أن تُنقِذَ ما لا يُنقَذ

 

كان بليز باسكال يقول إنّ للقلبِ أسبابًا تجهلها العقول. وإنّ التفكيرَ في الكتابة - في ماهيّتها، وفي عملياتها، وفي فجواتها الدقيقة، وفي مجسّاتها - هو تفكيرٌ في شيءٍ حيّ، نابض، نامٍ، وخطِر. خطِرٌ من وجوهٍ شتّى: خطِرٌ على من يكتب، إذ قد يسقط - لكثرة ما يُشرف على مهاوي النفس - في الهاوية؛ وخطِرٌ على من يقرأ، إذ قد يضلّ - لكثرة ما يتحوّل - في مسخه الخاصّ؛ وخطِرٌ على السلطة، كما تشهدُ مواقدُ لا تُحصى أُلقيت فيها الكتب؛ وخطِرٌ على الأخلاق، كما تُرينا الرقابة؛ خطِرٌ كالقلبِ وأسبابه.

بحثت الطّبيعةُ عن صيغةٍ قادرةٍ على إرضاء الجميع فوقع اختيارها على الموت. وكما كان متوقَّعًا، لم يكن للموت أن يُرضي أحدًا.

إميل سيوران، «اعترافات ولعنات».

حين أسألُ نفسي: لِمَ الكتابة؟ أحبّ أن أتخيّل أوديسيوس جالسًا على شاطئ البحر، على سواحل جزيرة الحورية كاليبسو، الإلهية بين الإلهات. معذَّبًا بأحزانٍ قاسية، يستهلكُ روحه بالدموع والزفرات والآلام، شاخصًا بعينيه إلى بونتوس العقيم، مُفيضًا بكاءً غزيرًا. ولِمَ يبكي أوديسيوس؟ إنّ أوديسيوس يبكي بكاءَ الإغريق، بكاءَ الإنسان القديم، بكاءَ الإنسان البدائي حين يكتشفُ أنّه فانٍ، وأنه مصنوعٌ من زمن، وأنّ زمنه ينتهي، وأنه كائنٌ محدود. يبكي أوديسيوس البكاء الذي يولّده الخوفُ من الموت، والخوفُ من النسيان.

الحيواناتُ أبديةٌ لأنها لا تملك وعيًا بأنها ليست كذلك. وفي لحظةٍ ما امتلكَ حيوانٌ وعيَ الزمن، فعرفَ أنّه مائت، فصار إنسانًا. والآن يخافُ ذلك الإنسان، ويرهبُ الموت، ويريدُ أن يقاومه؛ ومثلما يريدُ أن يحكم كلَّ شيءٍ في الطبيعة، يريدُ أن يحكمه هو أيضًا: أن يُدجّنه، أن يقهره، أن يغلبه. فيخترعُ «topos» (موضعًا/تيمةً)، ويبتدعُ جغرافيا للموت، مكانًا سيبلغُه حين يموت: هايدِس (hades) عند اليونان، والسماءَ والجحيمَ في المسيحية، أو الواحدَ والعشرين جحيمًا في تناسخ الأرواح في الهندوسية.

غير أنّ الموت يأتي حُبلى، ونسله النسيان. فيغدو لازمًا ألّا نُهزم الموت وحده، بل نغلبَ ابنَه أيضًا. وقد اكتشف الإغريق أنّ ذلك الثمرَ يُقهَر بالغناء، فكان الـ«Aedo» (الآيدو/المنشد) هو الموكَّل بهذه المهمة. هو الذي يهبُ الأبدية للناس، وهو الذي يجعلهم يدومون في الذاكرة، وهو الترياقُ ضدّ النسيان. ومع ذلك كان لا بدّ من اكتسابِ الاستحقاق. كان يجبُ أن يكون المرءُ جديرًا بأن يسكنَ نشيدَ الـ«المنشد»، ولن يبلغ ذلك المجدَ المنشود إلا قلّة. وحدهم الأبطال سيبقون في ذاكرة البشر، ويظفرون بالخلود. ثم جاء بعد الغناءِ فعلُ الكتابة، ولم يعد المطلوبُ تخليدَ الناس، بل تخليدَ الأحداث. فتكاثرت النُّصُبُ والأنصابُ والمسلاتُ التذكارية، التي أراد بها الملوكُ أن يخلّدوا انتصاراتهم.

يمكن، في شأن البلاد اليونانية والرومانية، أن نتحدّث عن 'حضارةٍ إبغرافية'… ففي المعابد، وفي المقابر، وعلى الساحات وشوارع المدينة، على امتداد الطرق، بل حتى 'في قلب الجبل، في الوحدة الكبرى'، كانت النقوشُ تتراكم، فتملأ العالمَ اليوناني-الروماني بجهدٍ استثنائي من التذكار والتخليد. وكانت الحجارة - وغالبًا الرخام - تُتخذ دعامةً لفائضٍ من الذاكرة. إنّ هذه 'الأرشيفات الحجرية' كانت تضيفُ إلى وظيفة الأرشيفات بالمعنى الدقيق طابعًا من العلانية، يُلحّ على الاستعراض وعلى الديمومة لتلك الذاكرة المنقوشة على الحجر والرخام.

جاك لوغوف، «،نِظام الذّاكرة».

ظهرت إذن طرائقُ أخرى للتخلّد. فالـ«المنشد» لا يتحدّث عن نفسه، بل عن غيره؛ غير أنّ هوميروس خلّد ديمودوكوس، وهو الذي كان أولَ من أنشد بطولاتِ أوديسيوس الإلهي. وهكذا خلّد هوميروس ديمودوكوس، وأوديسيوس، وخلّد نفسَه. ومنذ هوميروس لم تعد الحقيقةُ التاريخية للأفعال المنشودة هي التي تُكره الشعراء، بل رغبتُهم في البقاء، في ألّا يموتوا. ولذلك نكتبُ كي لا نموت.

إن كنتُ أقرأُ هذه العبارة، أو هذه الحكاية، أو هذه الكلمة بلذّة، فلأنها كُتبت بلذّة.

رولان بارت، «لذة النّص».

أحبّ أن أظنّ أنّنا نكتب لسببٍ عاطفيّ، لحاجةٍ إلى الإغواء.

تروي الأسطورةُ أنّ أفروديت، إذ أرادت الانتقامَ من هيليوس الذي فضح خيانتها أمام هيفاستوس، بعثت إلى ابنتها باسيفاي - زوجة الملك مينوس - ثورًا أبيضَ جميلًا، وأوقدت في قلبها رغبةً لا تُقاوَم في ذلك الحيوان. حاولت باسيفاي، وقد غلبها الشوق، ألفَ طريقةٍ لإغواء الثور دون جدوى. وأخيرًا، وقد سُحقت تحت وطأة تلك الشهوة المتعاظمة، توسّلت إلى ديدالوس، أعظمِ صنّاع كريت، أن يعينها بحيلةٍ ما. فصنع ديدالوس بقرةً خشبيةً عظيمةً جوفاء، تدخل فيها باسيفاي بقصدٍ واحد: أن تخدع الثور. وكانت المُحاكاةُ بالغَ الإقناع، حتى إنّ الثور لبّى مطالبها، فأشبعت باسيفاي رغبتها التي لا مردَّ لها. ومن ذلك الاقتران الغريب وُلد أستيريون، المينوتور، الذي كان يجب إطعامه لحمًا بشريًّا، وكان له نَهَمٌ لا يشبع.

وكما أنّ كلَّ إغواءٍ محفوفٌ بالخطر، ينبغي للكتابة أيضًا أن تكون كذلك. يجب أن تكون الكتابةُ مغامرةً، وأن يكون ثمة شيءٌ دائمًا على المحكّ، بحيث نكتبُ ونحن خائفون، كأنّ الخوفَ يتنفّس في قفانا. ويجب أن تكون ملتويةً كذلك؛ غير أنّ هذا الالتواء ليس شأنَ شكلٍ، بل شأنُ قوّة - إن شئتَ: شأنُ روح. فهي ملتويةٌ لأنها تُلاحق القارئ، تتعقّبه؛ ذلك القارئ الذي هو «الأنا الآخر» للكاتب. لذلك فالكاتبُ يظلّ على الدوام يلاحقُ نفسَه، ويُغوي نفسَه، ويتقصّى آثارَه في الآخر. وكلُّ كاتبٍ هو - بحكم البداهة - قارئ، ويعرفُ تمامًا، لأنه ذاقها، أعراضَ التجربة الجمالية التي تعنيها القراءة: الخوف، الارتجاف، القلق، اللذّة، المتعة. يشعر القارئ أنّه مُحاصَر، ومن ثمّ - على نحوٍ ما - مرغوبٌ فيه، بحيث ينبغي أن تكون علاقةُ الكاتب بالقارئ إمكانَ الاقتران، إن لم تكن الاقترانَ نفسَه. يبحث الكاتبُ عن نفسه في الآخر، ومثل باسيفاي ستستعمل ألفَ صنعةٍ وحيلةٍ لتُوهم موضوعَ رغبتها أنّها من الطبيعة نفسها. فكما قال بارت في «لذة النّص»: «ينبغي للنصّ الذي تكتبه أن يبرهن لي أنّه يرغبني. وهذه البرهنة موجودة: إنّها الكتابة. الكتابةُ هي هذا: علمُ لذّات اللغة، كاماسوترا (Kamasutra) اللغة (وليس لهذا العلم غيرُ كتابٍ واحد: هو الكتابة نفسها».

لا بدّ أن نكتبَ ما نريد أن نقرأ. ولذلك، حين يُسأل عن «القارئ المقصود»، ينبغي أن يكون الجواب دائمًا: أنا؛ القارئ المقصود هو أنا. وبهذا المعنى يمكن أن نرى أنّ رغبة الاقتران هي في النهاية رغبةٌ مع «شبيهٍ بي»، أو مع النفس ذاتها. وهنا نقع في خطرين: الأول - وهو الأشدُّ استحبابًا - أن يولد من هذا الاتحاد الغريب كائنٌ لا يشبع، يلتهم البشرَ ويتركهم يلتهمونه في الوقت نفسه؛ أمّا الخطرُ الثاني (وهو الذي يُرعبنا) فأن نموتَ مختنقين كَنَرسيس في انعكاسنا الخاص؛ إذ لا ريب أيضًا أنّنا - في أكثر الأحيان - لا نكتب كما نريد، بل كما نستطيع. وعند ذلك سيقول أورسون ويلز: «أسوأُ ما يكون: حين تنهي فصلًا ولا تُصفّق لك الآلةُ الكاتبة».

الإنسانُ إلهٌ حين يحلم، وشحّاذٌ حين يفكّر.

فريدريك هولدرلين، «هايبريون أو ناسك في اليونان».

أحبّ أن أظنّ أنّنا نكتب تمرّدًا: تمرّدًا على طغيان الواقع، ذلك الواقع الجافّ الذي يلطِمنا بحقيقتنا: تفاهتنا، عجزنا، هشاشتنا.

يرفض سيزيف أن يموت، ويخدع الموتَ مرتين؛ لكنه في النهاية يموت، ولكن هايدِس يحكَم عليه أن يدفع صخرةً هائلة إلى قمة جبلٍ شاهق؛ فإذا بلغها سقطت الصخرة، واضطر سيزيف إلى البدء من جديد إلى آخر الدهر. وبروميثيوس، الذي سرق النار من الآلهة ليمنحها للبشر، يُقيَّد إلى جبال القوقاز، حيث يلتهم نسرٌ هائل أحشاءه طوال الأبد. وأوديب، الذي عرف مصيره وأراد الفرار منه، كان فرارُه هو الذي مهّد للإنجاز الفاجع؛ فاكتشف في جسده حتميةَ القدر: خاتمةً لا رجعة فيها، لا مهرب منها.

إنّ إنسانَ زماننا، وارثَ الحداثة، أراد أن يتمرّد على الآلهة وعلى طغيانها؛ فقرّر أن يصير صانعَ أيّامه، وحِرَفيًّا وسيّدًا لمصيره. لكنه لم يفعل سوى أن استبدل طغيانًا بطغيان، ولا مناص له من أن يسقط تحت شمولية ظرفه؛ ذلك الظرفُ الذي يصنع الفرق بين أبناء الحظّ وأبناء الشقاء. لسنا أحرارًا كما نريد، ولا كما نظن. نحن ما ورثناه، مع قلّةٍ من إمكان الاختيار؛ نحن رهنُ التاريخ ورهنُ ظرفنا. قد يبدو أنّ هذا الظرفَ بالذات هو ما يمكننا أن نمارس عليه نوعًا من الحكم؛ غير أنّ طريقتنا في مواجهته وفي التفكير فيه، وقدرتنا أو رغبتنا في تغييره، هي أيضًا ممّا أُورثناه. ففي سنواتِ الحياة الأولى قد شُكّلنا وصُغنا، بحيث نكون - إلى حدّ بعيد - أثرًا أكثر من كوننا سببًا. وفي أغلب الأحيان نكون رهنَ قراراتٍ ليست قراراتنا، ولا تقع في أيدينا.

قد يكون الإغريق - مثلنا - قد رأوا آلهتهم كائناتٍ قاسية، لأن الحياةَ نفسها ممتلئة بالقسوة. غير أنّ هناك كونًا يمكننا فيه أن نكون غيرَ ما نحن، أو أن نكون أنفسنا حقًّا؛ يمكننا أن نعيش من جديد أو نغيّر الحياة؛ يمكننا أن نقرّر مصيرنا ومصير الآخرين. كونًا يمكننا فيه أن نخترع واقعاتٍ أفضل، وقد نخترع أيضًا واقعاتٍ أسوأ، ولكن وفق رغبتنا. وإذا اخترعنا واقعاتٍ موجعةً، مفعمةً بالرعب والفزع، استطعنا فيها أن نُشير إلى ما يؤلمنا في الواقع الذي نعيشه، ذلك الذي نقف أمامه عاجزين بلا حيلة ولا سند.

إنّ الكتابةَ تبديلٌ مؤقتٌ للأدوار، ننتقل فيه من كوننا مخلوقاتٍ إلى كوننا خالقين. إنها انتقامٌ من الآلهة، وصرخةُ استقلالٍ تُسقط - على نحوٍ مؤقت - ديكتاتورية تاريخنا. غير أنّه لا بدّ من معرفة هذا الكون لكي نستطيع عبوره. يلزمُ شيءٌ من الوعي باللغة إذا أردنا أن نطأ أرضًا أشدّ صلابة، وإن ظلّت تربةُ الإبداع موحلةً على الدوام.

الإبداعُ ليس شيئًا غيرَ فنّ التركيب والتوليف؛ وهو فعلُ إعادة الصنع وإعادة الخلق، ولكن في صيغةٍ مركّبة. كلُّ جديد، كلُّ اختراع، له سوابقُ وأصولٌ وتأثيرات. والإبداعُ بوصفه فعلًا بدئيًّا أوليًّا ليس مطلقًا. ولذلك، فمعرفةُ الخالق لمادته العملية (اللغة) وإحكامُه لها يزيدان احتمالاته التركيبية، وبالنتيجة يزيدان إمكاناته الإبداعية. غير أنّ هذا الإحكام - هذه المهارة، وهذا التحكم باللغة - لن يكون يومًا كاملًا؛ لأنّ اللغةَ مادّةٌ حيّة، ومن ثمّ فهي متحوّلة. فادّعاء السيطرة المطلقة ليس إلا ادّعاءً: رغبةً لا تُنال.

ولعلّ هذا هو المحرّك الذي يوقظ اندفاعَ الخالق؛ لأنّ هذه اللااستقرار يتحوّل أيضًا إلى دهشةٍ وإلى عثورٍ على غير المتوقع. ففي الإبداع يفاجئُ حاصلُ التجربة صانعَه؛ ومحصلةُ التركيب - وغالبًا ما تكون غريبة - وما قبل النتيجة من تعليقٍ وترقّب، وتشويق (suspense)، وما هو آتٍ: كلُّ ذلك هو ما يُغوي غالبًا من يكتب. يكتب دولوز وغوتاري، أنّ الكتابة لا علاقة لها بـ«الدلالة»، بل بالقياس، وبالرسم الخرائطي (cartography)، حتى لأقاليمَ آتية. وعلى ذلك سيقول غوستاف فلوبير: «أحبّوا الفن؛ فهو أقلُّ الأكاذيب كذبًا».

الأسبابُ مستورةٌ، أمّا الآثارُ فمكشوفةٌ لكلّ أحد.

أوفيد، «التحوّلات».

أحبّ أن أظنّ أنّنا نكتب في الخفاء، وأنّ المكتوب لا بدّ أن يُرفَع عنه السِّتْر لغايةٍ مخصوصة، أو ليُحدث أثرًا حاسمًا؛ كما كان حين وقع بيليروفون - سليلُ سيزيف - ضحيّةَ مكائد بريتو ملك إفيرة، إذ أرسله إلى بيت حميه، ملك ليكيا، ومعه لوحٌ نُقشت عليه إشاراتٌ مهلكة، تتضمّن أمرًا بقتل حاملها. وكان بيليروفون - من غير أن يدري - يحملُ أجلَه في يده، ويغدو رسولَ إعدامه.

وما نُقش على لوح بريتو لم يكن ليأخذ معنى إلا إذا كُشف ونُفِّذ. والكتابةُ التي تُشبه تلك الكتابة المشؤومة هي - وفوق ذلك - أندرُ الكتابات: كتابةُ السينما، أي السِّيناريو. إقليمُها إقليمُ الاغتصاب والاستلاب: ليست أدبًا محضًا، وليست سينما بعد. إنها، كما قال خورخي غولدنبرغ، «كتابةٌ مُعذَّبة»:

(...) كتابةٌ مُعذّبة، من حيث إنّ السيناريو إذا تمَّ واكتمل ولم يُصوَّر فيلمًا ظلّ كأنّه بلا منزلةٍ ولا صفة: هو هناك، مُعلَّقٌ في الهواء، يُتداوَل موضوعَ تفاوض، ويُتَّخذ موضوعَ تعليق، ويُستَهدَف بضغطٍ من مُنتِجٍ، أو من منحةٍ، أو من أيّ سببٍ كان؛ غير أنّه، إلى الآن، ليس شيئًا؛ أعني أنّه ليس بعدُ ذلك الذي - إن تحقّق - سيصير إليه، وهو فناؤه هو ذاته بوصفه سيناريو.

إنها كتابةٌ ذات طابعٍ شبحيّ، لها نزعةٌ انتحارية أو ميلٌ إلى تصفية الذات؛ كتابةٌ تريد أن تكفّ عن كونها كتابةً لكي تصير صورةً؛ تقيم في موضعٍ انتقاليّ، في إقليم الممكن، في نوعٍ من الكمون. والسيناريو كلمةٌ عابرة، تزولُ صفتُها حين تصير فيلمًا. فديمومتُها ليست فيها، بل فيما تتحوّل إليه. وذلك يُذكّرني بالكيمياء: هذا هو السيناريو بعينه - طموحُ الرصاص أن يصير ذهبًا.

ولمّا اخترتُ الكتابة لم تكن لي بيّنةٌ بكلّ ما قلتُه، إلا يقينًا واحدًا: أنّني لا أصلح لشيءٍ سواها. وعلى هذا النحو قد يُظنّ أنّ «الاختيار» لم يكن اختيارًا كاملًا، إذ بدا كأنه لا بديل له. واخترتُ على التحديد تلك الكتابة التي لا تريد أن تكون كذلك؛ اخترتُ ضربًا من تقمّص الأرواح هو السيناريو. غير أنّني - ولا سيّما حين أصير قارئًا لنفسي - أسأل: أفما كان يمكنني أن أسلك طريقًا آخر، تكون عاقبته أقلَّ خزيًا؟ لذلك كلّما كتبتُ فعلتُ ذلك بوصفه فعلًا خاصًّا حميمًا، إن شئتَ سرّيًّا، لا يكون القارئ فيه إلا أنا.

وقد يلامس الطموحُ حدَّ الادّعاء، أو الإفراط، أو الغرور؛ غير أنّني أتجرّأ - هنا والآن - في هذه الوحدة الخالصة التي لا ترصدني فيها عين، وأنا أواجه الصفحة البيضاء، ومعها عالمَ المخاوف والارتجافات، وأنا أكتب نفسي وأقرأ نفسي - أن أغتصب ما لا يُغتصب، وأن أكتب ما لا يُكتب، وأن أجعل - للحظةٍ - قولَ بورخيس قولي: «لا بدّ أن أصير أنا نفسي كتابةً».

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق