سيرةُ كائنٍ يفرّ من ذاته إلى ذاته

 

«لعلّ المرءَ لا يلزمه أن يكون متسلّقَ جبالٍ كي يغدو فيلسوفاً نرويجياً، غير أنّ ذلك – على الأرجح – يُعين»، هكذا كتب توماس هيولاند إريكسن في واحدٍ من مقالاته لـ«Norway Now» سنة ١٩٩٧. وليس يسيراً أن نعثر على وشائجِ هذا القول أبهى تجسّداً ممّا نراه في سيرة بيتر فيسل زابفه (Peter Wessel Zapffe)، الفيلسوف الإسكندنافي في القرن العشرين، الذي صاغ لنفسه إيكو-فلسفةً واضحةَ المعالم، محكَمةَ البناء. ووفقاً لكثيرين، فإنّ ما يُسمّى «البيوصوفيا» (biosophy) عنده قد جعله من أبدع الفلاسفة النرويجيين أصالةً في القرن المنصرم.

واليوم، يكاد زابفه يُنسى خارج الدوائر الضيّقة للمولعين، غير أنّ أعماله ما تزال تُقدّم مقاربةً طريّة للوجودية الحديثة، بما تنطوي عليه من طرائق جديدة في الاستقصاء، وأجوبةٍ غير مألوفة عن أسئلةٍ قديمة. وقد تبلورت الفكرةُ الأساسية عن الإنسان بوصفه «نوعاً مأساويًا» أولَ مرّة في مقالته المبكّرة «المسيح الأخير» (Den sidste Messias) سنة ١٩٣٣، ثمّ ما لبثت – بعد بضع سنوات – أن نمت لتصير أطروحةً فلسفيةً كبرى عن الطبيعة المأساوية للحياة الإنسانية ومصيرها: «عن المأساة» (Om det tragiske). وهذه الرسالةُ التي نال بها الدكتوراه سنة ١٩٤١ كانت تاجَ عملٍ امتدّ أحد عشر عاماً، شرع فيه عقب تركه وظيفته محامياً في ترومسو (Tromsø)، وعودته إلى جامعة أوسلو ليدرس الأدب. وقد خُطِّط لها أول الأمر أن تكون رسالةَ ماجستير في الموضوع، غير أنّ الأستاذ فريدريك باشه (Fredrik Paasche) ما لبث أن أوصى بأن تُقدَّم بوصفها أطروحةَ دكتوراه في الفلسفة، لما فيها من محاولةٍ أصيلة لتأزيم شقاء الوجود الإنساني ودراسته.

ومنهجُ زابفه الفريد في التحليل الفلسفي والأدبي – حيث يتقاطع الخطابُ البيولوجي مع خطاب الفلسفة العضوية الرومانتيكية ومع الأدب الدرامي – ظلّ شديدَ التأثّر برؤى فلاسفةٍ من طراز آرثر شوبنهاور وفريدريك نيتشه. والأشدُّ إثارةً أنّ أحد أكبر مؤثّراته كان صديقه آرنه نايس (Arne Næss)، الذي ألهم اهتمام زابفه وميله الإيجابي نحو التجريبية المنطقية والعلوم الطبيعية. وسرعان ما أخذ، بنصيحة نايس، يدرس أعمال عالم الأحياء الإستوني جاكوب فون أوكسكول (Jakob von Uexküll)، واضعَ مفهوم «المحيط الإدراكي» (Umwelt) الذي بنى عليه زابفه طريقته البيوصوفية. وعلى الجملة، يمكن فهم برنامجِه البيوصوفي على أنّه محاولة للنظر إلى الوجود الإنساني من زاويةٍ بيولوجية، على خلاف – مثلاً – أنثروبوصوفيا (anthroposophy) لدى رودولف شتاينر التي تُشدّد على النزعة الإنسانية للفلسفة وتُمعن في الجوانب الروحية للعالم.

ولا يكاد يبقى شكّ في أنّ «عن المأساة»  الذي تُرجم إلى الإنجليزية – يضمّ محاولةً جديرةً بالتأمّل لدراسة الشرط الإنساني من منظورين: أنثروبولوجي وطبيعاني. غير أنّ معرفة هذا العمل ما تزال «ترفاً فكرياً» لا يحوزه إلا قلّةٌ من المتخصّصين. وما يُكتب نادراً عن إرثه المعرفي ومصادر إلهامه ينحصر غالباً في نيتشه وشوبنهاور وفلسفة الإيكولوجيا النرويجية، مُغفِلاً التنقيبَ عن جذوره في نظرية المأساة عند القدامى التي دشّنها أرسطو، ولا سيّما في «فنّ الشعر» (Poetics) التي يُكثر زابفه من الإحالة إليها.

ومن ثَمّ، أهدف هنا إلى عرض فلسفة بيتر فيسل زابفه في ضوء نظرية أرسطو في المأساة – وهي أحد أهم منابع الإلهام التي يعود إليها في عمله الأعظم. إنّ دراسة الكيفية التي «قرأ» بها زابفه فنّ الشعر الأرسطي وفهمه له – وهو نصٌّ كلاسيكيٌّ في دراسة المأساة والخبرة المأساوية – تبدو ضروريةً لتثبيت أصول رؤيته الخاصة للمأساة ووظائفها، ولتبيّن انتقالها من المجال الأدبي الخالص إلى المستوى الفلسفي للوجود الإنساني. غير أنّ تحليلاً شاملاً لجميع عناصر العملية المأساوية التي يذكرها زابفه في عمله مادةٌ أصلح لكتابٍ مستقلّ لا لمقالٍ قصير؛ لذلك سأركّز هنا أساساً على مفهوم «المحاكاة/التمثّل» (mimesis)، تمهيداً لدراسةٍ أكثر تفصيلاً لتحليل زابفه البيوصوفي لهذا الموضوع.

وُلد زابفه سنة ١٨٩٩ في مدينة ترومسو القطبية، وهو ابنُ صيدلاني. وكان ميتافيزيقياً نرويجياً، ومحامياً، وكاتباً، ومتسلّقَ جبال، كثيراً ما يُشار إليه لنظرته التشاؤمية فلسفياً إلى الوجود الإنساني. وبعد أن نال شهادةَ القانون من جامعة أوسلو، عمل بضع سنوات محامياً وقاضياً، إلى أن اعترضته مواجهةٌ كاشفة مع مسرحيات هنريك إبسن؛ فاستثارته دراماتورجيا إبسن الشعرية العميقة، فعاد إلى الجامعة طالباً للأدب، ليهاجم «السؤال الذي لا يخبو: ما معنى أن يكون المرء إنساناً؟»

والجواب الذي انتهى إليه كان ضرباً أصيلاً من الفكر الوجودي، يختلف عن نزعات معاصريه الفرنسيين سارتر وكامو الأكثر رجاءً، وينتهي إلى نبرةٍ أكثر خفوتاً. «وريثُ التيارات التشاؤمية الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين، وراعي ما سيغدو (عبر صديقه آرنه نايس) إيكولوجيا عميقة، و(عبر ديفيد بيناتار) لا إنجابيةً فلسفية؛ فإنّ زابفه جديرٌ بأن يُعدّ بين أشدّ المفكّرين قتامةً في كل العصور». ولئن كان طابعُ رؤيته التشاؤمية يُستشعر من مقالته القصيرة، فإنّه لا يظهر أبلغَ ولا أكملَ ممّا يظهر في رائعته «عن المأساة»، وهي مُصنَّف ضخم في مأساة الإنسان. غير أنّ توقيت نشر هذا العمل لم يكن يمكن أن يكون أسوأ: فقد نشرته دار غيلندال (Gyldendal) النرويجية إبّان الحرب العالمية الثانية، في الوقت نفسه الذي كان فيه جان-بول سارتر يبلور نظريته الوجودية في فرنسا؛ فلم يقدّر لمصنّف زابفه أن يبلغ جمهوراً أوسع.

«كان زابفه رجلاً مُركّباً ذا حسٍّ عظيم – وإنْ مظلم – من الفكاهة»، هكذا كتب إريكسن في مقاله لـ«Norway Now» (١٩٩٧) وكان إنسانياً بحقّ. فعلى الرغم من مسحه الواسع للمأساة في الأدب والفنون – بما يفيد أنّ كل جهدٍ إنسانيٍّ مآله إلى العقم – كان هو نفسه غزيرَ الإنتاج. كتب في أجناسٍ شتّى: مقالات أدبية، ومونوغرافيات، وشعراً، ومسرحاً، وقصصاً قصيرةً ساخرة عن مغامراتٍ في الطبيعة، مُظهراً أصالته الحقيقية: مزاوجة «فلسفةٍ مأساوية» بأسلوبٍ «فكاهيّ». وكان بيئياً متفانياً ومتسلّقَ جبال. وقد يرى بعضهم أنّ هذا النشاط النشيط يناقض تشاؤمه الفلسفي، غير أنّه أثبت أنّه وارثٌ جدير لـ«المتشائم الألماني العظيم» شوبنهاور، ومدافعٌ صلب عن اللا إنجابية (antinatalism)، فاختار ألا يُنجب، وبقي بلا أولاد عن قصد. وتوفّي سنة ١٩٩٠ في أسكر (Asker) بوصفه واحداً من أكثر الفلاسفة النرويجيين أصالةً في القرن العشرين.

ويمكن رسم حجّته الأساسية ورؤيته للعالم – على نحوٍ إجمالي – هكذا: إنّ كلّ الأنواع الحيّة مُزوَّدة بعددٍ من الحاجات البيولوجية والفسيولوجية والاجتماعية (كالحاجة إلى الطعام والأمان وغير ذلك)، وهي عادةً يسهل إشباعها. أمّا الإنسان فله حاجةٌ إضافية لا نظير لها في سائر الأنواع: توقٌ ميتافيزيقيٌّ لا يُقهر، ومع ذلك لا يُستوفى أبداً. ومن ثمّ فهو واقعٌ في أسرٍ لا مهرب منه بين إيمانٍ مخادعٍ للذات بمعنى زائف للحياة، وصدقٍ صارمٍ مع النفس بإدراك لا معنى الحياة. وكما أنّ «الأيل الإيرلندي» صار واهنَ الحياة بسبب قرونه التي أخذت تتضخّم حتى أودت به، كذلك «أفرط» التطوّر في صنع دماغ الإنسان. يقول زابفه في وثائقي «أن يكون المرء إنسانًا» (To Be a Human Being) سنة ١٩٩٠: «الإنسان حيوانٌ مأساوي. لا لصغره، بل لأنّه مُنح أكثر مما ينبغي. للإنسان أشواقٌ ومطالبُ روحيةٌ لا تستطيع الحقيقة أن تُلبّيها. لدينا توقّعاتٌ بعالمٍ عادلٍ وأخلاقيّ. الإنسان يطلب معنىً في عالمٍ بلا معنى». إنّه يريد أن يعيش ويبقى، لكنّه – بحكم ما آل إليه تطوّره – يعلم أنّ مصيره إلى الموت. وهو يتذكّر الماضي ويتنبّأ بالمستقبل، ولا يملك أن يفلت من قدره القاتم. وله رغباتٌ وحاجاتٌ روحيةٌ وتوقٌ إلى العدل، يعجز الواقع عن إشباعها. إنّه مدفوعٌ بمطلبٍ مغلوط لمعنى الحياة، معنى لا وجود له. وهذه الملابسات التطورية تعمل ضدّ الإنسان وتُشكّل قدره المأساوي: فهو يقضي حياته محاولاً ألّا يكون إنساناً؛ يوجد وهو يحاول الهرب من وجوده. والمأساة – وفق نظرية زابفه – أنّ نظام العالم (verdensorden)، وبنية العالم وموقعنا فيه، لا تستجيب لحاجة الإنسان إلى المعنى. ومن إدراك هذا التنافر الكلّي بين الإنسان والطبيعة – وما يثيره من تشاؤمٍ وجوديٍّ وقيميّ – يبني زابفه أساسَ رؤيةٍ جديدة للعالم.

وأمام الإدراك الكئيب بأنّ الوجود عرضيٌّ لا غاية له، وأنّنا نتألّم ونموت، وأنّ أدمغتنا قد طوّرت نظاماً صارماً من الرقابة الذاتية – يسمّى «الحضارة» – بتعلّمها الحدّ المصطنع من محتوى الوعي عبر وسائل: العزل (isolation) القمع الاعتباطي لكل الحقائق المقلقة من الوعي؛ والإرساء/التثبيت (anchoring) التعلّق المُثبت الذي يسمح بتركيز انتباهنا على نحوٍ متّسق؛ والإلهاء (distraction) سيلٌ متواصل من الانطباعات يمنع العقل من الانطواء على ذاته. كلّ ما يمكنه – ولو لحظةً – أن يُبعدنا عن لعنة إنسانيتنا. أمّا العلاج الرابع والأخير ضدّ ألم الوجود فسمّاه زابفه التسامي (sublimation): إعادة توجيه الطاقة بعيداً عن القلق إلى مخارج مُشرِقة من أعمال الجمال الإبداعية، كالفنّ والأدب. ويبدو التسامي مختلفاً اختلافاً عميقاً عن العلاجات الثلاثة الأخرى، لأنّه تحوّلٌ لا مجرّد قمع. وقد كتب زابفه في مقالته «المسيح الأخير»:

بمساعدة قدراتٍ أسلوبية أو فنية يمكن، في بعض الحالات، تحويل ألم الحياة ذاته إلى قيمةٍ خبراتية. تأتي دوافِعُ إيجابية فتستغلّ الشرّ لأغراضها؛ فتتعلّق بجانبه التصويري أو الدرامي أو البطولي أو الغنائي، بل وربما الكوميدي أيضًا.

وهذا النوع من تحويل المأساة الإنسانية والألم إلى رحلةٍ ثمينة في ذواتنا يرجع بعيداً إلى العصور القديمة، إلى مهد الحكمة والفنّ العظيم: المأساة اليونانية. وتستدعي كلماتُ زابفه إلى الذهن كتاب نيتشه مولد «المأساة» حيث يقول إنّ «المهمّة الجادّة حقاً للفنّ… هي أن تنقذ العين من التحديق في أهوال الليل، وأن تُخلّص الذات – ببلسم الوهم الشافي – من تشنّجات اضطراب الإرادة». وكأنّ نيتشه وزابفه معاً ينظران إلى الفنّ بوصفه ترياقاً بالغ الفاعلية ضدّ البصيرة المأساوية بالوجود الإنساني؛ بصيرةٍ كان يمكن – من غير دواء التسامي – أن تغدو لا تُحتمل.

في مجمل منجزه الأدبي والفلسفي، يُشدّد زابفه غير مرّة على دور البيوصوفيا بوصفها منهجاً مهماً لتحليل نصوص الثقافة، ولا سيما الدراما، بما هي ضاربةٌ في الجذور في التقليد وفي الفكر الوجودي الإنساني. وتأمّله في الأثر الدرامي (وخاصة المأساوي) في نظريته لا ينفصل عن ضرورة الانتقال إلى حقل علم النفس، وعن سؤال: كيف يحدث موضوع الدراما ومادتها: حيث «تُكافح الحياة من أجل بقائها وانبساطها في بيئةٍ مواتية أو غير مواتية بدرجات». وكلّ تخصّصٍ يتناول هذا الصراع أو يهتمّ به ينبغي – في رأيه – أن يُستتبَع للبحث الموجَّه بالبيوصوفيا. وهو يرى أنّ البصيرة البيوصوفية في الدراما، وبخاصة المأساة، تختلف اختلافاً بيّناً عن البصيرة الميتافيزيقية بوصفها رؤيةً تأمّلية جمالية عامة للموضوع.

وبحسب زابفه، فإنّ اختيار المنهج الذي نستخدمه للتحقيق في دور المأساة والمأساوي يقتضي قبل كل شيء إبراز العلاقة بين هذه المأساة والحياة العضوية ذاتها. لذلك يُدخل «البيولوجيا التطبيقية» منهجاً. «نستخدم منهجاً بيولوجياً، مبنيّاً على منظورٍ بيولوجيٍّ أساس، حين ننظر إلى الحياة بوصفها توتّراً بين المهمّة والقدرة، وبوصفها صراع الكائنات الحيّة لتحقيق مصالحها، كلٌّ في بيئته». ويُحيل زابفه في هذا السياق إلى نظرية أوكسكول، غير أنّها – في رأيه – لا تستوعب كل النتائج الفلسفية لمثل هذا المنظور. فمع أنّ هذا الإطار البحثي يسمح بالرجوع إلى الأيديولوجيا البيولوجية، إلا أنّه يتغافل عن أنّ البيولوجيا وحدها لا تمنح تمييزاً واضحاً بين الخبرة نفسها (الخبرة الذاتية بالمأساة) وموضوع هذه الخبرة (ما يُسمّى «المأساوي الموضوعي»). ومن ثمّ تعجز البيولوجيا التطبيقية عن أن تُجيب إجابةً مُفصّلة عن سؤال: «ما معنى أن يكون المرء إنساناً؟»، وهو ما يفسّر لماذا يظل تعريف المأساة مشكلةً وجودية تحتاج إلى أدوات تحليلية قائمةٍ على تخوم الخطابات الفلسفية والأدبية والعلمية، لكشف شيءٍ «أكبر» من موت أفرادٍ أو أنواعٍ بعينها. فالحياة الإنسانية – في شقّها النفسي والبيولوجي – خاضعةٌ للمعنى الذي نُضفيه على الأشياء والظواهر؛ وإلا لأمكن اختزال تاريخ تبرير معنى الحياة والبحث عنه من مشكلةٍ وجودية إلى مشكلةٍ بيولوجيةٍ محضة. وعندها سيُبسَّط «المأساوي» (بالمعنى الموضوعي) ويُردّ إلى مجرّد نهايةٍ جسدية للوجود، بحيث يصير مفهوم المأساة قابلاً للتعميم على كل أشكال الحياة على الأرض، في تناقضٍ صريح مع افتراضات المفهوم كله.

وتحتوي «عن المأساة» تحليلاً قائماً على البيولوجيا ومشحوناً – في الوقت نفسه – بغنى فلسفي، لمختلف وجوه صراع الإنسان، وللتوتّر بين المصالح الغيرغائية (heterotelic) والمصالح الغاية الذاتيّة (autotelic). فكلّ كائنٍ يمثّل «مصلحةً» ما متّصلة بالتكاثر، وفي أبسط صورة تغدو هذه المصلحة قدره الأساسي. أمّا قدرُ الإنسان ومكانه في العالم فليس قائماً – على الأقل جزئياً – على طبيعة النوع البيولوجية وحدها، بل على شيءٍ يتجاوز نقلَ الجينات الأعمى العبثي. وفي هذا السياق، يُجري زابفه تحليلاً بيولوجياً لطريقة الاستدلال التي يُكافح بها الكائنُ الحيّ بين خياراتٍ (كالأكل أو التماس المأوى)، ويحلّل الانتقال التدريجي من أنماط ردود الفعل القالبية في الكائنات البدائية، مروراً بردودٍ مؤتمتة (إملاء جيني)، إلى ظواهر ذاتِ مستوى منخفض جداً من الأتمتة، مثل الإرادة الحرّة. غير أنّ ازدياد التعقيد – في رأيه – يقترن بازدياد القدرة على اختبار المعاناة، ومن ثمّ بازدياد احتمال وقوعها.

ونتيجةً لهذه الصراعات (بعد صدامٍ واحد أو بعد فترةٍ أطول)، تُحقَّق مصلحةٌ معيّنة (sanction) أو تُرفَض (veto). وحين تتعرّض اهتماماتنا الأساسية لخرابٍ عميق لا رجعة فيه، تُسمّى الواقعة كارثة (catastrophe) وقد تكون الكارثة ابتدائية، بمعنى أنّ لها سماتٍ تشدّ الانتباه دون أكثر، غير أنّ بعض هذه الكوارث – المسماة «الكوارث المؤهَّلة» (qualified catastrophes) – تمتلك أيضاً جودةً خاصّة تُدعى «المأساة»، بوصفها جزءاً من الظاهرة التي يسمّيها زابفه «العملية المأساوية» (tragic process)، وهي حجر الأساس في تحليله البيوصوفي والأدبي للعمل الدرامي وللخبرة المأساوية الموضوعية. ويرى زابفه أنّ الكارثة الابتدائية نفسها تمنحنا سبباً للتمرّد على نظام العالم؛ إذ إنّ الطبيعة زوّدتنا أولاً بمصالحنا الحيوية، ثم انتهكت تلك المصالح بأفظع صورة ممكنة.

وهذا النمط في التفكير بالشرط الإنساني يمكن ربطه بماكس شيلر، الذي يرى أنّ الناس يختبرون المأساة عبر القيم التي يختارونها؛ فـ«في عالمٍ منزوع القيم… لا مأساة». وللعملية المأساوية ثلاث سماتٍ جوهرية: عظمةٌ ذات صلةٍ ثقافية (أي معنى) للشخص الذي تصيبه الكارثة؛ ثم الكارثة نفسها؛ ثم العلاقة الوظيفية التي تربط بينهما. وانطلاقاً من مثل هذا التعريف للمأساة، يقترب بحثُ زابفه شيئاً فشيئاً من هدفه المركزي: أن يمنح كلمة «مأساوي» معنىً يتّسع بالقدر الذي يلزم، ويستحيل – في الوقت نفسه – أن يُستعمل في سياقٍ آخر، بحيث يعكس على الوجه الصحيح الظواهر والأفكار التي تشكّل الاتجاهات الكبرى للتقليد الجمالي والأدبي.

ولمقاربة زابفه لمسألة معنى مفهوم المأساة ومداه ميزةٌ أخرى – فوق الميزة الاصطلاحية: فصفة العملية التي تصفها كلمة «مأساوي»، في بعدها التجريبي، تترتّب عليها نتائج فلسفيةٌ قوية. إذ تُمنَح المأساة دوراً مركزياً مهيمناً في صراع الإنسان، وفي حرب المصالح، وتلقي ضوءاً دالّاً على مشكلة شرطنا الوجودي. فـ«ضحية المأساة» لا تتألّم فقط لانتهاك مصالحها ذات الشأن، بل تُجرَّد أيضاً من أعمق أملٍ لديها: أملُ أن يؤدي السعي إلى الكمال في النهاية إلى التحقّق. وكما كان الأمر في اليونان القديمة، فإنّ المشاهد – شاهدَ هذا الصراع – إذ يحمل المصالح والمخاوف عينَها، سيشعر أيضاً بتردّدٍ مفاجئ ووهنٍ في أمله (يتجلّى في انبعاث انفعالي «الشفقة والخوف»). هذا الشعور منظومةٌ أخلاقية مشتركة، وتأويلٌ مشترك للتاريخ، قائمٌ على تلك القيم المشتركة. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ أمل المشاهد في أنّ السعي إلى الكمال يقود إلى التحقّق يتعطّل ويضطرب حين يحجب بناءُ المأساة الطريق إلى الحلّ الصحيح، ولا يفتح إلا سبيلاً إلى أشباهِ حلول أو إلى الهزيمة.

وتشمل استجاباتُ المشاهد الوجدانية تجاه انتهاك مصالحه الخاصة (أو مصالح من يتماهى معه) مشاعرَ النفور والاشمئزاز والتمرّد… إلخ. فهو يرفض ما رآه، ويشعر أنّ هذا الحدث «ما كان ينبغي أن يقع». ويغدو ذلك أظهرَ أهميةً في «الكوارث المؤهَّلة»، وعلى الخصوص في «العمليات المأساوية».

إنّ قيمة مشاهدة مصيبةِ الغير قد تبيّن أنّها معزولةٌ وإلى حدٍّ ما مُكثّفة حين يُعاد خلقُ العملية المأساوية في الأدب أو في غيره من الفنون. وإنّ وصف ذلك وتفسيره، ولا سيما 'مشكلة المأساة'، قد أغرى الفلاسفة وكتّاب الجماليات (وخاصة الأوروبيين) على مدى أكثر من ألفي سنة.

هكذا يقرّر زابفه في خلاصة عمله الأكبر. وهذه المشكلةُ تُعالَج في الفصول الأخيرة من «عن المأساة»، حيث يبيّن كيف يمكن فحص كل عاملٍ يظهر بانتظام في المأساة من حيث أثره في خبرة المشاهد. ويلخّص نتائج تحليله في عبارةٍ جامعة: أغنى خبرةٍ تمنحنا إيّاها المأساة هي «حلٌّ زائف للمشكلة الميتافيزيقية للمعنى عبر تسامٍ شعري». وإذ لا نستطيع الإفلات من الأجزاء المأساوية في حياتنا، يمكننا أن نحاول إضفاء معنى عليها بإعادة صوغ هذا الحمل الوجودي المتراكم في شيءٍ خلاق، شيءٍ باقٍ – غالباً عبر فعلٍ تطهيريٍّ من الإبداع الجمالي.

في مستهل الفصل الحادي عشر من «عن المأساة»، يلاحظ زابفه أنّ اليونان أبدت اهتماماً مبكّراً بالنقد الأدبي، ولا سيما في مجال المأساة اليونانية؛ فقد ظهرت بوادرُه أولاً في الحكايات الشفوية المنقولة وفي الملحمة الأقدم، ثم في المأساة الدرامية والكتابات التاريخية. وكان في ذلك مُصيباً تماماً. فكتاب أرسطو فنّ الشعر (Peri poietikes): المكتوب نحو ٣٣٥ ق.م هو أقدمُ أثرٍ باقٍ في نظرية الدراما، ويُعَدّ أيضاً واحداً من أولى الرسائل الفلسفية في نظرية الأدب. وهو يعرض ما يفهمه أرسطو من «الشعر» (poiesis)، وهو يشمل أجناساً كالمسرح (الملهاة والمأساة والساتير)، وكذلك الشعر الغنائي والملحمي. ومع أنّها جميعاً قائمةٌ على مفهوم mimesis، إلا أنّها قد تختلف في مضمونها الذي يناقشه أرسطو باستفاضة: (أ) الإيقاع والتناغم والوزن واللحن، (ب) بناء الشخصيات، (ج) السرد (كيف تُقدَّم الحكاية). غير أنّ تحليله للمأساة اليونانية وطبيعة الخبرة المأساوية نال عنايةً خاصة، وما يزال إلى اليوم في قلب النقاش.

وما جذب شوبنهاور أولاً ثم زابفه إلى أرسطو هو رؤيته للطبيعة والحياة: رؤيةٌ لا لاهوتية ولا غائية. فمبدأ العلّة الكافية نافذٌ في العالم الظاهراتي وحده؛ ولا يجوز للمرء أن يطلب سبب الحياة ومعناها خارج هذا العالم. إنّ مجاوزة الواقع الظاهراتي، والبحث عن سندٍ في مفاهيم مثل «العقل» أو «الإله» أو «المبدأ الأول»، خطأ. وقد فهم زابفه ذلك وأُعجب بأرسطو لميتافيزيقاه الصافية، الخالية من الخرافة واللاعقلانية. وينسحب الأمرُ نفسه على نظريته في المأساة كما صاغها في فنّ الشعر، حيث وجد زابفه أرضاً أدبية-فلسفية لدراسته البيوصوفية لمصير الإنسان. وإذ يتّبع أرسطو في تحليله الدقيق للعناصر والسمات التي تُكوّن العملية المأساوية، أخذ الفيلسوف النرويجي شيئاً فشيئاً يُكيّف ويستوعب مفاهيم مثل «المحاكاة/التمثّل» (mimesis) و«العيب المأساوي» (hamartia) و«الخلق/السّمة الخلقية» (ethos) و«العاطفة/الانفعال» (pathos) و«التطهير» (catharsis)، مُسبغاً عليها إحالاتٍ ومعانيَ جديدة، وصانعاً منصّةً متعددة الأبعاد يلتقي فيها المفهوم الأدبي والفلسفي بالتجربة الوجودية الذاتية المقابلة.

وتعود البنية العامة للمأساة إلى الفصل السادس من فنّ الشعر، ويمكن إعادة تركيبها كما يلي: المأساة محاكاة (mimesis) لفعلٍ جادّ، مكتملٍ في نفسه (تامّ)، ذي مقدارٍ مناسب. وهي مكتوبةٌ بلغةٍ فنية، لها ملحقاتٌ مُمتِعة، يُستعمل كلّ صنفٍ منها على حدةٍ في أجزاء العمل المختلفة. وينبغي أن تأتي في صورةٍ درامية، بحيث تُثير الوقائعُ الشفقةَ (eleos) والخوفَ (phobos)، وبذلك تُنجز تطهيراً (catharsis) لتلك الانفعالات.

نرى أنّ التعريف مُحاط بين «mimesis» و«catharsis»؛ وكلا المفهومين متكاملٌ مع الآخر. فالمقاربةُ المُحايثة للمأساة مرتبطةٌ مباشرةً بخبرة التطهير، وفي الوقت نفسه فإنّ مقدار هذه الخبرة وشرط ظهورها يتبيّن أنّه هو نفسه بناءُ المأساة (المحاكِي). ولهذا الشكل من التعريف – في نظر زابفه – وظيفتان: فمن جهة يقدّم وصفاً عاماً للمأساة اليونانية كما هي واقعة، ومن جهةٍ أخرى يؤسّس برنامجاً جمالياً يسانده ويطوّره أرسطو في الفصول اللاحقة من «فنّ الشعر». وهذا هو الخيط الذي سيتّبعه زابفه. فاهتمامه الرئيسي ليس التحليل النقدي الصرف لبنية الدراما، بل خصائص عناصرها التي سيستعملها لاحقاً لصنع موازاةٍ بين «الفكرة-المأساوية» النظرية و«الخبرة-المأساوية» الجمالية.

وتَرِد كلمتا «المأساة» (tragodia) و«المأساوي» (tragikos) في «فنّ الشعر» مراراً. غير أنّ زابفه يُنبّه إلى أنّ معناهما تغيّر تغيّراً كبيراً على مرّ الزمن؛ بل إنّ المعنى العام حتى في أواخر العصور القديمة ظلّ – فيما يبدو – سطحياً ساذجاً، يفتقر إلى العمق الميتافيزيقي الذي وسم التفسيرات اللاحقة، ومنها تفسير زابفه نفسه. وفي محاولته إعادة بناء المعنى الأوّل للكلمة، يعود زابفه – على نحوٍ مفاجئ بالنظر إلى خلفيته الفلسفية والأدبية – إلى معجم Langenscheidt اليوناني-الألماني الشائع، حيث يعني المصطلح اليوناني tragikos: (١) «ما يتعلّق بالمأساة/ما ينتمي إليها» (شاعر مأساوي، ممثل مأساوي، قناع مأساوي… إلخ)، و(٢) «سامٍ، عظيم، مُفرِط، مُطنِب». وحتى هذا التقصّي الذي قد يبدو سطحياً يفي بغرض زابفه: إظهار أنّ استخراج معنى مثل هذه الكلمة في الزمن القديم كان عسيراً كما يبدو اليوم. غير أنّ زابفه يجد في «فنّ الشعر» معنى «المأساوي» أكثرَ تحديداً نسبيّاً. إذ يصرّح أرسطو في الفصل الثالث عشر: إنّ «المأساو» هو ما يُحدِث الشفقة (eleos) والخوف (phobos). «إنّ المأساة التامة ينبغي… أن تُحاكي أفعالاً تُثير الشفقة والخوف؛ فذلك هو العلامة المميِّزة للمحاكاة المأساوية» وهذه «المحاكاة» (mimesis) نفسها بما هي سِمةٌ للفعل الجمالي المأساوي، ستغدو مركزَ التركيز في ما يأتي.

في زماننا هذا، يبدو أنّ ثَمّة رأياً غير مُسوَّغ قد شاع، مفاده أنّ إشكالات «المحاكاة» (mimesis) إمّا أنّها قد استُنفدت، أو أنّها باتت عتيقةً خارج التاريخ. ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ فنّ القرن العشرين وأدبَه قد أفضيا إلى رفض هذا المصطلح، أو – على الأقل – إلى التشكيك في جدواه. ثم تتعقّد المسألة أكثر لأنّ اتّساع الأدبيات التي كُتبت في الموضوع يعرّضنا لخطرين: إمّا أن لا نقول سوى المُبتذَل المكرور، وإمّا أن نتوه في غابةٍ من النظريات المتعارضة، أكثرها من القرن التاسع عشر والعشرين. ومع ذلك – أو لعلّ بسبب ذلك عينه – يقرّر زابفه أن يعود إلى مفهوم «المحاكاة» (mimesis) كما فُهِم في العصور القديمة، ولا سيما عند أرسطو. ولأسبابٍ بديهية، تتضمّن بعضُ مقاطع تحليله محاولاتٍ نظريةً محضة لإعادة بناء مضمون كتاب «فن الشّعر» (Poetics)؛ غير أنّ غاية هذه الإعادات تبدو أعمق من مجرّد الشرح المدرسي. فبإثارته مسائلَ لا تنال حظّاً كبيراً من العناية، ومحاولته إبرازها، يسعى زابفه إلى الاقتراب من فهم المصطلح، وبخاصة سؤال العلاقة بين «المحاكاة» وبين متلقّي العمل الأدبي، أو – على وجهٍ أعم – بين الذات وبين الخبرة الجمالية-المأساوية.

يقول أرسطو في «فن الشّعر»: «إنّ المأساة محاكاةٌ، لا للناس، بل لفعلٍ وللحياة». لكنْ ماذا يعني حين يتحدّث عن «المحاكاة»؟ ولعلّ مما يسترعي النظر أنّ «المحاكاة» مع أنّها تبدو القضية الأهم في «فن الشعر» (بعد «التّطهير») لا تُعرَّف تعريفاً صريحاً واضح الحدود. وقد يكون سبب ذلك أنّ «المحاكاة» في العصور القديمة كانت مفهوماً شائعاً إلى حدٍّ يستغني عن مزيد بيان. ففي اليونان القديمة أُعطي مفهومُ المحاكاة معانيَ شتّى، كثيراً ما تجاوزت الدائرة الجمالية. بل إنّ أرسطو نفسه جاء بفهمٍ مُبتكَر للمحاكاتية. فالمعاني الأقدم للـ«محاكاة» كما عند ديموقريطس وهيراقليطس – لم تكن تشير إلا إلى محاكاة الفنون للطبيعة، أو – أدقّ – إلى محاكاتها للقوانين والانتظامات الجارية في الطبيعة. وكانت هذه الفكرة تومئ إلى إمكان مشاركة الإنسان – عبر الخبرة وتلقّي الفنّ – في تناغم الكون. ولمّا جاء سقراط وأفلاطون، أُوِّلت «المحاكاة» على نحوٍ أبسط: محاكاةٌ للظواهر.

غير أنّ «فنّ المحاكاة» إذا اختُزل إلى تقليد المظهر يغدو مفهوماً ضعيفاً مُبهَماً، وينحدر في نهاية المطاف إلى أدنى درجات الإبستمولوجيا الأفلاطونية. إذ إنّ هذا الفنّ – ما دام لا يمنحنا نفاذاً إلى عالم المُثُل – لا يكشف الحقيقة، بل يسترها تحت قناعِ ظواهرَ زائفة. وأمّا جدةُ فكرة أرسطو فتقوم في اقتراحه أنّ «المحاكاة» ليست هي عين الانعكاس أو التمثيل أو النسخ. إنّها تُحدِث تحوّلاً في مجال المعرفة. ووفقاً للورنت جيني (Laurent Jenny)، فإنّ «المحاكاة» الأرسطية تُدخل شيئاً جديداً: نمطاً من التعقّل يُحوّل «المشاهدة» البسيطة إلى تأمّلٍ في وجوه الشَّبه، وإلى تجريدٍ يساعد على استخراج القياسات والتماثلات. ويكتب مايكل ديفيس (Michael Davis)، مترجم أرسطو وشارحه:

للوهلة الأولى، تبدو 'المحاكاة' نوعاً من 'تشييك' الواقع وتنسيقه، تُجلب فيه سماتُ عالمنا العادية إلى دائرة التركيز عبر قدرٍ من المبالغة، فتغدو علاقةُ المحاكاة بموضوعها شبيهةً بعلاقة الرقص بالمشي. فالمحاكاة تنطوي دائماً على انتقاء شيءٍ من متّصل التجربة، فتضع حدوداً لما لا بداية له ولا نهاية. إنّ المحاكاة تُؤطّر الواقع على نحوٍ يُعلن أنّ ما داخل الإطار ليس 'واقعاً' ببساطة. ولذا فكلما بدت المحاكاة 'أكثر واقعية' ازدادت خديعتها.

ويرى أرسطو أنّ «ليس من وظيفة الشاعر أن يروي ما وقع، بل ما يمكن أن يقع – ما هو ممكن بحسب قانون الاحتمال أو الضرورة». فـ«المحاكاة» عنده ليست نسخةً بسيطة، ولا وسيلةً لتكرار الواقع في الفنّ كما فهمها أفلاطون، بل هي محاكاةٌ خلاّقة قوامها الاحتمال. فماذا يعني هذا؟ يُقال إنّ الحبكة تكون «محتملة» حين نستطيع أن نتعرّف فيها ما سمّاه بول ريكور (Paul Ricœur) «الكليات الشعرية» (poetic universals) – أي الروابط السببية (وبهذا المعنى: العامة والممكنة) بين الوقائع المتعاقبة. إنّ المحاكاة – كما يفهمها أرسطو – لا تعني بالضرورة دقّةَ الوقائع المعروضة؛ بل تتجاوز ذلك إلى «المأساة الكامنة»، إلى الخبرة الجمالية-المأساوية حيث تُمكّن الطبيعةُ الكلية من إيقاظ «الشفقة» و«الخوف» فينا. و«الأسطورة» (mythos) هو لبُّ هذه الخبرة. فجوهر المأساة لا يقوم على تصوير شخصياتٍ بعينها، بل على بنيةٍ فنية مشيّدة على الفعل، على الوقائع ذاتها والقصص. وفي هذا المعنى الجمالي لـ«الأسطورة» لا نتلقّى شيئاً مصنوعاً من الأبيات أو من الحكايات فحسب، بل نتلقّى تلك البنية الوسيطة الحاسمة: «الحبكة». ومن هنا – بحسب زابفه – ينهض منظورٌ بنيويٌّ محض، يعرض «المأساة» و«المأساوي» بوصفهما قابلين للتحقّق عبر البنية لا عبر المحتوى العيني: عبر التعاقب الموضوعي المأساوي. وعبر الطريقة التي تُشبك بها الأحداث وتُوصَل.

إنّ مفارقة الوجود الإنساني التي لا تنقضي تُبرز مفهوماً أساسياً في عمل زابفه: «الموضوعيّ المأساوي» (nor. objektiv tragisk, tragiske forløp) – أي مسارُ الأحداث، أو التعاقب الذي تكون فيه سلامةُ الذات مرتبطةً في النهاية بمصيبتها. وإنّ نظرية أرسطو في المأساة – كما تنتشر في «فن الشّعر» – تتمحور حول انهيار إنسانٍ فائق الفضيلة، يكشف – بسبب خطأٍ قدريّ في الحكم – عن عيبٍ دفين في طبعه. أمّا الحكايات «الموضوعية المأساوية» فلا يبدو أنّها تتوقف على خطأ البطل؛ إذ إنّ سقوطه يُستشرف من خلال «عظمةٍ ذات صلةٍ ثقافية».

ولكي ينقل نموذجه إلى المجال الفلسفي الأوسع، يُدخل زابفه تراتبيةً لـ «جبهات المصالح»، إذ إنّ صداماتها تُشكّل جوهر المأساة: جبهة بيولوجية، واجتماعية، و«الغاية الذاتية - autotelic» (المتعلّقة بما هو مُجزٍ في ذاته)، وميتافيزيقية. والجبهة الميتافيزيقية هي لبُّ الإنسانية. فلكي يختبر الإنسانُ «الموضوعيّ المأساوي» يحتاج إلى فضيلتين: رغبةٍ في عالمٍ عادلٍ ذي معنى، وأمانةٍ عقلية. وبما أنّ العنصر الأول وحده قد يكون جزءاً من «الشخصية» (حقيقيةً كانت أو متخيّلة)، فإنّ الاستجابة لظلم العالم وعبثه ينبغي أن تكون – وفق هذا المنظور – «التضحية بالمصالح الأدنى رتبةً لصالح المصلحة الميتافيزيقية». وهذا ما يسمّيه زابفه مساراً «بطولياً» (nor. Heltemodig) للأحداث، حيث يعاني الإنسان «… لكنه يواصل عمله مواصلةً بطولية، ولأجل – ويفضّل – غرضٍ ذي صلةٍ ثقافية». أمّا المسار «المأساوي» فيتطلب العنصرَ الإضافي: ويتكشف على إدراكٍ مُدمِّر أنّ الوجود لن يصير قطّ مرضياً من حيث المعنى والعدل، وأنّ كل عظمةٍ ممكنة مشدودةٌ بالضرورة إلى الظلم والإخفاق. وقد كتب جيسلي ر. تانجنِس (Gisle R. Tangenes) في مقالته لـ«Philosophy Now»: إنّ هذا الاستسلام لعدمية الجُهد هو، لدى زابفه، ذروةُ كثيرٍ من المآسي الكلاسيكية، من بروميثيوس المقيَّد إلى هاملت. فبحكم طبيعة الإنسان نفسها ستنشأ المسارات «الموضوعية المأساوية»، ومن صميم نظام العالم أن يكون «الهدمُ والعظمة مرتبطين ارتباطاً وظيفياً: فلعلّ العظمة ما كانت لتظهر في هذا الرجل لولا سقوطه بوصفه شرطاً مسبقاً».

غير أنّ زابفه – وهو يستقصي مفهومي «المحاكاة» و«الأسطورة» يصطدم بمشكلةٍ شبيهة بتلك التي صادفها مع لفظة «المأساة». إذ يعي غموض المصطلحين، ويلحظ أنّ ترجمة «المحاكاة» (mimesis) بعبارة «محاكاة فعلٍ» ليست ترجمةً مُشبِعة؛ فالكلمة قد تتّسع لتشمل معنى «الصنع/التوليد/الإنتاج» (manufacture/production)، وهو تفسيرٌ يسنده الفصل التاسع، إذ يفيد أنّ الحبكات والشخصيات يمكن «صنعها» بحرية:

ويتبيّن بوضوح أنّ الشاعر، أو 'الصانع'، ينبغي أن يكون صانعَ حبكاتٍ لا صانعَ أوزان؛ إذ إنّه شاعرٌ لأنّه يُحاكي، وما يُحاكيه هو الأفعال. وحتى إن اتفق أن تناول موضوعاً تاريخياً، فهو مع ذلك شاعر؛ إذ لا سبب يمنع أن توافق بعضُ الأحداث التي وقعت فعلاً قانونَ المحتمل والممكن، وبفضل تلك الصفة يكون هو شاعرَها أو صانعَها.

ومع ذلك، يبدو زابفه – في دراسته – متعلّقاً بمعنى «المحاكاة» بالمعنى المغلق الأضعف الذي يقدّمه أفلاطون، حيث يُطابق «المحاكاة» مع «نسخة/انعكاس» للناس والأحداث، من غير أن ينتبه إلى التحوّل الدقيق في مقاربة أرسطو. ومن المفيد التنبيه إلى أنّ «المحاكاة» تُفهم أحياناً إلى اليوم فهماً اختزالياً، متأثّراً بجماليات الواقعية والطبيعية في القرن التاسع عشر. ففي تاريخ الفنّ تُستعمل مصطلحات «المحاكاة» (mimesis) و«الواقعية» (realism) و«الطّبيعانية» (naturalism) كثيراً ما على سبيل الترادف – للدلالة على تمثيلٍ دقيق، بل «إيهامي» أحياناً، للمظهر المرئي للأشياء.

ومع ذلك، فإنّ العلاقة بين «المحاكاة» و«الأسطورة» لم تُستنفد بعدُ. فنقرأ في «فن الشعر» أنّ «الأسطورة» لا ينبغي أن يجري على نحوٍ نرى فيه رجلاً صالحاً فاضلاً ينتقل من السعادة إلى الشقاء؛ كما لا ينبغي أن يتحوّل «الأشدّ خزياً وإثماً» من سوءٍ إلى نعيم. إنّما يصلح لحمل قدر المأساة شخصٌ «ما بين»: لا يفوق غيره في الفضيلة والعدالة، ولا يلتصق بالشقاء «بسبب الرذيلة أو الانحطاط، بل بسبب خطأٍ ما أو وهنٍ ما».

وإذ يتّخذ زابفه فنَّ المحاكاة أداةً لتفسير دور المأساة والمأساوي، يُشدّد – قبل كل شيء – على العلاقة بين هذه المأساة وبين «الحياة» نفسها. إنّ القدرة على اختبار هذا الانفعال الجمالي-المأساوي، أي الشفقة والخوف الناشئين عن رؤية أنفسنا في الآخر («فالشفقة تُثار بالمصيبة غير المستحقّة، والخوف بمصيبة رجلٍ مثلنا»)، كامنةٌ في أساس الطبيعة الإنسانية. وبالمثل رأى شيلر أنّ الإحساس بالمأساة سمةٌ أساسية في العالم، تُعطى لنا من غير تحليلٍ مفهومي ولا تأويل: «فمباشرةً في الحدث المأساوي تُوضَع أمامنا خصوصيةٌ ما للعالم، حاضرةٌ أمام أعيننا في: هيئة التهيّؤ/التوجّس الكامن في الحدث نفسه». ثم إنّ المحاكاة عند أرسطو متجذّرة في مفهومه عن «الطبيعية» أيضاً. ففي «الميتافيزيقا» يحاجّ أرسطو بأنّ ما يميّز الإنسان من سائر الأنواع هو قدرته وميله إلى عودةٍ تأمّلية إلى الخبرات والمشاعر التي مرّ بها من قبل – وهو نشاطٌ تجهله الكائنات الأخرى. وفي جوانب عديدة تظهر المحاكاة تعبيراً عن هذا «التذكّر/الاستعادة» (reminiscence). وتغدو المحاكاة – بهذا المعنى – تحقيقاً لإنسانيتنا، وفي الوقت نفسه اعترافاً بها. وقد كان شوبنهاور يرى هنا طريقاً إلى الخلاص والمعرفة عبر الشفقة والخبرة الجمالية، أي سبيلاً لتقليل مقدار الألم والمعاناة في العالم. أمّا زابفه فلا يريد الهرب من المعاناة؛ لأنّ الهرب ليس إلا حيلةً تُقلّص اصطناعياً محتوى الوعي من غير أن تترك أثراً في العالم الخارجي. إنّه يحتضن «الأثر الوجداني» (pathos)، لأنّه لا يبلغ جواب السؤال الذي لا يخبو – ما معنى أن يكون المرء إنساناً؟ – إلا عبر هذا الإدراك، وهذا الانفتاح على العالم، وإطلاق محتوى الوعي من عقاله. يقول زابفه في «المسيح الأخير»:

لكي يكتب المرء مأساة، لا بدّ أن يتحرّر – إلى حدٍّ ما – من الشعور المأساوي ذاته، بل أن 'يخونه'، كي يستطيع أن ينظر إليه من خارجٍ ما، من منظورٍ مثل المنظور الجمالي.

ولا يكاد المرء يعثر على برنامجٍ أُحسن تنفيذه مثلما نُفِّذ في عمله الأعظم. فبالعودة إلى الجذور، إلى منبع هذه المدرسة الفكرية، يصنع زابفه موازاةً متعددة الأبعاد بين المفاهيم الكلاسيكية التي يناقشها أرسطو في «فن الشّعر» وبين الخبرة الجمالية-المأساوية الراقدة في أساس الإنسانية. ويحتلّ فنّ المحاكاة مكاناً خاصاً في هذا النسق، إذ يُقيم جسراً متعالياً للفهم بين البنية الكلّية لمأساة الإنسان (mythos) الحاضرة في الخطاب منذ العصور القديمة – وبين كل تجربةٍ مأساوية ذاتية.

ومع أنّ عمل أرسطو معترفٌ به على نحوٍ كوني في التقليد الأدبي، فإنّ «كل تفصيلة تقريباً في عمله المؤسِّس قد أثارت آراءً متباينة». ولم يكن تحليل زابفه لأصو


ل المأساة الإنسانية استثناءً من ذلك. فكما في المرحلة الثالثة من «المحاكاة الثلاثية» (triple mimesis) عند ريكور، يقوم زابفه – بوصفه متلقّياً لعمل أرسطو – بتحديث إمكانات التأويل المضمَّنة سلفاً في «فن الشعر» تحديثاً فريداً. إنّ إعادة تفسيره هي في جوهرها «إعادة تشكّل/إعادة تصوير» (re-figuration)، إذ يمنح النص معنىً جديداً بإحالته إلى عالمٍ يعرفه من خبرته الشخصية وهي قدرةٌ سمّاها جيني خاصّةً بالإنسان وحده. وهذه المعاني المسنَدة لا تؤثر في فهمه لـ«فن الشعر» فحسب؛ بل إنّ العمل الأدبي يبدّل أيضاً إدراكه للواقع، وفي النهاية الواقع نفسه. وفي تقييمه للموضوع نجح في جمع مسائل دقيقة ذات طبيعةٍ جمالية وفلسفية، إلى جانب الخطاب العضوي الحديث في «البيولوجيا التطبيقية». وباستقصائه جذور مفهومه البيوصوفي للمأساة في «فن الشعر»، يعيد تفسير «المأساوي» ويعيد اختراعه، حتى يغدو المفهوم في النهاية مِلكاً له.

إنّ خبرة زابفه بالقلق شخصية. وصراعه الذي لا ينتهي، وكفاحه للتماس توازنٍ بين التفاهة وبين المثال/الميتافيزيقي، جعلاه هو نفسه موضوعاً لخبرةٍ مأساوية. وليس ثَمّة «وعيٌ بالقدَر» ضروريٌّ منقوش في كل عقل؛ غير أنّ ثمة استعداداً طبيعياً لهذا اللون من الصراع لدى أولئك الذين نالوا هذا النوع من المعرفة: الذين اكتشفوا أنّ مطالبهم الميتافيزيقية بالمعنى والعدل لا يمكن الوفاء بها. وقد قال زابفه مرةً: «إنّ الإنسان ليس حاملاً للفلسفة فحسب؛ بل هو أيضاً في قلب المسرح بوصفه موضوعها». وحقاً، فإنّ هذه القدرة على تصوير خبرة الإنسان بالعالم – بما فيها من بعدٍ شخصي وبُعدٍ كوني – هي التي جعلته واحداً من أكثر فلاسفة الوجودية أصالةً في القرن العشرين.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق