كيف يكتبُ النصُّ قاتله؟

لقد انقضى على «دفن» رولان بارت للمؤلف أكثرُ من خمسين عامًا. واليومَ صار مقالُه «موتُ المؤلف» (١٩٦٨) - الذي يجادل بأن معنى النص لا يتوقف على ما «أراد أن يقوله» مؤلفُه، بوصفه وعيًا فرديًا تعبيريًا - نصًّا تأسيسيًا (canonical) في النقد الأدبي، وإن ظلّ مثارَ جدلٍ وخصومة. وبحسب بارت، فإن فعلَ الكتابة ذاته هو موتُ المؤلف: فالكتابة هي «حيثُ ينفلتُ موضوعُنا، السلبُ الذي تُفقَد فيه كلُّ هوية». وعلى هذا الرأي، لا ينبغي قراءةُ النصّ بوصفه تعبيرًا ذاتيًا لفرد، بل بوصفه «نسيجًا من اقتباساتٍ مسحوبةٍ من مراكز الثقافة التي لا تُحصى». ومعناه الحقيقي بوصفه وحدةً أو كليةً لا يُكتشَف عبر صورة المؤلف؛ بل إن التأويل الأدبي، في واقع الأمر، لا يتضمن البحث عن مثل هذه الحقيقة أصلًا. «إن إعطاءَ النص مؤلفًا»، يكتب بارت، «هو فرضٌ على النص، وإمدادٌ له بدالٍّ أخير، وإغلاقٌ للكتابة… في تعددية الكتابة ينبغي أن يُفكَّك كلُّ شيء، وألا يُفكَّ شيفرةَ شيء». وإذا كانت الكتابة هي «تدميرُ كلِّ صوت»، فالصوت نفسه يمكن مع ذلك أن يُحسب «نقطةَ منشأ». وفي هذا التفريق بين الكتابة - بوصفها غيابًا وسلبًا - والكلام - بوصفه شكلًا من الحضور الذاتي الأصيل - يوفِّر المقال، على الأقل، قدرًا من الطمأنينة للنظرة الساذجة إلى اللغة والتواصل. غير أنّه، على ضوء تفكيك دريدا للمعارضة بين الكلام والكتابة في «علم الكتابة» (Of Grammatolog) ، يتبيّن أن الكلام، مثل الكتابة، قائمٌ على شقٍّ عنيفٍ في الحضور الذاتي. وبناءً على تحليل دريدا، لا الكلام ولا الكتابة يستطيعان النفاذ إلى الحقيقة أو تمكين «تعبير ذاتي» صادق: فالمتكلّم ميتٌ بقدر المؤلف، من حيث القدرة على أن يكون ضامنًا للمعنى. والمؤلف، كما يكتب فوكو، هو «الميت في لعبة الكتابة».

وقد يُسأل: أيُّ جدوى يُرجى من إعادة النظر في مقالة بارت الشهيرة عن موت المؤلف؟ غير أنّ قراءة «موت المؤلف» اليوم تجعل نقطتين متداخلتين تبرزان بحدةٍ خاصة. الأولى: وضوح استمرار هيمنة المؤلف في موقف الثقافة من الكتابة. والثانية: أنّ النقد، بدل أن «يُقوَّض» بموت المؤلف كما توقّع بارت، ظلّ قائمًا، بل لعلّه واصل عمله بزخمٍ أشد. فإذا كان موت المؤلف - كما كتب بارت سنة ١٩٦٨ - «ليس مجرد واقعة تاريخية»، بل لا يزال يملك قدرةً على أن «يحوّل النص الحديث تحويلًا تامًا»، بدا مشروعًا أن نقف عند هذه الملاحظات العامة ذات الطابع التجريبي.

ويمكن أن تُستعمل حكاياتٌ تفسيرية شتى لتفسير هذا الوضع الغريب. أهو يدلّ - مثلًا - على أنّ بارت، وقد كان لمقاله أثرٌ ضئيل أو معدوم في فعل القراءة داخل الأكاديمية أو خارجها، هو صوتٌ بطوليٌّ لم يُصغَ إليه، وصار اليوم يطالبنا على وجه الاستعجال بالإنصات؟ أم يدلّ، على العكس، على أنه كان مخطئًا؟ لكن إعادة تناول «موت المؤلف» لا يُغري كثيرًا إذا اقتصرت على تكرار موقف بارت، أو على توبيخ القرّاء المعاصرين لأنهم لم «يهضموا» درسه. والأهم من ذلك: إن مشروعًا كهذا، وهو يعيد القراءة، لا يمكن أن يتوقع العثور على «ما كان بارت يقصده حقًا»، ولا أن يسمع «الميت» يتكلم - أي أن يسترجع «صوتَه» الأصيل و«معناه الحقيقي». إن هذه المقالة تهدف إلى أن تُظهر - عبر قراءةٍ قريبة (close reading) لـ«موت المؤلف» - الطبيعة الإشكالية العميقة لحساب المقال، في ما يتعلق بالنقطتين المتلازمتين السابقتين: أولًا، ستُناقَش مسألةُ هيمنة المؤلف في «الثقافة العادية»، ثم سننتقل إلى مناقشة الصحة الظاهرة للنقد - وكلا الأمرين يعجز مقال بارت عن تفسيرهما تفسيرًا مُقنعًا. وأخيرًا سيُقال: إن هناك - على الرغم من قصور المقال الواضح - أسبابًا وجيهة لتجديد هجوم بارت على المؤلف وتوسيعه.

في هذا القسم الأول سأبحث الفكرة القائلة إن المؤلف، على مستوى الاستهلاك (وأعني بذلك الثقافة «العليا» و«الدنيا» معًا)، لا يزال يملك السيادة في الغرب. فالوضع هنا، في الجملة، كما وصفه بارت سنة ١٩٦٨ حين كتب: «لا يزال المؤلف يملك السلطان في تواريخ الأدب، وفي سير الكتّاب، وفي المقابلات، والمجلات، كما في وعي رجال الأدب القلقين على جمع شخصهم وعملهم في اليوميات والمذكرات. إن صورة الأدب في الثقافة العادية تتمركز طغيانًا حول المؤلف: شخصه، حياته، أذواقه، أهواءه». ففي ما يسميه بارت «الثقافة العادية» يظل مفهومُ المؤلف وما «أراد أن يقوله» هو «تفسير» الأدب. وقد يبدو هذا برهانًا على صواب تحليل بارت وبقائه؛ غير أن مقاله لا يبيّن حقًّا لماذا يملك المؤلفُ هذه القدرة التفسيرية المطلقة. بل إن دقة وصفه التجريبي تُخفي اضطرابًا أصيلًا في تفسيره لأهمية المؤلف.

فما طبيعة هذا الاضطراب؟ حين يجادل بارت بأن المؤلف «شخصيةٌ حديثة، من منتجات مجتمعنا، ما دام هذا المجتمع - وقد خرج من العصور الوسطى مع التجريبية الإنجليزية، والعقلانية الفرنسية، والإيمان الشخصي للإصلاح الديني - قد اكتشف وجاهة الفرد…»، فإنه يُمَوضع المؤلف داخل إحداثيات اجتماعية-تاريخية معينة. لكن المشكلة هي: كيف ينسجم هذا الادعاء التاريخي مع الادعاء الأنطولوجي (ontological) الذي يورده المقال أيضًا، وهو أن الكتابة - في ماهيتها - تجعل موت المؤلف لازمًا؟ فإذا كان موت المؤلف ضرورةً، فكيف يصح أيضًا أن المؤلف يولد في عصرٍ تاريخي محدّد هو عصر الرأسمالية (Capitalism)؟ كيف يولد المؤلف من الكتابة عينها التي تستلزم موته؟ إن الدعوى تُوحي بأن ولادة المؤلف في الكتابة حادثةٌ تاريخيةٌ مشروطةٌ بأن تمنح الرأسمالية للفرد «وجاهة» مخصوصة، لكن موت المؤلف - مع ذلك - نتيجةٌ أنطولوجية لازمة لطبيعة الكتابة بما هي كذلك. ومن الجليّ أن هذين القولين لا يستقيمان معًا؛ ولذلك يفشل بارت في تقديم تفسيرٍ مقبول، من جهة، لقوة المؤلف في «الثقافة العادية»، ومن جهة أخرى لعلاقة المؤلف بالنص؛ بل ربما عجز عن تفسير الأمرين معًا.

ولتعزيز هذا الاعتراض، ينبغي النظر بتفصيلٍ أكبر في فكرة أن طبيعة الكتابة تستلزم موت المؤلف. ويُلاحَظ أن فوكو ودريدا، على نحوٍ عام، يشاركان هذا الموقف: كلاهما يرى أن موت المؤلف لازم، وأنه يترتب - لا محالة - على طبيعة الكتابة ذاتها. ومع ذلك، فإن مقال بارت يقدّم أسبابًا كافية للريبة في فكرة أن الكتابة هي «موتٌ ضروري» للمؤلف. فبارت يعجز عجزًا تامًا عن البرهنة على هذه الضرورة، وهو لا يقدم لها إلا ثلاثة أنواع من الشواهد: أدبية، ولسانية، وأنطولوجية. أما الشاهد الأدبي، فبدل أن يدل على ضرورةٍ عامة، لا يكاد يدل إلا على وضعٍ عرضيٍّ غير لازم: إذ يصعب أن نرى كيف تُثبت أوجه الشبه بين جماعةٍ من الكتّاب متقاربين للغاية في الزمن والثقافة مثل مالارميه (Mallarmé) وفاليري (Valéry) وبروست (Proust) والسرياليين (Surrealists) ضرورةً تمس كل كتابة. أما الشاهد اللساني، القائم على فكرة «الإنجازي» (performative) عند سيرل وأوستن (Searle & Austin)، فتشوبه طبيعةٌ تشبيهية غائمة: قد تكون كل كتابة «شيئًا شبيهًا» بالإنجازي، لكنها لا تُوصَف به وصفًا صارمًا وفق المعايير التي يذكرها بارت نفسه: «صيغة لفظية نادرة (لا تُعطى إلا في المتكلم المفرد وفي الزمن الحاضر)». وهذه الأمثلة الأدبية واللسانية، مهما يكن لها من وجاهة في سياقاتٍ أخرى، لا تكفي لإثبات ضرورةٍ من أي نوع في موت المؤلف.

ولا يبقى إذن إلا الادعاء الأنطولوجي: أن الكتابة بطبيعتها تُميت المؤلف لأنها تُدمّر «الصوت». غير أن هذا الادعاء يمكن نقضه دون الخوض في ماهية الكتابة. فإلى جانب استحالة التوفيق بينه وبين القول التاريخي الذي يردّ أصل المؤلف إلى طورٍ مخصوص من التاريخ، أي الرأسمالية، فإن المشكلة في هذا الادعاء أنه يمنح المؤلف امتيازًا جديدًا. كيف يكون موت المؤلف لازمًا بناءً على دعوى أنطولوجية عن نمط وجود الكتابة؟ إن مثل هذه الدعوى لا بد أن تكون عن المؤلف - عمّن يكتب. وليست المشكلة في أن موت المؤلف، على هذا الأساس، يفترض مؤلفًا حيًّا يكتب، بل في أن المؤلف، ميتًا كان أم حيًّا، حاضرًا أم غائبًا، يظلّ الشرط الضروري للكتابة، ومبدءَها التفسيري المميَّز. فإذا كان على المؤلف أن يموت شرطًا للكتابة، فإنه يظلّ تفسيرَ الكتابة، ولكن على مستوى أكثر تجريدًا ولا تاريخية. إن الموت الضروري يزيد سلطة المؤلف بدل أن يُنقصها. ولهذا يبدو لي أن النقد الأدبي يخدمه أكثر أن نفترض: موت المؤلف ليس نتيجةَ ضرورةٍ كامنة في الكتابة، بل هو - مثل ظهور المؤلف في الرأسمالية - واقعة تاريخية وسياسية.

وعليه، لا يمكن أن يكون موت المؤلف ضرورةً مستندةً إلى طبيعة الكتابة إذا أُريد لمبدأ أصل المؤلف التاريخي أن يُوضَع في لحظة تاريخية بعينها. فلا يمكن للمؤلف أن يموت بالضرورة إذا كان قد وُلد فعلًا في لحظة محددة من تاريخ الكتابة - هي لحظة الرأسمالية. إن ربطَ المؤلف بالرأسمالية أطروحةٌ شديدة القوة. وليس من المصادفة - بالطبع - أن يكون المؤلف مهيمنًا على مستوى الاستهلاك الثقافي ورأس المال (Capital)، وأن يذهب بارت وفوكو إلى أن المؤلف هو «تجسيدُ الأيديولوجيا الرأسمالية وذروتها» وأنه «نتاجٌ أيديولوجي».

وإذا نظرنا إلى الأمر هكذا، لا بوصفه مبدأً كامنًا في الكتابة، فإن الضرورة الوحيدة خلف موت المؤلف هي ضرورة فلسفية وسياسية: ضرورة البلاغة الثورية؛ إعلان مقاومة للرأسمالية، واللّاهيغلية (anti-Hegelianism) مشتركة بين كثير من مفكري ما بعد البنيوية (post-structuralism). حين يجادل بارت بأن الكتابة في جوهرها «نشاطٌ مضادٌّ للاهوت، نشاطٌ ثوري حقًّا، لأن رفضَ تثبيت المعنى هو - في النهاية - رفضُ الرّب وتجلّياته: العقل، والعلم، والقانون»، فإنه يجند الأدب في صف معركة ثورية. ولنشوة ماي ٦٨ (May 68) حضورٌ قريب. غير أنّ ثورة بارت على المؤلف - كما شأن تلك الأحداث - لا يبدو أنها غيّرت كثيرًا. فاليوم، كما في ١٩٦٨، لا يزال المؤلف هو الشخصية الغالبة في الأدب، كما يواصلُ مجتمعُ الاستهلاك عملَه بأدنى اضطراب، مُسترجِعًا كل معارضة ومُحوّلًا إياها إلى سلعة.

ومع أن هذا التشبيه بماي ٦٨ لا ينبغي أن يُسترسل بعيدًا، فإن بذور هذا الإخفاق كامنة في مقال بارت نفسه. فحين يجعل موت المؤلف أمرًا حتميًا وضرورةً أنطولوجية، فإنه يشجع استجابةً تتجاهل المؤلف ببساطة، وبذلك يحجب لوازم فلسفية وسياسية بعينها. إن مكان المؤلف، بالنظر إلى قوته وأهميته في ثقافتنا، لا يمكن تجاهله، بل ينبغي فحصه فحصًا دقيقًا للغاية، وتعيين معنى محدد له في علاقته بالنص وبالنقد و«الثقافة العادية» التي لا تزال تتخذ المؤلف مبدأً حاكمًا متعاليًا للكتابة. فمحاولة طرد المؤلف من النقد ليست كافية ما دام المؤلف - «الميت في لعبة الكتابة» - لا يزال يُطارد القراءة، عائدًا في أشكالٍ أخرى، مُحييًا قوى شبحية تتكلم باسمه. ومن هذه الجهة تغدو قراءة فوكو لـ«وظيفة المؤلف» (author-function) مهمة، لأنها تحاول «لا أن تتجاوز الإحالات إلى المؤلف فحسب، بل أن تضع… غيابَه في موضعه». لكن بدلًا من الانتقال إلى ذلك النص، سأبحث الآن مشكلةً ثانية، أشدّ جوهرية في مقال بارت. فإذا كان المقال لا ينجح في تثبيت الدعوى بأن الكتابة بذاتها تستلزم موت المؤلف، فإنه يفشل أيضًا في نهاية المطاف في بناء حجةٍ مقنعة ضد المؤلف بوصفه «نتاجًا أيديولوجيا» للرأسمالية. لا لأن الأطروحة غير مقنعة - ففكرة بارت، وقد صاغها فوكو بأناقةٍ أكبر، أنّ المؤلف في الرأسمالية هو «مبدأ الاقتصاد/التقتير في تكاثر المعنى». فكرةٌ شديدة الإقناع - بل لأن بارت، وهو يندد بموقع المؤلف وبأسسه في «المجتمع، والتاريخ، والنفس (psyché)، والحرية»، يُدخل في تحليله شخصيةً أخرى تستمد قوتها من الأرض ذاتها التي يستمد منها المؤلف: شخصية القارئ.

ينتقل القسم الثاني إلى مسألة القبول الظاهر لـ«موت المؤلف» داخل التقليدية النقدية الراهنة، ليبيّن أن إعادة إدخال الذات (subject) هي - من جهة - ما يتيح للنقد التقليدي أن يُقنِّن بارت بأمان، وهي - من جهة أخرى - ما يُفسد محاولته لنقد المؤلف بوصفه منتجًا للرأسمالية. ويمكن - بلا شك - القول إن مقال بارت، وإن كان يُقرأ على نطاق واسع ويُدرَّس داخل الجامعات، قد أُدرج في مفهوم وممارسةٍ سابقتين للنقد الأدبي، فانتُزع من سياقه وسُحب من طاقته السياسية. والسياق الذي يُقال إنه انتُزع منه هو سياق ماي ١٩٦٨ وما بعد البنيوية الفرنسية، أما السياسة فهي نوعٌ متأثرٌ بقراءة ألتوسير (Althusser) اللا-إنسانوية (anti-humanist) لماركس. ويذهب هذا الخط من الحجاج إلى أنّ ما هو الأكثر راديكالية في نقد بارت لهيمنة المؤلف يُمحى بفعل طبيعة التقليد الذي امتص مقاله. وهذا التقليد يضع النص موضوعًا أمام القارئ ذاتًا في علاقة تأويلٍ تُحكم - منذ أفلاطون على الأقل - بمفاهيم الحقيقة والمنفعة واللذة.

إذا سلكنا هذا الطريق، أمكن أن نرى أن ما يجعل هذا الاستيعاب (recuperation) ممكنًا هو أنّ المؤلف، ضمن هذا النموذج التقليدي، يمكن أن يُقتل ظاهريًا بينما تُزاح سلطته إلى موضعٍ آخر. نعم، تُستبدل فكرة التأويل الصحيح المطابق لقصد المؤلف بنصٍّ بلا مؤلف يتسم بالالتباس؛ لكنّ الحقيقة التي كان النقاد يطلبونها كانت أصلًا مراوغةً وإشكالية، فلا يتغير عمل النقد في جوهره. إن علاقات النص بالقارئ وبالتأويل وبالمنفعة وباللذة تبقى على حالها. وهذا يشبه الطريقة التي تُعيد بها القيم الإنسانية العلمانية إنتاج القيم الدينية، ولكن في غياب الرّب: فحيث تُنقل سلطاتُ الرّب في الإنسانيات إلى الإنسان، تُجزَّأ سلطة الأصل التي كانت تُنسب إلى المؤلف في النقد الأدبي وتُوزَّع بين مصادر بديلة.

لقد أعطت «حقيقةُ الرغبة» (في التحليل النفسي)، و«حقيقةُ التاريخ» (في الماركسية والمادية الثقافية والتاريخانية الجديدة)، و«حقيقةُ الجنس والنوع» (في النسوية ونظرية الكوير)، و«حقيقةُ العِرق» (في ما بعد الكولونيالية)، وفي أشدّ صور الإيهام غموضًا «حقيقةُ النص نفسه»، كلها - أعطت - النقدَ خطاباتٍ جديدة تحلّ محل قصد المؤلف. كما أن الامتيازات الحقيقة-المحورية التي تُمنَح لـ«النص» وللتاريخ وللرغبة، على وجه الخصوص، تتيح للنقاد متابعة ممارسات تفسيرية شديدة الشبه بممارسات النقد القائم على المؤلف، في مطاردة دوالّ عليا (master-signifieds) تُكليّن الكتابة وتوحدها.

غير أن هذا النمط من الحجاج - الذي يصور بارت على أنه الراديكالي الحقيقي الذي أُسر ودُجّن بآلة النقد المؤسسية - قد يبدو معقولًا؛ لكنه لا يُؤخَذ مأخذَ الجدّ كاملًا، لأن بارت ليس راديكاليًا إزاء هذا النموذج التقليدي بالقدر الذي توحي به بلاغته الثورية. وإذا كان النقد، خلافًا لظنّه، قد نجا من موت المؤلف بل ازدهر عليه، فإن أسباب ذلك كامنةٌ داخل مقال بارت لا خارجه. ويظهر هذا في الطريقة التي يعيد بها المقال كتابة الذات - التي تتوسط المؤلف في النقد التقليدي - في قلب نموذجه الجديد الذي يزعم الثورة. وهذه الملاحظة معروفةٌ يسهل إثباتها، بما أنّ فقرة المقال الأخيرة تُدخِل «القارئ» دخولًا ظافرًا. والمهم هنا أنّ ذلك يعيد إنتاج النموذج التقليدي للنقد بوضع الذات في مركزه، وأن له تبعات خطيرة على محاولة بارت أن يجعل موت المؤلف إعلانًا لمقاومة الرأسمالية. فإذا كان إدخال القارئ يقوض إمكان المقاومة، فلن يستطيع المقال أن يؤسس لا ضرورةَ موت المؤلف ولا قيمته الفلسفية والسياسية من زاويةٍ أكثر عرضية. ثم إن المشكلة ليست مجرد تفضيل القارئ، بل تفضيل سلسلةٍ كاملة من سوء التعرّف (mis-recognitions) المتعلقة بمفهوم الذات/الموضوع (subject).

فمنذ البداية، يفترض التفريق بين الكلام والكتابة إمكانَ كلامٍ صادق، وبالتالي إمكانَ ذاتٍ فردية لا اغتراب لها في كلامها. إن إقامة هذه المعارضة بين الكلام والكتابة تقتضي منطقيًا أن تبقى وحدةُ الذات والنص - المستحيلة في الكتابة - ممكنةً في الكلام. ثم حين يؤرخ بارت المؤلف بوصفه «نتاجَ مجتمعنا»، فإنه يتعامل مع فئة «الفرد» كمعطًى بديهي. يرى أن «الوجاهة» و«الأهمية» اللتين مُنحتا للفرد هما «أيديولوجيا رأسمالية»، لكنه لا يدرك على وجهٍ تام أن فئة الفرد نفسها هي أيضًا «نتاجٌ أيديولوجي». وعلى الرغم من هذين النقدين، ينبغي الاعتراف بأن المؤلف وفئة الذات وافتراضات النقد التقليدي قد نالت - بحلول نهاية الفقرة الثانية من المقال - ضربةً قوية. لكننا في الفقرة الثالثة نجد الذات، وقد طُردت باسم المؤلف، تعود بصورةٍ أخرى. فبعد إحدى أكثر مقولات المقال جذريةً: «إنها اللغة التي تتكلم، لا المؤلف»، يكتب بارت أن «شعرية مالارميه كلها قائمة على قمع المؤلف لصالح الكتابة» - ثم يضيف بين قوسين - «(وهو ما، كما سيُرى، يُعيد مكان القارئ)». في القوس تُحفَظ الذات في اللحظة ذاتها التي يُزعم أنها قابلةٌ للاستغناء. والمقولة الثورية: «إنها اللغة التي تتكلم» وأن «اللغة وحدها تفعل» في الكتابة، تُقوَّض فورًا، في الجملة التالية مباشرة، بإعادة إدخال الذات في صورة القارئ.

ثم يمر المقال عبر عددٍ من المواقف البالغة الأهمية والجذرية، التي كان ينبغي - رغم الإرجاع القوسي - أن تترك للذات مجالًا ضئيلًا، بوصفها قارئًا أو مؤلفًا، وأن تُسقط معها المفهوم التقليدي للنقد. أولًا: مفهوم «الكاتب/الناسخ» (scriptor) الذي «يولد في آنٍ واحد مع النص» وليس «مجهزًا بأي وجودٍ سابق على الكتابة أو متجاوزٍ لها». فالناسخ ليس إلا ذاتَ إنجازٍ/إسنادٍ (subject of enunciation)، موضعًا فارغًا لا يحيل إلى فردٍ ولا إلى شخص. ثم اقتراح أن «الذات» بناءٌ نصي: أن «الشيء الداخلي» الذي يظن الكاتب أنه يترجمه ليس إلا «معجمًا جاهزًا»، وأن «الحياة لا تفعل أكثر من أن تُحاكي الكتاب». وأخيرًا تقترح الفقرة ما قبل الأخيرة نقدًا بلا ذات، مضادًا للاهوت، «ثوريًا حقًّا» في رفضه «تثبيت المعنى»، معارضًا للنموذج التقليدي للنقد، وللدين، وللرأسمالية معًا.

غير أنّ انقلابًا مفاجئًا يقع في الفقرة الأخيرة. فالذات - التي طُردت باسم المؤلف وظلت محفوظةً قوسيًا باسم القارئ - تُوضَع فجأة في قلب المشهد. ففي الفقرة الأولى قال بارت إن الكتابة «ذلك الفضاء الحيادي المركّب المائل، حيث ينفلت موضوعُنا، السلبُ الذي تُفقَد فيه كلُّ هوية، مبتدئين بهوية جسد الكتابة نفسه». أي إن النص - الكتابة - لا هوية له ولا وحدة؛ ولا يمكن القبض على كليته في صورة المؤلف. لكن بارت، في الفقرة الأخيرة، يعيد توطين هذه الوحدة في صورة القارئ. فبإحلالٍ مباشر، يحلّ القارئ محل الكاتب، كاشفًا «الوجود الكلي للكتابة». يكتب بارت:

[إن] النص مؤلفٌ من كتاباتٍ متعددة… لكن ثمة مكانًا واحدًا تُركَّز فيه هذه التعددية، وذلك المكان هو القارئ لا، كما قيل حتى الآن، المؤلف. القارئ هو الفضاء الذي تُنقش عليه جميع الاقتباسات التي يتألف منها نصٌّ ما دون أن يضيع منها شيء؛ إن وحدة النص ليست في أصله بل في وجهته.

بهذه الحركة يستعيد بارت لا مركزية الذات فحسب، بل وحدة النص أيضًا، وإمكان القبض على النص في كليته «بلا احتراز». إن مشروعه الذي يبدو لاهيغليًّا بسحب الولاء من مقولات الوحدة والكلية والذات، ينقلب إلى مجرد إزاحة: من المؤلف إلى القارئ. وكون هذا القارئ المثالي غير «شخصي» لا يزيد إلا في تثبيت فئة الذات، إذ يمنحها معنى كونيًا قائمًا على إمكان موضع ذاتي حيادي «بلا تاريخ ولا سيرة ولا نفس». إن «ميلاد القارئ» عند بارت «على حساب موت المؤلف» يعيد كتابة الذات في دورٍ لا يقل قوةً عما كان، بوصفها المبدأ التفسيري للكتابة، وأرضية النقد، و«المنتج الأيديولوجي» غير المفحوص للرأسمالية. وفي المحصلة: لا يثبت المقال ضرورةَ موت المؤلف، ويترك النقد متمركزًا حول الذات كما كان، ويخفق في مقاومة استثمار الرأسمالية في المؤلف، أو في تفكيك أساسها في فئة الذات.

ختامًا، لا بد من التعرض لاعتراضين مهمين على ما قلت، كي يتضح مسوّغ نقد مقال بارت بهذه الصورة. أولًا: ما الذي يجعل الإصرار على إقصاء الذات - بوصفها مؤلفًا أو قارئًا - من النقد أمرًا ضروريًا؟ فإذا لم تكن ثمة ضرورة لموت المؤلف، كما حاججتُ، فلماذا يرغب النقاد في طرد هذه الصورة، أو طرد فئة الذات التي تسندها، من النقد، أو - في الأقل - في إزاحتها على الدوام ومنازعة سلطانها؟

والجواب يتصل بالخطابات النقدية التي ذكرتها آنفًا حين قيل إن مصطلحاتٍ بعينها قد حلّت محل المؤلف: الرغبة، والتاريخ، والنوع، إلى آخره. ولعلك شعرت - وهذا الاعتراض الثاني الذي أستبقُه - أن تلك الإشارة كانت سبيلًا إلى تهميش هذه المشاريع. فقولُنا مثلًا إن النسوية تعيد إنتاج افتراضات النقد القائم على المؤلف قد يبدو كأنه إلغاء لها من أصلها. وعلى الأقل، لا ريب أن تعميمًا من هذا القبيل يُفرط حين يعامل كل المشاريع النسوية كأنها واحد؛ كما أنه تتجانس مشاريع نقدية مختلفة، فيعامل العِرق والنوع مثلًا كأنهما قابلان للتبادل، فيغفل فروقًا جوهرية وينفيها. ثم إن التركيز على بارت وفوكو ودريدا يمنح خطابًا ذكوريًا أبيض امتيازًا ويقيم تراتبيةً ضمنية.

غير أني، بإبراز هذه الاعتراضات، إنما أريد منازعتها. فالمشاريع النقدية التي سميتها (التحليل النفسي، الماركسية، النسوية، نظرية الكوير، ما بعد الكولونيالية) لم تكن أمثلةً اعتباطية، بل هي تحديدًا المجالات التي لها أكبرُ مصلحة في تفكيرٍ أعمق بموت المؤلف. فهي تقوم - بطرقٍ شتى وبطموحاتٍ متباينة - باستجواب الفئة المعيارية للذات التي تتخذها الكولونيالية الغربية والأبوية (Patriarchy) نموذجًا مثاليًا. وهذا «المثالي» كثيرًا ما يُنسب إليه خصائصُ تجريبية. لكنه أيضًا شخصيةٌ غير تجريبية، مجردة، تحكم الفكر الإنساني (humanism) على كل مستوى: «الإنسان» المجرّد بوصفه «مقياس كل شيء». ولهذا بالذات يجب على هذا النقد - الذي يُدرج ضمنه مقال بارت - أن يُصرّ على جعل الذات موضعَ إشكال داخل الكتابة.

فإذا مُنحَت الرغبةُ أو التاريخُ أو العِرقُ أو النوعُ أو الجنسيةُ قدرةً تفسيرية على النحو الذي كانت تُمنح به للمؤلف، فإن القراءة ستظل، في كل حالة، تجري عبر فئة الذات، ذلك المثال المعياري الذي لهذه الخطابات كلها مصلحةٌ في منازعته. ومن ثم فإن كل نقدٍ له استثمارٌ في موت المؤلف، وفي جعل مفاهيم مثل الرغبة والتاريخ والعِرق والنوع والجنسية موضعَ إشكال، بالقدر الذي تُخفي فيه هذه المفاهيم فئةَ الذات وتُدار بها. وما حاولتُ إظهاره هو أنّ كل محاولة لتأزيم المؤلف - ومن ثم فئة الذات - يمكن أن تربح كثيرًا من تحليل مقال بارت.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق