وَحدي… وَمَعي كِتاب

 

لا أعرفُ النقطةَ الدقيقةَ من حياتي التي تعلّمتُ فيها القراءة. غير أنّني أذكرُ على وجه اليقين الطقوسَ التي أدخلتني إلى عالم القراءة وأقامتني في حرمها. وهي لحظاتٌ متباينة، ومن المهمّ التفريق بينها: بين تعلّم القراءة، وبين الطقوس المقترنة بالقراءة. فحين يقف طفلٌ أو طفلةٌ للمرّة الأولى أمام صفحات كتاب، لا يكونان قادرين على فكّ الرموز والعلامات التي تراها العين مرسومةً هناك.

الكتابُ - في تلك الملامسة الأولى - شيءٌ بدائيٌّ تقريبًا، يُستكشَف ولا يُقهَر، ويُمسَح باليد ولا يُدانى بالفتح. لذلك يلعب الأطفالُ بالكتب: يقلّبونها، ويُدوّرونها، ويلمسونها ويعبثون بها كما شاءت أيديهم، كأنّهم يريدون كشفَ سرٍّ يحدسون وجودَه، لكنهم لم يبلغوا بعدُ القدرةَ على العثور عليه. ومن أحبّ الكتبَ، بقي - حتى في كهولته - يمسّ مجلداته ويتفحّصها ويستمتع بحضورها الجسديّ الخالص؛ فمادّةُ الكتاب أساسيّةٌ بالقدر نفسه، لأن تلك المادّة تحيلنا إلى ما وراءها، إلى ما تُضمِره الكتب وتُلمّح إليه… قبل أن نفتحها أصلًا. كم مرّةً وقفتُ أمام رفوف كتبي في البيت، وانتظرتُ أن أسمع - عبر تلك المادّة - نداءَ واحدٍ من المجلدات، يطلب انتباهي، ويستدعيني؛ لعلّ الكتب لا تتكلّم عبر قراءتنا فحسب، بل لها صوتها الخاصّ أيضًا، تُنادي به في لحظاتٍ بعينها من حياتنا عبر آليّةٍ غريبةٍ وسريّة من «تآلفاتٍ انتخابيّة» لا ندري كنهَها.

على نحوٍ ما، الحروفُ خُطوطٌ أو رسومٌ تشيرُ إلى معنى لا يُتاح لنا إلا بالتجربة والممارسة. وفي الوقت نفسه، إذا رجعنا إلى طفولتنا وإلى تلك «الماديّة» التي تومئ إلى ما وراء المعنى، رأينا أنّ الرسومَ في تلك اللقاءات الأولى مع الكتب كانت ذات شأنٍ بالغ؛ تلك الإيضاحات والمرشدات التي كانت - في البدء - تدلّنا على طريقٍ وليد نحو تأويلٍ بصريّ لما يرويه لنا الآخرون بالكلمة.

وما أعمقَ أهميةَ هذا «الآخر». حين لا نعرف القراءة بعدُ، يكون «الآخرون» هم الذين يروون أولَ الحكايات التي نسكنها: قد يكونون الآباء والأمهات، الجدّات والأجداد، الإخوة، أو أيّ صوتٍ قريبٍ يُحسن الحكي. «الآخرون» هم الذين يصنعون معنا جماعةً من السرديات المشتركة. لقد تربّى اليونان في ظلّ «الإلياذة» و«الأوديسة»، ليعبروا - جماعةً - منعرجات الوجود ومشقّاته؛ ولينخرطوا في متخيَّلٍ يمنحهم معنى المشترك: معنى الماضي والحاضر والمستقبل. وإلى عهدٍ قريب، لم تكن المائدة تُعدّ مهيّأةً على الحقيقة إن لم يُوضَع عليها الخبز. ولفظة «الرُّفقة» تشير إلى الصحبة «في الخبز ومع الخبز» الذي يُتشارَك. لذلك فإنّ الجلوسَ حول الخبز فعلٌ - يكاد يكون مقدّسًا، وهو إنسانيٌّ جدًّا - من أفعال المقاومة الجماعيّة للموت والجوع. وكذلك مشاركةُ الحكايات، وبالامتداد: القراءة.

لأننا لا نسكن العالمَ الذي يحيط بنا فحسب، بل نسكن كذلك العالمَ الذي نحمله - على حدّ تعبير القديس أوغسطين - في أعمق «داخليّتنا الحميمة». والداخل والخارج، كلاهما، يجدُ مراسلةً تامّةً في الكتاب. نحن نشترك في الجسد والهشاشة؛ نحن شيءٌ أو «موضوع». لكننا أيضًا حكايةٌ وسردٌ ووقائعُ وقصص. لعلّ جسدَنا ليس إلا ذلك: صندوقَ رنينٍ لتلك الحكايات، المشتركة منها والخاصّة. وما التجاعيدُ والندوبُ والشيبُ إلا علامةُ مرور الزمن على أجسادنا؛ مرورٌ لا يمرّ إلا وهو يتقدّم في سردِ حكايته. ونحن نعلم - مع أخيل - أن الأفعالَ والكلمات قد تبقى في المستقبل وإن زال الجسد. ونعلم - مع بركليس في خطابه الجنائزي (الذي يُحتمل أنه استُلهم من عشيقته أسباسيا) - أن في الماضي أفعالًا وكلماتٍ جديرةً بأن تُذكَر وإن زال الجسد. ونعلم - مع حنّة أرندت - أن أفعالنا وكلماتنا في الحاضر تهمّ هنا والآن، وإن صدرت من جسدٍ محكومٍ بالفناء. نحن - من أجل ذلك كلّه - كائناتٌ حدّية، كما كتب هولدرلين كثيرًا: موجودون على تخوم الوعي بنهايتنا، وعلى تخوم مسؤولية مهمّةٍ لا تنفد؛ فذاكرة الأفعال والكلمات تبقى بعدنا وإن غاب الجسد. بل، إذا تأمّلنا: أهناك حضورٌ أبلغُ وألمسُ من أن يُذكَر المرء بأفعاله وكلماته؟

لكن لنَعُد إلى الاستطراد السابق، إلى شبهنا الجسديّ والروحيّ بالكتب. لعلّ ذلك هو السبب في أنّنا - صغارًا - نجد كثيرًا من السكينة والطمأنينة في طقس القراءة، الذي كان غالبًا ما يُهيّأ في اللحظات السابقة للنوم، كأنّ القراءة - أو الكتاب - بابٌ مميّز إلى عالم الأحلام. بل أكثر من ذلك: إلى لحظة الراحة نفسها. لقد قلتُ إنني لا أذكر جيدًا متى تعلّمت القراءة. غير أنّني أستحضر صورًا كثيرةً من آخر اليوم، من تلك الساعات التي كان الصمتُ فيها يُكثِّف العالم ويُخفِّفني منه. لم يقرأ والداي عليّ قصصًا؛ لم تكن هناك حكاياتٌ مُلقاةٌ على سريرٍ بصوتٍ أبويٍّ أو أموميٍّ يفتح أبواب النوم. كنتُ في صغري شديد الخجل، كثير الوحدة، فأقمتُ طقوسي وحدي: أجلس إلى الكتب كما يجلس المرء إلى رفيقٍ يَسَعُه ولا يطالبه. كنتُ أقلب الكتب، وأطيل النظر إلى صورها، وأتعلّم من صمتها معنى الرفقة. وكانت «مجلة العربي» واحدةً من علامات طفولتي: أعدادٌ أتنقّل بينها كما يتنقّل المرء بين بلادٍ لا يملك منها إلا أسماءَها وصورها؛ أستنشق رائحة الورق، وأتعلّق بالخرائط والملفات والرسوم، وأتخيّل النصوص قبل أن أستكمل فتح مغاليقها حرفًا حرفًا. كثيرًا ما كنتُ أعبث بالصفحات وأُقلّبها وأعود إليها؛ وما زال في الذاكرة عطرُ الجديد، عطرُ الورق حين يكون هديّةً للخيال.

لم أنم قطّ وأنا أعانق دمى أو دُبَبًا محشوة؛ لم يكن لي بها تعلّق، بل كانت تُقلقني: كائناتٌ تشبه الحياة، لكنها ليست حيّة. لكنني كنت أنام إلى جوار كتبي. لم تكن تلك الكتب «بديلًا» لقصصٍ لم تُروَ لي فحسب، بل كانت أيضًا الرفاق الذين اخترتُهم: كانوا يحيطون وحدتي بسورٍ لطيف، ويمنحون خجلي مأوى. الكتب كانت تحتوي الكلمة. تحتوي الحكايات. تحتوي قدرًا كبيرًا من عالمي. حتى حين كان العالمُ أكبر من قدرتي على أن أقولَه.

وهذه قناعةٌ راسخةٌ لديّ: تجربة القراءة تبدأ في كنف الشيء الذي هو الكتاب. قبل أن نعرف ما فيه، نقف أمامه ومعه، نلمسه وربما أسأنا إليه، وبه يصير مألوفًا. وفي عالمٍ كهذا الذي نعيشه اليوم، حيث كلُّ شيء آلة، وكلُّ شيء أداةٌ تكنولوجية، يغدو حضورُ الكتاب - شبه السحري - أشدَّ أهميةً وكشفًا من أي وقتٍ مضى. الكتاب - مثلنا - هشٌّ: يتضرّر، يبتلّ ويتلف، يُظهر تجاعيدَ ملاّكه السابقين وعيوبهم، يُسطَّر ويُعلَّق عليه، بل يكتسب رائحةَ بيوت أصحابه. ومن ثمّ فالكتابُ - لهذا ولغيره - ذاكرة. بل أهمّ: ذاكرةٌ مشتركة. ما أَغربَ وأشدَّ إثارةً أن تشتري مجلدًا ما من مكتبةٍ للكتب المستعملة، ثم تبدأ قراءته فتجدُ شيئًا أو علامةً قاطعة على أنه كان ملكًا لشخصٍ آخر: زهرةً يابسةً اتُّخذت علامةَ صفحة، أو تذكرةَ حافلة، أو فاتورةَ كهرباء، أو صورةً صغيرة، أو ex libris، أو تاريخ الشراء أو القراءة، أو خطوطَ التسطير والحواشي… آهٍ، والإهداءات! كم من الكتب مرّت عبر رسائل حبّ أو عبر إعلان نوايا. مكتبات الكتب القديمة مملوءة بحبٍّ مكتملٍ أو فاشلٍ أو متمنّى - لكنها مملوءة بالحب على أي حال. بل أكثر: مملوءة بالشغف.

فلنرجع إلى الطفولة. بما أنّها تجربةٌ مشتركةٌ في أصلها، فإنّ تلك الطقوس الأولى للقراءة لا تصنع مكانًا مشتركًا فحسب، بل تصنع - وهو ما أراه أهمّ - زمنًا مشتركًا. زمن القراءة حين نكون صغارًا زمنٌ متقاسَم. وقبل أن نتقن القراءة، نحتاج إلى من يرشدنا بين تلك الرموز التي لا تُفهَم لنا. والإشارة هنا إلى عمى أوديب قد تُضيء المعنى: فكما كان ذلك البطل الأسطوري يعرف قدرَه الذي حاول عبثًا أن يفرّ منه، كذلك تصير القراءة - حين تُكتشَف - قدرًا لا مردّ له، لا فكاكَ منه، عندما ترتبط لا بالمكان وحده بل بالزمان قبل كل شيء. فالزمن الذي يمرّ في تجربة القراءة زمنٌ يختلف عن سائر الأزمنة: سواء كنّا نحن الذين نقرأ، أو كان الآخرون يقرؤون لنا، فهناك دائمًا «آخرُ زائد» - شريكٌ إضافيّ حاضر. وهكذا يفقد الكتاب صفةَ الشيء، أو تتبخّر على الأقل، ويتحوّل إلى رفيقٍ ونديمٍ وزميلٍ يُقتسَم معه الزمن. كم منّا عانق كتابًا يومًا، وضغطه إلى صدره كأنه يريد أن يجعله «له»، كأنه يريد أن يعيش (أو يذوب) في مغامرات شخصيةٍ ما، أو أحسّ أن مقالًا أو بحثًا يفتح له آفاقًا جديدة للمعنى؛ وكأنّنا كي نفهم كل شيءٍ أكثر، قرّبنا الكتاب إلى الرأس، أو أمسكناه ووجّهنا إليه السؤال مباشرةً، مدهوشين من تلك التجربة - الدائم دهشُها - حين نكتشف شيئًا جديدًا.

نحن نعيش عصرًا تلاشى فيه الزمن، أو كاد. نريد كلَّ شيءٍ الآن: هنا وحالًا. الأطفالُ يملكون أدواتٍ أقل فأقل لتأخير تحقيق توقّعاتهم. بين الرغبة وإشباعها لم يعد هناك - أو لا ينبغي أن يكون - إرجاء. لقد سُلب منا زمنُ الرغبة. والكتاب، والقراءة عمومًا، يعيداننا إلى زمن الانتظار، حيث «عشيّةُ الشيء»، وما هو دائمُ المجيء، ليس شبحًا يجب طرده، بل - على العكس - هو محرّك فعلنا. نحن نقرأ لأننا نريد أن نعرف أكثر. أكثر وأحسن. ولذلك للانتظار قيمةٌ لا تُقاس. اليوم يبيعوننا كلَّ شيءٍ في ملخّصات (بودكاست كي لا نقرأ الكتب كاملة؛ دورات كي نحفظ أسرع أو نتعلم لغةً في ألف كلمة). لكنّ ثمة خبراتٍ لا تُختزل: القراءة، الحب، اللعب. إنهم يسلبوننا زمنَ التمنّي (والتلذّذ) ببطء.

القراءة - منذ البدء - تضعنا إزاء تجربة الزمن. بل أكثر: إزاء لا-تجربته. حين كنتُ صغيرًا، لم يكن لديّ وعيٌ بأن الزمن يمضي إذا استغرقتُ في كتابٍ أو في صفحات «العربيّ»؛ كنت أعيش - بلغة العصور الوسطى - في nunc stans: حاضرٍ قائمٍ أبدي، لا ينقطع ولا ينتهي. ومع ذلك - وعلى النقيض - كنت أعرف أن ذلك الزمن لا يُعوَّض، لأنني لم أكن أريد له أن يمرّ. ومع تدفّق السنين، انكشف لي هذا المعنى في مناسباتٍ كثيرة. ولا يزال يعاودني، مثلًا، حين أقرأ بصوتٍ مرتفع مع شخصٍ قريب، أو حين نصغي معًا إلى نصٍّ يُتلى. لقد صارت القراءة الفردية الصامتة تجربةً مألوفة، لكن حتى وقتٍ قريب كانت القراءة ممارسةً تتّحد فيها الكلمة بالصوت، وكان الكتاب يُعدّ جهازًا تُشِعُّ منه أصداء سمعيّة. لأن الكلمات لها إيقاع، ولها نَفَسٌ ونبرة، وهذا الإيقاع وهذه النبرة ينطبَعان في حياتنا حين تُقرأ النصوص جهرًا.

وكذلك في مجالس التعلّم، وفي لحظاتٍ أشارك فيها آخرين قراءةَ نصوصٍ قصيرةٍ متينةٍ من تاريخ الفلسفة أو الأدب، عشتُ ذلك الحال الغريب المُنوِّم الذي يمرُّ فيه الزمن لكن لا يُحَسّ مروره. لقد كان من أمتع ما جربتُه أن أسمع في أصوات الآخرين خطبَ سقراط وإريكسيمَاخوس وفيدروس وديوتيما في «النّدوة» لأفلاطون: تخرج الكلمات من قِدَمِها إلى حاضرنا، تتجدّد، وتُصبح ذات صلة، وتتحوّل إلى حياة. الصوتُ يصنع حياة. والقراءةُ تصنع حياة.

أحيانًا أتذكّر أختي في لحظاتٍ صغيرةٍ من اليوم، وقتَ القيلولة أو في استراحةٍ خفيفةٍ بين أشغال البيت، حين كانت تجلسُ إلى كتابٍ أو مجلةٍ وتُحرّك شفتيها لتتبع النصّ على نحوٍ أدقّ، كأنّها تُنصتُ للكلمات وهي تخرجُ من صمتها. والآن أدركُ أنها - من حيث لا تقصد - علّمتني شيئًا جوهريًّا: أن أُحادث الكتب، وأن أكون معها، وأن أقضي زمني في صحبة صفحاتها دون أن أشعر بأنّ القراءة تكليفٌ ثقيل. وأتذكّر أختي أيضًا قارئةً شغوفةً لا تُقيم حجابًا بين «الرفيع» و«المألوف»: قد تقرأ أحيانًا مجلّةَ «آفاق»، أو روايةَ اللحظة، أو كتابًا كلاسيكيًّا طال تداوله، أو ذاك الـ«الأكثر مبيعًا» الذي يملأ الأيدي والرفوف؛ وكانت - بحضورها البسيط الهادئ - تجعل القراءة فعلًا يوميًّا كالتنفّس، لا تعلوه نبرةُ الوعظ ولا يثقله واجب. وبذلك، وبلا ضجيج، كانت من أكثر من دفعني إلى التعلّق لا بـ«القراءة» كمفهومٍ مجرّد، بل بـ«فعل» أن أقرأ.

لأننا جميعًا - لا استثناء - مللنا يومًا ونحن نقرأ، أو ثقل علينا كتابٌ بعينه، ومع ذلك لم نترك القراءة إلى الأبد. أنشطةٌ أخرى، إذا أرهقتنا، نرميها ولا نعود؛ أما القراءة، فعلى العكس، تتجدّد لأنها دائمة الاختلاف. حتى حين حاولنا اقتحام كتابٍ ما، فكان - لسببٍ من الأسباب - لا يُطاق في لحظةٍ من حياتنا، قررنا أن نعود إليه لاحقًا على أمل أن يكون ذاك هو الوقت، وأن تكون تلك هي الملابسة التي تُواتينا لقراءته. وما أجمل القراءة استعارةً للأمل. فإذا كانت «الآمال»، فإن القراءة تظلّ نشاطًا فيه انتظار وبالانتظار: فيه يتمدّد الحاضر؛ مثلما كان لذلك الهيدالغو الشهير من لا مانتشا، الذي «كانت الليالي تمضي عليه قارئًا من الصباح إلى الصباح، والأيام من العكر إلى العكر». أحيانًا، ونحن غارقون في القراءة، نرفع أبصارنا وننظر إلى الساعة فنُصعَق من سرعة مرور الزمن. القراءة، في النهاية، انتظارُ ما لا يُنتظَر، حيث يذوب الزمن. إنها تُحدِث شرخًا في زمن كرونوس، الزمن الكرونولوجي الذي يلتهم ويبتلعنا، وهي دعوةٌ إلى سكنى الزمن الكايرولوجي، زمن الانكشاف واللمعان، زمنٍ يكاد يكون - حقًّا - تجلّيًا.

وقد قلتُ قبلُ إن القراءة مرتبطةٌ كذلك بالذكرى والذاكرة. في الثامنة عشرة من عمري قررتُ أن أقرأ «الأعمال الشعرية الكاملة» لشارل بودلير. وكما تعلمون، فليست قراءةً تُستهلَك على عجلٍ ولا تُؤخَذ مأخذ التسلية العارضة؛ إنها صحبةٌ كثيفة، تُلزم القارئ أن يُبطئ وأن يُمعن، وأن يُقيم في ظلال الكلمات كما يُقيم في ظلال نفسه. ولعلني ما كنت لأقوى على اقتحامها في غير ذلك الوقت؛ إذ كنتُ يومئذٍ أعيش طورًا من التبدّل الداخليّ الصامت: وحدةٌ تتكاثف، وخجلٌ يُقيم حول الروح أسوارًا شفّافة، وحاجةٌ حارّة إلى معنى يُرافقني دون أن يسألني عمّا لا أقدر على قوله. وكانت قصائد بودلير تُعينني على فهم نفسي أكثر؛ بل كانت تجعلني لا أشعر بالانفراد. أو لنقل بإيجازٍ أدقّ: كانت تجعلني أشعر بأنني مُصاحَب. وحين - بعد أسابيع من المداومة على تلك القراءة - عدتُ يومًا إلى البيت بالحافلة، والكتاب بين يديّ كأنّه شيءٌ أثقلُ من ورقٍ وأخفُّ من همّ، أدركتُ أن هذا الرفيق قد نسج في داخلي شبكةً خفيّة: شبكةً من التأمّل والانتباه والبطء، جعلتني أرى وأحسّ وألاحظ وأتأثّر بالواقع على نحوٍ لم أعرفه قبل تلك المصاحبة. كأنّ الكتاب لم يُعرّفني إلى أحدٍ خارجِيّ، بل دلّني - بطرقه الملتوية - إلى نفسي، وإلى قدرةٍ جديدة على ملامسة العالم دون فزعٍ أو تشتّت. ولم أعد أستخرج الكتاب إلا للاستشهاد ببيتٍ، أو لاستعادة أثرٍ قديم من أثر الكلمات فيّ؛ ولم أُقدِم على إعادة تلك الرحلة كاملة. لأنني أعرف أن تلك القراءة الأولى - على نحوٍ لا أدركه - ارتبطت بتجربةٍ من المتعالي، بشيءٍ يشبه «السرّ» الذي يختلط فيه المعنى بالزمن. وإذا أذنتُم لي بهذا الاعتراف: أشعر أنني لو عدتُ إليها من جديد، لربما كسرتُ تعويذةً ما؛ تعويذةً أتاحت لي منذ خمسة أعوام أن أرى وأحسّ وألاحظ وأتأثّر بالواقع بطريقةٍ لم أعرفها قبل أن أدخل عالم بودلير.

وهذه الحكاية تسمح لي أن أشير بإيجازٍ إلى وجهٍ آخر للقراءة: علاقتها بتجربة المقدّس - لا بوصفها شأنًا دينيًّا مخصوصًا، بل بوصفها حالًا إنسانيًّا يتبدّى حين تتحوّل الكلمة إلى طقسٍ جمعي. كنتُ طفلًا شديد القلق، مفرط الحركة، قليل الانقياد. وكانت لحظاتُ توقّفي عن اندفاعي نادرة. واحدةٌ من تلك الوقفات كانت تتعلّق بالإنصات إلى القراءة الجهرية في تجمعاتٍ قرويةٍ أو مناسباتٍ عامة، حين يصعد أحدهم ليتلو نصًّا على الناس، فيسكت الضجيج الذي كان يملأ المكان قبل ذلك، وتتحوّل الجلبة إلى صمتٍ مُصغٍ. كنت أُدهش من تلك السكينة التي تصير مشتركة، من ذلك الاحترام الباطن حين يُصبح جماعةً: أحدهم يقرأ، والجميع يصمت، والجميع يسمع. وأحيانًا كان الوقار يبلغ حدًّا يجعل الناس ينهضون، لا بدافع عادةٍ فارغة، بل كأنّ الكلمة المقروءة تستدعي قيامًا: قيام الجسد احترامًا لشيءٍ يتجاوز الجسد. وقد كان هذا الإيماء - ولا يزال - أحدَ أركان علاقتي بالقراءة: في ممارستها شيءٌ يتجاوزنا، لا ينحبس في لحظة الحاضر. إنّ القراءة للآخرين بصوتٍ مرتفع تنطوي على قوّةٍ عجيبةٍ شافية.

لكن لنترك الآن هذه الاستعادة الشخصية، ولننظر في ما يجيء: في الجانب الأكثر نقدًا وراهنيةً من التأمل في القراءة، الذي يقودنا إلى ظاهرة فقدان الانتباه التي نعانيها اليوم اجتماعيًّا وذاتيًّا وبنيويًّا. لقد ألفنا، على نحوٍ خطِر، أن نطبع حياتنا بإيقاعاتٍ سريعة، محمومة، قليلة الوعي. نتحرّك من مكانٍ إلى آخر بلا روية، من البيت إلى العمل أو الدراسة ثم عودة، مخدَّرين ومنوَّمين في الفواصل القليلة المتاحة، عبر سيلٍ من التطبيقات والأجهزة التي تُبقي قدرتنا على الرغبة مستنفرةً ومُسعَّرة وسط جحيم التشابه. وحشدٌ من الشبكات الاجتماعية يقدّم موادّ تبدو دائمًا جديدة، من غير أن ننتبه إلى أنّ ما يُعرَض علينا ليس إلا الشيء نفسه متنكرًا في هيئة فرادة. ولذلك فإنّ التجارة اليوم تقوم، في جوهرها، على الاستيلاء على انتباهنا عبر هذه الآلية الملتوية من فرط الإثارة.

حين يقولون لنا: «الحياة يومان»، يتراءى لي أنّهم يريدون عدوى عجلةٍ لا نحتاجها دائمًا. أن نقرأ ونفكّر ببطء، أن نحبّ ببطء، أن نشرب قهوةً أو نمشي ببطء. من الملحّ جدًا أن نستعيد القدرة على الاستمتاع ببطء العمليات. أن نعيش بلا عَجَلات. أن نُغذّي البطء. من كل جهة يعرضون الزمن كأنه شيءٌ يُفلت: «استمع إلى ملخّصات الكتب كي لا تضيّع وقتًا»، «اطلب طعامًا كي لا تضيّع وقتًا»، «آلاف البودكاستات التعليمية كي لا تضيّع وقتك في الدراسة»… يدفعوننا إلى نسيان أنّ ثمة أنشطةً لا يُفقَد فيها الزمن بل يُكتسَب: يُغتنى ويُفتَح ويُنتزَع انتزاعًا.

وبالتوازي، أثّرت هذه النزعة «التسريعية» بقوة في طريقة علاقاتنا. الروابط الإنسانية تحوّلت - أو توشك أن تتحوّل نهائيًّا - إلى «وصلات» سريعة بقدر ما هي زائلة، لا تسمح بالنفاذ إلى سيرة الآخر، وتُبقينا محبوسين في حميميةٍ مُكبسلة، مقموعة، تختنق لافتقارها إلى الأكسجين الذي يهبُه التماسّ العميق بالغيرية، بالآخر (الذي هو أيضًا «أنا» أخرى). حميميةٌ تعجز عن الانفتاح على الآخر لأنها تحتاج، وسط مجتمعٍ يعدو بلا لجام، إلى وصلاتٍ جديدة تُغذّي «أنا» لا تشبع إلا بالانفتاح الدائم على مستجدّاتٍ متعدّدةٍ تافهة؛ وهي مستجدّات تتزيّى بلباس التسلية البريئة، فيما هي تُفكّك في الخفاء نسيج المجتمع. ثم إنّ السرعة التي يجري بها عالمنا، في وجهها السياسي، تُفيد الدغمائيات من كل نوع. حين يبدو أنه لا وقت للتفكير، يُدفَع بنا إلى الاختيار بين وصفاتٍ وصيغٍ لا تتطلب صناعةً ذاتية. إنّ «افعلها سريعًا» (do it fast) يطوي في جوفه عبوديةً فكرية وعاطفية فادحة تنتفع منها الشعبوياتُ بمختلف أشكالها، وتنتفع منها الإمبراطوريات الاقتصادية. لذلك نحتاج إلى بطء التفكير كي نقف بوعيٍ كامل في حاضرنا؛ ويجب أن نعدّه جزءًا من ممارسة مسؤوليتنا الفردية والاجتماعية والمدنية.

ولكي نتدرّب على البطء، لا غنى عن دور التربية، بوصفها آليةً قادرة على مقاومة الأثر الهدّام والمُمزّق لهذا التسريع المعاصر المبرمج. الدماغ السريع لا يحسب عواقب أفعاله: يستجيب آليًّا ولا يتصرّف بمسؤولية. وفي المصطلح الفسيولوجي قد تقع ضُموراتٌ دماغية وظيفية تُفضي إلى قصورٍ في «التفكير البطيء»، فتمنعنا من استعادة القدرة على فعلٍ متأنٍّ موزون، وهو أمرٌ شديد الأهمية، مثلًا، في اتخاذ القرارات. وفي هذا السياق تُفعِّل القراءة عملياتٍ معرفية لازمة مثل الذاكرة والتركيز والخيال وتنشيط الوصلات العصبية، كما تبثّ قيمًا مثل الصبر والمهلة والفضول. إنّ إقصاء الكتب من التعليم معناه زرع بذرة العبودية الفكرية. ثم إن لذّة القراءة لا تقوم على قدرتنا على تشغيل انتباهنا فيما نقرأ فحسب، بل تقوم كذلك على تلك «السلبية الفاعلة» الغامضة التي نترك بها السطور تغمرنا. القراءة تُهيِّئ لحياةٍ أشدّ تركيزًا، أشدّ كثافةً وعمقًا وشغفًا. أشدّ وعيًا بذاتها. وأنا أوصي دائمًا - في المدرسة والجامعة - لترسيخ تجاربنا وتأملها: أن نقرأ، وأن نكتب أيضًا. أن نستعمل الكلمة. القراءة والكتابة تُطلقان آلياتٍ معرفية تُنمّي التمهّل والتفكير. القراءة والكتابة وعيٌ بالذات وبالعالم. وبالطبع، من منظورٍ تطوّري، التفكير السريع ضروري للبقاء؛ لكننا - لحسن الحظ - نريد (ونحتاج) أكثر من البقاء. عملياتنا الذهنية تتبدّل بسوء استعمال التكنولوجيا. نصير إلى خمولٍ ذهني؛ يتسكّع الدماغ، ونحيله صندوقَ تكرار. وكما كتبت الفيلسوفة ماريا ثامبرانو، فإننا ننزلق فوق الحياة بدل أن نمسك بصرامةٍ ورشدٍ زمام مسؤوليتنا. تقليص صبرنا المعرفي مرادفٌ لتسهيل عبوديتنا الفكرية والعاطفية.

المعركة الأصدق والأشدّ راهنيةً اليوم هدفُها القبض على انتباهنا: تشكيله وقولبته واحتكاره. وهذا وثيق الصلة بالإيقاع الذي نختار طبعه في حياتنا: كلما زادت السرعة، قلّ انتباهنا إلى العمليات والأنشطة التي نزاولها، وقلّة الانتباه تجعلنا دُمى رخوة، كسولة الإرادة، تُساق بما تتعرض له من مثيراتٍ متلاحقة. يكفي أن نتذكّر إلى أي حدّ سعوا إلى تسويق ما يسمّى «تعدّد المهام» (multitasking) بوصفه فضيلةً في العمل والوجود: أن نفعل كثيرًا دون أن نركز انتباهنا في شيءٍ واحد. وهذا - لنقلها صريحة - ليس إلا أن نسلّم فعلنا للتيه، لغيابٍ خطِر عن الوعي. لا ينبغي أن نخدع أنفسنا. هناك نوعٌ من الضجيج، يُنتج وجودًا متسارعًا مشتّتًا، مُخدَّرًا، بلا وقفة ولا معنى للاستقلال، لا يُسكَت ولا يُداوَى إلا بعيدًا عن شاشة. سأكرّرها مرةً أخرى: المعركة اليوم هي على انتباهنا. لذلك فإن التربية الجيدة - الغنية بالمضامين، النقدية في تعليم المواقف - يجب أن تُنمّي سؤالًا مؤلمًا: لمن نسمح أن يستولي على انتباهنا؟ من الضروري والعاجل استعادة البطء في عمليات الحياة. السرعة استراتيجيةٌ تُغرس لكي نستهلك - ولكي نُستهلك - على نحوٍ متواصلٍ محموم. والقراءة، في هذا الإيقاف للزمن، تكتسب دورًا أساسيًّا وأولويةً حاسمة.

لعلّ لهذا السبب يُخشى سياسيًّا، حتى اليوم، أثرُ الإنسانيات التربوي، وقد أُسيء إليها كثيرًا في المناهج: لأنها تدعونا إلى أن نصير سادة حريتنا، لأنها تُنمّي الخروج من التماثل، وتوقظ الفضول، وتتجنب عصاب العيش المقيّد بلحظة الحاضر، وتُطلّ بنا على آفاقٍ مشتركة وعامة، وتُبطّئ أزمنة الحياة، وتخفّف الشره الاستهلاكي، وتؤازر السعي إلى استرداد الانتباه، وتُغني العالم وتنوّعه، وتدفع إلى إنشاء روابط بين الأشخاص.

ربما كانت هذه هي الثورة التي نحتاجها: أن نمارس البطء، وأن نزرع العناية بالانتباه عبر تربيةٍ تجعل هاتين الممارستين في صلبها، محتميتين بالقراءة والكتابة. كي لا يبقى - كما كتبت سيمون فايل في «تأمّلات في الطاعةِ والحُرّيّة» - ذلك «الشعور بالعجز» لدى المواطنين، «أول نقطةٍ في سياسةٍ ماهرةٍ من سياسات السادة». إنّ أشكالًا فردية جديدة للعيش في الواقع ستستدعي أشكالًا جديدة للعلاقات: أكثر قيمةً ووعيًا والتزامًا. وهنا - ربما - لبُّ المسألة، الذي أشارت إليه فايل أيضًا في مقطعٍ من ثلاثينيات القرن العشرين: «لا يمكن أن يكون هناك تقدّمٌ اجتماعي، صغيرًا كان أو كبيرًا، ما لم تكن الضغوط من الأسفل قويةً بما يكفي لفرض شروطٍ جديدة على العلاقات الاجتماعية».

القراءة شكلٌ من أشكال العلاج، في معناها الاشتقاقي الأوسع (بوصفها شفاءً)، تُنقذنا من كثيرٍ من أدواء العصر. تُبطّئ التسارع الذي غمرت به حياتُنا، تُقوّي التركيز والانتباه، تُغذّي الخيال، وتُنمّي الأواصر الاجتماعية حين نريد أن نشارك ما قرأناه. القراءة ببطءٍ وبصوتٍ مرتفع تُداوي أمراضًا معاصرة كثيرة؛ وأولها العجلة. بل تجعل القراءة فعلًا ذي نَفَسٍ إيروتيكيٍّ عقليّ. وكم ندين للمعلمين والمعلمات الذين علّمونا - بذلك الصبر - أن نقرأ. ثم إن ما يفعله المعلمون الجيدون هو أن يعينوا على تعميق تلك الخبرة والإقامة فيها: سواء كانت معادلاتٍ رياضية، صيغًا فيزيائية، لوحةً فنية، أو نصًّا فلسفيًّا. وفوق ذلك كله، تمنحنا القراءة دوافعَ وأسبابًا للفعل، وللالتزام، كي لا نعيش مُخدَّرين. وأفضلُ تعليمٍ وأجدرُه بأن يُقدَّم في المدرسة والبيوت في سنّ مبكرة هو عادة القراءة. الكتابُ والقراءةُ - بوصفها فعلًا ملازمًا له - ركنٌ من أركان المقاومة في وجه طغيان فرط الاستثارة. لأن القراءة، في نهاية المطاف، وعلى الرغم مما يقال لنا، هي (نوعٌ من) القوّة.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق