تعالَ نُخبّئُ الحياةَ في ظرف

قلَّما نجدُ من الكتابات ما يبلغُ من الحميميّة ما تبلغه الرسالة. فالخطابُ المكتوبُ وسيلةُ تواصلٍ يُنشئها كائنان حولَ وجودٍ مشترك، عبر ورقةٍ تحملُ في طيّاتها تجاربَ وأسرارًا وألغازًا وحقائق. وكتابةُ رسالةٍ هي انخراطٌ في طقسٍ ينهضُ فيه من الثقةِ والمودّةِ ما يدفعُ إلى إظهار ما نفكّر فيه، وما نشعرُ به، وما نخشاه.

غير أنّ هذه السنّوات الأخيرة قد انحسرَت أو - للأسف - ضاعت، بفعلِ تقدّمِ التقنياتِ الحديثة كالهاتف المحمول، والشبكات الاجتماعية، وسائرِ وسائلِ الاتصال الإلكترونيّة، التي بدّلت إلى الأبد معنى «الإنسانيّة الحميمة» التي كانت تُقيمُ عليها الناسُ علاقاتِهم؛ لا بسببِ البُعدِ فحسب، بل بسببِ الحاجةِ وقيمةِ أن تُقالَ الكلماتُ بحيث لا تُعرِّضُها الرِّياحُ للضياع، ولا تُعرّضُها الذاكرةُ الناقصة - وأحيانًا الخائنة - لتبخُّرِ أثرِها. إنّها كلماتٌ تُفكَّرُ وتُكتَبُ ابتغاءَ أن تبقى محفوظةً على الورق، لتكونَ دائمًا في متناولِ يدَي وقلبِ متلقّيها العزيز.

هناك مراسلاتٌ كثيرةٌ ذائعةُ الصيت، يُعجَبُ بها لجمالِها، أو عمقِها، أو لأهميّةِ طابعِها في فهمِ حياةِ هذا الشخصِ أو ذاك؛ ومن الطبيعيّ أن يجعلَ الكاتبُ المكرَّس للكتابة من هذا البابِ أحدَ بدائلِه البلاغيّة. وهكذا نجدُ رسائلَ كافكا إلى أبيه أو إلى مخطوباتِه؛ ورسائلَ جيمس جويس إلى حبِّه الوحيد نورا برنكل؛ وتلك الرسائلَ التي تعكسُ العلاقةَ العاصفةَ بين فيرلين ورامبو؛ وأمثلةً أخرى مشرّفة، لعلّ في عدادِها - وبالقدرِ نفسِه - الرسائلَ التي كتبها الشاعرُ التشيكي راينر ماريا ريلكه.

خلّفَ ريلكه مراسلاتٍ كثيرة: إلى صديقتِه وملهمتِه لو سالومي؛ وإلى حبِّ ربيعِه بنفنوتا؛ وإلى معلّمِه الموقّر النحّات أوغست رودان؛ وإلى المُجَلّى عنده ليف تولستوي؛ على سبيلِ ذكرِ قبضةٍ من جهاتِ اتّصالِه الرسائلي. غير أنّ الرسائلَ التي كتبها بين عامَي ١٩٠٢ و١٩٠٨ إلى الطالب العسكري والشاعر الشاب فرانتس كابّوس، والتي نشرها هذا الأخير بعد عشرين سنة من وفاة ريلكه، لعلّها أحقُّ ما يُعدُّ الأكثرَ تمثيلًا؛ إذ هي، بلا شكّ، نافذةٌ مفتوحةٌ على جوهرِ عملِه، ومُثُلِه الإنسانيّة، وروحانيّةِ كينونتِه، واحترامِه للموت، وعبادتِه للعزلة، وفوقَ ذلك كلّه معنى أن يكون المرءُ فنانًا وأن يعيشَ للشعر.

كان كابّوس طالبًا عسكريًّا في الأكاديمية ذاتِها التي انتمى إليها ريلكه قبل سنوات. وفي يومٍ ما كان الفتى كابّوس يقرأ كتابًا للشاعر، فإذا بكاهنِ الأكاديمية يفاجئُه. وما إن قلبَ صفحاتِ النصِّ الذي كان الشابُّ يقرؤه ورأى اسمَ مؤلّفِه، حتى هتف مبتسمًا هادئًا: «إذن فقد خرجَ لنا الطالبُ العسكري ريلكه شاعرًا!». وأفهمتْ هذه العبارةُ كابّوس أن كاتبَه المعجب به أقامَ في المدرسةِ نفسِها. فنشأتْ في قلبِ الشابّ مباغتةُ تماهٍ، وأحسَّ بدافعٍ إلى أن يكتبَ إلى ذلك الرجل الذي لا يعرفُه إلا عبر بيتين من الشعر، غيرَ أنّ عالمًا كاملًا كان يجمعُه به. ومن يدري كم مرّةٍ قلّبَ في ذهنِه إرسالَ الرسالة، وقد أرفقَ بها بعضَ قصائدَ بخطِّه. وانتظرَ بصبرٍ، وبأملٍ، جوابًا قد يأتي.

ولدهشتِه، جاءه في يومٍ عادي، بعد شهورٍ عدّة، خطابٌ لا مرسلَ له إلا الشاعر نفسُه، يحيّيه من باريس بعبارة «السيّد المحترم للغاية». وهكذا بدأتْ علاقةٌ امتدّت زمنًا، وكانت لا شكّ حاسمةً في حياةِ الشابّ الطامح إلى الشعر، ولِمَ لا؟ ربّما أيضًا في حياةِ ريلكه، إذ كان مراسِلُه الفتيُّ مرآةً مرتجعةً، حنينيّةً، لتلك الأيام بين البلوغِ والمراهقة في الأكاديمية العسكرية، حيثُ - مع كراهيتِه لها - حافظَ على سلوكٍ مناسبٍ وأداءٍ حسن، فيما كانت تعصفُ به رغبةُ أن يصيرَ مُنشدَ الصمت، شاعرًا. وهو ما كان يراه كذلك في الشابّ الذي يكاتبُه. ومنذ الرسالةِ الأولى، يُريِنا هذا المثالُ الإنسانيُّ «الإلهيُّ» المتواضعُ مسالكَ حياةٍ تُعاشُ لغايةٍ واحدة: أن نجعلَ منها عملًا فنّيًا، عبرَ حالتِنا الإنسانيّة الفانية، المُؤلمة، ولكنّها جديرةٌ وممتازة.

يفتتحُ ريلكه رسالتَه - وهو ما سيعودُ إليه في غيرِها - بالحديث عن جوهرِ الأعمالِ الفنّيّة. فيؤكّد استحالةَ الاقترابِ منها كلّيًّا، وسخفَ - بل والتباسَ - مقاربةِ العملِ الفنّي عبرَ لغةٍ نقديّة. وعلى العكس، يدعو ريلكه إلى التأمّلِ البسيط المباشر، وإلى أن ندعَ أنفسَنا تُدهشُها أسرارُها، الجميلةُ بقدرِ ما هي مُرعبة، وأن نعثرَ على انعكاسِنا داخلَ العملِ نفسِه، وصدى ما نحنُ عليه فيما نرى.

ويقارنُ ريلكه الحياةَ بالعملِ الفنّي، ويُبصرُ في كليهما شيئًا لا يُقال، يَفلتُ من كلِّ محاولةِ تمثيل، وفيه تقومُ بالذاتِ تلك الحقيقةُ التي ينبغي أن نكشفَها عبرَ إعجابِنا: «وما هو أعصى على التعبير من أيِّ شيءٍ آخر، الأعمالُ الفنّيّة: كائناتٌ مفعمةٌ بالسرِّ، حياتُها، إلى جانب حياتِنا، تمرُّ وتموتُ وتبقى…». فطلبُ رأيٍ أو نصيحةٍ أو كلمةٍ من خارجِنا، أبعدَ من كلماتِنا، خطأٌ؛ لأنّ ما ينبغي للأعمالِ الفنّيّة أن تُريَنا إيّاه لا يكمُنُ في الخارج، بل في الداخل. وبذلك لا تبقى للإنسانِ إمكانيةٌ واحدةٌ لفهمِ حياتِه، وهي العملُ الفنّي نفسُه: «أن تنفذَ إلى نفسِك، وأن تُفتّشَها».

كيف نُنجزُ هذا التفتيش؟ لا يكتفي الشاعرُ بأن يقترحَ الطريق، بل يوضّح أيضًا أنّها هيئةٌ ينبغي لكلِّ من يطمحُ إلى العيش - وإلى أن يعيشه بوصفِه فنانًا - أن يعودَ إليها مرّاتٍ لا تُحصى. صحيحٌ أنّ ريلكه يتناول في رسائلِه عملَ الكاتب وصناعةَ الشعر، غير أنّ هذه المبادئَ صالحةٌ بالقدرِ نفسِه لكلِّ دعوةٍ تتجهُ صوبَ الفن. وكأنّ هذا السفرَ الرسائلي يمكن أن يُسمّى «رسائل إلى الفنان الشاب»، بل «رسائل إلى الإنسانيّة».

ولا تُتاحُ هذه الرحلةُ الاستبطانيّة إلّا في صحبةِ العزلة، وفي قبولِ حالتِنا الهشّة العارضة على هذا العالم، حيثُ نحنُ محاطون بكثيرين، ومع ذلك - على نحوٍ لا مردّ له - وحدَنا، وليس لنا من ضمانٍ إلا أنّنا سنفنى، وكما يذكّر ريلكه في هذه الرسائل وفي أعمالٍ أخرى: «لكلّ إنسانٍ موتٌ عادل، كريم، مفصّلٌ على مقاسِه». فقبولُ الموت والعزلة عند ريلكه خطوتان جوهريّتان لبلوغِ قدرٍ من الانسجام مع الحياة، ومع الكونِ المعقّد الذي هي أسيرةٌ فيه. غير أنّ هذا الأسرَ ليس وضيعًا ولا كئيبًا، بل على العكس: إنّه فرصةٌ لبلوغِ أعظمِ اللذّات، ومنها الحقيقة والجمال والحبّ والطبيعة أو الألوهيّة؛ عناصرُ يرى ريلكه أنّها تختزنُ غايةَ كلِّ إنشادٍ شعريّ، والامتيازاتِ التي يمكنُ أن يطمحَ إليها كلُّ كائنٍ حيّ يشهدُ تاريخَ وجودِه.

إن بدا لك عيشُك اليوميّ فقيرًا، فلا تلُمْه. لُمْ نفسَك أنت، لأنّك لستَ شاعرًا بما يكفي لكي تكتشفَ ثراءه وتستجلبَه. فليسَ ثمّة فقرٌ عند روحٍ خَلّاقة. وليس ثمّة مكانٌ يلوحُ لها فقيرًا أو لا مباليًا. وحتى لو كنتَ في سجنٍ لا تسمحُ جدرانُه بأن يصلَ إليك أيُّ ضجيجٍ من ضجيجِ العالم، أفلا تبقى لك طفولتُك، تلك الثروةُ النفيسةُ المَلَكيّة، تلك حجرةُ كنوزِ الذكرى؟

رسالةُ ريلكه أوضحُ من أن تُشرح: كلُّ إنسانٍ مسؤولٌ عن أن يمنحَ معيشَه اليوميّ مضمونًا. وإن لم يكنْ مالكًا على التمامِ للأحداثِ التي تعترضُه، فهو مالكٌ لِلموقفِ الذي يعيشه بها، ولِلمبادرةِ التي يتهيّأ بها لاستخراجِ الأفضل من هذا الحدث أو ذاك، كي يكسو وجودَه بحكاياتٍ ستدخلُ في عمرِه وتستحيلُ جزءًا من ذاكرتِه، تلك الدعامةِ الأخرى لفرادتِنا التي نرجعُ إليها لنجدَ دافعًا وطمأنينة، أسبابًا للاستمرار أو دروسًا للعودة والتعلّم من جديد. ومهما تكن الهيئةُ التي تُعادُ بها صياغةُ هذه الذكرياتُ وتأثيرُها في شعورِنا وسلوكِنا، فنحنُ في النهاية مَن يقرّر أيَّها نستخدم وكيف نُدخله في يوميّاتِنا.

ثمّ بعد أن ينصحَ كابّوس بقراءةِ كتبٍ لا غنى عنها - أعمالِ ياكوبسن وحتى الكتاب المقدّس - يمضي في إعطائه درسًا ودودًا بلا ادّعاءِ معلميّة. ويبدو ريلكه جميلًا متواضعًا إلى حدٍّ يجعله يقول إنّه «لا يملكُ شيئًا يقوله عن كيف ينبغي أن نعيش»، كأنّ الأسئلةَ التي وجّهها إليه كابّوس كانت تُسألُ في الوقت نفسِه إلى ريلكه نفسِه، فيكتبُ جوابًا لروحِه، لا ليبتَّ نهائيًّا في أمرٍ ما، على صورةِ انعكاسٍ مُبهَم لذلك الطالب العسكري الذي يطمحُ أن يكونَ لا شاعرًا فحسب، بل رجلًا عظيمًا كعظمةِ مخاطَبِه.

ويهتمّ ريلكه في هذه الرسائل اهتمامًا بالغًا بضرورةِ الترحالِ إلى طلبِ مركزِنا: فضاءٍ شبهِ ميتافيزيقيّ يجبُ أن يطمحَ إلى العثورِ عليه كلُّ من يريدُ أن يصيرَ فنانًا، ثم إنسانًا، أي إنسانًا واعيًا بذاتِه. فمن هذا الإقليمِ الداخليّ الشخصانيِّ جدًّا تمنحُ الذاتيّةُ الهويّةَ لكلِّ عملٍ فنّي، وللحياةِ عمومًا.

وكان ريلكه على صلةٍ بأعمالِ نيتشه وفرويد، ويُلمَحُ في ردِّه على كابّوس، في الرسالةِ الرابعة، هذا الوجهان، فيما يتّصل بطلبِ الانسجام عبرَ الجوهرِ الخاصّ والفرادات. فليس للإنسان أن يلتقطَ سحرَ الكونِ المُتغلغل في كلّ شيء إلا إذا سارَ أبعدَ من المواضعِ التي تسمحُ له بها عقلانيّتُه (نيتشه). ومن جهةٍ أخرى يؤكّد: «إنّ لذّةَ الجنسِ الخاصّة انفعالٌ حسّيّ مثل مجرّد النظر»، وهي عبارةٌ تُذكّر بفرويد ورفاقِه حين يتناولون المتعة الإنسانيّة بوصفِها أمرًا عاديًّا شائعًا، ولكنّه قبلَ كلِّ شيء بالغُ الحميميّة، تتوسّطُه الذاتُ أكثرَ ممّا تتوسّطُه الحواسُّ نفسُها - وهي، على أيّ حال، خدّاعة. ومع ذلك، يجدرُ التنبيه إلى أنّ ريلكه يمضي أبعدَ من العبقريَّين المذكورَين؛ فهو، أكثرَ من فلسفةٍ شعريّة أو سيكولوجيا رومانسيّة، «شِعرٌ خالص»، تكثيفُ الكلمةِ ذاتِها في راءٍ مسَّه برقُ أبولو، وليس له من رسالةٍ سوى أن يُنشدَ وينقلَ ما لا ينطفئ في الكون: الموت، الحب، الرّب، الملائكة، الطبيعة...

وبعد عذوبتِه المرثويّة لروما واستحضاره جمالَ الأطلال الحنينيّة، يتركُ لنا في الرسالةِ السادسة المؤرّخة في ٢٣ ديسمبر ١٩٠٣ أن نرى - مرّةً أخرى - أرقَّ تواضعِه وأصدقَه، فيُعبّر لكابّوس عن التعاطفِ الذي يشعرُ به، لا لكونِه شابًا طالبًا عسكريًّا بعيدًا من أهلِه فحسب، بل من أجل حياتِه أيضًا: لكونِه في تمامِ وجودِه، مثله، وحيدًا حائرًا، ومع ذلك أمامَه الكثيرُ ممّا يفعل ويكتشف، وتاريخٌ وكونٌ ينبغي أن يصيرا مستقبلَه.

وفي هذه الرسالةِ نفسِها يظهرُ أحدُ المنعطفاتِ الخطابيّة الأشدِّ أثرًا في مراسلاتِه مع الطالب العسكري، كما في أعمالِ ريلكه عمومًا: صورةُ الرّب بوصفِه كائنًا يتجاوزُ الفهمَ لا الشعور، جوهرًا لا يُودَعُ إلا في حيّزِ التأمّل والعزلة والاستغراقِ غيرِ المُشترِط في الذات. وإلهُ ريلكه يشتركُ بسماتٍ مع إلهِ باسكال أو إلهِ سبينوزا، المُتصوَّر بوصفِه جوهرًا تنبثقُ منه كلُّ جدليّةٍ ومصادفةٍ وعلّيّة: إنّه الطبيعةُ وراءَ الطبيعة.

ألا ترى كيف إنّ كلَّ ما يحدثُ هو دائمًا بدءٌ؟ أفلا يمكنُ أن يكونَ هذا مبدأَه، إذ إنّ كلَّ بدءٍ جميلٌ في ذاته؟ وإذا كان هو الأكملَ، أفلا ينبغي أن يسبقه بالضرورة شيءٌ أقلُّ عظمةً، ليختارَ هو كينونتَه الخاصّة من بين الامتلاء والوفرة؟ ألا ينبغي أن يكونَ الأخيرَ لكي يَجمعَ كلَّ شيءٍ في نفسِه؟ وما معنى وجودِنا لو أنّ مَن نشتاقُ إليه كان قد كان أصلًا؟

العزلةُ كيانٌ ريلكيٌّ أصيل، يُستنشَق كأنه بخارٌ لطيف، غيرَ أنّ أثرَه بالغُ الأهميّة في كلِّ أعمالِ الشاعر. وهذه الرسائلُ تقرّبه من شابٍّ يشتركُ معه في الاهتمامات، فيشعرُ نحوه بالأخوّة: أخٌ محتاج - كما كان هو يومًا - إلى العون؛ كائنٌ تحت رحمةِ الكون.

ويظهرُ ريلكه كذلك مُستبصِرًا. ففي الرسالةِ السابعة، مثلًا، يتحدّث عن مستقبلِ الحبّ وتمكينِ المرأة، حين يُشيرُ إلى النسويّة الوليدة التي بدأَتْ تُشمُّ رائحتُها في أوروبا، وكانت من أبرزِ الناطقاتِ بها مُستودَعُه ورفيقةُ حبِّه لو سالومي، أو صديقتُه المقرّبة ماري بونابارت. ويؤكّد ريلكه أنّ الرجلَ سيخشى هذا التموضعَ الجديد للمرأة، لكنّه في النهاية ضروريٌّ ولا مفرَّ منه، ليتمَّ «حبّ الإنسان للإنسان، لا حبّ الذكر للأنثى». وهذا الأخيرُ ليس عند ريلكه حبًّا، بل ضربٌ من الأعرافِ التي يكرّرها كثيرون على عَمى، يلتمسون بها شيئًا من معنى لحياتِهم. على أنّ ريلكه يوضّح أنّه لا شيء أعبثُ من ذلك، لأنّ الحبّ في جوهرِه أبلغُ الأمورِ حميميّةً، وغايته الأولى أن يتذوّتَ، أن يكون مختلفًا فريدًا. رابطًا إنسانيًّا لا يُعاد بين كائنَين التقيا ليتشاركا عزلتَيهما، ويُجلّلا ما في روحِ كلٍّ منهما من إلهيّ. لذلك ينصحُ ريلكه الشبانَ ألّا يُبكّروا في الحبّ، وأن يحاولوا أن يجدوا أنفسَهم قليلًا في باطنيّتهم، في مقامِهم المُقيم، قبل أن يَتجاوزوا إلى الآخر/الأخرى، بواسطةِ الحبّ ذاته.

ومن السويد يكتبُ ريلكه رسالتَه المؤرّخة في ١٢ أغسطس ١٩٠٤. وهذه الرسالةُ من أعمقِ عشرِ رسائلَ يضمّها الكتاب؛ وفيها لا يسعى الشاعر - كما يبيّن لمخاطَبِه - إلى أن يواسيه «عن أحزانِه الكثيرة التي لا بدّ أنها شديدة، وعن قلقِه»، بل إلى أن يشرحَ له كم هي مهمّةٌ للنموّ ومعرفةِ الذات، وكم يكونُ نافعًا أن نلوذَ بصمتٍ كامل في أحضانِها، لنحوّلَ ما يبدو في بدايتِه مُريبًا إلى شيءٍ سامٍ. فبعد كلِّ شيء، إذا كان الجميلُ بدايةَ الرهيب، أفلا يكونُ المُخيفُ مجردَ خطوةٍ نحو الجليل؟ ذلك الجليلُ الكامنُ فينا، الذي لا يَطهُرُ إلا بتجاوزِ مخاوفِنا وذُنوبِنا وضغائنِنا، ينبغي أن يُنال عبرَ قبولِ الشريرِ والوضيع بوصفِهما عنصرَين ملازمَين للوجود، ومن ثم عنصرَين ضروريَّين لصيرورةِ كلِّ إنسان.

ويرى الشاعرُ أنّه من سوءِ السلوك، كما تفعلُ المجتمعات، أن نُدينَ الحزنَ والعزلةَ والفقرَ والقلق، ونلقيَ بها في صندوقِ المشؤوم والوضيع. بل على العكس، يعدّها ريلكه مقدّسةً، جديرةً بنوعٍ من العبادةِ الشخصيّة، لأنّ فيها أيضًا سرًّا يختبئ، لا يُكشَف إلا في لحظةٍ بعينِها، مثلما حالُ بطلِ «الحُفرة والبَندول»، قصّةِ بو التي يُشيرُ إليها ريلكه.

كلّما عرفنا أن نكونَ أشدَّ صمتًا، وأشدَّ صبرًا وصدقًا في حزنِنا، كان الجديدُ أعمقَ وأرسخَ دخولًا فينا. وكان أقدرَ على أن يصيرَ لنا، وبشدّةٍ أكبر، قدرَنا الخاصّ.

إنّه الرابع من نوفمبر ١٩٠٤. وما يزال ريلكه في السويد، حيثُ يكتبُ الرسالةَ التاسعة إلى الطالب العسكري كابّوس. وهي - وإن كانت قصيرة - تعودُ على بعضِ الاعتباراتِ التي ورّثها «المعلّم» لـ«التلميذ» خلال عامَين من مراسلاتِهما. ومن ذلك اليقينُ بأنّ ما يستحقُّ العيشَ إنّما هو الشاقُّ والصعب؛ وأنّ ما نفعله بجهدٍ وشغفٍ وحدَه يتركُ فينا آثارًا باقية، تُشكّلُ طبعَنا وتمنحُ وجودَنا مادةً ومعنًى. فكلُّ تجربةٍ تستحقُّ أن تُعاش وتُحَسّ وتُتأمَّل، متى كان الإنسانُ مستعدًّا لأن يجتهد في الاقتراب من السرِّ الذي تُخفيه، وأن يُدخِلَه إلى باطنِه، ليقتربَ بهذا من سلامٍ داخليّ لا يخافُ الموت، ومن انسجامٍ مع الكون. ولأجلِ ذلك ينصحُه ريلكه بالشكّ، ولكن أن يكونَ شكًّا محمولًا على الحبّ، تربيةً وبناءً للذات. وفي ختامِ الرسالة يعترفُ ريلكه لصديقِه أنّه هو نفسُه ما يزال يسلكُ ذلك الطريق، يطلبُ تلك الغاية، ويشكُّ لينمو.

ثم يعودُ ريلكه إلى باريس، فيكتبُ رسالتَه الأخيرة. إنّه يومٌ يلي عيدَ الميلاد. ومن غيرِ أن يدري ربّما أنّها ستكونُ آخرَ رسالةٍ يكتبُها إلى الطالب العسكري الشاب، يغتنمُ الفرصة ليخبرَه بمدى سعادته لأنّه أفاده في اختيارِ مستقبلِه وفي الاهتداءِ في العالم، وفي كيفيّة احتمالِ الحياة. ويخلصُ ريلكه إلى أنّ الفنَّ طريقةُ عيش، ولا يعني بالضرورة أن نجعله جزءًا من مهنةٍ أو دعوةٍ تُدرجه في تقنيةٍ أو مدرسة. إنّ الفنَّ حرفةٌ يمكنُ أن تسكنَ أيَّ حرفةٍ أخرى. وريلكه سعيدٌ لأنّ صديقَه، الشاعرَ الشاب كابّوس، قد أدركَ ذلك.

وبكلماتٍ قليلة: إنّي لفرحٌ، فرحٌ لأنّك نجوتَ من الخطرِ الذي يمثّله السقوطُ في كلِّ ذلك، وأنّك تعيشُ الآن في أيِّ مكانٍ كان، وحيدًا وشجاعًا وسطَ واقعٍ خشن. ليتَ العامَ القادمَ يستطيعُ أن يُقيمَك فيه ويُثبّتَك!

وهكذا يودّعُ ريلكه، بمحبّةٍ شفّافةٍ أخويّةٍ أقصى ما يمكن أن يشعرَ بها فانٍ تجاه فانٍ آخر، كفيرجيل يُفلتُ يدَي دانتي وقد أحسَّه آمنًا وعلى الطريقِ القويم.

إنّ هذا الأثرَ الرسائليّ النفيس، «رسائل إلى شاعرٍ شاب»، بلا ريبٍ دليلٌ للحياة، ولا سيّما في أيّامِنا. فقد صار الحبُّ، والعلاقاتُ الإنسانيّة، والتفكّرُ، والتأمّلُ الجماليّ أمورًا هزيلةً، تبدو مهمّةً ولكنّها في الغالب جوفاء، مبتذلة، تفتقرُ إلى معنى راسخ، كما يشيرُ عالمُ الاجتماع زيغمونت باومان في غيرِ نصٍّ له. وفي عصرٍ تتهيّأ لنا فيه كلُّ الأدواتِ والموادِّ القريبة من أيدينا لتسكينِ القلقِ والتوتّرِ والألمِ والحزنِ لحظاتٍ، يقولُ لنا ريلكه بصوتٍ يكادُ يكون نبوئيًّا: «لا تخافوا تلك المشاعرَ المشؤومة الداكنة؛ بل على العكس، احتضنوها واجعلوها لكم، بالقدرِ نفسِه من التجرّد الذي نرفعُ به ما يملؤنا بهجة؛ لأنّ في الفاجع أيضًا شيئًا نفيسًا خفيًّا، محفوظًا لكلّ امرئٍ في ساعتِه الأشدّ صمتًا أو ليلتِه الأشدّ عتمة». ويقدّم ريلكه بكلماتِه إلى كابّوس جملةً من الاستراتيجياتِ والمبادئ الصالحة لاحتمالِ «الضيق الثقافيّ» في أيّ عصر: دليلًا أمينًا للعثورِ على الذات. فهذه الرسائلُ ليست للشعراء، ولا للفنّانين، ولا لكابّوس… إنّها رسائلُ مُؤبَّدةٌ موروثةٌ للبشرية كلِّها، نافعةٌ لكلِّ إنسان «مفرِطٍ في إنسانيّته». وذلك أنّه، كما يقول الشاعر:

دع الحياةَ تفعلُ ما تشاء. صدّقني: للحياةِ حقّ. دائمًا، وفي كلِّ حال.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق