٍ أعمق معنى، لكنها - مثل مؤلفها - لا تزال تتعثّر في سبيل العثور عليها. ومن ثمّ يهتف الأمير أندريه:
كم كانت ستكون لي سعادةٌ وسكينةُ نفسٍ لو استطعتُ أن أقول الآن: 'يا ربّ ارحمني!' ... ولكن مَن الذي أخاطبه؟ … لا، لا شيء يقينيّ، لا شيء إلا عدمُ كلِّ ما نستطيع أن نفهمه، وروعةُ شيءٍ لا نستطيع أن نفهمه، غير أننا نعلم أنه بالغ الأهميّة إلى ما لا نهاية!
ومع ذلك للموت منذ الآن وظيفةٌ مهمّة: إنه يدلّ الناس على الطريق. نتعلّم أن توقّع موتٍ قريب أو إمكانه قد يعيننا على ترتيب أولوياتنا، وأنه قد يكون بدءًا لتحوّلٍ روحيّ لأنه يذكّرنا بأنّ ما درّبتنا الحياة على اعتباره مهمًّا أو جديرًا بالسعي أو الإعجاب لا يساوي كثيرًا في الحقيقة. هذا ما يحدث للأمير أندريه حين يُصاب إصابةً بالغة في معركة، ويلتقي نابليون الذي بدا له - على نحوٍ مخيّب - عاديًّا مبتذلًا:
بدت كلُّ الأشياء في العالم عبثًا وتفاهةً أمام خطّ التفكير الجليل الجادّ الذي أثارته فيه حالُ الضعف من فقد الدم، والألم الشديد، ومقاربةُ الموت. وهو ينظر نابليون في عينيه مباشرةً، أخذ الأمير أندريه يتأمّل ضآلةَ العظمة، وضآلةَ الحياة البشرية التي لا يفهم أحد معناها، وأكثر من ذلك: ضآلةَ الموت الذي لا يستطيع حيٌّ أن يجعل له معنى أو يفسّره.
ثم، قبل المعركة التي يعرف أنها قد تكلّفه حياته (وستكلّفه بالفعل)، يشعر أندريه أنّ حياته كلها لم تكن إلا عرضَ فانوسٍ سحريّ يُسقط على جدار روحه صورًا زائفة:
ها هي هذه الأشكال المدهونة بخشونة التي كانت تبدو لي من قبل بالغةَ الروعة والغموض: الشرفُ والمجد، والإحسان، وحبّ المرأة، وحبّ الوطن - كم كانت تبدو عظيمةً هذه الصور، مُفعَمةً بمعانٍ عميقة! والآن يبدو كلُّ شيءٍ بسيطًا، عديمَ اللون، خشنًا، في ضوء الصباح البارد الذي أشعر أنه يهبط عليّ.
يفهم أندريه أنه، أمام فنائنا، ليس شيءٌ من هذا على قدر كبير من الأهمية. لكنه لا يفهم ما الذي هو مهمّ، ولا حتى ما إذا كان ثَمَّة شيءٌ مهمّ أصلًا. ويفارقه الموت قبل أن يعرف. لقد فات عليه أن يقلب حياته. بالنسبة إليه، بدت الحياة بلا معنى، وكانت كذلك حتى النهاية، على الرغم من أنه كان رجلًا صالحًا شجاعًا وفيًّا. وفي هذا يبدو صديقه بيير بيزوخوف أوفر حظًّا. فبعد أسره الطويل ثم إنقاذه من الفرنسيين، يبدو أنه وجد أخيرًا ما كان يطلبه طوال حياته:
ذلك الشيء الذي كان يعذّبه في الأيام السالفة - البحث الدائم عن غايةٍ للحياة - قد انعدم. …وكان انعدامُ أيّ غاية هو الذي منحه الإحساسَ الكاملَ المتهلّل بالحرية الذي تقوم عليه سعادته الحاضرة. لم يعد يستطيع الآن أن يطلب غايةً، لأنّ لديه الآن إيمانًا - لا إيمانًا بمبادئ أو كلمات أو أفكار، بل إيمانًا بإلهٍ حيٍّ من الإحساس والتجربة. في الأيام الماضية كان يطلبه بأن يضع لنفسه غايات. وكان هذا الطلبُ للغايات في الحقيقة بحثًا عن الرّب. وفجأةً، أثناء الأسر، عرف - لا بالكلام ولا بالحجج، بل بتجربةٍ شخصية مباشرة - شيئًا كانت ممرضته العجوز قد قالته له قديمًا: إنّ الرّب هنا، هنا معنا الآن، هنا وفي كل مكان. في تلك الأيام الأولى لم يكن قادرًا على أن يرى العظيمَ، الغائرَ، اللامتناهي في شيء. …أما الآن فقد تعلّم أن يرى العظيمَ، الأبديَّ، اللامتناهي في كل شيء، و… صار يلتذّ بملاحظة الحياة المحيطة به، المتبدّلة أبدًا، العظيمة إلى ما لا نهاية، الغائرة التي لا تُستقصى. وكلما رقّبها عن كثب ازداد شعوره بالسعادة والسلام. السؤال الرهيب الذي كان قد حطّم كلَّ ذلك الفكر المحكم في الأيام البائسة - سؤال: لماذا؟ - لم يعد موجودًا. لقد صار في نفسه جوابٌ مُعدّ سلفًا، بسيطٌ صريح: لماذا؟ - لأنّ الرّب كائن، وبدون الرّب لا تسقط شعرةٌ من رأس إنسان.
لقد اكتشف بيير - أو أعاد اكتشاف - «إيمانه بربٍّ حيٍّ من الإحساس والتجربة»، وقد دفعته إلى ذلك نجاتُه الأخيرة: أنّه خرج من تجربةٍ مروّعة كان يمكن بسهولةٍ ألّا ينجو منها. وبمنظار تولستوي، هذا هو الرّب الحق. غير أنّ لا ضمان أن لا يتبدّد إيمان بيير مرةً أخرى إذا أتت تجاربُ سلبية لاحقة. فهذا قد حدث من قبل: بعد أن شهد إعدامًا، شعر بيير أنّ «كلَّ إيمانه قد تقوّض: الإيمان بحُسن نظام الكون، وبأرواح الناس، وبروحه هو، بل وبالرّب». يبدو أنّ مثل هذا الإيمان يجيء ويذهب. وهو أيضًا إيمانٌ لا يطلب كثيرًا. فبدلًا من أن نتكبّد عناء محاولة معرفة ما الصواب وكيف نعيش أحسن عيش، يكون أسهل وأخفّ كلفةً أن نثق بأنّ كلَّ شيء سيؤول إلى الأفضل لأن الرّب سيضمن ذلك. لا حاجة بنا حقًّا أن نفعل شيئًا أو نغيّر شيئًا.
في «الحرب والسلام» يتبنّى تولستوي، بوضوحٍ شديد، نظرةً تاريخية قدرية (ويبدو أنّه تخلّى عنها لاحقًا). قد لا نعرف لماذا تقع الأشياء على ما تقع، لكن يمكننا أن نوقن أنّ لكلِّ شيء سببًا. لكلِّ شيء غاية وإن لم نستطع أن نفهم تلك الغاية بمقاييس بشرية:
لا نرى أيَّ اتّساقٍ أو جدوى في حياة الأشخاص التاريخيين إلا إذا تخلّينا عن كلِّ ادّعاءٍ بمعرفة غايةٍ فورية معقولة، واعترفنا بأنّ الغاية القصوى فوق إدراكنا. حينئذٍ ينكشف لنا السبب الذي يقف وراء الأثر الذي يُحدثونه - وهو أثرٌ لا يوافق المجرى العام لقدرات البشر - ولن تعود بنا حاجة إلى ألفاظٍ مثل المصادفة أو العبقرية. … وليس فقط أنّنا سنستغني عن المصادفة بوصفها تفسيرًا لتعاقب الوقائع الصغيرة التي صنعت من أولئك الرجال ما كانوا عليه، بل سيتّضح لنا أنّ كلَّ تلك التفاهات كانت حتميّة.
عند تولستوي «الحرب والسلام»، لا وجود للإرادة الحرة. إحساسٌ قوي بالقدر يخترق القصة برمّتها، حتى يغدو في النهاية أنّ لا أحد من الشخصيات مسؤول عن أفعاله. إنهم يؤدّون أدوارهم، يُمثّلون نصًّا مكتوبًا لهم من قِبَل آخر، وكأنّ هناك فاعلًا أعلى وحده - ربما - يعلم ما يجري حقًّا: لماذا يفعلون ما يفعلون، وكيف سينتهي كلُّ شيء. يوحي تولستوي أنّ في هذه النظرة معنىً ما، لكنه لا بدّ أنه ارتاب فيها. ففي «آنا كارنينا» تغيّر الأمر. الناسُ يختارون بأنفسهم. كان يمكنهم أن يفعلوا غير ما فعلوا. كان يمكنهم أن يعيشوا حياةً أخرى أفضل لو اجتهدوا. ثَمَّة خيارات. والرّب لن يضمن أنّ الأمور ستؤول إلى خير حال. نحن الذين ينبغي أن نفعل ذلك.
آنا كارنينا تختار الاختيارات الخطأ. تترك زوجها وولدها لتعيش مع عشيقها. وتدفع الثمن. أثمنُ هذا أن المجتمع ينبذها، لكن ذلك ليس أسوأ ما هنالك - ليس قريبًا حتى. تولستوي لا يهتم برضا المجتمع. الأسوأ، في نظره، أنّ آنا تفسد روحها بأفعالها وتدمّر - في النهاية - ما فيها من خير. إنها تحبّ، لكنه حبٌّ من النوع الخاطئ: حبٌّ يطلب اللذة وهو أنانيٌّ في جوهره لا خلاص له. إنه قوّةٌ جائعة مدمّرة تتحوّل سريعًا إلى كراهية حين لا تُشبَع. آنا تنتحر لا لأنها فقدت مكانتها الاجتماعية، ولا غيرةً، ولا لأنها لم تعد واثقةً أنها محبوبة، بل لأنها ضلّت طريقها إلى حدٍّ جعل كلَّ شيءٍ يبعث في نفسها القرف، بما في ذلك وجودها هي. والقول إنّ الحياة صارت بلا معنى عندها أقلُّ من الحقيقة. العالم كلّه يشعّ «ضدّ المعنى».
لا أعرف هذه الشوارع البتّة. شيءٌ من تلالٍ، وبيوت، بيوت… وفي البيوت ناس، ناس… كثيرون، لا نهاية لهم، وهم جميعًا يكرهون بعضهم بعضًا.
ألسنا جميعًا قد قُذفنا إلى العالم لكي نكره بعضنا بعضًا، ومن ثمّ نعذّب أنفسنا والآخرين؟
وحين ترى زوجين في القطار، «رأت آنا بوضوح كيف سئم كلٌّ منهما الآخر، وكيف يكره أحدهما الآخر. وكان من المستحيل ألّا تكره أناسًا قبيحين على نحوٍ يبعث على الشفقة». ويبدو لها أنها «عاجزة عن أن تتخيّل وضعًا لا تكون فيه الحياة عذابًا، وأننا خُلقنا جميعًا لكي نعاني، وأننا جميعًا نعلم ذلك ونظلّ نخترع طرائق لخداع أنفسنا». الانتحار هو المخرج الوحيد الممكن. «لماذا لا أطفئ الشمعة إذا لم يعد ثَمَّة ما يُرى، وإذا كان النظر إلى كلِّ هذا قذرًا؟». هكذا يبدو لها الأمر. ولا تشعر بالرعب من فعلها إلا بعد أن ألقت نفسها أمام القطار الذي سيقتلها في لحظةٍ خاطفة؛ لكن الوقت يكون قد فات - فات عليها هي أيضًا.
ومع ذلك لا تنتهي «آنا كارنينا» بموت آنا (بعد حياةٍ مهدورة صاغتها اختيارات خاطئة)، بل تنتهي بتحوّل ليفين الروحي وخلاصه وبالتأكيد أنّ حياةً ذات معنى ممكنة على كلّ حال. يغيّر ليفين حياته - أو على الأقل يغيّر موقفه من الحياة. قد يظلّ يخطئ، لكن ذلك لم يعد ذا شأن، لأنه صار يعرف ما الخير وما الشر، وما الصواب وما الخطأ:
حياتي الآن، حياتي كلُّها - مهما يحدث لي - كلُّ دقيقةٍ منها، ليست فقط غيرَ بلا معنى، كما كانت من قبل، بل لها معنى الخير الذي هو في وسعي أن أضعه فيها.
بهذه الأسطر، المفعمة بالثقة والرجاء، يختم الكتاب.
غير أنّ لا ضمان أن يظلّ ليفين يشعر على هذا النحو. المعنى هشّ. سريع التبدّل، وقد يختفي في أيّ وقت. لعلّ ليفين يخدع نفسه، كما فعل من قبل حين كان حديثَ عهدٍ بالزواج، وكان كلُّ شيء يبدو حسنًا مفعمًا بالمعنى لبعض الوقت. لم يدم ذلك، وإن ظلّ يحبّ زوجته. ولعلّ تولستوي نفسه خبر شيئًا قريبًا من ذلك في زواجه، وإن بدا له في رجعة النظر أنّ المعنى الذي ظنّه وجده آنذاك لم يكن حقيقيًّا، بل كان تشتيتًا: «حين عدتُ تزوّجت. وقد صرفتني ظروفُ الحياة العائلية السعيدة صرفًا تامًّا عن أيّ بحثٍ عن المعنى العام للحياة». مرةً أخرى، يبدو بيير في «الحرب والسلام» أوفر حظًّا. فحين يفكّر في ناتاشا التي يحبّها، لا يعود من الضروري أن يجد جوابًا لسؤال: «لماذا؟ ما كلُّ هذا؟»
لم يكن عليه إلا أن يستحضرها كما رآها آخر مرة، حتى تذوب كلُّ شكوكه، لا لأنها كانت تملك أجوبةً عن الأسئلة التي كانت تطارده، بل لأن صورتها كانت تنقله فورًا إلى عالمٍ آخر من الحلاوة والضياء والروحانية الفاعلة، حيث لا يعود ثَمَّة حديث عن صوابٍ أو خطأ، إلى إقليمٍ من الجمال والحب جديرٍ بأن يُعاش لأجله.
ويظلّ يشعر بهذا بعد خمس مئة صفحة، حين يظفر أخيرًا بحبّها: «كان معنى الحياة كلُّه، له وللعالم كلّه، كامنًا في حبّه وفي إمكان أن يُحَبّ في المقابل». بل إنّ حبّه لامرأة واحدة يفتح قلبه لحبٍّ أوسع: حبّ الناس عمومًا: «وقد فاض قلبه حبًّا، فأحبّ الناس لغير سببٍ أصلًا، ولم يجد بعد ذلك صعوبةً في اكتشاف أسبابٍ وجيهة تجعلهم جديرين بالحب». هذا هو الحبّ كما ينبغي أن يكون: الحبّ الإيثاري غير الأناني، الذي يرى تولستوي المتأخر أنّ ممارسته مفتاحُ حياةٍ ذات معنى حقًّا. غير أنّ هنا - مع ذلك - لمحةً من شكّ، ظلًّا من سخرية خفيفة. بيير يجد أسبابًا تجعل الناس جديرين بالحب لأنه في مزاجٍ مُحبّ، تمامًا كما أنّ آنا، في ساعاتها الأخيرة، تجد أسبابًا تجعل الناس جديرين بالكراهية لأنها في مزاجٍ كارِه. ومرّةً أخرى نتساءل: هل سيدوم هذا الشعور؟ وكم سيدوم؟ ولا سيّما أنه متشابكٌ إلى حدٍّ بعيد مع حبٍّ إيروسي، جنسيٍّ في نهاية المطاف، يكنّه بيير لناتاشا.
أما تولستوي نفسه فقد كانت لديه، في معظم حياته، رغباتٌ جنسية قوية كان يمارسها مرارًا دون أن يَعنِيَ كثيرًا بالعواقب. لكنه كان يميل إلى الشعور بالذنب حيال ذلك، مستغرقًا في الخجل، مقذوفًا في الاشمئزاز من مغامراته الإيروسية، ومن حاجته هو، ولا سيّما من الفعل الجنسيّ ذاته. ومن ثمّ أخذ يقتنع أكثر فأكثر بأنّ الجنس - وكذلك كلُّ حبٍّ ينبع من الانجذاب الجنسي ويهدف إليه أو يشتمل عليه - إن لم يكن أصلَ الشر كله، فهو على الأقل أصلُ كثيرٍ منه. ففي «الحرب والسلام» لا يزال الحبّ الرومنطيقي (الإيروسي) - كحبّ بيير وناتاشا - يبدو طريقًا مقبولًا قابلًا لأن يقود إلى السعادة. لكن «آنا كارنينا» تُدين هذا الحبّ بوصفه ضربًا من المرض. «إنّه مثل الحمى القرمزية؛ ينبغي أن تمرّ بها»، يقول أحدهم مازحًا، فيجيبه آخر أنّ المرء ينبغي أن يحاول اختراع تلقيحٍ صناعي ضد الحب «كما في الجدري».
وفي قصته المتأخرة اللافتة والمقلقة «سوناتا كرويتزر» (١٨٨٩) يمضي تولستوي أبعد: فيقترح أن الجنس قبيحٌ مفسدٌ في ذاته، حتى داخل الزواج، وحتى إذا استُعمل حصريًّا لغرض الإنجاب. ولإنقاذ أرواحنا (سلامتنا ككائنات أخلاقية) ينبغي أن نمتنع عنه، ولو أدّى ذلك إلى انقراض البشر (وهو - على كل اعتبار - قد لا يكون شرًّا عظيمًا). هنا يفضح تولستوي اشمئزازًا يكاد يكون سويفتِيًّا من الإنسانية جملةً (لا يبعد عن الكراهية التي تُعمي إدراك آنا في الساعات التي سبقت انتحارها). «سوناتا كرويتزر» تحكي الدروسَ الراديكالية التي تعلّمها رجلٌ من زواجٍ فاشل انتهى بأن قتل زوجته في نوبة غيرة بعد أن اكتشف أنها كانت تضاجع رجلًا آخر. والدروس هي: إنّ الحب والزواج خدعة. الحبّ وَهْم، والزواج لا يفعل إلا أن يستر فضيحة الفعل الجنسي الذي يُبيحه: «في النظرية الحبُّ شيءٌ مثاليّ سامٍ، وفي الممارسة شيءٌ بغيض خنزيريّ، فظيعٌ مخزٍ أن يُذكر أو يُستعاد». ولذلك كثيرًا ما يكره الأزواجُ بعضهم بعضًا (كشركاء في الجريمة). النساء يُستعملن مجردَ وسيلةٍ للمتعة، فيُحططن إلى منزلة الشيء. وأن ينتج عن الفعل أطفالٌ لا يجعل الأمر أحسن. «الأطفال عذاب، ولا شيء غير ذلك». إنهم ذريعةٌ لحياةٍ خنزيرية. والحقيقة أنّ كلَّ معاشرةٍ جنسية هي «فظيعة، مخزية، مؤلمة». ولكي نكون بشرًا حقًّا ينبغي أن «نكفّ عن أن نكون خنازير»، ولو كان معنى ذلك أن تنقرض البشرية. فكما هي الأمور، ليست لدينا علةٌ وجيهة للوجود أصلًا. قد تكون لدينا لو أحببنا الجميع كما يستحقّون، لكنّ الحبّ الجسدي يحول دون ذلك. وهذا هو السبب الأهم لزواله: لأنه يمنع الإنسانية من بلوغ مثال «الخير المتحقق بالعفّة والطهارة»، المثال الذي يوحّد البشرية. فإذا بلغناه نكون قد حققنا غايتنا ووفّينا قدرنا، وحينئذٍ لا تعود لنا حاجة.
وفي «البعث»، روايته الأخيرة المنشورة سنة ١٨٩٩، تظل هذه العداوة للجسد وللحبّ الجسدي طاغية. في داخل كلّ واحدٍ منا كائنان - يشرح تولستوي: كائنٌ روحي يطلب سعادة الجميع، وكائنٌ حيواني لا يطلب إلا سعادته هو. يتصارعان، لكنّ طبيعتنا الحيوانية هي التي تنتصر عادةً. ونحن غالبًا لا نعي ذلك، لأنّ حيوانيتنا تميل إلى أن «تتخفّى تحت عباءة من الشعر والشعور الجمالي». فنسمّيها حبًّا رومنطيقيًّا. لكنها في الحقيقة شيءٌ مقزّز «مُهين جارح للكرامة الإنسانية».
غير أنّ ثَمَّة حبًّا آخر، حبًّا أفضل، وهو ما ينبغي أن نسعى إليه. «البعث» تروي قصة نبيلٍ ثريّ، الكونت نيخلودوف، خان في شبابه امرأةً (أغواها أولًا وحبلت منه، ثم هجرها). هذه الخيانة دمّرت حياتها، فانتهت بغيًّا. ثم تُتّهم ظلمًا بجريمة قتل، ويكون نيخلودوف أحدَ المحلّفين. يدرك ما فعل، فيحدث في داخله صحوٌ أو استيقاظٌ روحي. «صلّى طالبًا من الرّب أن يعينه، وأن يدخل فيه ويطهّره؛ وكان ما كان يصلّي لأجله قد وقع بالفعل: لقد استيقظ الرّب الذي فيه فأيقظ وعيَه. شعر أنه واحدٌ معه؛ ولذلك شعر لا بحرية الحياة وامتلائها وفرحها فحسب، بل بكلّ قوة البرّ». هذا هو بدء «بعثه»، كأنّ روحه كانت ميتةً فعادت إلى الحياة. شيءٌ ما وقع، انقطاعٌ حدث، ولم يعد يستطيع الرجوع. من تلك اللحظة يزداد وعيُه بمعاناة من حوله، وبالظلم المرتكب، ولا سيّما من الدولة. يرى ما في العالم من عطب، ويبدأ أن يفعل شيئًا حياله. يبدأ محاربة الظلم. يهب كلَّ ما يملك. يكفّ عن طلب الأشياء لنفسه. يساعد الآخرين ويعيش لأجلهم. وهو، في الحقيقة، في طريقه إلى أن يصير ثائرًا روسيًّا.
ومن اللافت أنّ نيخلودوف هو أول أبطال تولستوي الذي لا يقضي معظم حياته باحثًا عن معنى، عن سببٍ للعيش. ومع ذلك فهو الأقرب إلى العثور عليه، لمجرد أنه يصغي إلى صوته الداخلي ويدعه يهدي أفعاله: الصوتُ الطيب، الصوت الذي يقول لنا ما الصواب وما الخطأ، ما الخير وما الشر. تولستوي الآن مقتنع بأنّ هذا الصوت فينا جميعًا. لا يلزم إلا أن نصغي إليه. بعضُ الناس يصغي، وبعضهم لا يصغي. الذين لا يصغون، يصغون بدل ذلك لأصوات الآخرين.
يتبع نيخلودوف المرأة التي أساء إليها إلى سيبيريا. فهي تُساق مشيًا مع مئاتٍ من السجناء. وفي يومٍ من الأيام، والسجناء - في حالٍ يُرثى لها، ممزّقين منهكين - يمرّون في مسيرهم، تُجبر عربةٌ فاخرة على التوقّف لتدعهم يعبرون. في العربة رجلٌ غنيّ وزوجته وطفلاه: صبيٌّ وبنت. كلا الطفلين يشهد المنظر ذاته، لكنه يدركه ويفسره على نحوين مختلفين جدًّا:
لم يقدّم الأب ولا الأم للفتاة والصبيّ أيَّ تفسيرٍ لما رأياه، فكان على الطفلين أن يستخرجا معنى هذا المشهد الغريب بنفسيهما. فالفتاة، إذ أخذت في الاعتبار تعابير وجه أبيها وأمها، حلّت المسألة بافتراض أنّ هؤلاء الناس نوعٌ آخر من الرجال والنساء غير أبيها وأمها ومعارفهما، وأنهم أناسٌ أشرار، ولذلك ينبغي أن يُعاملوا على النحو الذي يُعاملون به. ومن ثمّ لم تشعر الفتاة إلا بالخوف، وفرحت حين لم تعد ترى أولئك الناس. أمّا الصبيّ ذو العنق الطويل النحيل، الذي ظلّ يتأمل موكب السجناء لا يطرف، فقد حلّ المسألة على نحوٍ آخر. لقد كان لا يزال يعلم - علمًا ثابتًا بلا أدنى شك، لأنه تلقّاه من الرّب، - أنّ هؤلاء الناس من النوع نفسه الذي هو منه، ومن النوع نفسه الذي منه سائر الناس، ولذلك لا بدّ أن أحدًا قد ظلم هؤلاء الناس ظلمًا، وفعل بهم ما لا ينبغي أن يُفعل؛ فأسف عليهم، ولم يشعر لا برعبٍ من المحلوقين المقيّدين، ولا من الذين حلقوهم وقيّدوهم.
بالنسبة إلى تولستوي المتأخر، مفتاحُ الحياة ذات المعنى - الحياة الجديرة بأن تُعاش - هو الحبّ الكوني. هو التعاطف، والشفقة، والمغفرة، والاعتراف العمليّ المعيش بأخوّة البشر (وأخوّة النساء). غير أنّ الموت ما يزال - فيما يبدو - يطرح مشكلةً غير محلولة. فعندما يموت أحدُ السجناء الذين صادقهم نيخلودوف، في أواخر الرواية، يعود السؤال الوجودي القديم بالقوة نفسها دون نقصان: «'لماذا تألّم؟ لماذا عاش؟ هل يفهم الآن؟' فكّر نيخلودوف، ولم يبدُ أنّ ثَمَّة جوابًا؛ لم يبدُ إلا الموت، فأحسّ بدوار».