كلُّ سطرٍ فرضيّةٌ لنفسٍ أخرى
آنفًا كان رأسي (أي دماغي) يُدوِّن كلَّ ما أسمعُه وكلَّ ما أراه، أمّا الآن فهو لا يُدوِّن بعدُ، بل يتركُ ذلك لـ(ـي). فمن يكونُ هذا الـ(أنا)؟ أأنا الكاتبُ، أم إنّ الأمرَ لا فرقَ فيه؟
جُورج كريستوف لِشتنبرغ، «دفاترُ المسوَّدات».
حين يضعُ هيغل، في «علم الجمال»، «شِعريّةَ القلب» في مقابلة «نثرِ العلاقات»، أي حين يُقابِل الذاتَ الحسّاسةَ المُخترِعةَ بما يجري في العالم من مسالكَ فظّةٍ ودوراتٍ مبتذلة، فإنّه يُحدِّدُ بذلك فكرةً لا تصفُ الماضي القريبَ والحاضر فحسب، بل ستظلُّ - على الأقلّ - سِمةً مُشَكِّلةً للقرن التاسع عشر. صحيحٌ أنّ المقصودَ أوّلًا هو الفردُ في رواية التكوين (Bildungsroman)، غير أنّ انقسامَ الذات بين مشاريعَ لا حدَّ لها، وبين واقعٍ مُقيِّدٍ - وقد يكونُ سياسيًّا قمعيًّا أو فقريًّا مُفْلِسًا - يتبدّى كذلك في أجناسٍ أخرى. فليس الأمرُ مقصورًا على فريدريك هِيبِّل (Friedrich Hebbel)، وإن كان هو الذي صاغه صياغةً برنامجيةً صريحة: إنّها صناعةُ يوميّاتٍ أدبيّةٍ تقوم على نكتةٍ حادّةٍ مفادُها أنّ «أنا» منصرفةً إلى ذاتها، سابرةً لداخلها، وقد تيأس أحيانًا من الخارج، تستعملُ اليوميّاتِ - إذا كانت في مقام الكاتب - لرسمِ تخطيطاتٍ أدبيّة، أو لتسجيلِ ملاحظاتٍ خامٍّ، أو لخوضِ مجادلاتٍ مبدئيّةٍ مع اتجاهاتٍ أدبيّةٍ أخرى. وأحيانًا تُدار - على نحوٍ يقتفي مفهومَ المؤلِّفيّة الذي تبلور عند غوته - قائمةٌ أو «حسابٌ» لقصائدِ المرء.
وخارجَ تقريرِ الورشة يمكن، من جديد، أن تُبتغى «الهويةُ الشخصيّة» بمعناها الطموح؛ وهو ما يظهرُ سواءٌ في مراحلَ متعدّدةٍ من التأمّل الذاتي (مثلًا عند استبطان الداخل عبر صورِ الأحلام ونصوصِ الخيال)، أم في بصمةِ الذاكرة المتّصلة والحكمِ على الذات. وهذه المقاصدُ أصبحت ممكنةً منذ الرومنطيقيّة بما حملته من مفهومٍ مُتَفَخِّمٍ للفرد، وستظلُّ - عند الغالبية الكبرى من كتّاب اليوميّات الأدبيّة في القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا - مُتَطَلَّبةً ومقصودة.
ويُسَمِّي هِيبِّل، في مطلع مشروعه اليوميّ، غايةً قائدةً هي أن يُطلق «تأمّلاتٍ في العالم والحياة والكتب، ولكن قبل كلّ شيءٍ في نفسي، على هيئة يوميّات». وتبدو المقدّمةُ مُشوبةً بالحدسِ وبالوعيِ بالذات؛ غير أنّها تُغالِي في التعالي على هيئةِ وضعٍ تمثيليّ، لأنّ هِيبِّل لم يكن آنذاك قد نشر سوى بعضِ القصائد في مجلات، أمّا مسرحيته الأولى «يهوديت» (Judith) فلن تُعرَض إلا بعد خمسِ سنين، أي سنة ١٨٤٠:
لا أشرعُ في هذا الدفتر إرضاءً لسيرتي القادمة وحدها، وإن كنتُ - مع آفاقي نحو الخلود - أستطيعُ أن أتيقّن أنّني سأظفرُ بمن يكتبُها. إنّه ينبغي أن يكون دفترَ نوتةٍ لقَلبي، وأن يحفظَ - بأمانةٍ - الأصواتَ التي يُطلقها قلبي، لكي تكونَ لي تعزيةً في الأزمنة الآتية. فالإنسانُ ليس كآلةٍ موسيقيّةٍ تعودُ فيها جميعُ النغمات في دورانٍ أبديّ، وإن جاءَت في أغربِ التركيبات؛ إنّ الشعورَ الذي يَخْبُو مرةً في صدره يَخْبُو إلى الأبد. إنّ شعاعَ شمسٍ واحدًا لا يُنْبِتُ في النفس - كما يُنْبِتُ في الطبيعة - الزهورَ نفسها مرّتَين. وهكذا تغدو كلُّ ساعةٍ عالمًا مُنغلقًا، له بدايتُه الكبيرة أو الصغيرة، ووسطُه المملُّ، ونهايتُه المنشودة أو المخشية. فمن ذا يستطيعُ أن يرى - بلا اكتراث - آلافَ العوالم وهي تغورُ في داخله، ومن لا يتمنّى أن يُنقِذَ، على الأقلّ، ذلك الإلهيَّ - سواءٌ كان نعيمًا أو ألمًا - الذي كان يَمتدُّ عبرها؟ لذلك سأظلُّ أعذرُ نفسي كلّ حينٍ إذا خصّصتُ كلَّ يومٍ دقائقَ قليلةً لهذا الدفتر.
إنّ البدايةَ موسومةٌ بتطلّعٍ قويّ، ويُحكم عليها - إزاء ضآلةِ النشر حينذاك - بأنّها متأرجحةٌ بين الطموح والسخرية من الذات. وحين يبدأُ هِيبِّل الشابُّ يوميّاته، يستطيع - حتى دون معرفةٍ أدبيّةٍ عميقة - أن يتوسّلَ دافعًا قد ترسّبَ في معرفة الحياة اليوميّة: أن تكونَ اليوميّاتُ «كتابةَ القلب». فالمفهومُ مُمهَّدٌ في «العاصفة والاندفاع»، مُصفّى عبر الرومنطيقيّة، وقد صار منذ زمنٍ جزءًا لا ينفصلُ عن الخطاب الأدبي. وبحسب تغيّر إيقاع القلب يتبدّلُ طولُ التدوين: من الشذرة إلى الملاحظةِ الموجزة، إلى مخطّطِ العمل الذي قد يكونُ هو العملَ نفسَه - وربّما أكثرَ منه، من حيث إنّه قد يُنشّطُ بنيةً إمكانيّةً تُتيحُ الكتابة. عندئذٍ يمكنُ لمساراتِ الفكر، أو حتى لجُمَلٍ بدائيةٍ أو مُحْكَمةٍ مُغلقة، أن تُعدَّ أعمالًا مكتملة. وإذا كان نوفاليس وغيرُه قد وسّعوا الكتابةَ حتى تُذيبَ حدودَها في الحياة، فإنّ الغاية هي أن تتكوّن «شِعريّةٌ كونيّةٌ تقدّميّة» (Progressive Universalpoesie) بوصفها عملًا فنيًّا يظلُّ قابلًا للزيادة والتوسيع والامتداد إلى غيره.
ومن منظورٍ رومنطيقيّ تتّسع «كتابةُ القلب» مرةً أخرى إلى المجال الموسيقيّ، حتى ليُغالى بالإنسان إلى حدّ اعتباره «عملًا فنّيًّا كُلّيًّا» (Gesamtkunstwerk). غير أنّه - أكثر من ذلك - فردٌ متحوّل، تحت تأثيرٍ عجائبيّ لضوءٍ شمسيّ مُعين، ينبغي له أن يُسجِّلَ الوقائعَ المتبدّلة على الدوام. وفي دراماتورجيا «البداية والوسط والنهاية» لوحداتٍ مقسومةٍ على ساعات - تُحيل إلى «كتاب ساعات الصلاة» (Stundenbuch) - يغدو كاتبُ اليوميّات، وإن لم يكن شيئًا آخر، مُهَيَّأً لأن يكون وعاءً يتلقّى إلهاماتٍ من علٍ؛ وهو ينقذُ زوالَها السريع ليعودَ إليها في صوغٍ لاحق. تكادُ جميعُ طوبوياتِ الوجود الكاتِب في الرومنطيقيّة تُستحضَر، وبذلك تُلبّى أنماطُ الضمان «الأصيلة» في الميثاق السِّيريّ. وفي النهاية يغدو المؤلِّفُ المرتقب، هو أيضًا، محاسبًا يبرّر نفسَه: إذ يستثمرُ الزمنَ المُقدّر له، ويجتهدُ في حفظِ مادّةِ الخلود.
وعند بويرنَر تظهرُ في يوميّات هِيبِّل «كلُّ القممِ والهاويات في الوجود الإنساني»، ويُقوَّم ذلك بأنّه «شهادةٌ على التمركز الوجدانيّ حول الأنا لا يكاد يُجارى»، غير أنّها - على خلاف غوته - تفتقدُ ذلك «الختام البهيّ» الذي يجلّل الصورة. لكنّ هذا ليس سوى تخصيصٍ لمعيارٍ أعطاه نموذجُ غوته لـ«أنا» مثاليّةٍ تُعلي ذاتَها وتُؤرِّخُها، غير أنّ تحقيقَها هنا لا يجري على الجانب العلميّ أو السياسيّ أو الاقتصاديّ، بل على الجانب الذاتيّ. ويمكن تسميةُ ذلك سِمةً أساسيّةً لانتعاش اليوميات، وإسناد «باثوسٍ أنانيّ» إليه، غير أنّ هذا الباثوس يتشعّب: فقد يبقى عند مستوى «فيضِ القلب» ويُطلِقُ همسًا غامضًا كثيرًا ما يتصلّبُ في هيئةِ وضعيّة؛ أو قد يُشكَّلُ في اتجاه برنامجٍ أدبيّ أو مشكلةٍ أدبيّة.
غير أنّ يوميّات هِيبِّل تُظهرُ على نحوٍ متزايدٍ حِذقَ توزيعِ المناظير، إذ تبني «أنا المؤلِّف» ذاتَها عبر «أنا أقنعة» دوريةٍ، تعدّديةٍ، متعدّدة الأصوات. وهنا - كما يلاحظ كناب - تُستبدَل البنيةُ الأحاديّةُ الصوت التي تميّز اليوميات عند هِيبِّل بـ«تعدّدٍ صوتيّ» لصيغةٍ تتشظّى كثيرًا إلى خطابات. وهكذا تُستكمَلُ الخطوةُ نحو «يوميّات الأنا» الحديثة، التي تجعلُ اللعبَ بالرموز وسيلةً لتهيئةِ مناظير الذات وأصواتها الداخليّة، وهي - على الدوام - أصداءٌ لأصواتٍ خارجيّة. وفي ظلّ مفهومٍ متعدّد الجهات للحياة - يُفكَّرُ فيه، في سياقِ البحث الطبيعيّ، على أنّه «نزوعٌ تطوّريّ»، ثم يُحمَّلُ شيئًا فشيئًا أبعادًا «طاقويّة» - يردُ لهِيبِّل تصريحٌ لا يصفُ الروايةَ وحدها بأنّها «الكتاب المقدّس للحياة»، بل يمنحُ الفنَّ كلَّه هذه المكانة:
إنّ الفنَّ ينبغي أن يتناولَ الحياةَ في جميعِ تشكّلاتها المتنوّعة وأن يُمثّلَها. وليس الأمرُ - طبعًا - ممّا يُقضى عليه بمجرد النسخ [...] نحن نريد أن نرى النقطةَ التي تنطلقُ منها، وتلك التي عندها - بوصفها موجةً مفردة - تذوبُ في بحرِ الأثر العام.
ليس من قبيل المصادفة أنّ هِيبِّل يكتبُ هذه العبارات الاعترافيّة في الزمن نفسه الذي - وإن كان غيرَ متأثّرٍ مباشرة - تُكتبُ فيه حكاية بوشنر «لينز» (Lenz) وما فيها من حوارٍ فنّيٍّ برنامجيّ، يحاولُ فيه لِنتس أن يُقنعَ محاوره، ذي الاسم الدالّ «كاوفمان»، بواجبِ «الوفاء للحياة» في الجماليات؛ وهو واجبٌ لا يبيحُ الانتقاء، بل يُدخِلُ الجميلَ والقبيحَ على السواء في حيّز التمثيل. وسيَنْزاح مفهومُ «الحياة» من البحث الطبيعيّ العام في اتجاهين: نحو البحث التجريبيّ في البيولوجيا، ونحو اللاعقلانيّة في «فلسفة الحياة»، التي سيُحكِم برغسونُ إبرازَها بمفهوم élan vital. أمّا عند هِيبِّل فالمفهومُ جماليًّا قائمٌ ضدّ المحاكاة الصارمة؛ وهذا الحكمُ ضدّ النسخ يُلوِّنُ حتى حججَ نقاشِ التصوير الفوتوغرافيّ الذي اشتعل بعد تعميم لويس داغير للتصوير سنة ١٨٣٩ في باريس. ومن منظور الأدب يُعدُّ المصوِّرُ مجرّدَ صانعٍ يُثبِّتُ الأشخاصَ كأنّهم أشياء، ويُجمِّدُهم، وبذلك يقتلُهم، أو على الأقلّ يبقى عند سطحِ المظهر الفيزيقيّ.
وهذه الدلالةُ الثنائية - دلالةُ عمقٍ موحٍ دالّ من جهة، وحِرَفيةٍ سطحيّةٍ مُشتِّتة من جهة أخرى - ستحكمُ «المفاضلة» (Paragone) بين المؤلِّفين والمصوِّرين حتى يستوعبَ الطبيعيّون الاستراتيجيات الفوتوغرافيّة لأنّهم يستطيعون دمجَها مع اختراعاتٍ فونُوغرافيّةٍ لإحداث أثرٍ أبلغ. أمّا خطابُ الواقعيّة البرجوازية فسيُشكِّله مفهومُ «النظرة المُكوَّنة» إلى ارتباطٍ جوهريٍّ عميق؛ وهو ما يستمدّه هِيبِّل بدوره - على الأرجح بصورةٍ غير مباشرة - من جماليّات هيغل الكلاسيكيّة:
مهمّةُ كلِّ فنٍّ هي تمثيلُ الحياة، أي إظهارُ اللامتناهي في الظاهرة الفرديّة. ويُحقِّقُ ذلك عبر التقاطِ اللحظاتِ الدالّة على فرديّةٍ أو حالٍ بعينه.
إنّ انعكاسَ الكلّ في الجزء - وبالنبرة الرومنطيقيّة انعكاسَ اللامتناهي - بحيثُ تكون «القطرةُ صورةَ البحر»، يُحاكي نزعةَ غوته إلى جعلِ الحدثِ الصغير مثالًا مُعمَّمًا ومُعظَّمًا، أو إلى إسباغِ صلاحيةٍ كلّيةٍ غيرِ مشروطة عليه بحكم منشئه الشعري. ومن الأجزاء ينبغي أن يُؤلَّف ترابطٌ يُعدُّ - بوصفه فنَّ علاقات - أعلى من الإجراء الإضافيّ الاعتباطيّ الذي يُنسبُ إلى التصوير الفوتوغرافي؛ وهكذا ظلّ مفهومُ الواقعيّة عند فونتانه مثلًا قائمًا على «التجلية الجميلة» للواقع. وبينما يطمحُ لِنتس عند بوشنر إلى ردِّ الاعتبار للأصغرِ والأحقر - أي إلى إدخالِه في مجال النظر - يتجهُ هِيبِّل أكثرَ نحو معارضة «الجميل» و«القبيح». وفي هذا السياق يستدعي «خطّ الجمال والرشاقة» عند هوغارث، ويسأل:
إلى أيّ حدّ يمتدُّ خطُّ الجميل؟ - وقد أثارته مناسبةُ قصيدةٍ لي عنوانُها: 'حلمُ الجنون'. هل جرى تجاوزه فيها؟ لعلّ هذا القول يصحّ: ما يصوغه الشاعرُ بأمانةٍ فهو جميل؛ غير أنّ ذلك سيُفضي إلى استنتاجِ جمالٍ للقبح. وأعظمُ القبحِ هو الجنون؛ لأنّ الانحلالَ هو أقبحُ ما يكونُ في كلِّ موضوع، وهو - بدرجةٍ أعلى - أشدُّ قبحًا في الموضوع الأكمل منه في الموضوع الأنقص.
إنّ المصطلحاتِ الجماليّة لا تبقى مستقلّة، بل تُشحنُ بسياقاتٍ إضافيّة: إذ يُقرنُ بها النفسيّ/اللاشعوريّ، فيحملُ دائمًا خطرَ الجنون أو القبح، وهو موضوعٌ يراه هِيبِّل مُثيرًا للارتياب، لكنّه لا يريدُ له أن يُحجَب؛ وهو لا يُجسِّده برنامجًا فحسب، بل ينجزُه شعرًا ودراما. وبذلك يقتربُ هِيبِّل مجدّدًا من شخصية لِنتس، من حيث إنّه يؤسّس - على أفق الداخل وربّما المرض - «واقعيّة فجّة» (verism) جديدةً. وتندرجُ تأمّلاتُه ضمن هذا الموضوع الذي لم يَسكت عنه منذ الرومنطيقيّة، وهي تبحثُ لا عن مجال الموضوع وحده، بل عن لُبِّ الخلق أيضًا.
ولكي يدعمَ تأمّلاتِه البرنامجية العارضة عن الأدب، يعيدُ هِيبِّل في يوميّاته - بوصفه أديبًا - تدوينَ مراجعاتٍ نقديّة، ويكتبُ محاضرَ محادثات، ويضمُّ مقاطعَ من رسائل، ويثبتُ ما سقط من الإنتاج الأدبي. وهذه - وإن جاءت في صورةٍ أقصر بكثير - تماثل جوانبَ نجدها عند غوته في يوميّاته على نحوٍ موسّع. ومن النظام الأدبيّ أيضًا: النسخُ، والاقتباساتُ القصيرة، والملخّصاتُ أو النماذجُ النصيّة التي استخرجها هِيبِّل متناثرةً من غوته، وموريتس، وكرنر، وجان بول، وهوفمان، وتيك، وليسّينغ، وكانط، وجاكوبي، وسترن، وكلوبستوك، ودانتِي، وغيرهم كثير.
وبينما تكادُ السياسةُ اليوميّة تسقطُ من الحساب، وتندرُ الحوادثُ المعيشيّة الصلبة في يوميّات هِيبِّل، فإنّها تعوَّض بتسجيلاتٍ حلميّة مع محاولاتِ تحليلٍ تزدادُ انتظامًا حتى يصحّ وصفُها بأنّها «ما قبل فرويدية». يلاحظُ هِيبِّل منزلةَ الجنون في الأحلام: إذ تبدو منطقيةُ الحلم العبثيّة للحالم أمرًا طبيعيًّا تمامًا. ومن هذا العالم الآخر، الذي له عقلُه النظاميّ الخاصّ بما يتيحه من خبراتٍ جديدة وكسبِ معنى، يمكنُ للشاعر أن يتعلّمَ أنّه يستخرجُ منه «قطعًا» شعريّة تُركَّب - كما في لعب الأطفال - من أربعةٍ وعشرين حرفًا: إنها جديدة، غير أنها ليست بلا معنى، وهي - على أيّ حال - مادّةٌ جديرةٌ بالفحص. وهكذا يرفعُ هِيبِّل صوتَه مُدافعًا عن تدوين الحلم، ويُسمِّيه «هديّةً عظيمةً» للبشرية - غير أنّها هديةٌ غيرُ ملائمةٍ لروح العصر، لا ترغبُ فيها العامة، ومضادّةٌ للزمن على التحقيق.
وهذه «النحو-النفسانيّة» قبل شريبر أو فرويد تنطلقُ من «أنا» تريدُ أن تُثبّتَ نفسَها - بوصفها ذاتًا وبوصفها شاعرًا - بل تريدُ الأفضل: تركيبًا يجمعُهما، وهذا هو برنامجُ التكوين الكلاسيكي. ومن عناصره الممكنة: ذكرياتُ الطفولة، التي يُنسبُ إليها إمكانان: إذ يرى هِيبِّل جماليةً طفوليّةً يطمرُها النضجُ سريعًا أكثرَ مما ينبغي، وبذلك يقف في تقليدٍ ابتدأه روسو في تمجيدِ الطفولة، ثم أُعيدَت صياغتُه في جماليةِ «الرؤية الجديدة» حول سنة ١٩٠٠.
وعندئذٍ تصبحُ كتابةُ اليوميّات أساسًا لفنّ «memoria»، لأنّ المرءَ «لا يستطيعُ في سنيّه المتأخّرة كثيرًا أن يهتديَ إلى سنيه الأولى إلا بواسطةِ خيطٍ مكتوب». وهذه الكتابةُ التي تُدخِلُ صاحبَها في الماضي قد تقعُ بغير نيّة، بوصفها «التقاطًا ذهنيًّا بلا تفكير لبعضِ الخيوط التي يبدو أنّها تُوافقُ نسيجَ وجودي»؛ وعلى الخصوص تتعلّقُ عقدُ الذاكرة بفتاتٍ لغويٍّ التُقِطَ في الطفولة. وهِيبِّل حذرٌ بما يكفي كي لا يُساوي بين «الخيط» و«الحقيقة»، بل يُؤثرُ «إعادةَ حبك» النسيج على «خنقه». وفي ذلك تلوحُ بالفعل إرهاصاتٌ بما سيُسمّيه بروست «mémoire involontaire»، التي رأى فيها والتر بنيامين - في بصيرةٍ جميلة - أنّ الكاتب ينسجُ «عملَ بينيلوبيًّا للذاكرة»، فيكونُ إدراكًا أرسخَ في مسار المعرفة منه في «الواقعية الفجة» (verism) صورةٍ تلمع فجأةً كخاطف.
غير أنّ التصويريّ - وهذا أيضًا من بقايا الرومنطيقيّة - يُقارنُ مرارًا بفاعليةِ الكلمة. فبينما ينسبُ هِيبِّل للكلمات نمطًا اعتباطيًّا «دالًّا»، يرى أنّ للصور - إذا استُمدّت من الطبيعة الخارجيّة لتصوير حالاتٍ داخليّة - قوةً ليست «مُنيرة» فحسب، بل «مُثْبِتة» أيضًا. وهذا الإسنادُ للصور يظلُّ أثرًا من مطلبِ الإيضاح التنويريّ ومن تعظيمِ الصُّوَر في الكلاسيكيّة؛ إذ يمكنُ للصورة - بوصفها تعبيرًا عن الفكرة - أن تعملَ عملَ «الإضاءة» (illuminierend). وتغدو الصورُ عُقَدًا في مجازِ النسيج داخل النص: فهي «خيوطُ فكرٍ تُعقدُ بها روحُ العالم»، وينبغي «لفّها إلى الخلف» لاسترجاعِ المعنى.
وهذه القطعُ النظريةُ - وإن بدت مُلغزة - يمكنُ قراءتُها أيضًا على خلفيّة علوم الطبيعة في زمنه، كأن تكون جوابًا مبكّرًا على اختزالِ مفهوم الطبيعة إلى «أحادِيّةٍ ماديّة» عبر البيولوجيا، مثل فرضية «أرواح الخلايا» بوصفها مادةً طاقويّةً تسري في كلّ شيء. وبعيدًا عن صياغةِ سيميائياتٍ مكتملةٍ للكلمة والصورة، يمكن تلخيصُ أقوالِ هِيبِّل في أنّ كتابتَه للذات تقومُ على علاقةٍ تكامليةٍ بين: علاماتٍ لغويّةٍ تعملُ محرّكًا ووسيطًا لفنّ الذاكرة؛ وصورٍ تُجسِّدُ الجوهريّةَ وتُقَرِّبُها إلى النظر. وبذلك يلتقطُ هِيبِّل نزعةَ «تكثيف الخبرة» لدى الرومنطيقيّين، لكنه - كما غوته - يرصدُ الرتابات ويستبدلُ بها عمدًا خبرةً مكثّفةً تتجدّدُ باستمرار، تكونُ الكتابةُ جزءًا من صوغها.
وفي هذا الازدواج تتأسّسُ المراقبةُ الذاتيّة، وتُبسطُ دوافعُها من جديد. إنّها تقعُ حتى في أكثرِ الحالات عبثًا، وهي - كأنّها أنثروبولوجيّةٌ ملازمة - يسمّيها هِيبِّل: «لعلّها أعجبُ مظهرٍ من مظاهرِ الحياة الداخليّة». وهي تقعُ أيضًا بلا قصد - لأنّ كلَّ كتابةٍ تُظهرُ كموناتٍ سِيريّة - كما قد تقعُ تجلّ خاطِف (Epiphanically)، على نحوٍ يشبهُ لِشتنبرغ: «إنّه يُفكَّر» (Es denkt)، وتتطوّرُ رغم مقاصد المراقِب نفسه. وفي الكلمة تُظهر - ضدّ كلِّ نيّة - «أخفى أسرارِ النفس»، ويُمنحُ لها - كما في خطابِ الاعتراف - غفرانٌ لا يكونُ إلا بمجرد الإقرار. إنّ اللااستقرار يَسِمُ معرفةَ الذات: فموضوعُها يتبدّلُ تحت النظر، وهذا يصدقُ أيضًا على محتويات المعرفة. وهنا تُوضعُ علامةٌ واضحةٌ في تاريخِ سوءِ التعرّف على النفس: يُرسَمُ شرخٌ بين الكاتب (أو المتكلم) وبين المعنى - وهو عند هِيبِّل حالةٌ استثنائية مؤلمة للمؤلِّف - بينما سيغدو عند التحليل النفسي الفرويدي عنصرًا بنيويًا. غير أنّ هذه المسافة بعينها قد تصيرُ محرّكَ الكتابة: إذ تفتحُ مجالًا للأسئلة ولزوايا النظر الجديدة.
ومن هنا تنشأُ مطالبُ «التجربة» التي تُوسّعُ عوالم الإدراك المعروفة داخل «غرفِ اختبار»، وتكونُ أساسَ كتابةِ اليوميّات: «الإنسانُ يحبُّ أن يُجري التجارب بدلَ أن ينمو على مهل. قد يؤدّي ذلك إلى شيء، غير أنّه بالغُ الخطر». وأوضحُ ما تُفهمُ به هذه العبارة إذا تذكّرنا أنّ مفهومَ الشخصيّة ليس موضوعًا أنثروبولوجيًّا فقط، بل مؤسَّسٌ - ضمن البيئة الطبيعيّة - بوصفها ترتيبًا تجريبيًّا. وهكذا ينبغي فهمُ القاعدة الحيويّة التي يصوغُها هِيبِّل على صدى شوبنهاور («العالم إرادة وتمثّلًا»): «على الإنسان أن يعتبرَ نفسَه دائمًا تجربةً من تجارب الطبيعة».
وفي موقعِ الإنسان الأدنى - الذي يراه هِيبِّل، على خلاف غوته، في صراعٍ مع الطبيعة - تُلقى «لامركزيّته» في علاقته بذاته في ميدان اللعب حرفيًّا؛ إذ لا تتبعُ إلا العناصرَ والقوى الطبيعيّة التي ما تزالُ هي ذاتُها تبحثُ عن قوانينها. وأخيرًا، اليوميّاتُ ورشةٌ لا لتجربة الأنا فحسب، بل للأدب أيضًا: «تجري في الرأس مادّةٌ خام إذا لم يعمل المرء في عملٍ بعينه: تلك هي زمنُ كتابة اليوميّات» - هكذا يقولُ مرةً. وإن استعمال هِيبِّل لمفهوم «المادة» لأفكاره يُضفي على مشروع اليوميّات مطلبًا علميًّا طبيعيًّا يقومُ على الملاحظة الدقيقة غير المتحيّزة. غير أنّ تَشَكُّلاتِ الطبيعة تُدرَسُ ببحثٍ مخصوص، أمّا هِيبِّل فيرومُ أن يلتقطَ تلك العمليّات الداخليّة التي تبرزُ له في علاماتٍ مرئيّة؛ وبذلك يُركّزُ على الفرد الذي يتعرّفُ إلى ذاته وهو يراقبُ تشكّلاتِ علاماته، ثم يُفعِّلُ طيفَ إمكاناته في الصياغة اللاحقة. لكنّ ضمانَ ذلك لا يكونُ إلا في امتدادِ زمنٍ أطول:
الحياةُ كلّها محاولةٌ فاشلةٌ للفرد كي ينالَ شكلًا؛ فهو يقفزُ باستمرارٍ من شكلٍ إلى آخر، ويجدُ كلَّ شكلٍ إمّا أضيقَ مما ينبغي أو أوسع، حتى يملَّ التجريبَ فيتركُ نفسَه إمّا مختنقًا في الأخير أو ممزّقًا. إنّ اليوميّات ترسمُ الطريق. فَلْنَصِل إذن!
إلى جانبِ بناءِ التماسك - أي صنعِ ترابطٍ دلاليّ بين وجوه الأنا - تغدو الاستمراريةُ عنصرًا آخر معلومًا في تكوينِ الهوية الشخصيّة: فالأنا تختبرُ نفسَها بالمقارنة بوصفها ما كانت، إلى جانب ما صارت عليه الآن؛ وتنجحُ في إدراجِ الانقطاعات داخل التطوّر، كما تُدرِجُ مناظيرَ الآخرين وتبني هويةً اجتماعيّة. وهنا تنالُ اليوميّاتُ تحديدًا أدقّ من مجرّد «معرفة الذات» التي كانت في الغالب تستهدفُ نواةً ثابتة - بل ساكنة - للجوهر الفردي. إنّ الذات، عبر ملاحظات اليوميّات، تستطيع أن تستحضرَ نفسَها في مجرى الزمن، وأن تلاحظَ تغيّراتها في إنتاج العلامات، وأن تشرعَ في رسمِ «مشروعات» (بلغة التجربة: «فرضياتٍ للذات»).
ومع هذه الحمولة غير القليلة - التي يرثُها هِيبِّل بوصفها أيديولوجيمًا من عصر غوته - يظهرُ شَرَكُ البحث عن الترابط: فإذا كان يُدوَّن مرارًا أنّ «الميكروكوسم» و«الماكروكوسم» يتداخلان، فإنّ هِيبِّل يريد أن يطلقَ مفهومَ التكوين الطموح على من «يعرفُ أن يقيسَ نسبته إلى الكلّ، وإلى كلِّ دائرةٍ من الدوائر اللامتناهية التي يتألّف منها». وهو - في ما يبدو - يحدسُ ما في هذه النيّة المديدة، الملتصقة بعصر غوته، من فرطِ طلبٍ؛ غير أنّ القاعدة تبقى قائمةً لديه. ومع كلِّ هذا الانسجام مع فكرة التجربة، فإنّ كتّاب اليوميّات الأدبيّة في القرن العشرين - سواءٌ كانوا فتغنشتاين أو كافكا أو موزيل أو يونغر أو فريش - سيتخلّون عن طلبِ «الكلّ العظيم». لكنّ كونَ حقلِ التجربة ذاته مشروطًا أيضًا بظروف الوسائط أو بقيود الدولة يمكنُ إيضاحُه بأمثلةٍ شتّى: فدفاترُ العلماء، أو السيرُ الروائيّة (مثل «مذكّراتِ مريضٍ بالأعصاب» لشريبر)، أو تدويناتُ المرضى، أو يوميّاتُ الساسة - كلّها تُفصحُ عن «نظامِ تدوينها» الخاصّ.