أليخاندرا بيثارنيك

الأنا هو آخر.

آرثر رامبو، «رسالة الرّائي».

لا ترضَ بأن تعاني ازدواجَ شخصيةٍ ما دمتَ تستطيع أن تتنعّم بثلاثيةٍ.

سانتي بالمس.

أليخاندرا بيثارنيك، شاعرةٌ ومترجمةٌ أرجنتينية، كانت من أكثر كاتبات القرن الماضي غموضًا وتمردًا. وقد عُدَّت أعمالُها - المشدودةُ شدًّا يكاد لا ينفصم إلى حياتها - عند القرّاء والنقّاد موضوعَ «عبادةٍ» أدبية. ويُنظَر إليها بوصفها «شاعرةً ملعونةً» جديدةً على طراز كتّابٍ مثل شارل بودلير وبول فيرلين، لما اقترن بسيرتها من عذابٍ، وولعٍ بموضوعاتٍ كالموت، ثم انتحارِها سنة ١٩٧٢، ولم تتجاوز السادسةَ والثلاثين من عمرها. وقد جعل هوسُها بالكلمة يدفعها إلى الكتابة في سنٍّ مبكرة جدًا، فخلّفت - على قِصَر حياتها - إرثًا مقلقًا مركّبًا، لا يجيء فيه التفصيلُ الصغيرُ عاريًا من الدلالة.

ومن أبرز ما يعترض قارئَ بيثارنيك: صعوبةُ الوصل بينه وبين كلماتها؛ إذ إننا - في الغالب - نفتّش في النص عمّا نتماهى معه، عمّن يكتب أو عمّن يُوصَف، وبعبارةٍ جامعة: أن نلبس جلدَ الآخر. غير أنّ التعرّفَ إلى الذات في شعرها، أو تثبيتَ منظورٍ بعينه، ليس بالأمر الهيّن. تستعمل أليخاندرا تعدّدَ الأصوات لأن شهادتَها الواحدة لا تكفي للتعبير عمّا تريد قوله. إنها تتفتّت، ومن كلّ شظيّةٍ تُطلِق صوتًا؛ فتغدو مهمةُ القارئ أن يعيد تركيب الكلّ - والكلّ هنا هو هويةُ الشاعرة - انطلاقًا من الفتات الذي تقدّمه «أناواتُها البديلة» (alter-egos). إنّ تبديلَ المناظير الذي تقترحه الكتابةُ البيثارنيكية على نحوٍ متواصل، يفضي بنا إلى درسِ انشطار الذوات، بما ييسّر على القارئ أن يهتدي إلى بؤرةٍ سرديةٍ تمكّنه من فهم خطابٍ تعدّديٍّ لدى الكاتبة. أي إننا أمام ضربٍ من أحجيةٍ/تركيبٍ لا بدّ فيها من إدراك سبب الانكسار أولًا، ثم تحليل طيفِ المستويات الواسع الذي تتجلّى منه المؤلفة، وغايته أن يُفهم معناها فهمًا كلّيًا.

ولكي يُتناوَل الموضوع تناولًا مُحكمًا، سيُنظَّم المقال ضمن ثلاثة محاور كبرى: أوّلها السببيّة، مع إيلاء عنايةٍ خاصة لثلاث نقاط مفصلية ذات طابعٍ سيريّ/ذاتي: ارتباكُ الهويات الناجم عن كونها أجنبيةً وتدنّي تقديرها لذاتها؛ ومرجعياتُها الأدبية وتبنّيها أسلوبًا خاصًا بها؛ ثم افتتانُها بالتحليل النفسي وصلتها الوثيقة به في أدبها. ثم يُعالج - من منظورٍ نظري - أبرزُ وسيلتين اعتمدتهما في تصوير اغتراب الجسديّة داخل الكتابة: الصياغةُ الضميرية، والمنظورُ ما بعد الموت. كذلك ستُشرح الرموزُ المتكررة في «رقصة الأقنعة» التي هي كتابتها: المرآةُ والظل. وأخيرًا سيُحلَّل بالتفصيل ثلاثُ قصائد دالّة على الموضوع الذي نعالجه، وتُستخلص الخلاصاتُ اللازمة.

يستحيل الاقتراب من شعر شاعرةٍ مثل بيثارنيك وفهمه دون معرفةٍ بسيرتها. فما يسهل فصلُه عند غيرها، يصير عندها إمّا بالغَ التعقيد، وإمّا شبهَ مستحيل. إنّ خلقَها الأدبي موصولٌ بتجاربها الحياتية، وقد أظهرت هي نفسها مرارًا رغبتَها في أن تجعل مرورَها في العالم فعلًا شعريًا، وفي الوقت نفسه أن تكون أعمالُها مرآةً لحياتها الخاصة. وتُبرز سيلفيا بارون سوبيرفييل هذا الالتحامَ الذي لا ينفصم بين العام (العمل) والسرّي (الحياة) لدى الشاعرة بقولها: «كلّما تقدّمنا في قراءة نصوصها، لم نستطع إلا أن نستشعر أنّها - كي تُحيي عملَها - قد حكمت على نفسها بمخرجٍ وحيد: أن تُضحّي، في المقابل، بحياتها نفسها».

لقد وسمت الشقوقُ حياتها منذ الطفولة، وكان تباينُ الأنوار والظلال الذي يمكن تبصّره من صباها إلى شبابها تربةً خصبةً لشخصيةٍ مطبوعةٍ بالثنائيات. ولا سبيل إلى الاقتراب من ذلك «الكلّ» المؤلَّف من الأضداد - وهو بيثارنيك ذاتُها - إلا بالإصغاء إلى ظلال نفسِها ومناطقِها المضيئة، وهي كانت واعيةً بذلك كما تشير في قصيدتها «الكثافة»:

كنتُ منبعَ الشقاق،

وسيدةَ النشاز،

وطفلةَ التنافرِ الخشن.

كنتُ أنفتحُ وأنغلقُ بإيقاعٍ

حيوانيٍّ بالغِ النقاء.

ولتناول تفتّت الكتابة البيثارنيكية، لا بدّ من الانطلاق من ثلاث ركائز: بحثُها الدائب عن معرفة الذات، والتأثيراتُ الأدبية التي طبعت أسلوبَها، واهتمامُها بدور اللاوعي في أعمالها. ومن هذه الأسس وحدها يمكن نزعُ الأقنعة عن كلّ صوتٍ وفهمُ بحثِها المتصل عبر تعددية الـ«أنا». هكذا تكشف كريستينا بينيا الأمر حين تتساءل: «أَسننتهي إلى القول إنّ - في حالة أليخاندرا - الصفاءَ الشعري والكمالَ التعبيري لا يُنالان إلا بثمنِ اغتيالِ الـ'أنا' في 'طقوس العيش'؟».

كما توضّح بينيا في التحليلات التي خصّت بها الشاعرة، ينبغي إبرازُ واقعتين مهمتين من طفولتها تركتا أثرًا عميقًا في نتاجها اللاحق. أولاهما هويّتُها الأجنبية؛ إذ لا ينبغي أن ننسى أنّ أليخاندرا كانت من أصولٍ يهودية-روسية، وأنّ والديها هاجرا إلى الأرجنتين فرارًا من النازية وستالين والحرب العالمية الثانية. وهذا يفسّر الصيغةَ الأصيلة للقبها «بوجارنيك» (Pozharnik)، التي حُرّفت - بحسب سيزار آيرا - بسبب «خطأٍ في تسجيل موظفي الهجرة، لأنهم حين وصلوا حديثًا كانوا بالكاد يتكلمون الإسبانية». وهكذا سُجّل «البوجارنيك» باسم «بيثارنيك» (Pizarnik)، ولم تكن أليخاندرا في الأصل أليخاندرا، بل فلورا. ويُضاف إلى ذلك أنّ أهلها كانوا ينادونها بكنيةٍ حانية: بوما أو بلوما (Buma/Bluma)، بينما كانت في المدرسة اليهودية تُدعى بليمله (Blímele). وفي شبابها ستتخذ لنفسها اسم أليخاندرا.

قد يبدو هذا للوهلة الأولى مجردَ تشابكٍ اسميّ، لكنه يكشف بحثًا وسواسيًا عن الـ«أنا». فالتسميةُ منحٌ للكيان لواقعٍ مُلتبسٍ أو مجردٍ أو غير ملموس؛ ومع أنّ كتابتها أبعد ما تكون عن التعيين الصلد، فإنّ القارئ يلحظ فيها حاجةً لا تهدأ إلى تعريف نفسها، وإلى العثور عليها، وإلى معرفة من تكون؛ لأن «حين يكون لشيء - حتى للعدم - اسمٌ، يبدو أقلَّ عداءً». ودالٌّ على ذلك قصيدتها المعنونة «اسمٌ واحد»، الواردة في ديوانها «البراءة الأخيرة»:

أليخاندرا أليخاندرا

تحتَها أنا

أليخاندرا

إنها في هذه الأبيات تنادي نفسها، وتكرّر اسمها تكرارَ من يرقي ذاته، كأنها تريد أن تتيقّن من حضورها. أما الجانب الثاني الحاسم في حياة بيثارنيك فكان المقارنةَ الدائمة التي فُرضت عليها بأختها الكبرى مريم (Myriam) من قِبل أمّها. كانت مريم رشيقةً شقراء جميلةً أنيقة، تمثّل نموذجًا كان والداها يثنيان عليه، ولم تكن الشاعرة لتجد فيه موضعًا لها. أمّا أليخاندرا، فعلى العكس، فقد عانت منذ طفولتها الربوَ، وحبَّ الشباب، ومشكلاتِ التأتأة، بل وتقلباتٍ في الوزن صعودًا وهبوطًا أفضت إلى إدراكٍ جسديٍّ مدمّر لذاتها، وزادت طينَ تدنّي ثقتِها بنفسها بِلّةً.

وكان الشبابُ عند أليخاندرا لحظةَ الانطلاق في طلب هويتها وتعريفها. وعلى الرغم من نشازها مع نفسها، تُرى فيها حاجةٌ لا تنقطع إلى الاعتراف بها. وفي هذه المرحلة بدأ يلوح طابعُها الفوضويّ المتناقض، وهو ما انعكس لاحقًا في كتابتها عبر عددٍ لا يحصى من «الأناوات البديلة»، وأصواتٍ كثيرةٍ تسكن «أنا» واحدة. كان كلُّ شيءٍ فيها مزدوجًا، لكلّ شيءٍ نقيضُه وانعكاسُه، ولذلك سيغدو رمزُ المرآة ثابتًا دائمًا في كتابتها. وهكذا تكشف نفسها ككائنٍ مختلف، يجد راحته في الفوضى والتقلّب، في الهوامش والأطراف، وفي إرادته أن يكون غيرَ ما هو؛ فعرّفت نفسها بأنها «الفتاة الغريبة»، «الطفلة المشاكسة/المُحرِّضة» (l'enfant terrible)، والمرأةُ المتمرّدة: شاذّةٌ، غريبةُ الأطوار، مُقلقة.

ولا نصل إلى هذه القطبية التي سنعود إليها لاحقًا من خلال وقائعها وحدها؛ إذ إنّ التفكيرَ المزدوج الذي نما فيها تدريجيًا كان أيضًا ثمرةَ مرجعياتها الأدبية والفلسفية. فهي تكتب في مقالها «الفعل المتجسّد»:

إنّ تأكيد هولدرلين أنّ 'الشعر لعبةٌ خطِرة' يجد معادله الواقعي في تضحياتٍ مشهورة: عذاب بودلير، وانتحار نرفال، وصمت رامبو المبكر، والحضور الغامض الخاطف للوتريامون، وحياة أرتو وأعماله… إنّ هؤلاء الشعراء، وقلةً غيرهم، يجمع بينهم أنهم ألغَوا - أو أرادوا أن يُلغوا - المسافةَ التي تُلزمُ المجتمعُ بإقامتها بين الشعر والحياة.

لقد ساقها افتتانُها بالأدب إلى قراءة كبار الكتّاب في الرمزية والعبث والسريالية والوجودية، مثل أرتو، ورامبو، وبودلير، وفوكنر، وسارتر، ولوتريامون، وباتاي، وبالطبع أندريه بريتون، الذي كتبت عنه في يومياتها: «دَيني لـ(أ. ب.) لا يُحكى. لعلّه ذلك الذي لم يعلّمني شيئًا، ومع ذلك فهو الذي أثّر فيّ أكثر من سواه». وقد قادها تقليدُ هذه الكتابات، بعد موتها، إلى أن تُعدَّ «شاعرةً ملعونةً» جديدة. ولم تكتفِ بدور القارئة؛ بل شرعت في الكتابة منذ فتوّتها مدفوعةً بإصرارها على التميّز، وبلوغ النجاح والصيت. وتدلّ على ذلك مذكرةٌ من يومياتها بتاريخ ١١ نوفمبر ١٩٥٥:

أخشى أن تكون رغبتي في الكتابة ليست إلا وسائلَ لبلوغ الغاية المرجوّة: النجاح، المجد، الإيمان بنفسي. وقد تكون أيضًا أعذارًا، لأنني لا أدرس 'بجدّ'، لأنني لا أعيش 'بجدّ'. وقد يكون كذلك أنني - إذ شحّت قدرتي على التعبير الشفهي - ألجأ إلى الورق كي لا أختنق، فأبصق نارَ قلقي.

شيئًا فشيئًا امتلأت نصوصُها بهواجس أدبية، وغلب عليها الحُلْميّ، والموت، ونرجسيةٌ عميقة، وبحثٌ عن الهوية. وهذه الموضوعات، مقرونةً بهوسها المتواصل بتصفية اللغة وصقلها، جعلت الكلمات نفسها تتحول إلى جدار: فكلُّ لفظٍ تختاره يغدو قاصرًا، وعذابًا، أمام تعدد زوايا النظر وطموحها الجمالي. ويُرى فيها جوعُ تعريفٍ يدفعها إلى تبديل الصوت كي تعبّر عن جميع احتمالات رؤيتها للداخل والخارج؛ ولذلك ينبغي دراستُها على ضوء التغاير الذي يسكنها. إنّ عجزَ الكلمة عن احتواء عالمها يجرّها حتمًا إلى مساءلة الألفاظ والوقائع التي تسميها، وإلى الصمت نتيجةَ افتقاد الدقة التي كانت تطلبها. ويتجلّى ذلك في قصيدتها «في هذه الليلة، في هذا العالم»، الواردة في «الأغاني الصغيرة»:

بين ما يمكن قوله وهو يساوي الكذب

(كلُّ ما يمكن قوله كذبٌ)

الباقي صمتٌ/ غير أنّ الصمت لا وجود له. لا

الكلمات

لا تصنع الحبّ

إنما تصنع الغياب

إن قلتُ ماءً، أأشرب؟

إن قلتُ خبزًا، أآكل؟

كما أنّ علاقاتِها وسلوكَها داخلها قطعٌ أساسية من هذا اللغز، وأحدُ الأسس التي صاغت شخصيتها. ومن ذلك صداقتُها مع خوليو كورتاثار، الذي كانت تؤكد له غير مرة أنها «لا ماغا» (La Maga). وقد كتب لها - خوفًا من انتحارها - رسالةً مؤثّرةً بتاريخ ٩ سبتمبر ١٩٧١ يدعوها فيها إلى الحياة، وختمها بهذه الكلمات: «لا أقبلك إلا حيّة، لا أريدك إلا أليخاندرا». وحين بلغه موتُها رثاها بقصيدة «هنا أليخاندرا» وفيها: «مخلوقٌ هنا، هنا في وجه هذا، ملتصقةٌ بالكلمات، أناديكِ». ومن أصدقائها الكبار أيضًا أوكتافيو باث، الذي وصف كتابتَها في المقدمة الشهيرة لديوان «شجرة ديانا»: «تبلورٌ لفظيٌّ بتمازج سُهادٍ عاطفيٍّ وصفاءٍ ظهيريٍّ في ذوبانِ واقعٍ خضع لأعلى درجات الحرارة. والنتيجة لا تحتوي ذرّةً واحدةً من كذب».

لم تكفّ أليخاندرا عن أن تكون فتاةً خجولةً صامتةً، مطاردةً بأشباحٍ كثيرة؛ لكنها في المجتمع كانت تتقدّم بوصفها امرأةً متمرّدة، متحرّرة، لعوبةً، جريئةً حسّية، تنجذب إلى النساء كما تنجذب إلى الرجال. وبسحرها الخاص تحوّلت إلى مؤدّية/عارضة (performer)، تعرف كيف تغيّر قواعد اللعبة في كلّ موقف.

كتبت بيثارنيك سنة ١٩٧١ قصيدةً مقلِقةً وهي نَزيلةُ مستشفى بيروفانو للأمراض النفسية (Pirovano)، عنوانُها «قاعةُ السيكوباثولوجيا»، وجاء فيها:

لكي أجتمعَ بـ'المعي' من 'معي'، وأكونَ كيانًا واحدًا بعينه معه، ينبغي أن أقتلَ 'المعي' كي يموتَ - عندئذ - 'المع'، وبهذا، إذ تُمحى الأضداد، تنتهي الجدليّةُ المتضرّعةُ في اندماجِ الأضداد.

وليس بمستغرَبٍ - بعد طفولةٍ صادمةٍ ضائعةٍ كانت تعود إليها على نحوٍ متكرر في نصوصها، وفيها اكتشفت ذاتَها بوصفها مختلفة - وبعد شبابٍ، كما تُحسن تينا سواريث روخاس تعريفَه، وُسِم بذائقةٍ تميل إلى كُتّاب التدمير الذاتي، أن تُطوّر بيثارنيك موقفًا «بوفاريًّا» (bovarism)، أفضى إلى انجذابٍ مَرَضيٍّ نحو الإفراط: هوسٍ بوزن الجسد، وشغفٍ جامح بالأدب، وتعلّقٍ وسواسي بالكلمات، وبحثٍ دائم عن الهوية. وقد اكتسب إدراكُها لجسدها معنىً طبيًا حين أخذت المنشّطاتُ تتعاظم في يوميّاتها: «وقد تذكّر أحدهم أنها كانت تشير دائمًا إلى بيت أليخاندرا بوصفه 'الصيدلية' لما كان يفيضُ به صندوقُ أدويتِها من عقاقيرَ نفسية، وباربيتورات، وأمفيتامينات».

وهنا ينبغي إبرازُ مقام التحليل النفسي في حياتها؛ إذ إن طفولةً مضطربة، وشبابًا مُفرِطًا، وإدمانًا للأدوية - كلُّ ذلك يصنع عناصرَ مثاليةً لانسياب اللاوعي. ونعلم أن الشاعرة بدأت مبكرًا حضور جلسات علاجٍ عند المحلّل النفسي ليون أوستروف (Leon Ostrov)، الذي أقامت معه علاقة، وأهدته كتابها «البراءة الأخيرة». كما أهدته قصيدة «الاستيقاظ»، حيث نقرأ هذه الأبيات:

أن أتأمّلَ كلَّ واحدٍ من أسمائي،

مشنوقًا في العدم.

وقد أثار أوستروف في الشاعرة اهتمامًا بذلك المزج الذي يقترحه التحليل النفسي بين اللاشعور والأدب، فاستثمرت أليخاندرا الجلسات لا لتهدئة أشباحها، واستعادةِ تقديرها لذاتها، وتخفيفِ شعورها بالضيق فحسب، بل اتخذتها أيضًا تدريبًا شعريًا. وهي نفسها تهدي هذه الكلمات لأبي هذا العلم سيغموند فرويد، في «قاعة السيكوباثولوجيا»: «لأنّ - يا سيغموند فرويد العجوز الجميل - العِلم التحليليّ النفسيّ نسي المفتاحَ في مكانٍ ما: يَفتح يَفتح، ولكن كيف نُغلِق الجُرح؟».

إن أليخاندرا، شأنُها شأنُ السرياليين، كانت تعملُ على الحُلْميّ واللاشعور؛ وما الكتابةُ إلا مرشِّحٌ تخرجُ عبره أفكارُها العميقة إلى الضوء. وقد كان التحليل النفسي أداةً للبحث عن شفاءٍ لروحها المعذّبة. وكان فرويد يرى أنّ العمل الفني ذو أصلٍ قريبٍ من أصل الأحلام، مؤمنًا إيمانًا راسخًا بالصلة بين الحُلْميّ وصناعة الإبداع؛ ومن ثَمّ «فالأدب - بحسبه - يكون إحدى الصور المُهذّبة التي يمكن أن يتسرّب عبرها اللاوعي». وفي شأن الرؤية الفرويدية يعلّق بورديو بما يأتي:

إنّ العمل الأدبي سيكون - وفق المنظار الفرويدي - حصيلةَ سلسلةٍ من التمثّلات منشؤُها واقعٌ نفسيٌّ لا يُدرَك مباشرة، ولا يمكن إكسابُه معنىً إلا عبر انحرافاتٍ متعاقبة. وهكذا تخرجُ من اللاوعي نزعاتٌ (pulsiones) تحاول العبورَ إلى الوعي، فيراقبها الوعي أو يكبتها. ثم تظهر في أحلامٍ، أو أشباحٍ، أو صورٍ، فإذا جرى تهذيبُها وإعادةُ صوغها، أنتجت النصَّ الأدبي.

وعلى هذا، فإنّ الخلقَ الشعريّ الحقّ هو ما يكشف شقاءَ الـ«أنا»، سواءٌ في الكفّ أو في التوق والاندفاع نحو تقويض الأنا نفسها؛ وبعبارة فرويد، فهو قادرٌ على أن يُريَ في النص ذاته أنّ «الـ'أنا' قد كفّت عن الحكم في بيتها».

ومن ثمّ، يبلبل اللاوعيُ التوافقَ بين ما يُسمّى ومعناه، فيُلزم القارئ أن يتجاوز ظاهرَ اللفظ كي يبلغَ التأويلَ التام للكلمات. ومن خلال الأدب تحاول بيثارنيك «تقييس» مادتها الكيميرية التي تُشوّهها النفسُ عند خروجها إلى الخارج؛ ولذلك تُنجز مقصدَها عبر تفكيك الذوات. وهذا يجعل الكلمات قابلةً لأن تُفهَم على نحوٍ مغايرٍ تمامًا لما تُريد قوله حقًا، كما نقرأ في قصيدتها «الكلمة التي تشفي»: «كلُّ كلمةٍ تقول ما تقول، وفوق ذلك تقول المزيدَ وشيئًا آخر».

وتتجسّد نظريات لاكان في عمل الشاعرة: فلاوعيُها يسبّبُ تفتّتَ الذات، ويغدو الصمتُ الشكلَ الوحيد لوحدة شخصياتها كلّها. ومن هنا كان المسكوتُ عنه بالغَ الحضور في أعمالها؛ لأنه عندها الموضعُ المثاليّ: موضعُ الراحة، وما يحرّرها من بحثٍ لا ينتهي. إنّ استحالةَ العثور على مكانٍ يأويها ويحميها تدفعها إلى الانشطار، وإلى اتخاذ أشكالٍ شتّى، وإلى أن تصيرَ تعدديةً، كما نرى في هذا المقطع من «اقتلاع حجر الجنون»:

تشتهين أن تكوني أخرى.

والأخرى التي أنتِها تشتهي أن تكون أخرى.

وهكذا تنكسرُ الذاتُ الشعرية، مُفتّتًا أناها حتى فوضى الأصوات والأصداء التي تقتحم أدبَها. وهي نفسها تقول في يومياتها: «أنا مُفتّتةٌ على نحوٍ شاذّ. ولذلك قصائدي الصغيرة». ويُرى ذلك جليًا في شذراتٍ من قصائدها: «يريدون أن يُدخِلوا الليلَ عليّ، سيميتونني، أعِنّي ألا أطلبَ العون»؛ أو «لا أستطيع أن أتكلّم بصوتي، بل بأصواتي». وعلى هذا النحو يفيض فكرُها في كتاباتها، حتى نستطيع أن نستخرج منها سيرةً مواربةً؛ أي حياةً تُروى بانسجامٍ، تكون فيها الوقائعُ مهمّةً بقدر ما تكون طريقةُ روايتها. ويغدو التحليل النفسي قناةً بين الفكر والحدث، والأداةَ الوحيدة التي تمكّننا من التمييز بين المثالي والواقعيّ الكامنَين تحت حروفها.

في كلِّ عملٍ نجد ذاتًا مُنْشِئةً تُعير صوتَها لكي يُحكى شيء. وقد استبطن القارئُ شبكةً من العلاقات، على هيئة «مواثيقَ تخييلية»، بين كيانٍ راوٍ، وحياةٍ لها حكاية، وجسدٍ له كلمة. أمّا في عمل أليخاندرا بيثارنيك فإن هذا الميثاق ينكسر: يذوب «أناها»، مُظهرًا في كلّ لحظةٍ أشكالًا ووجوهًا وأصواتًا شتى، حتى يصير النصّ رقصةَ أقنعةٍ مكتملة. إن الذات في شعريتها في تحوّلٍ دائم، لا مصادفةً، بل طريقًا للبحث والفرار معًا. وإن عجزَها عن بلوغ لغةٍ تنقل تلك الحقيقة يدفعُ ذواتها إلى حالة «استحلاب/استحلابيّة»، ويدفعُ بيثارنيك نفسها إلى الموت. أي إنها تتبدّد في «أناوات» أخرى؛ فهي ليست فردًا بل تعدّد، وهوياتُها «الأجنبية» متباعدةٌ فيما بينها إلى حدّ أنها - مع كونها أجزاءً من وحدةٍ واحدة - تبقى متمايزةً تمايزًا بيّنًا، بل قد تتناقض أحيانًا. وفي ذلك تكتب في يومياتها بتاريخ ١٤ نوفمبر ١٩٦٤: «وذلك الحلمُ بالقاتلة والضحية. كنتُ أنا الاثنتين. إذا أنقذتِ الضحية فعليكِ أن تقتلي القاتلة».

في كتابة بيثارنيك تذوب المنطقية، وتتراجع أعرافُ اللغة. ووفق بيدرو لاسترا «فإن تحوّل الذات لا ينفصل عن تحوّل كلمتها»؛ كما يحدّد نزعَ الجسد بوصفه «انتقالاتٍ للكلمة، وانشطاراتٍ تفضح محاولةً مفارِقةً لتشخيص المتكلّم» ولهذا اكتسبت العناصرُ السيرية تلك الأهمية في عملها. وبحسب داثا (Daza) فإن كلّ شخصيةٍ تتخذها هي في آنٍ واحد «خطُّ فرار» و«أناوات بديلة» للمؤلفة. ويُلحظ أنها لا تكون وحدها قط، لأنها ليست واحدة؛ فهي تعترف بتعدّد «أناوات» مُنْشِئةٍ داخلها:

أنا وحيدةٌ وأكتب.

لا، لست وحيدة.

ثمة أحدٌ هنا يرتجف.

ويمكن تناول موضوع «القرين/المثنّى» في شعريتها من زوايا كثيرة، غير أنّ هذا العمل سيركّز على اثنتين: إعادةُ تعريف الذوات، وخبرةُ ما بعد الموت، مع إبراز المرآة والظل بوصفهما شعارين في نتاجها.

يقوم «الميثاق الغنائي» على افتراض أنّ الذات التي تتكلم ليست ملزَمةً أن يكون لها مُقابِلٌ واقعي؛ بل قد تظهر بوصفها تلفيقًا خياليًا للـ«أنا». وهذا المفهوم يُفهم بوصفه «قرينًا/مزدوجًا» يزعزع إدراك «وحدة الهوية»، فيشوّه فكرة الذات الواحدة. وتستدعي إسكوبار نظرية جيفكوفيتش لتؤكد أنّ استخدام القرين قد فُسِّر عبر نظرياتٍ متصلة بالتعالي، وبالاضطرابات النفسية، وبالمفاهيم التي تُخفيها المجتمعات الحديثة لأنها تهدم التكوينات المهيمنة. وبعبارتها: «القرين، سواءٌ أكان تجسّدًا خارجيًا شبيهًا، أم كان جانبًا نفسيًا منشقًا، يُحدثُ اضطرابًا في إدراك نوعٍ من فرادة الهوية، ويُظهر ما هو مختلفٌ عن الذات».

وتقرّر النظريةُ اللسانية أنّ المتكلم إذا قال «أنا» سمّى ذاتَ المتكلّم، وأشار إلى «أنا» لا تتكلم إلا عن نفسها. وعلى النقيض، إذا استُعملت «أنت» سُمِّيتَ المخاطَبَ الذي لا بدّ أن يُعيّنه «أنا». أمّا «هو/هي» فتُسند إليه بنفنيست (Benveniste)  وظيفةَ «اللّا-شخص». وفي شعر بيثارنيك نجد تأويلًا جديدًا للضمائر الشخصية، تُمنَح فيه صورةَ «المجموعة الخالية»، بما يسمح لها أن تستولي على وظائف لا تخصّها. ويعود بنا مرةً أخرى نصّ «في هذه الليلة، في هذا العالم» مثالًا واضحًا لهذا الانخلاع: «شخصي الأول مجروح، شخصي الأول المفرد». فهي تتكلم عن الـ«أنا» من داخل الـ«أنا»، لكنها تُحيله كأنها تتكلم عن «هو».

وتُبنى قضاياُ التعرف إلى شخصية القرين بالنظر إلى ثلاثة حقولٍ أو محاور مترابطة، كما تُقرّر ماتيلدا بيلين إسكوبار: «الهوية (ego)، والزمان (hic)، والمكان (nunc). وهذه كلّها في شعر أليخاندرا تتعرّض لاضطرابٍ متواصل. وبهذا تنفصل الـ«أنا» عن نفسها وتفتح الباب لمشاركة أصواتٍ وتفاعلها. إن أليخاندرا تُقدّم نفسها، ثم تُلقيها، ثم تستدعيها، ثم تهبها، وتُقيم حواراتٍ مع «أخريات» هنّ هي وليسَتْ هي: «قفزتُ منّي إلى الفجر، تركتُ جسدي عند الضوء، وغنّيتُ حزنَ ما يولد». وتستعين إسكوبار بصورة «الماتريوشكا» لتفسير كيفية اشتغال الشخصيات البيثارنيكية؛ غير أنّ الصورة تبقى - على ذلك - قاصرةً، لأن أليخاندرا لا تكتفي بسلسلة هوياتٍ أضعف داخل هويةٍ أقوى، بل تنظر أيضًا إلى نفسها من العتبات، كأنها شخصٌ أجنبيّ خارجيّ يراقبها.

ولا يقتصر أثرُ هذا «القرين» على رقص الضمائر والمناظير، بل ينعكس كذلك في أحد الموضوعات المتكررة في كتابة الشاعرة: الموت. فها هنا ضدّان مطلقان: الحياة والموت، تُطمَس بينهما الحدود. ويبلغ نزعُ الشخصنة حدًا يجعل الذات قادرةً على اتخاذ منظورٍ بعديّ داخل الشعر، وعلى تقبّل الطريق المأساوي إلى الانتحار: «الانتحار امتلاكُ تلك البصيرة القصوى التي تسمح بالاعتراف بأنّ الأسوأ يحدث الآن هنا». وبفضل انقسام الـ«أنا» تستطيع أليخاندرا تجاوز الحدّ بين الحياة والموت، فتكتب عن نفسها من منظورِ جثتها، كما نرى في قصيدة «من الضفة الأخرى:

أنهضُ من جثتي

حاذرةً ألا أدوسَ ابتسامتي الميتة

أمضي للقاء الشمس.

وبحسب باتريسيا فِنتي: «إنها تعترف بأن تجربة الشعر هي تجربةُ ما بعد الموت، إذ لا يتأسس القصيد بوصفه إحياءً نصّيًا للـ'أنا' الغائبة إلا عبر الفعل التخريبيّ العنيف: أن تكتب كأنها تكتب من جسدها الميت». وعلى هذا، فشعر بيثارنيك لا يرمي إلى التفكيك وحده - كما قد يوهمنا تعدد الأصوات - بل ينشد أيضًا سبيلًا لتجسيد «الضفة الأخرى». إنه تحوّلٌ دائم قادرٌ على خرق القواعد الأدبية كلها دون أن يُفلتَ منه المعنى. والجسديّة - على الدوام - بيتٌ متحوّل، ورفضُ الهوية الخطية بحثٌ لا ينقطع، يفرّ ويعود إلى نفسه باستمرار. ويتجلّى هذا الخرق في الحكمة رقم XV من «طرائق المرآة»:

لذّةُ الضياع في الصورة المُحَسّة سلفًا.

أنا نهضتُ من جثتي،

أنا ذهبتُ أفتّش عمّن أكون.

حاجّةٌ إلى نفسي، مضيتُ

نحو التي تنام في بلدٍ للريح.

يرى موضوعُ القرين في شعر الكاتبة - بحسب كارولينا ديبِتريس - نزاعًا يتصل بديناميةٍ انعكاسية؛ أي إن أليخاندرا تقترح عبر الانكسار/الانحراف الضوئي «أن يكون الكائنُ هو الآخر، وأن يكون الآخرُ هو الكائن». ولأجل ذلك تستعين برمزين شعريين يُحيلان، بطبيعتهما، إلى العلاقة التكافلية بين الكائن والآخر: المرآة والظل. فكلاهما يولّد ارتدادًا في الأصوات، غير أنّ الناتج هنا ليس حوارًا بين شخصيات، بل صدى. تتحدث أليخاندرا مع انعكاسها كأنه امتدادٌ منها، ومع ظلّها بوصفه شخصًا ثالثًا داخل هويتها؛ أي إنها تقابل الـ«أنا» الفرويدي؛ وتقابل المرآةُ «أنت»؛ ويُسنَد إلى الظل ضميرُ «هو/هي».

ويرتبط الحضورُ المتكرر للمرآة - مرةً أخرى - بالبحث؛ فهي الشيء الذي يحرّض خصومةَ الـ«أنا» لتجد جوابًا عن سؤال «من أنا؟» الذي يتردد في جميع كتاباتها. تبحث أليخاندرا بين «الاسمية المتعددة» (Heteronyms) عن «الحقيقيّ». والمرآة - إذًا - تُمكّن حركةَ ذهابٍ وإيابٍ بينها وبين «الأخرى» التي هي، فتخلق فضاءَ مقايضةٍ بين الكائن والمظهر. وقد قالت في مقابلة: « - مَن ترين فيهم [المرايا]؟ - الأخرى التي أكونها (في الحقيقة، لديّ شيءٌ من الخوف من المرايا). أحيانًا نلتقي. وغالبًا ما يحدث ذلك حين أكتب».

ويصير حوارُ المرآة - إذ ذاك - نقلًا لا ينقطع بين الجسد وانعكاسه: «ينادونني من الغرفة الأقرب، ومن الجانب الآخر لجميع المرايا». تتحوّل «أنت» إلى «أنا»، و«أنا» إلى «أنت»: تذبذبٌ بين الالتحام والانقلاب، تُقيم ثنائيةً بين الواقعيّ والظاهريّ، وبين الإيجابيّ والسلبيّ: «ما وراءَ أيّ منطقةٍ محرّمةٍ مرآةٌ لشفافيتنا الحزينة». تكشف المرآةُ الكائنَ وتُقلبه في انعكاسه. وحين تكشفه تتيح بلوغ الذات عبر الغريب. كما أنّ الانعكاس يُنشئ حيّزًا للتواصل، للهرب من الجسد والعودة إلى الهوية. أي إن داخل «الأنا» الشاملة حوارًا بين الشخصين الأول والثاني، وتقوم المرآة مقامَ بوابة دخولٍ وخروجٍ للكائن. وهي تتعرّف نفسها في انعكاسها، لكنها - في الوقت عينه - ترجو أن تعثر على ثالثةٍ أجنبيةٍ عنها، كما نرى في البيت السادس عشر من «طرائق المرآة»:

حين نظرتُ إلى مَن كان ينتظرني

لم أرَ غيرَ نفسي.

وهذه الصورة - إضافةً إلى كونها فضاءً بحثيًا في الأدب - تتجاوز إلى حياة المؤلفة. وكما تقدّم: «كلُّ كلمةٍ تقول ما تقول وفوق ذلك تقول المزيد وشيئًا آخر»، فلا ينحصر معنى المرآة في ما سبق. إن مراقبةَ انعكاس الذات على نحوٍ متواصل، وذلك الاهتمامَ الجوهريّ الذي تُبديه أليخاندرا تجاه شخصها، وهوسَها بخلق نسخٍ من «أناها»، يدفعنا إلى الظنّ بنوعٍ من اضطرابٍ نرجسيّ يُلزمها أن تفحص ذاتها بلا انقطاع. وهي تقول في قصيدة «حلمٌ يكون فيه الصمتُ ذهبًا»: «لقد عرفتُ حبّاتٍ كثيرة - قلتُ - لكن أجملَها كان حبّي للمرايا».  بل إن عملها، في الحقيقة، متاهةُ مرايا، كلُّ صورةٍ فيها انعكاسُ انعكاس. ومثالُ ذلك شغفُها بالكاتبة فالنتين بنروز (Valentine Penrose)، التي افتتنت بدورها بإرشيبيت باثوري (Erzsébet Báthory)، الأرستقراطية الهنغارية من القرن الرابع عشر المشهورة بارتكاب جرائمَ كثيرة مرتبطةٍ بهوسها بالجمال، وكانت بيثارنيك تشعر نحوها بشيءٍ من التماهي. وقد سحرتها «القاتلة» إلى حدّ دفَعها إلى كتابة ضربٍ من مقال/محاولةٍ، انطلاقًا من عمل بنروز، بعنوان «الكونتيسة الدامية»، حيث تحتل المرآة مقامًا محوريًا. وفي فصل «مرآة المالنخوليا»، نقرأ: «…كانت تعيش أمام مرآتها العظيمة المُظلمة، المرآة الشهيرة التي كانت قد صمّمت نموذجها بنفسها… وكانت مريحةً إلى حدّ أنّ لها نتوءاتٍ يُسنَد إليها الذراعان بحيث يمكن البقاء ساعاتٍ طويلة أمامها دون إرهاق». إنّ افتتانَها بشخصٍ قادر على التحديق في انعكاسه هذا التحديق، يدلّ على انجذابها إلى ذاتها، حتى إنها تصف الروحَ الكئيبة للكونتيسة بأنها «رواقٌ صامت من الأصداء والمرايا». وهكذا تتابع بنروز في عملها كله الروحَ النرجسية لإرشيبيت، غير أنّ بيثارنيك هي التي تجمعُ وتُشدّد على قيمة هذا الرمز.

أمّا الظل فهو شعارٌ آخر متكرر. وهنا يحمل الرمز دلالةً أشدّ إقلاقًا، لأنّه - بوصفه «هويةً مُغتصِبة»، ويسمّى أيضًا «القرينُ المهدِّد» - يملأ الفراغات التي تتركها بقيةُ «الأناوات». إنها نزعةٌ «مصّاصية» تتشابه مع هيئةٍ شبحية للضمير الثالث. ويعرّف ستويشيتا (Stoichita) الظلَّ بقوله: «إذ يظهر بوصفه شيئًا وهو لا يكون شيئًا، يشبه الظلُّ شبحًا، ويتحرك على محور الغياب/الحضور: "غيابُ الجسد/حضورُ إسقاطه».

ومن ثمّ يكون الظلّ في شعر بيثارنيك خصمَها المعتم. ففي قصيدة «الكينونة/الوجود» الواردة في «اقتلاع حجر الجنون»، تُستعملُ الظلال للحديث عن وَحشيّة الكائن، وعن رُعب الـ«أنا»: «تراقبين من هذه الغرفة حيث ظلُّكِ المخيف هو ظلُّكِ أنتِ». ومثالٌ آخر على الرعب المقيم في الـ«أنا» نجده في «العطش وحده»، القصيدة الثالثة من «شجرة ديانا»، حيث تقول: «احذري مني يا حبيبتي، احذري من الصامتة في الصحراء، من المسافرة ذات الكأس الفارغ، ومن ظلِّ ظلِّها». وبحسب ديبِتريس: «تبلغ بيثارنيك، في مسارها، تشابكًا فُصاميًا بين نفسها والآخر، يتحدد بانسيابٍ لا ينكسر نحو التفكك ونحو الائتلاف، نحو التوافق ونحو التنافر».

وخلاصةُ القول: إن هذين الرمزين البيثارنيكيين - المرآة والظل - وهما صورتان من صور الاستنساخ/الازدواج، يُعدّان كذلك صورتين «مُوحِشتين»: مسالكَ يخرج عبرها المقلقُ في الكائن إلى الضوء، كاشفًا التباس العلاقة بين المنعكِس والمرآة، وبين الإسقاط والظل. وهذه الطبيعة المُهدِّدة للفرد، وما يبعثه من اضطراب، هو ما سمّاه التحليلُ النفسي Unheimlich في مقابلة Heimlich وقد تحدثت هي عن تلك الجهة الشبحية التي تسكن كيانها بهذه الطريقة: «إن مضامين خياليّتي شديدةُ التفتّت، شديدةُ الانفصال عن الواقعي، حتى إني أخشى - في النهاية - ألا ألدَ إلا مسوخًا». ففي كلا الشعارين لا تتطابق الـ«أنا» مع نفسها، وتستثمر بيثارنيك هذا اللاتطابق كي تنشطر، وفي الوقت ذاته تمارس تلك الجمالية الساديّة التي تُميّز عملها.

ويمكن العثور على أمثلة كثيرة تربط هذه الرمزية البيثارنيكية بمفهوم Unheimlich. ففي «الكونتيسة الدامية» تبدو صلة المرآة بالمُوحِش واضحة: «لأنّ لا أحدَ أشدَّ ظمأً إلى التراب، والدم، والجنسيةِ المتوحشة من تلك الكائنات التي تسكن المرايا الباردة». كما تبدو أمثلة الظلّ واضحةً في قصيدة «منفى»:

هذيانٌ موحش أن تحبَّ ظلًّا.

الظلُّ لا يموت.

وحبّي

لا يعانق إلا ما يسيل

كحممٍ من الجحيم:

رواقٌ صامت،

أشباحٌ في تأهبٍ حلو،

كهنةٌ من زَبَد، وفوق كلّ شيءٍ ملائكة،

ملائكةٌ جميلةٌ كالسكاكين

ترتفع في الليل

وتُخرِّب الرجاء.

يُعدّ ديوان «شجرة ديانا»، المنشور سنة ١٩٦٢ والمُصدَّر بمقدمةٍ لأوكتافيو باث، واحدًا من أكثر دواوين الشاعرة احتفاءً. وهو مؤلّفٌ من شذراتٍ قصيرة، وهي السمة التي تقوم عليها فتنتُه وصعوبتُه معًا: فكل مقطعٍ يعكس قدرةً مُذهلة على التكثيف، إذ - على إيجازه - ينطوي على عمقٍ ورهافةٍ يجعلان كلَّ قطعةٍ فريدة. وفي شأن انقسام الكائن، وبوصفه مثالًا نموذجيًا لجملةٍ من موضوعات المخيال البيثارنيكي، تبرز القصيدة رقم ١٣:

أشرحُ بكلماتِ هذا العالم

أن سفينةً غادرتني حاملةً إيّاي.

في هذه القصيدة يمكن تلمّس أليخاندرا من زوايا متعددة: إنها تخرج من ذاتها وتهرب من شخصها. وهنا تستغني عن وسم «أناواتها» بالضمائر المقابلة، كما جرى تحليلُه في الأقسام السابقة. وتقيم بيثارنيك ثلاثةَ مستويات: في الأول تكون هي - هنا والآن - وهو ما يقابل الـ«الأنا الأعلى»؛ ومن تلك الذات الأولى الحاوية لكلّ ما سواها تنفصل ذاتٌ ثانيةٌ تهرب من نفسها، ممثِّلةً البحثَ عن شخصيتِها وعدمَ رضاها عن هويتها؛ ثم إنّ داخل هذه الشخصية الهاربة المتروكة يظهر «أنا بديلة» آخر «راكبًا خلسةً»، أكثرَ خضوعًا وأقلَّ قوة، يترك نفسَه للقيادة. وبهذا تنشطر لتُقيم بنيةً أشبه بصناديقَ داخل صناديق، حيث تحتوي كلُّ شخصيةٍ على أخرى.

ومن زاوية التحليل النفسي، تحاول - في لحظة صفاء - أن تفهم نفسها، وأن يستنتج الآخرون تصوّرها لذاتها، إذ لا يقدر على فهم ما تختبره إلا حسٌّ مرهف مثل حسّها. وفي هذا السعي إلى تعريف نفسها تصطدم بحاجز اللغة: فالألفاظُ المألوفة قاصرة عن قول ما تريد قوله؛ ولذلك لا يُستوفى معنى القصيدة إلا بفكّ شفرتها كما لو كانت لغةً ميتة. ولافتٌ أن القصيدة - مع امتلائها بذواتٍ مختلفة - تقول وحدةً لا نهائية تُولّدها سوءُ الفهم.

على امتداد «شجرة ديانا» نعثر على أمثلةٍ أخرى لموضوع القرين/المزدوج. من تلك القصيدةُ رقم ١١ التي تقول: «[…] أنا والتي كنتُها نجلسُ، على عتبةِ نظرتي». ففيها تلتقي الذوات - على اختلاف العصور التي تنتمي إليها - إذ يُعامَل «أنا» الماضي بوصفه غائبًا (في صيغةٍ قريبة من ضمير الغائب)، بينما يعبّر الحاضر عن نفسه بصيغة المتكلم. ومثالٌ آخر القصيدةُ رقم ١ التي تقول: «قفزتُ منّي إلى الفجر، تركتُ جسدي عند الضوء». وفيها تخرج الـ«أنا» من نفسها، وتخلّفها في زمنٍ آتٍ، كما لو كانت شخصًا ثالثًا.

القصيدة التالية المختارة لتحليل التفكك النفسي الذي يميّز الشاعرة، تنتمي إلى ديوانها «اقتلاع حجر الجنون»، المنشور سنة ١٩٦٨. وهذا الكتاب واحدٌ من أشدّ أعمالها عتمةً؛ إذ يفتح حيّزَ لقاءٍ تجتمع فيه أليخاندرا بمخاوفها، متخطّيةً بالكلمات حواجزَ لا تُجتاز في الحياة الواقعية. ومثالٌ دالٌّ على انفصال الـ«أنا» الواقعية عن الـ«أنا» المنشودة، نجده في قصيدة «حلمٌ يكونُ فيه الصمتُ ذهبًا»:

كلبُ الشتاء يُسنِّنُ ابتسامتي. كان ذلك على الجسر. كنتُ عاريةً، وأضع قبعةً عليها زهور، وأجرُّ جثتي أيضًا عاريةً، وعلى رأسها قبعةٌ من أوراقٍ يابسة.

لقد عرفتُ حبّاتٍ كثيرة - قلتُ - لكن أجملَها كان حبّي للمرايا.

وبالنظر إلى موضوع هذا العمل، وإذ نستبعدُ الشارات التي لا تمسّ القرين مباشرةً، نرى أنّ بيثارنيك تقيم مقابلةً بين «أناها» الحيّ و«أناها» الميت؛ إذ يتفاعلان بحيث يحمل الحيُّ نسختَه ما بعد الموت المتخيَّلة. أي إنّ «أناها» الأقوى تشدّ «أناها» المرجوّة - الميتة - فتصنع صورةً عاكسةً مضادّةً بين الحياة والموت. أليخاندرا الحيّة تجرّ أليخاندرا الميتة، لكنهما معًا ترتديان قاسمًا مشتركًا: قبعةً، غير أنّها تتخذ هيئةَ تضادٍّ بين النور والظلمة؛ فإحدى القبعتين مزهّرة، والأخرى من أوراقٍ يابسة. وتنتهي القصيدة - بحسب لويس باغيه -  ذإلى تصريحٍ غراميٍّ بالمرايا لما في الانعكاس من «قابليةٍ إنباتية». فالوجودُ يُمتَصّ (يُمصّ) من قِبَل القناع الذي تصنعه رنّةُ الصورة وارتدادُها، فتغدو الذات الفردية شخصًا جمعيًّا.

وذلك الاغتراب البؤري الذي تُحدثه قراءةُ مقاطعَ كهذا راجعٌ إلى أنّ هذا النوع من كتابة بيثارنيك يقوم على الوصيّة الرمبوية التي تصدّر هذا المقال، «الأنا هو آخر» (Je est un autre): ويستعيد باغيه قولًا لآدا سالاس (Ada Salas) في شأن هذا الشعار: إذ «لا يُبلَغُ ذلك الواقعُ الآخر الخاص - ذلك الـ«الأنا هو آخر» - إلا عبر البحث والانتظار والولادة الشعرية، حيث تشعر أليخاندرا بالطمأنينة بوصفها تلميذةً للسريالية.

«حجرٌ أساس» قصيدةٌ سردية تنتمي إلى كتاب «جحيمٌ موسيقيّ»، وهي المثالُ «القياسيّ» لاختتام شرح أهمية القرين في شعريتها، لأنها تجمع السماتَ كلها التي عُرضت حتى الآن، وتُجسّد الطريقَ إلى الجنون الذي ينطوي عليه نزعُ الشخصنة، بوصفه هبوطًا بطيئًا نحو هاوية الكائن: «إلى أين تقودها الكتابة؟ إلى السواد، إلى العُقم، إلى التفتّت»، أمّا النص الكامل فيقع في الملحق الموضوع في آخر هذا المقال.

ولفهم معنى القصيدة فهمًا تامًا ينبغي الانطلاق من مقدمةٍ أولى ترى «حجرٌ أساس» فضاءً تُستباح فيه الإمكانات، وتترك فيه بيثارنيك أثرَ ما لا تصل إليه - في البدء - إلا هي. إنه الموضع الذي يلتقي فيه وعيُها ولاوعيُها ليصنعا عوالمَ وهوياتٍ، وتتراءى فيه مخاوفُها كلّها: «حضورٌ مقلق، إيماءاتُ أشكالٍ تتبدّى حيّةً بفعل لغةٍ، فاعلةٍ تُشير إليها، علاماتٌ تلمّح إلى رُعوبٍ لا تُحلّ». ومن ثمّ يتحوّل «حجرٌ أساس» إلى قصيدةِ الهذيان. فمطلعها يَشي بنزع الشخصنة وبممرِّ الأصداء الذي يُحدثه التفتّت: «لا أستطيع أن أتكلّم بصوتي، بل بأصواتي». وتظهر أليخاندرا هنا بوصفها ذاتًا مُنْشِئةً تعددية؛ صوتًا يمثل كثيرات، ويهرب من الواقع ليكتشف نفسه في القصيدة. وهذه الشقّة في الـ«أنا» التي تتيح لنا رؤيةَ الذات أشدَّ أحشائية، وتُطلق شخصياتها الأخرى، هي - بحسب داثا - «تجلٍّ لحضور الجنون، لأنّ التفتّت يمكن أن يُقترن بانكسار الواقع؛ وهو ما يُنتج اضطرابًا في العالم، ولا-تمركزًا، واختلالًا في العالم الواقعي».

وتنكشف تلك الهشاشة التي تميّز الشاعرة حين تزعزع دعامات العالم الموازي الذي صنعته باللغة: «اهتزازٌ في الأساسات، ورجفةٌ في الأصول تُنزِف وتثقب». إنها هشاشةُ عالمها-الآخر وتقلّبه، وهو ما يدفع أليخاندرا إلى هجر وجودها والانقسام: «عرفتُ أين يقيم ذلك الآخرُ جدًا الذي هو أنا، والذي ينتظر أن أصمتَ ليتملّكني»». إنّ تذبذب الواقعي والمتخيَّل، وتزلزل أركان القصيدة، يُربك الذاتَ الشعرية التي تتكاثر حتى الفوضى الحقيقية والتباس الـ«الأنا البديلة شيءٌ فيّ لا يستسلم لشلال الرماد الذي يجتاحني داخلَ نفسي معها التي هي أنا. معي التي هي هي، والتي هي أنا، مختلفةٌ عنها اختلافًا لا يُقال».

وتفقد الشاعرة زمامَ حياتها وخطابها، مُقِرّةً - بعبارة بولينا داثا - بأن «ابتكاراتها الشبحية، المسخوطة، تنقلب عليها». والمشهد الذي تقترحه القصيدة يستدعي - على الفور - مرجعَين من الأعمال التي كانت تعجبها: «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول، من جهة عبورِها بستانًا تبرز فيه شخصياتٌ موضعُ براءتها محلُّ سؤال؛ ولوحة «حديقة المسرّات» لهيرونيموس بو ، حيث يُمثَّل فوضى من أشكالٍ بشرية وشبحية.

لا أحدَ يستطيع إنقاذي لأنني غير مرئيّة حتى لنفسي التي أدعوني بصوتك، أين أنا؟ أنا في حديقة. ثمة حديقة.

وخلاصةُ الأمر أنّ اغترابَ الـ«أنا» يولِّد في بيثارنيك إحساسًا بأنها مسكونةٌ لكنها متروكةٌ من ذاتها ومن أضدادها؛ فنعود إلى الموضوع الذي افتُتح به هذا المقال: البحث. «أنتِ التي كنتِ وطني الوحيد، أين أبحث عنكِ؟ لعلّي أبحث عنكِ في القصيدة التي أكتبها الآن».

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق