أوفيد

 

الأنسبُ لجرحي - والأجدرُ بأن يطبّبه -

مَن أحسنَ معرفةَ كيف يُثير العواطفَ الرقيقةَ اللطيفة؛
إنه أوفيد، فيلسوفُ الحبّ الرقيقُ الوديع.
فقد آثرتُ «رسائلُ الحبّ» له لأصحابي؛
لأني وجدتُ فيها نظيرَ آلامي، وشقيقَ شكاتي.

جون درايدن، «الحبُّ الظافر» (١٦٩٤)، الفصل الثاني، المشهد الأول.

أوفيد، أوّلُ شاعرٍ في العصر الجديد من روما الإمبراطورية، تُوفّي سنة ١٧م في المستوطنة اليونانية تومِي على الساحل الغربي للبحر الأسود. وجلُّ ما نعرفه عن حياته مستفادٌ من قصيدته «الأحزان» (الأحزان) التي نظمها في السنوات الأخيرة الكالحة من منفاه. وُلِد أوفيد سنة ٤٣ق.م، وهي السنة التي انطوى فيها أخيرًا عهدُ النظام الجمهوري القديم حين سقط القنصلان كِلاهما في ساحة القتال أمام المغتصِب الطامع أنطونيوس. وقد وافقت سلسلةُ الحروب الأهلية الدامية - التي انتهت بانتصار أوكتافيان في أكتيوم سنة ٣١ق.م - سنواتِ طفولة أوفيد ومراهقته؛ فلا جرمَ أنّ الوقائع المروّعة التي صاحبت بزوغ «صاحب الصدارة/الأمير الأوّل» (princeps) قد وسمت النفوس، لكنها لم تُطارد خيال أوفيد المبكّر كما طاردت خيال فيرجيل أو بروبرتيوس. وفي بلدته سُلمو - وهي الحاضرة القديمة لقبيلة البيليغني، على نحو تسعين ميلًا، وبُعدَ عالمٍ كاملٍ عن روما - كان أوفيد يجد عُدّته في موارد أسرةٍ عريقةٍ موسرة من طبقة الفرسان. ولمّا كان الابنَ الثاني، كانت أسرته تتوقع أن يمضي في سلك الخدمة العامة والقانون كما صنع أخوه الأكبر. غير أنّ مواهبه كانت تُميله إلى غير ذلك:

أمّا أنا، فما زلتُ غلامًا حتى أحببتُ عبادةَ السماء؛

واستدرجتني رَبّةُ الشعر إلى خدمتها على حين غفلة.

وكان أبي يردّد: «لِمَ تُلاحقُ حِرفةً لا طائلَ تحتها؟

حتى هوميروس لم يخلّف ثروةً!»

فأطعتُ، وخلّيتُ عن «هِيليكون» كلَّه،

وحاولتُ أن أكتب نثرًا لا يَستقيم وزنًا.

غير أنّ الشعرَ الموزون كان يفِدُ عليّ من غير استدعاء،

وما حاولتُ أن أكتبه نثرًا كان ينساب أبياتًا.

ولا يُعرَف من دقائق حياة أوفيد شاعرًا إلا القليل. فقد درس البلاغة على أيدي طائفةٍ من أشهر أساتذة زمانه. ويذكر سينيكا الأكبر دراسته عند أريليوس فوسكوس وبوركيوس لاترو، اللذين عدّهما سينيكا اثنين من أفضل أربعة خطباء مُدرَّبين على الإلقاء في عصره. وعن موهبة أوفيد في الخطابة قال سينيكا (في «المجادلات»): «كانت له قريحةٌ مهذّبة، لائقة، آسرة؛ حتى في تلك الأيام كان يمكن أن يُرى كلامه شعرًا صُبَّ في قالب النثر». ويبدو أنّ أوفيد جرّب العملَ في الوظائف العامة، فتولّى منصبين صغيرين ضمن هيئتين: «مجلسٌ ذي اختصاصٍ جنائي» (tresviri capitales) و«عشرة قضاةٍ للمنازعات المدنية» (decemviri stlitibus iudicandis). غير أنّ ميله إلى النظم لا بدّ أن وجد متنفسه باكرًا في المرثية الغزلية:

حين ألقيتُ على الناس أولَ مرةٍ شعرَ شبابي،

لم تكن لحيتي قد مُسّت بالمقصّ إلا مرةً أو مرتين.

وكانت «كورينّا» - (وليس ذلك اسمَها الحقيقي) - قد أوقدت موهبتي،

حتى أضحت المدينةُ كلُّها تُنشِد ذكرَها.

وإذا أُخذت هذه الأبيات على ظاهرها دلّت على أنّ أوفيد بدأ نظمَ غزليات المرثية وهو في نحو الثامنة عشرة، أي قرابة ٢٥ق.م؛ غير أنّه قد يكون أيضًا يُحيل إلى مألوفٍ أدبيٍّ عن إلهام الصبا. وذكرت «كورينّا» تحدّد الأعمال المبكرة المقصودة بأنها «الغراميّات/قصائد الحب» (Amores)، حيث تظهر موضوعًا لعاطفته - أو على الأقل لالتفاته. وتتألف «الغراميّات» في صيغتها المتداولة اليوم من ثلاثة كتبٍ من المرثيةت، تدور في معظمها حول الحب في عرضٍ ذي مسحةٍ سِيَرية. وتُصدَّر المجموعة بمقدمةٍ موجزة تشير إلى أنّ هذه النسخة منقَّحةٌ مُختَصَرة من طبعةٍ أقدم كانت في خمسة كتب. وقد اندثرت تلك الطبعة الأولى دون أثرٍ بعد أن حذف أوفيد منها كتابين، على الأرجح لضجره من نبرتها اليافعة. وكما يقول وهو يصف تلك المرحلة من مساره:

كتبتُ كثيرًا؛ لكنّ ما رأيتُه مُختلًّا

ألقيتُه بيدي إلى اللهب كي يُهذَّب ويُقوَّم.

وفي العصور القديمة - إذ كانت كل نسخةٍ من الكتاب تُنسخ يدويًا - كان من المستبعد أن يتكلف القارئ استبدال الطبعة الأولى بالثانية، ولا سيما إذا كانت الثانية مجرد اختصارٍ في الحجم. ولعل «الغراميّات» الجديدة - التي لا يُتصوَّر أن تكون ظهرت قبل ١٦ق.م وربما جاءت بعد ذلك بمدة - كانت ردّ فعلٍ على استقبالٍ حسنٍ حظيت به أعمالٌ لاحقة؛ مثل مأساته المشهورة «ميديا» التي أُعجب بها على نطاقٍ واسع. فربما رأى أوفيد، وقد أغراه هذا النجاح، أن يقدّم لقرّائه مذاقًا من باكورة عمله بعد أن قَلَّمَ ما كان أضعف قصائده. وتفسّر هذه الفرضية أيضًا الوحدة الموضوعية في «الغراميّات»، وهي وحدةٌ تناقض على نحوٍ ملحوظ عملَ سابقيه الباقين في فن المرثية بروما: بروبرتيوس وتيبولوس؛ ففي مرثيةتهما يظل الحب هاجسًا متكررًا، غير أنّ موضوعاتٍ أخرى تشاركه المقام - كالأعياد الدينية، والسياسة الراهنة، والحكاية الأسطورية. أمّا «الغراميّات» - مع استثناءات قليلة - فشأنها كلُّه انشغال الشاعر بحبّه وبفنّه. ومن هذه الجهة قد يكون أوفيد يسترجع رائدَ هذا الفن الأقدم كورنيليوس غالّوس، الذي كانت كتبه الأربعة من المرثية تُحمَل على الأرجح عنوان «الغراميّات» أيضًا. وقد مثّل تناولُ أوفيد - السّاخر الرصين، وكثيرًا ما المتهكّم - لمغامراته العاطفية آخرَ تطوّرٍ لهذا الفن الصغير في شعر العصر الأوغسطي. ثم إنّ ذكاءه جذب المحاكاة والترجمة، وأبرزها ترجمة الشاب كريستوفر مارلو الذي نشر أول ترجمةٍ إنجليزية سنة ١٥٩٦م.

أما ترتيب أعمال أوفيد المبكرة زمنًا فليس بيقينٍ تام؛ غير أنّه - بحسب تصريحه في خاتمة «الغراميّات» - يبدو أنه بعد تجربته الأولى في المرثية انصرف إلى الفن الأرفع مقامًا: المأساة. وكان العصر الذهبي للمأساة الرومانية في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، حين نقل شعراء مثل إينيوس وباكوفيوس وأكّيوس أعمالَ المأساة اليونانية الكلاسيكية إلى اللسان اللاتيني وإلى الخشبة الرومانية. ومع ذلك لم يزدهر هذا الفن في روما، وإن عرف إحياءاتٍ متقطعة. ففي ٢٩ق.م احتفل أوكتافيان بانتصاره في أكتيوم بمهرجانٍ بهيّ تضمن عرض مسرحية «ثيِستِس» لصديق فيرجيل، لوسيوس فاريوس روفوس. وقد أغدق الأمير الأوّل (princeps) على فاريوس العطاء على هذه المسرحية، وهو أمرٌ قد يكون أثر في أوفيد. وبعد الاستقبال الباهت لطبعة «الغراميّات» الأولى، لعل الشاعر الشابّ طمع في مجدٍ - وربما في رعاية - ضمن الفن المقرَّر رسميًا: فن المأساة. غير أنّ «ميديا» لأوفيد - مثل «ثيِستِس» لفاريوس - قد ضاعت، ولم يبقَ منها إلا سطران يلمحان لماذا أعجب بها معاصروه. ويعطي تناول «ميديا» في الكتاب السابع من «التحوّلات» شيئًا من فكرة افتتان أوفيد ببطلة يوربيديس؛ ولعل سينيكا كان أيضًا مدينًا لأوفيد في مأساته التي تناولت الموضوع نفسه.

وبينما كان يعمل على «الغراميّات»، جرّب أوفيد ضربًا جديدًا من المرثية. ففي الكتاب الرابع من مرثيةت بروبرتيوس، هناك قصيدة جاءت في صورة رسالةٍ متخيلة من امرأة تُدعى أريثوسا إلى حبيبها ليكوتاس، الجنديّ الغائب في حملة. ومن المحتمل أن تكون هذه القصيدة قد ألهمت أوفيد فكرةَ سلسلةٍ من الرسائل المتخيَّلة على ألسنة شخصيات أسطورية. وهذه المجموعة - المعروفة اصطلاحًا بـ«رسائل البطلات» (Heroides) - تضم واحدًا وعشرين نصًّا، وهي طائفةٌ متنوعة: أربع عشرة رسالة من نساءٍ في الأساطير اليونانية والرومانية إلى عشّاقهن الرجال، ورسالةً أخرى على لسان الشاعرة الغنائية اليونانية سافّو، وثلاثة أزواج من الرسائل بين عشّاقٍ مشهورين من الأسطورة اليونانية. وقد طال النزاع حول صحة نسبة بعض النصوص في هذه المجموعة. وأنّ بعض «رسائل البطلات» منسوبٌ إلى المرحلة المبكرة من حياة أوفيد يتأكد من إشارة الشاعر نفسه إليها في إحدى «الغراميّات»، لكنه يذكر هناك جزءًا فحسب من متن «رسائل البطلات» المعروف اليوم، ولا يرد ذكرٌ مطلقًا لأزواج الرسائل الثلاثة التي تختم السلسلة. ويرى بعض الباحثين - من جهة الأسلوب - أن أوفيد نظم الرسائل المزدوجة في مرحلةٍ لاحقة، ثم أُلحقت بعد ذلك بالمجموعة الأولى.

وفي «الرسائل المفردة» يجعل أوفيد الأدبَ نقطةَ ابتداء. فالمجموعة تُفتَتح برسالةٍ من بينيلوب إلى أوديسيوس. ومن الإشارات الدقيقة إلى «الأوديسة» لهوميروس يستطيع القارئ أن يعيّن موضع الحدث في الكتاب التاسع عشر، بعد أن أجرت بينيلوب مقابلةً خاصة مع الغريب الذي هو زوجها متنكرًا. ويستثمر أوفيد معرفةَ القارئ بالنصوص السابقة ليبرز مسائل نقدية جوهرية. ففي رسالة ديدو إلى إينياس - وهي السابعة في السلسلة - يركّز أوفيد على لحظاتٍ حاسمة في «الإنيادة» لفيرجيل قد يكون فيها طبعُ البطل موضعَ تساؤل: تركُه ديدو، ووعوده المخادعة لها، وادعاؤه رسالةً أسمى. ويمكن النظر إلى هذه القصيدة بوصفها تعليقًا مرثية على «الإنيادة»؛ إذ يوظّف أوفيد موضوعات المرثية الغزلية المألوفة ليقدّم قراءةً نقدية للملحمة. وتظهر العملية نفسها في قصائد أخرى من المجموعة؛ مثل رسالة بريزيس إلى أخيل المستمدة من «الإلياذة» لهوميروس، أو رسالة فيدرا إلى هيبوليتوس المبنية على مأساة يوربيديس. ويظن الباحثون أنّ النمط ذاته كان قائمًا في قصائد أخرى أيضًا، غير أنّ مصادرها لم تعد باقية.

وفي وجوهٍ كثيرة تمثل الرسائل المزدوجة امتدادًا منطقيًا لهذه الفكرة. إذ يستمد أوفيد باريس وهيلين - أول زوجٍ في تبادل الرسائل الأسطوري - من الملحمة المبكرة، لكن ليس من هوميروس. وتشمل مصادر القصة مسرحيةً مفقودة ليوربيديس والملحمة اليونانية المبكرة «السيبرية»، وهي مفقودة كذلك. ومع ذلك تحتفظ الشخصيات بنبرتها الهوميرية، ويلاعب أوفيد معرفة القارئ بما سيؤول إليه غزلهما كما تمّ في «الإلياذة». وكما في الزوجين الآخرين تأتي رسالة الرجل أولًا؛ فيلحّ باريس على أنّ هيلين لا خيار لها إلا العودة معه إلى طروادة. ويسوّغ باريس ذلك بسردٍ من قصة حياته، مما يمنح أوفيد فرصة إدراج حكاية طويلة للأحداث التي دفعت القصة إلى الحركة. وليس مقصد هذا السرد إلا أن يمهّد لردّ هيلين. وفي الرسائل المزدوجة تتجلى الشخصيات النسائية بأتمّ صورة. فهيلين عند أوفيد تبدو وقد عقدت العزم على الذهاب مع باريس قبل أن تضع القلم على البردي: لا تنخدع بتوسّله، بل هي شريكته الراضية في التدبير. وعلى سننه في الرسائل المفردة يحوّل أوفيد العشاقَ الأبطال إلى بشرٍ يمكن التعرّف إليهم. أما الزوج الثاني، لياندر وهيرو، فيأخذه أوفيد من قصيدةٍ يونانية مفقودة لا يُعلم تاريخها ولا مؤلفها إلا تخمينًا. وربما تضمّن برديٌّ مُشوَّه طرفًا من تلك القصيدة، لكن الخطوط العامة لا تُستشف إلا مما صنعه أوفيد والشاعر اليوناني المتأخر موسايوس منها. وأما الزوج الأخير فمأخوذ من قصة أكونتيوس وكيديبّه التي اشتهرت في القديم بصيغتها التي رواها الشاعر الهيلينستي كاليماخوس في قصيدته الإليجية السردية «الإيتيّا» (الأسباب). وقد لقي الخيالُ الرسائلي في «رسائل البطلات» رواجًا بالغًا في عصر النهضة وما بعده، فأنجب محاكاةً لا تُحصى في أوروبا القارية وفي إنجلترا، حيث جرى تكييفه في كتاب مايكل دريتون «رسائل بطلات إنجلترا» (١٥٩٧م).

وأشهر قصائد أوفيد إثارةً للجدل - وربما أشدّها التباسًا - هي «فنّ الحب» (Ars Amatoria)، التي خَتَمت المرحلة المبكرة من حياته. وبسبب صلتها بخطأٍ غير مُسمّى كان سبب نفي أوفيد بأمر الإمبراطور أوغسطس، اكتسب «الفن» سمعةً فاحشةً لا تستحقها. غير أنّ معالجة الحب فيها - بمقاييس القدماء فضلًا عن غيرهم - معتدلة نسبيًا. وقد قال جون درايدن عن شعر أوفيد الإيروتيكي: «صحيحٌ أنه لا يُعذَر عند صرامة الأخلاق، إذ يقدر - لو كان ثمّة إمبراطورية أكبر من روما - على إفسادها؛ غير أنه يُقال في حق أوفيد إن أحدًا لم يعالج شهوة الحب برهافة فكرٍ ولطف تعبير مثلما فعل، ولم ينفذ إلى طبيعتها على نحوٍ أكثر فلسفية منه». وتتألف القصيدة من ثلاثة كتب: يخاطب الأولان الرجالَ بنصحٍ عن كيف ينالون حب المرأة (الكتاب الأول) وكيف يُبقونه (الكتاب الثاني). ثم جاء الكتاب الثالث لاحقًا - بزعم القصيدة - بأمر فينوس نفسها لتسوية الميدان في معركة الجنسين:

قالت: «يا مساكينَ هذا الجنس، لِمَ تُعاملونه هكذا؟

أتجعلون جمهورًا أعزلَ صيدًا لجيشٍ مُسلّح؟

لقد وُضع كتابان ليكونا معلمين،

وحان الآن دورُنا لننتفع بذكائكم.

ويُؤرَّخ الكتابان الأول والثاني - بالدلائل الداخلية - إلى نحو ١ق.م. ولا إشارة إلى زمن إضافة الكتاب الثالث، غير أنه على الأرجح أُضيف بعد ذلك بقليل، وعلى شبه يقينٍ أنه لم يتأخر إلى ما بعد تأليف «علاجات الحب» (Remedia Amoris) سنة ٢م. ولا دليل على أن أوفيد غيّر في الكتابين الأول والثاني سوى إضافة بيتين انتقاليين بعد ما كان خاتمةً للقصيدة.

ويشي عنوان القصيدة بأنها «رسالةٌ فنية»؛ فكلمة «فنّ» (Ars) في اللاتينية هي اللفظ الشائع لكتابٍ تعليميٍّ يُعنى بقواعد فنٍّ أو مبادئه. وكانت مثل هذه الرسائل مألوفة في النثر اليوناني واللاتيني. وقد جمع شعراء العصر الهيلينستي بين تقليد الشعر التعليمي المبكر الذي يمثله هسيود وبين ازدهار النثر التقني لمعالجة موضوعاتٍ تخصصية شتى. ففي القرن الثالث قبل الميلاد ألّف أراتوس قصيدة «الظواهر» (Phaenomena) في الفلك، فحُمدت كثيرًا وحاكاها شعراء رومانيون مثل شيشرون وفيرجيل وجرمانيكوس وأفيينوس. ولعل أوفيد بدوره كتب محاكاةً لأراتوس في قصيدة تحمل العنوان نفسه، وهي الآن مفقودة. وتدل إشارات القدماء على وجود رسائل في تقنيات المضاجعة، وإن لم يبق منها شيء. غير أنّ محاكاة أوفيد الساخرة تُعنى بالمغازلة أكثر من الفعل الجنسي، الذي لا يذكره إلا مرتين بإيجاز في ختام نصحه للرجال وللنساء. وأما سائر القصيدة فتعليماتٌ خفيفة مستهترة، متباعدة الصلات، عن كيف يجد المرء حبّه وكيف يظفر به في روما المعاصرة. ومن ذلك أنه حين يستطرد متخيلًا موكب النصر الذي سيقيمه غايوس ابن أخ الإمبراطور بعد حملاته الشرقية، يجعل المشهد فرصةً لشابٍّ يُلقي محاولته على فتاةٍ تجلس إلى جانبه:

يا لروعةِ الهدف! يا لبدائع المشهد!

يا ليومِ الفرح العام، ما أكرمه يومًا لا يليق أن يختمه ليل!

ففي مثل هذا اليوم، إن جلستَ وإلى جوارك

حسناءُ جاءت لتشهد العرض؛

فإن سألتْ عن أسماء الملوك المغلوبين،

وعن الجبال والأنهار وينابيعها الخفية،

فأجِبْ بما تعلم كلَّه؛ وإن احتيج

فتكلّم في المجهول كأنك به عليم.

هذا الفراتُ قد تُوِّج بالقصب، وهناك

يجري دجلةُ السريعُ بشَعرٍ أخضر كلون البحر.

واخترعْ أسماءَ لما لم يُعرَف من قبل،

سَمِّ هذا أرمينيا وذاك ساحل قزوين،

وقل: هذا ميديّ وذاك فتى بارثيّ؛

تحدّث بما يبدو مُحتملًا، ولا تُبالِ بصدقٍ ولا حقيقة.

ومقاطع كهذه - إذ تُنزِل احتفالًا رسميًا منزلةَ اللهو - تبدو وكأنها تسند ما قيل من دور القصيدة في نفي أوفيد بعد سنوات. وأما «علاجات الحب» الأقصر، فكثيرًا ما يعدّها النقاد تتمّةً عارضة، لكنها على الأرجح جزءٌ أصيلٌ من مخطط أوفيد التهكمي لـ«الفنّ». ففي «العلاجات» يقلب أوفيد وصايا «الفنّ»، وبالروح الذكية نفسها يقترح حيلًا للخلاص من غرامٍ غير مرغوب. ومن النماذج الباقية للشعر التعليمي الهيلينستي عملان لشاعرٍ مغمور هو نيكاندر الكولوفوني - ويُرجَّح أنه عاش في القرن الثاني قبل الميلاد - أحدهما قصيدته السداسية «المخلوقات السامة» (Theriaca) في الأفاعي والعقارب والعناكب والحشرات المؤذية، ويكملها «العلاجات» (Remedia Amoris) في علاجات اللدغ واللسع. وبإتباعه «فن الحب» بـ«علاجات الحب» لعل أوفيد يحاكي هذا اللون من التعليم المتخصص الغريب. وتلوح عناية أوفيد بالجانب التقني من هذا الفن في نحو مئة سطرٍ بقيت من تجربةٍ أخرى في الشعر التعليمي هي «فن الجمال» (Medicamina Faciei Femineae). ففيها يحتفي بمحاسن الزينة، ناكصًا على التقليد الذي يزدري هذا «التصنع». وتضم الخمسون سطرًا الأخيرة من الشذرة الباقية قائمةَ وصفاتٍ تجميلية، يُظهر فيها أوفيد براعةً ظاهرة في صوغ مادةٍ تقنية داخل قالب البيت الإليجي.

ولا يُدرى متى شرع أوفيد في تحفته التي تحدد مكانته في قانون الأدب العالمي. ولم يكن من الضروري أن يبدأ تخطيطها بعد أن فرغ من آخر سطور مرثيةته الغزلية. غير أنّ «التحوّلات» شغلته على الأرجح معظم السنوات الستّ تقريبًا التي بقيت له في روما. وفي إشاراته اللاحقة إليها من منفاه، يلمّح أوفيد إلى أن تأليفها انقطع برحيله، غير أنّ القصيدة لا تُظهر أثر نقصٍ ولا علامةَ قلةِ صقل. والأقرب أن هذا التلميح بالانقطاع مجرد «وضع» بلاغيّ، ومحاولةٌ ساخرة ليوائم قصيدته السداسية مع «الإنيادة» لفيرجيل - مع أنها مفارقةٌ لها في المحتوى والأسلوب والموضوع. وتعلن مقدمةٌ موجزة موضوعَ العمل:

أُنشِدُ تبدّلَ الأجساد إلى صورٍ شتى؛

يا آلهةً، وأنتم من انبثقت عنكم هذه المعجزات،

ألهِموا أوزاني حرارةً سماوية

حتى أُتمّ عملي الطويل المكدود،

وأصوغ في قوافيَّ نَسَقًا متصلًا

يمتد من مولد الطبيعة إلى أزمنة قيصر.

وكل ترجمةٍ لهذه القصيدة - على ما قيل - تقوم على نصٍّ لاتينيٍّ مختلٍّ يحجب دلالة الاستعارات التي يستخدمها أوفيد لوصف عمله الجديد. ففي نهاية السطر الثاني يشير النص المُستعاد إلى الآلهة بوصفها وُكلاءَ «التحوّل» في مشروعه الشعري، وبذلك يصل أوفيد موضوع قصيدته الجديدة بنموِّ حرفته الأدبية. فقد كان حتى ذلك الحين أشهر إليجيّي روما، يكتب عن الحب في وجوهه المختلفة بذكاءٍ وسخرية. أما الآن فقد جاء بعملٍ على الوزن السداسي الدكتيلي (dactylic)، وزن الملحمة والقصص، وهو ما يؤكده للقارئ في السطر الثاني حين ينحرف الإيقاع لأول مرة عن نبرة المرثية.

ثم إن استعاراته في السطرين الأخيرين من المقدمة - للدلالة على طبيعة العمل - تعسر محاكاتها في الشعر الإنجليزي. فدرايدن ترجم الفعل اللاتيني deducere إلى قرينه الإنجليزي «يستنتج» (deduce)، وهو لفظٌ لا يحمل إيحاءات الأصل. إذ تشمل الكلمة في اللاتينية معنى «سحب الخيط إلى أسفل في الغزل»، ومن ثم استخدمها الشعراء بعد فيرجيل للتلميح إلى شعرٍ «مغزولٍ بدقة» على طريقة سلفهم الهيلينستي كاليماخوس. وكلمةٌ مفتاحية أخرى في السطر الأخير تشير إلى الخلفية الأدبية ذاتها: فحيث يكتب درايدن «نسقًا متصلًا»، فهو يحاول أن يلتقط إيحاء تسمية أوفيد لعمله perpetuum carmen، أي «قصيدة متصلة» حرفيًا. وهذه عبارةٌ مقتبسة مباشرة من موضعٍ متنازع عليه في عمل نموذجه كاليماخوس. فقد ألّف كاليماخوس في القرن الثالث قبل الميلاد مرثية سردية في أربعة كتب اسمها «الإيتيّا» (الأسباب)، ولم يبق منها إلا شذرات واقتباسات، أشدها جدلًا مقدمةٌ سجالية يرد فيها على منتقدين قالوا إنه «لم يُنجز قصيدةً واحدة متصلة من آلاف الأبيات عن… الملوك… أو… الأبطال…». ويبدو أنّ «الإيتيّا» - وكانت في أصلها نحو سبعة آلاف بيت تضم عشرات الحكايات الموصولة في إطارٍ متصل - كانت ردَّه غير المألوف على هؤلاء. أما «التحوّلات»، وهي تقارب ضعف ذلك طولًا، فتُظهر أوفيد وقد نافس الأستاذ وتجاوزه، مع اعترافه في مصطلحات المقدمة النقدية بدَينه لكاليماخوس.

وقد تناول شعراء آخرون أساطير التحوّل الخارق في الشكل، المنتشرة في العالم اليوناني والشرق الأدنى القديم. ونيكاندر نفسه - الذي تُحاكي «فن الحب» شعره التعليمي - كتب قصيدة سداسية بعنوان «التحوّلات» (Heteroeumena). ولم يبق منها إلا القليل، غير أنّ إشاراتٍ في كتابٍ نثري لاحق للأسطوري اليوناني أنطونينوس ليبراليس تكشف شيئًا من القصص التي احتوتها «التحوّلات». ومن المعقول افتراضُ أن أوفيد أفاد من قصيدة نيكاندر مصدرًا لبعض سردياته، ولكن من غير المحتمل أنه اتبعها اتباعًا وثيقًا أكثر مما اتبعها في قصائده التعليمية. ومن القصائد الأخرى التي قد تكون زوّدته مادةً قصائدُ شاعرٍ يوناني مغمور من القرن الثالث قبل الميلاد يُعرف بِبويوس. وقد قام معاصر أوفيد الأكبر سنًا إيميليوس ماكر بترجمة أو تكييف كتاب بويوس «أصول الطيور» (Ornithogonia) إلى اللاتينية، وربما حاكى أوفيد بعض أجزائه في «التحوّلات». ومصدرٌ آخر مهم قد يكون «تحوّلات» بارثينيوس النيقِائي، وهو شخصية مؤثرة في الأدب اللاتيني في القرن الأول قبل الميلاد، وقد اتصل بعدة شعراء من الجيل الذي سبق أوفيد، مثل هلفيوس كِنّا وكورنيليوس غالّوس وفيرجيل. وتشير المصادر القديمة إلى معالجة بارثينيوس لأسطورة سكيلا ونيسوس في «التحوّلات»، لكنها لا تذكر هل كان ذلك قصيدةً أم رسالةً نثرية كعمله الأسطوري الباقي. ولعل هذا السؤال ليس ذا كبير أثرٍ في تقدير مدى إفادة أوفيد من هذه المصادر وغيرها؛ لأن أوفيد في «التحوّلات» لا يكاد يتناول تلك المعالجات السابقة إلا لمامًا، ثم يصوغها في قالبٍ جديدٍ كلّ الجِدّة مستلهمٍ من كاليماخوس.

ويُرتَّب السرد على هيئة تسلسلٍ زمني يبدأ بخلق العالم حين انتقلت الفوضى إلى نظام. ثم يمضي أوفيد يؤرخ لأهواء الآلهة والبشر من الزمن البدئي حتى روما الأوغسطية. غير أنّ مبدأ «الزمن» بوصفه منظِّمًا للسرد يُشدّ غير مرة إلى أقصى طاقته لإدخال حكاياتٍ ذات صلة. وقد انتُقدت انتقالاته الذكية مبكرًا عند كوينتيليان، إذ تحدّث عن «تكلّفٍ واهنٍ مرتخٍ تتعلمه المدارس، وهو أن يُكسب الانتقالُ نفسُه نقطةً بلاغية، وأن يُستدرّ التصفيقُ على هذه الحيلة - كما يفعل أوفيد غالبًا بلا ضبط في التحوّلات». وأول قصةٍ أسطورية مطوّلة في القصيدة بعد كوسموغونيا الافتتاح هي قصة مطاردة الإله أبولّو للحورية دافني ابنة إله النهر بينيوس، وقد عُدّت ذات دلالةٍ خاصة بسبب انقطاعٍ حادٍّ عن السرد السابق لانتصار أبولّو على الأفعى البدئية بايثون:

كانت دافني «البينيوسية» أولَ من صبّ فيبوس عليها هواه؛

لا مصادفةً عمياء، بل غضبُ كيوبيد العنيف القاسي هو الذي حرّك ذلك.

ثم يرجع أوفيد ليصل ما انقطع: فأبولّو، وقد ازداد زهوًا بانتصاره على بايثون، لمح كيوبيد بقوسه وسهامه فتهكّم به. فانتقم كيوبيد بأن اختار سهمًا يقدح في أبولّو شغفًا لا يُقاوَم بدافني، ورمى دافني بسهمٍ أبلد يبعث فيها برودةً ونفورًا. ويتخلل اللعب بين أبولّو - راعي الشعر - وكيوبيد - إله الحب - تلميحاتٌ كثيرة إلى خلفية شعر الحب المرثيّ. وكذلك تصويرُ غزل أبولّو العقيم: فهي تهرب، وهو يطارد، وأبولّو يلقي كلامَ تودّدٍ وهو يعدو. وفي لحظة يأسٍ تستغيث دافني بالآلهة لتُنجيها من مُلاحِقها، فتدعو أباها ثم الأرض لتبديل صورتها البشرية:

«النجدةَ!» صاحت، «في هذه الشدة القصوى -

إن كانت آلهةُ المياه حقًا آلهة!

تفتّحي يا أرضُ وابتلعيني،

أو بدّلي هيئتي التي منها جرى كلُّ شقائي!»

ما إن أتمّت حتى وجدت قدميها

قد خَدِرتا من البرد وثبتتا في الأرض؛

وغشاءٌ رقيقٌ ينسج قشرًا حول جسدها،

وشَعرُها يصير أوراقًا، وذراعُاها تمتدان أغصانًا؛

وغدت الحوريةُ كلُّها شجرةَ غار،

ولم يبقَ من نعومة الجلد إلا أثرُها.

ومع ذلك ظلّ فيبوس يحبّها، وحين أحاط بجذعها بذراعيه

أحسّ دفئًا يسيرًا؛

وكانت الشجرةُ لا تزال تتنفّس في موضعٍ غير مكتمل،

ليست نباتًا خالصًا بعدُ، وفي داخلها خفقةُ قلب.

فقرّب شفتيه من القشر المرتجف،

فمالت عنه، وانحرفت عن عناقه.

ويبلغ أوفيد أصفى أثره التصويري في وصف لحظة التحول؛ وقد كانت هذه الأوصاف مَعينًا للفنانين. ولا تزال رسومٌ جدارية في بومبي تُظهر تحوّل دافني على نحوٍ يستند بوضوح إلى روايته، غير أنّ أحدًا لم يلتقط لحظة التحول الجسدية ببلاغةٍ كتلك التي صاغها جيان لورينزو برنيني (١٥٩٨–١٦٨٠) في منحوتته الشهيرة «أبولّو ودافني». ومع ذلك - على قوة هذه اللحظات - لا ينبغي المبالغة في جعل التحول «المعنى الأوحد» للقصيدة؛ فهو وإن كان عنصرًا بارزًا في البحث عن وحدةٍ جامعة، فإنه كثيرًا ما يمرّ في السرد مرورًا عابرًا. بل إن تصوير أوفيد المتعاطف للطبيعة الإنسانية - حتى حين تُجسَّد في هيئة الآلهة - هو مفتاح فهم العمل. فدافني، وقد صارت شجرة، لا تزال ترفض عناق الإله: رمزًا نافذًا للمشاعر البشرية التي قادتها إلى هذا المصير.

ومن بين حطام الأدب الكلاسيكي بقيت «تحوّلات» أوفيد بمثابة «كتاب مصادر» للفنانين والكتّاب والقرّاء الذين يلتمسون منفذًا إلى عالم الأساطير اليونانية والرومانية. وكثير من أشهر أساطير القدم يدين بخطوطه الكبرى - وربما ببقائه أصلًا - للصيغة التي منحها أوفيد لها: ديوكاليون وبيرها، فايثون، أوروبا، بيراموس وثيسبي، وأراكني. ولعل الكتاب العاشر خاصةً هو الموضع الذي تتجلى فيه طاقة أوفيد الفنية بأجلى صورة. فهو يفتتح بقصة أورفيوس وموت يوريديس، غير أنّ أكثره - من السطر ١٤٣ إلى ٧٣٩ - يشغله نشيدٌ ينشده أورفيوس ليُعزّي نفسه بعد فقدها. ويمكن عدّ هذا النشيد «التحوّلات» في صورةٍ مصغرة. ويعلن أورفيوس موضوعه بتمهيدٍ موجز:

تلك كانت جرائرُ الآلهة… والحرائقُ التي اشتعلت في صدور الفتيات،
اللواتي من أجل شهوتهن الآثمة نلن - بحسب ما استحققن - عقابًا عدلًا.

كانت الحكاياتُ التي يرويها أوفيدُ مصحوبةً بالتحوّلات: فهياكينتوس يصير الزهرةَ التي تحمل اسمه؛ والسِّيراستاي يغدون ثيرانًا؛ والبروبوتيدسات يتحجّرن صخرًا؛ وميرّا - الأميرةُ الفتيّة التي تستعر في قلبها رغبةُ سفاحٍ نحو أبيها - تصير شجرةً يُستخرج منها المُرّ. وللقارئ الحديث قد يكون أوفيدُ المصدرَ الأوحدَ لهذه القصص ولغيرها كثيرٍ في القصيدة؛ أمّا معاصروه فقد كانت لهم وفرةٌ من الآثار الأدبية، لاتينيةً ويونانية، يمكن أن يجدوا فيها رواياتٍ أخرى لهذه الأخبار نفسها، تكون خلفيةً يقرؤون عليها أوفيد. فحكايةُ ميرّا، مثلًا، لا بدّ أنّها وردت في قصيدةٍ يونانيةٍ ضاعت، كما كانت موضوعَ قصيدةٍ سردية للشاعر هلفيوس كِينّا، صديق كاتولس ومعاصره، وقد مدح كاتولُّس عمل كِينّا في إحدى قصائده.

ولا يُدرى على وجه اليقين كيف كانت تلك المعالجات السابقة تختلف عن معالجة أوفيد، غير أنّ بعض الإشارات يمكن استنباطها مما بقي من شواهد. فالرأيُ الغالب في التراث غير الأوفيدي بشأن ميرّا أنّ بليّتها نتيجةُ غضب أفروديت بسبب إهانةٍ بدرت من الفتاة؛ فانتقمت الإلهةُ فأرسلت ابنها ليُثير في ميرّا حبًّا آثمًا تجاه أبيها. لكنّ أوفيد يرفض هذا التفسير صراحةً عند تقديمه القصة، إذ يقول بمعناه إنّ إله الحب ينكر أن تكون أسلحته قد آذتْ ميرّا، ويعلن نفسه بريئًا من الذنب. وإنّ إسقاط انتقام أفروديت بوصفه سببَ تلك المشاعر لَهو - على الأغلب - ابتكارُ أوفيد في مقابل الرواية التقليدية. فهو يصوّر ميرّا فاعلةً مستقلة، ويجعل شخصيتها محورَ استقصائه لمرضِ الشغف. إنّ المناجاة التي تتصارع فيها ميرّا بين الإقرار والإنكار تُجسّد تفسيرَ أوفيد:

ينبغي أن أحبّه - أقرّ بذلك - ولكن على النحو الذي يليق بابنته؛

لو لم يكن كينيراس أبي، لكان لي أن أبلغ معه ما أشتهي.

ولكنّه الآن، لأنه «لي»، لا يستطيع أن يكون «لي»؛

وقُربُ القرابة يجرحني.

ليتني كنتُ أبعدَ عنه قليلًا، لربما ظفرتُ أكثر!

ولو علمتُ أني بالهجرة أتجنّب هذه الفاحشة،

لرحلتُ عن تراب مولدي، وباعدتُ نفسي عن قبرص؛

غير أنّ هذه النارَ الشريرة تمسكني هنا،

كي أظلّ قريبةً فأُحادث كينيراس، وأملأ عيني منه،

وألمسَه وأقبّلَه - إن لم يُؤذن لي بما هو أبعد.

يا لخبثكِ أيتها الشقيّة! أتطمعين في أبعدَ من ذلك؟

أما ترين أنكِ بذنْبكِ تخلطين حقوقَ الاسمِ والقرابة؟

أفتجعلين أمّكِ «مخدوعةً» بهذا الإثم؟

أتصيرين خليلةَ أبيكِ؟ أتكونين في آنٍ

أمًّا وأختًا لولدكِ؟ أيغدو ولدُكِ ابنًا وأخًا معًا؟

وفي عوالم أوفيد لا تُحلّ مثلُ هذه الصراعات بالضرورة. فهو يُبرِز هذا التذبذب الأخلاقي في الخلاصة التي تنتهي إليها ميرّا - وهي خلاصةٌ مألوفة عند بطلات أوفيد: تعرف الحقّ، ثم تسلك غيره.

ومهما يكن عزمُكَ راسخًا، فالأمرُ نفسه لا يدعكِ تُتمّينه؛

فهو - إذ كان سويًّا تقيًّا - لا يزال يراعي واجبه،

فلا يحيد عن الحقّ ولا يزيغ عن الصدق.

يا ليت في قلبه من جنونِ الشهوة مثلَ ما في قلبي اليوم!

وبعد محاولةٍ فاشلة للانتحار، تحتال ميرّا - بمعونة مُرضعتها - حتى تُباشر الفعلَ مع أبيها، وهو لا يدري، سرًّا في الليل. ثم يأتي تحوّلُها إلى شجرةٍ أشبهَ بما يكون «خاتمةً فاترة» قياسًا إلى ما سبقه: انكشافُ الأمر على يد الأب، فالطردُ، فالفرار. وإنّ تحوّلها الجسدي إلى شجرة لا يعكس إلا الحالةَ النفسية التي كانت قد تحوّلت إليها سلفًا: حالٌ «بين خوفِ الموت وملالِ الحياة». وأمّا أدونيس، الوليدُ الذي نتج من تلك الوصلة الآثمة، فيكون جسرَ العبور إلى سلسلةٍ أخيرة من الحكايات، إذ تروي له فينوس قصةَ التحذير عن أتالانتا وهيبّومينيس. وهذا التوظيفُ يزيد إبعادَ الجمهور عن أوفيد بوصفه الراوي (إذ إن خيط السرد كان قد كاد يضيع في خاتمة نشيد أورفيوس).

وفي الكتاب الأخير يبلغ أوفيد غايته المعلَنة: أن ينزل بسرده إلى عصره. وآخرُ مشهد في القصيدة هو تأليهُ يوليوس قيصر وظهورُ المذنّب الذي بشّر بالحدث. وبهذا تشبه بنيةُ «التحوّلات» بنيةَ نموذج أوفيد عند كاليماخوس في «الأيتيا». فحتى في حالها الشذرية يمكن إعادةُ بناء خاتمة تلك القصيدة، التي كانت تتضمن تحيةً فلكية لبيتِ حكم بطليموس. وقد ختم كاليماخوس قصيدته بتحيةٍ شخصية للملك. وأوفيد كذلك يحوّل قصةَ تأليه يوليوس إلى مديحٍ للحاكم القائم أوغسطس، ثم يتبع ذلك بتصريحٍ جريء مباشر عن انتصاره الفني:

لقد أتممتُ عملًا لا تقدر عليه قسوةُ حِقدِ جوفِ (جوبيتر)،

ولا السيفُ، ولا النارُ، ولا الزمنُ القارضُ - مهما استجمع من قوة-

أن يُبطله إبطالًا.

فليأتِ ذاكَ الأجلُ المحتوم،

الذي لا يملك عليّ - سوى هذا الجسدِ الهشّ - سلطانًا،

وليقطع - متى شاء - خيطَ عُمري المتردد.

غير أنّ أفضلَ ما فيّ سيصعدُ آمنًا

فوق السماء المرصّعة بالنجوم؛

ولن يقدر العالمُ كلُّه أن يُخمِد اسمي.

فحيثما امتدت الإمبراطوريةُ الرومانيةُ بحقِّ الفتح،

امتدّت قراءةُ هذا العمل؛

ومع الزمنِ الذي لا نهاية له

(إن كان للشعراء صدقُ نبوءةٍ في الحقّ)

ستطول حياتي خلودًا، بالذِكر والصيت.

كان كاليماخوس شاعرًا مهمًّا في بلاط بطليموس، على صلةٍ من السلطان لم يطلبها أوفيد قط في علاقته بالإمبراطور. وما كانت تلك العلاقةُ على الحقيقة لا سبيل إلى معرفته، ولا يغيّر ذلك كثيرًا من قراءة تحفته؛ إذ يصرّح الشاعر أن الشعرَ هو همُّه الأكبر.

غير أنّ صلةَ أوفيد بأوغسطس وتحويله وجهَ العالم الروماني تظهر أوضحَ في عمله السردي الكبير الآخر: «التقويم» (Fasti). ففي هذه القصيدة أيضًا اتخذ أوفيد إطارًا زمنيًّا، فجعل لكل شهرٍ كتابًا. وكان التقويم الروماني في الأصل سجلًّا للأيام التي يُسمح فيها بعملياتٍ قانونية أو سياسية أو يُمنع. وأولُ نشرٍ رسمي للتقويم كان سنة ٣٠٤ق.م. وبحلول عهد أوغسطس صار «التقويم» يشمل مناسباتٍ أخرى، كأعيادٍ إمبراطورية أو احتفالاتِ نصر. وقد جمع العالم الكبير فِرّيوس فلاكّوس - وهو أكبرُ من أوفيد سنًّا وكان معلّمًا لأحفاد أوغسطس - تقويمًا ضخمًا نُقش في براينيستِه، وما تزال شذراتٌ منه باقية. ويُظهر قرارُ أوفيد أن يجعل التقويم وتدًا يعلّق عليه سلسلةَ حكاياتٍ في شعرٍ مرثيّ مدى تفاعله الخلّاق مع تحوّلات الثقافة المعاصرة؛ غير أنّ نبعَ خياله ظلّ متصلًا بالتقليد الأدبي لليونان الهلنستية. فـ«التقويم» - بصورتها المرثية وبتركيزها على الحكايات التعليلية (الإيتيولوجية) - متموضعة عمدًا في تقليد «الأيتيا» لكاليماخوس، بل ربما أوضحُ من «التحوّلات» في ذلك. لكنها ليست مجرد إيماءةٍ نحو كاليماخوس؛ إذ توظّف الخلفية الهلنستية لاستكشاف أيديولوجيا روما الأوغسطية، وهي لعبةٌ نصّية متشابكة مع «الأيتيا»، وبوصفها تعليقًا ثقافيًّا تقدّم الكثير عن امتزاج اليوناني بالروماني، أكثر مما تقدّم عن السياسة الراهنة.

فأولُ مشهد في القصيدة، مثلًا، تجلٍّ إلهيّ. يصوّر أوفيد نفسَه يبدأ تأليف «التقويم» بشهر يناير، ويتأمل طبيعة الإله يانوس. واللحظة مشبعةٌ بأصداء مقدمة «الأيتيا»، ولا سيما صورة الشاعر وألواحه الكتابية على وشك الشروع في عمله ثم يقطعه تجلٍّ:

«ومع ذلك: أيُّ إلهٍ أسمّيك، يا يانوس ذو الوجهين؟

فليس لليونان إلهٌ يشبهك.

أخبرني: لمَ وحدك من الآلهة ترى ما وراءك وما أمامك؟»

وبالألواح في يدي كنتُ أتدبّر هذه المسائل،

فإذا البيتُ يبدو أبهى مما كان قبل لحظة.

ثم إذا يانوسُ المقدّس - في منظرٍ عجيب برأسين -

يواجهني فجأةً وجهًا لوجه.

فارتعشتُ رعبًا، وشعرتُ بشعري ينتصب،

وبقشعريرةٍ جليديةٍ تقبض قلبي.

غير أنّ أوفيد، وهو يحاكي كاليماخوس، يتعمّد في الوقت نفسه أن يلفت إلى الفروق. فالبيتُ الخماسي الاعتراضي: «فليس لليونان إلهٌ يشبهك» تصريحٌ جليّ باستقلاله: لا إلهَ في اليونان مثل يانوس؛ ومن ثم لا مصدر يونانيًّا لأوفيد في روايته - ومع ذلك، للمفارقة، يُنظّم روايته على نحوٍ قريب من كاليماخوس. ويمضي يانوس يقدّم لأوفيد تفسيراتٍ عديدة - لا تتّسق كلّها - لصورته وهيئته. ولا يغيب عن قارئ «الأيتيا» أنّ الكتابين الأولين فيها بُنيا على نسق الأسئلة والأجوبة مع المُلهمات (Muses). لكنّ النقاد اليوم قد يتعجلون في ردّ التشابه إلى مجرد «مسحة كاليماخوسية»، والحال أنّ لعب أوفيد بالنص النموذج «الأيتيا» أشدّ شمولًا وأعمق شأنًا من ذلك.

ويعيد أوفيد لقاءَه بإلهٍ في مفتتح الكتاب الخامس، أيضًا على خلفية افتتاح «الأيتيا». ولسوء الحظ لا يبقى من الجزأين الأولين من «الأيتيا» ما يكفي للحكم المباشر على إدارة الحوار عند النموذج؛ لكنَّ شاهدًا نفيسًا من شرحٍ قديم يلخّص أول مشهدٍ في القصيدة: يبدو أنّ كاليماخوس بدأ بأن عرض على المُلهمات ثلاثَ تفسيراتٍ لأصل الحسنات/النعَم (الغرايس)، ثم لما انتهى قالت إحدى المُلهمات التفسيرَ الصحيح. وتدلّ الشواهد بقوة على أنّ كاليماخوس خاطب المُلهمات جميعًا، لكن واحدةً ردّت باسمهنّ. وهذا يلائم شخصيةَ الراوي في «الأيتيا»: عليمًا، سائلاً، ممسكًا بزمام الخطاب. أمّا أوفيد فيؤكّد في الكتاب الأول غياب المصادر اليونانية. فكيف يتعامل مع هذه المعضلة في الكتاب الخامس؟ لا يكتفي بتقمّص الوقفة الكاليماخوسية، بل يقلبها ويقوّضها. والمسألة هنا أصلُ اسم شهر ماي. وككاليماخوس يخاطب أوفيد المُلهمات جمعًا، لكنه - على خلافه - لا يقدّم تخميناتٍ من عنده قبل الجواب؛ ثم إن المُلهمات، لا الشاعر، يقدمن التناقضات:

قدّمت المُلهماتُ آراءً مختلفة. وكانت بوليهيمنيا أولَ من بدأ

(والأخريات صامتاتٌ يختزنّ كلامها في أذهانهن).

وسكوتُ الأخريات ليس غريبًا على من عرف كاليماخوس، لكن أوفيد يُدخل «انعطافة» بعد انتهاء بوليهيمنيا:

فرغت بوليهيمنيا من حديثها. فأقرّت كِليو قولَها،

وكذلك ثالْيا الضاربة على القيثارة المقوّسة.

ثم تقدّمت أورانيا؛ وبقيت الأخريات صامتات،

ولم يُسمع صوتٌ غير صوتها.

تؤيد ملهمتان رواية بوليهيمنيا، بينما تبدأ ملهمةٌ رابعة روايةً أخرى. ثم تتبعها كاليوبّي، وحين تُتمّ كاليوبّي روايتها يكون لها أيضًا أنصارها:

وسكتت هذه الملهمة أيضًا. فمدحها أتباعُها. فماذا أفعل؟

لكل فريقٍ العددُ نفسه من الأصوات.

فليكن حُسنُ الجميع من المُلهماتِ معي على السواء،

وليتني لا أفضّل واحدةً منهنّ على أخرى.

تنقسم المُلهمات بالتساوي إلى ثلاثة معسكرات، ويُظهر أوفيد أنه لا يريد ترجيحًا، فيترك كل الاحتمالات مفتوحة. أساطيرُ أوفيد أقلُّ ثباتًا من أساطير كاليماخوس، والراوي أقلُّ تحكّمًا؛ واللعبُ بالنص النموذج «الأيتيا» يسلّط الضوء على هذا الفرق.

وترتبط حالة «التقويم» غير المكتملة بنفي أوفيد على يد أوغسطس سنة ٨م. ولا يقدّم أي مصدرٍ قديم تفسيرًا قاطعًا؛ وإشارة أوفيد إلى سبب نفيه - «قصيدة وخطأ» - تترك مجالًا واسعًا للظنون. وقد صار هذا اللغز مادةً خصبة لتخمينات الباحثين منذ القرن الخامس عشر. وأوفيد يوضح أن «القصيدة» المقصودة هي «فنّ الحب»، غير أنّ تفسير «الخطأ» الغامض تعددت فيه النظريات. وأكثرها يربط نفي أوفيد بنفي يوليا حفيدة أوغسطس في السنة نفسها، افتراضًا بأن أوفيد تورّط في زناها أو مؤامرتها السياسية. لكن إن صحّ ذلك بدا العقابُ لطيفًا على غير المعتاد، وصارت توسلاته من المنفى تبدو خطرةً لا مثيرةً للشفقة. وقد يُلتمس تفسيرٌ آخر في مناخٍ من النشاط القمعي نحو سنة ٨م، قد يتصل بطيبيريوس - الوريث المعيَّن - أكثر مما يتصل بالإمبراطور نفسه. ففي ذلك الزمن أسخط الخطيب تيتوس لابيينوس البيت الإمبراطوري؛ ولما أُمرت كتبه - في سابقةٍ من الرقابة - أن تُحرق، انتحر يأسًا. كما نُفي الخطيبُ والأديب كاسيوس سفيروس إلى جزيرة كريت في السنة نفسها بتهمٍ غير محددة تتصل بشتم رجالٍ ونساء ذوي شأن. وقد تكون أحداثٌ أخرى أثّرت في وضع أوفيد، ففي تلك السنة توفي ميسالا كورفينوس، صديق أوغسطس القديم، شيخًا ذا عمرٍ وافر. ولم يكن ميسالا معلّمًا لطيبيريوس في الخطابة فحسب، بل كان أيضًا راعيًا للشعراء، وكان أوفيد على صلةٍ بدائرته.

ولئن كانت منزلةُ ميسالا عند أوغسطس قد وهنت مع السنين، فربما بقيت كافيةً لتقي أوفيدَ ما دام لا يزيد في الإساءة. لكنه زاد - على ما يبدو - فقد يكون طيبيريوس دفع أوغسطس إلى اتخاذ إجراء ضد شاعر «فنّ الحب» في الوقت نفسه الذي أُحرقت فيه كتب لابيينوس ونُفي فيه كاسيوس سفيروس. فما الذي اعترض عليه طيبيريوس في «فنّ الحب»؟ على الأرجح لم يعترض على المقاطع «المشاكسة»، ولا على إمكان قراءة القصيدة بوصفها تحريضًا على الزنا. فبعد ذلك باثنتي عشرة سنة (٢٠م) سمح طيبيريوس بعودة عشيق زوجته يوليا من المنفى، زاعمًا أنه لم يُنفَ حقًّا من الأصل. قد يكون اعتراض طيبيريوس أن أوفيد أدخل في «فنّ الحب» مديحًا للشاب غايوس قيصر الذي فضّله أوغسطس على طيبيريوس في مسألة الخلافة. فما هو «الخطأ» إذن؟ قد يكون شيئًا تافهًا: كإنشاد «فنّ الحب» في وقتٍ غير مناسب. فقد أُهلك شاعرٌ آخر، كلوتوريوس بريسكوس - كما يروي تاكيتوس - بسبب «قصيدة وخطأ»: مرثيةٍ في ابن طيبيريوس، وخطئه أنه أنشد العمل المُسيء أمام جماعةٍ من سيدات النبلاء.

جاء النفيُ صدمةً عظيمةً لأوفيد؛ وردُّه على الضربة أخرج بعضَ أروع الشعر الذاتي في القديم. فقد واجه تبدّل حاله بأن صبّ عاطفته في المرثية - الجنس الذي كان قد تقنّع فيه شاعرَ غرامٍ في شبابه. فأولُ مجموعةٍ من شعر المنفى، «الأحزان» (الأحزان)، تتألف من خمسة كتب أُلّفت بين ٩م و١٢م. يروي الكتابُ الأول خروجَه من روما ورحلته الطويلة إلى منفاه في تومي على أقصى تخوم الإمبراطورية. أمّا الكتاب الثاني فجاء على بنيةٍ مختلفة: قصيدةٌ واحدة بأسرها في صورة رسالةٍ إلى الإمبراطور أوغسطس. وهي التماسُ عفوٍ وعودةٍ من المنفى، لا يتناول فيها أوفيدُ من التهم إلا تهمةَ شعره؛ ثم يتحول النص إلى دفاعٍ متصل عن مسيرته الأدبية وعن نزاهة فنه. وأما الكتب الثلاثة الأخيرة فمجموعةُ رسائلٍ علنية ونداءات، معظمها إلى أصدقاء ومعارف غير مُسمّين، يُرجى أن يتوسطوا له. كثيرًا ما يشكو أوفيد في شعر المنفى ضعفَ قريحته، فأخذ بعض النقاد كلامَه على ظاهره. غير أنّ «الأحزان» تضم شعرًا شديدَ الوهج والقوة، ولا يبلغ أشدَّهما إلا حين يتأمل مكانَ الفن في حياته: لأنه كان سبب كارثته الشخصية، ولأنه كان أيضًا مصدر خلاصه في أحلك ساعة:

فكوني ما زلتُ حيًّا أواجه شدائدي،

غيرَ مُنهَكٍ من قلق الحياة،

فلَكِ الفضلُ فيه - يا مُلهمتي.

أنتِ تُهدينني العزاء،

وبالسكينة وبلسم الشفاء تأتينني.

أنتِ الدليلُ والرفيق، تقودينني بعيدًا من الدانوب،

وتمنحينني مقامًا على هيليكون الإلهي.

وقد وهبتِني - وهو نادرٌ في الحياة -

صيتًا غالبًا ما يشرق بعد القبر لا قبله.

وشعرُ المنفى عند أوفيد ليس اعترافًا «كنسِيًّا» بالمعنى الذي قد يتوقعه القارئ الحديث. فهو، وإن وصف بؤس محيطه مرارًا، يجعل دفاعه منصبًّا على فنه. وفي «الأحزان» - كما في «رسائل البطلات» و«فنّ الحب» - يشقّ أوفيد أرضًا جديدةً، إذ يحمّل المرثية نغمةً غير مألوفة. كلُّ شاعرٍ يحتاج إلى مكتبته - وأوفيد لا يقل عن غيره - وإلى جمهور. وفي تومي لم يكن له هذا ولا ذاك:

لا هنا من الكتب ما يُغري ويُغذّي،

إنما تسمع صليل الأقواس والسلاح.

وليس في هذه الأرض - إن أنشدتُ -

من أذنٍ واعيةٍ تُجديني أو تنتفع بي.

وفي هذا القفر أنجز أوفيد في السنوات الأولى من منفاه ظفرًا صغيرًا في العلم والغموض: قصيدة «إيبيس»، وهي لعنةٌ مُحكمة في ٣١٦ بيتًا مرثية مزدوجًا. وفيها فهرسٌ طويل لِلَّعنات الدقيقة المأخوذة من الأساطير. ويُعلن العنوان صلةً بقصيدةٍ لكاليماخوس كان قد لعن فيها عدوًّا باسمٍ مستعار هو «إيبيس» - وهو طائرٌ سيّئ السمعة لقذارته. ولا نعرف وجود قصيدة كاليماخوس إلا من إشاراتٍ لاحقة، وما نملكه من هذا الفن لا يكاد يجاوز شذراتٍ وعناوين: كـ«لعنات» مويرو، و«سارق الكأس» و«التراقي» للشاعر أوفوريون. وهكذا وجدت مرارةُ أوفيد منفذًا في التراث نفسه الذي ألهم حكاياته الأسطورية في «التحوّلات» و«التقويم».

ثم جاءت مجموعة أوفيد الأخيرة من شعره فعاودت موضوعات «الأحزان»: «رسائل من البحر الأسود» (Epistulae ex Ponto)، موجّهة إلى متلقين في روما هذه المرّة بأسمائهم صراحةً. ونُشرت الكتب الثلاثة الأولى مجموعةً واحدة سنة ١٣م. وتبدو وحدتُها في التوزيع المتناظر للرسائل على أربعة رعاة. فالقصيدة الأولى من الكتاب الأول إلى بروتوس (ولعله كان ناشر أوفيد)، ثم تليها رسالة إلى فابيوس ماكسيموس - أشهر المخاطَبين - صاحب النفوذ والصلات في البلاط. ويتكرر النمط معكوسًا في آخر قصيدتين من الكتاب الثالث، إذ تعود الرسالة إلى بروتوس فتؤطّر المجموعة. ويمكن تتبع تناظراتٍ شبيهة في ترتيب الأجزاء الداخلية من الكتب الثلاثة. وتعيد هذه الرسائل موضوعات «الأحزان»: أوصافٌ قاتمة لمعاناته في المنفى تتناوب مع التماسات العودة وشكاوى انحسار القدرة الأدبية. وأمتعُ ما فيها ما مسّ موضوعاتٍ شخصية. ففي إحدى قصيدتين فقط يخاطب بهما زوجته، يعيد أوفيد تدوير ثيمات الغزل المرثي ليرسم امرأةً أنهكتها الهموم على زوجها:

أنتِ أيضًا - وقد كنتِ شابّةً حين غادرتُ المدينة -

لا بدّ أنّ المتاعب شاختكِ؛ فليت الآلهة

تُريني إيّاكِ كما صرتِ الآن، فأطبع القبلات

على شعركِ الذي خالطه الشيب، وأضمّ

جسدكِ الذي لم يعد ممتلئًا كما كان، وأقول:

«إنه القلقُ عليّ هو الذي أنحفكِ إلى هذا الحد».

ليس الحبُّ الزوجيّ موضوعًا طاغيًا في أدب القديم؛ وشعرُ أوفيد في المنفى من النوادر التي تُطلعنا على شيءٍ من «الحياة وراء القوالب». وثمّة رسائل أخرى إلى ذوي نفوذٍ لا صلة شخصية لهم بالشاعر. ففي افتتاح الكتاب الثاني يخاطب جرمانيكوس - ابن أخ الإمبراطور وابن طيبيريوس بالتبنّي - كما يخاطب كوتيس ملك تراقيا التابع لروما. وتزداد نبرةُ اليأس - المميزة لرسالة الكتاب الثالث السابعة إلى أصدقائه عمومًا - غلبةً مع الأيام، حتى يغدو واضحًا أن أوفيد لم يعد يعلّق رجاءً واقعيًّا على الصفح:

لقد نفدتْ كلماتي؛ كررتُ الطلبَ ذاته مراتٍ كثيرة،

وصرتُ أستحي من صلواتي التي لا تنقطع ولا تُرجى.

لا بدّ أنكم مللتم هذه القصائد الرتيبة؛

فقد حفظتم - يقينًا - ما أريد عن ظهر قلب،

وتعرفون مضمون كل رسالةٍ جديدة

قبل أن تكسروا ختمها...

وتنتهي الرسالة بمرارةٍ ساخرة، إذ يعلن أنه سيستقبل الموت بشجاعة، لأن الإمبراطور لا يستطيع أن يمنعه ذلك. وقد يكون الكتاب الرابع والأخير من «رسائل من البحر الأسود» صدر بعد وفاة أوفيد؛ فالرسالة التاسعة فيه كُتبت سنة ١٦م، وتوفي الشاعر في السنة التالية. ويبدو أنه ظل يكتب حتى النهاية. ففي رسالةٍ يائسة إلى شاعرٍ آخر، يكتب أوفيد بغلظة عن التزامه بالأدب:

ذلك الدافع الإلهي - قوت الإلهام -

الذي كان فيّ فطرةً دائمة، قد انطفأ الآن.

واليوم لا تعمل مُلهمتي إلا مُكرهة،

تضع يدًا سآمةً على ألواحٍ أتناولها؛

لا تمنحني الكتابةُ إلا لذةً ضئيلة - إن منحت -

ولا أجد فرحًا في أن أكره الكلمات على الوزن.

لعلّ ذلك لأني لم أجْنِ منه نفعًا،

بل لأنه - حقًّا - أكبرُ منابع شقائي؛

أو لأن نظمَ قصيدةٍ لا تقرؤها على أحد

يشبه الرقصَ في الظلام.

كان أوفيد آخرَ شعراء العصر الأوغسطي، وهو في الوقت نفسه أولَ شاعرٍ في العصر التيبيري. ولم يكن الزمنُ بعدها زاخرًا بأدبٍ عظيم. ويخاطب أوفيد القصيدةَ الأخيرة في المجموعة - وربما كانت آخرَ ما كتب - إلى عدوٍّ مجهولٍ يقوم مقام «الخصم النموذجي» عند شعراء روما: الحسد. وهي آخرُ إعلانٍ عن نزاهته الفنية واستحقاقه للخلود. ففي ديوانه الأقدم «الغراميّات» كان قد طالب بمقامٍ بين الخالدين: هوميروس، وهسيود، وكاليماخوس، وإينيوس، وفيرجيل. أمّا الآن فيذكر ثلاثين من معاصريه المتأخرين - وليسوا صفوةً لامعة - ومنهم: دوميتيُس مارسوس، وألبينوفانوس بيدو، ويوليوس مونتانوس، وكورنيليوس سفيروس… وفي ختامٍ لا يخلو من مفارقةٍ مراوغة يقول:

إن جاز أن يُقال ذلك، فقد كان فني مميّزًا،

وبين ذلك التنافس كلّه كنتُ أوّلَ من يُقرأ.

لقد هيمن إنتاجُ أوفيد على المشهد الأدبي في روما بعد وفاة هوراس وفيرجيل، ولم يكن يعاني نقصًا في الذيوع. والتزامُ أوفيد الشخصي بحياة الأدب موثّق في شعر المنفى بحدةٍ لا تزال مدهشة. وقد افتتن به فنانون مثل أوجين ديلاكروا في لوحته «أوفيد بين السكيثيين»، بوصفه استعارةً لعزلة الفنان عن المجتمع. كما أنّ لغزَ نفيه ما يزال يمدّ الرواية الحديثة بمادةٍ خام: في أعمالٍ جادّة مثل «حياةٌ متخيَّلة» لديفيد مالوف (١٩٧٨) و«العالم الأخير» لكريستوف رانسماير (١٩٨٨)، وفي أعمالٍ أخف مثل رواية التشويق الهزلية «أوفيد» لديفيد وِشارت (١٩٩٥).

وكان تأثيرُ أوفيد في أجيال الشعراء الرومان اللاحقين واسعًا جدًّا. ومن دلائل أثره أن التقليد كثيرًا ما كان ينسب إليه أعمالًا كُتبت على منواله. فـ«فنّ الصيد» (Halieutica) - وهي شذرة من قصيدة في الصيد بالشباك حفظتها مخطوطة من القرن التاسع وتنسبها إلى أوفيد - دافع عنها بعضهم أحيانًا على أنها صحيحة لأن بليني الأكبر يبدو أنه أشار إليها في القرن الأول الميلادي. غير أنّ الباحثين اليوم مجمعون على زيفها لأسبابٍ وزنية وأسلوبية. وكذلك قصيدة «شجرة الجوز» (Nux)، وهي مرثية من ١٨٢ بيتًا على لسان شجرةٍ تشكو أذى المارّة؛ تظهر في مخطوطاتٍ من القرن الحادي عشر فصاعدًا باسم أوفيد، لكن أكثر النقاد يستبعدونها من الديوان الأوفيدي. وأما «تعزية إلى ليفيا» (Consolatio ad Liviam)، وهي قصيدة تعزية لزوجة أوغسطس في موت ابنها دروسوس سنة ٩ق.م، فقد بقيت في مخطوطات كثيرة من القرن الخامس عشر باسم أوفيد، لكن نسبتها إليه باطلة بوضوح من جهة الأسلوب؛ ولعلها تمرينٌ أدبي متأخر، وقد رجّحت محاولاتٌ حديثة تأريخها إلى العصر الفلافي، حين شاع فنّ التعزية. وفي فئةٍ أخرى قصيدة «الحُلم» (Somnium)، وهي مرثية من ٢٣ بيتًا مزدوجًا تشهد شذوذاتٌ أسلوبية ونحوية كثيرة على زيفها. والعجيب أنّ هذه القصيدة، مع أنها انتقلت مستقلّة في التراث الوسيط، وُجدت أيضًا في بعض مخطوطات «الغراميّات» في الموضع الخامس من الكتاب الثالث. ويرى بعض الباحثين أن قصائد غير أوفيدية تسللت كذلك إلى تقليد مخطوطات «الهيرويدِس»، وطُرحت حججٌ ضد نسبة خمس رسائل فيها إلى أوفيد: «هيرميونِه إلى أوريستيس»، و«ديانييرا إلى هرقل»، و«ميديا إلى ياسون»، و«لاوداميا إلى بروتيسيلاوس»، و«هيبيرمِنسترا إلى لينكيوس». وأما «رسالة سافّو» (سافّو إلى فاوني)، فهي في موضعٍ مختلف، إذ إن مكانتها بوصفها الرسالة الخامسة عشرة في الطبعات الحديثة ترجع إلى عالمٍ من القرن السادس عشر؛ والآراء منقسمة في نسبتها إلى أوفيد. وأما «الرسائل المزدوجة» فالغالب اليوم أنها صحيحة، وإن بقيت بعض الشكوك.

لقد كان أوفيد دائمًا أحبَّ إلى الفنانين منه إلى الباحثين. ولم تدخل أعماله ضمن المنهج المدرسي في العصور القديمة، وفي مدارس العصور الوسطى غلبت قراءةُ أعماله الأقلّ جرأة. وقد «نُقّيت» «التحوّلات» في قصيدةٍ فرنسية ضخمة من أوائل القرن الرابع عشر تقارب سبعين ألف بيت تُعرف بـ«أوفيد المُؤوَّل/المُخَلَّق» (Ovide Moralisé). وفي أزمنة مختلفة تعرّض شعرُ أوفيد للمنع الصريح. ففي سنة ١٥٩٩ مُنع وأُحرق بأمرٍ أسقفيٍّ مجلّدٌ كان يضم بعضَ ترجمات كريستوفر مارلو لـ«الغراميّات». كما حذفت طبعاتٌ مدرسية في القرنين التاسع عشر والعشرين من «رسائل البطلات» و«التقويم» و«فنّ الحب» مقاطعَ عُدّت «غير لائقة». ومع ذلك ظلّت أعماله تُقرأ. وقد بدأ تأثيره في الأدب الإنجليزي مع جيفري تشوسر وجون غاور، اللذين قد يكونان أشدَّ شعراء الإنجليزية «أوفيدية». وأما وليام شكسبير - الذي لعلّه عرف أوفيد معرفةً وثيقة عبر ترجمة آرثر غولدينغ المحمودة - فقد نهل من أوفيد بكثرة في أول مآسيه « تيتوس أندرونيكوس» (Titus Andronicus)، ويمكن تتبع أثره في مسيرة شكسبير كلها. ووجد شعراءُ عصر التنوير في اللعب الذهني الذي يطبع أسلوب أوفيد شبهًا عميقًا بمنهجهم. فدرايدن وألكسندر بوب لم يترجما كثيرًا من شعره فحسب، بل تتجلى بصمته في أعمالهما كلها. وفي القرن العشرين يلقى قارئ «أناشيد» إزرا باوند (المنشورة متقطعة بين ١٩١٧ و١٩٧٠) و«حكايات من أوفيد» لتِيد هيوز (١٩٩٧) شاعرَ «التحوّلات» في صورةٍ مُستعادَة نابضة. وفي الفنون البصرية ظلت أساطيرُ أوفيد منجمًا لا ينضب للإلهام. وتمثل مشاهد «أوفيدية» عند تيتيان ونيكولا بوسان جزءًا مهمًّا من إنتاجهما، لكن قائمة الفنانين الذين عالجوا موضوعاته طويلة: مثل برنيني، وبيتر برويغل، وبيتر بول روبنز، والسير أنطوني فان دايك، وديلاكروا، ومارك شاغال.

ولعلّ أوفيد أوسعُ كتّاب العصور اليونانية والرومانية القديمة تنوّعًا ممن وصلت آثارهم إلينا. إنّ ابتكاراته الباهرة في الموضوعات والأجناس الموروثة - المرثية الغزلية، والشعر التعليمي، والملحمة، والمرثية السردية، والهجاء اللاذع - هي أولُ ما يدعو إلى القراءة. غير أنّ الذي يأسر القارئ حقًّا هو تلك البراعة المدهشة في المهارة التقنية. وصعوبةُ شعره ليست في اللغة؛ فآياته تمتاز بوضوح العبارة ودقة التركيب النحوي. ومن هذه الجهة يختلف أوفيد اختلافًا ملحوظًا عن سلفه العظيم فيرجيل، الذي يستثمر غموض اللغة ليعكس صراعات الشرط الإنساني؛ أما أوفيد فيبدّد تلك الإبهامات بصرامةٍ لا تلين. و«الفكاهة» هي السمةُ المحدِّدة لأسلوبه - لا بالمعنى الدارج اليوم - بل كما قال درايدن: «ملاءمةُ الأفكار والألفاظ؛ أو بتعبيرٍ آخر: أن تتكيّف الفكرةُ واللفظةُ تكيفًا أنيقًا مع الموضوع». ومع ذلك، فإن أوفيد - على خلاف أكثر «الأوغسطيين» - لم يُضحِّ تمامًا بسحر الإمتاع؛ ولذلك ظلّت «التحوّلات» خصوصًا جزءًا لا ينفصل عن الخيال الأدبي الجمعي.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق