حيوانٌ يفتّش عن الرّب
ما الذي يمكن أن يكون أبهجَ من الإيمانِ بإلهٍ منزليّ؟
فرانز كافكا، «شذرات زُراو».
تواضعٌ بطيءٌ يتسرّبُ إلى الغرفةِ
التي تسكنُ فيَّ، على كفِّ السكون.
تريستان تزّارا، «حيث تشرب الذئاب».
لم تكن التديُّنيةُ - منذ البدء - موضوعًا هادئًا في التعبير الأدبيّ. إنّ النسيجَ المُعقَّدَ الذي يُحاكُ منه هذا الموضوع لا يَكادُ يَنتجُ إلا عن حماسةِ قراءةٍ تمضي، على مهلٍ متصاعد، تُنقِّبُ في الكلمات المقروءة عن شواهدَ حيّةٍ لا تنفد، على المشروع الاستكشافيّ الذي نُقيمُه لأنفسنا. وإنّ غوايةَ التعرّف إلى تلاقٍ في الرؤى الدينيّة عند كتّابٍ مثل كافكا ودوستويفسكي عظيمةٌ، وإن لم تكن كلّها شططًا. وسأحاول - قبل كل شيء - ألّا أُغامر بتأويلاتٍ تُشوِّه المعنى الأوّل للنصوص؛ تلك التي لا تُفضي إلى يقينٍ قطّ، بل إلى إمكانات. وفي حيّز الإمكان نتحرّك. وسنبدأ من تجلّيات الدينيّ، ولا سيّما في «المحاكمة»، و«التحوّل»، و«الجُحر»، و«تحقيقات كلب» لكافكا، وفي الأعمال الدوستويفسكيّة، في «الجريمة والعقاب» و«رسائل من تحت الأرض»، لأنّنا نُبصر فيها تعبيرًا عن شكٍّ متعالٍ؛ شكٍّ - وخاصةً عند الكاتب فرانز كافكا - يبلغ تخومَ العبث القلِق، إذ يعلن الجهلَ الأقصى، والتعاليَ المطلق، وغمُوضَ الرّب والتباسَه.
إنّ الضبابيّة الدينيّة التي تبرز من كتابةِ كاتبِ براغ تبدو كأنّها مَحسوبةٌ حسابًا استراتيجيًّا؛ إذ إنّ الشكوك في أعماله تغلبُ اليقينات، والحذوفات تغلبُ الشروح. كلُّ شيءٍ يبدو كاذبًا، مراوغًا، ملتبسًا، لا نهاية له ولا حدّ في عالم «المحاكمة». يقول دولوز - في كتابه «كافكا: من أجل أدبٍ صغير» - إنّ «نصوص المحاكمة الشهيرة تُظهر القانونَ بوصفه شكلًا خالصًا فارغًا من المحتوى، يظلّ هدفُه غيرَ قابلٍ للإدراك؛ ولهذا لا يُمكن للقانون إلا أن يُعلَن في حكمٍ، ولا يُعرف الحكمُ إلا من خلال عقوبة. لا أحد يعرف لُبَّ القانون». وهذا الإلقاءُ الذي يجعل به كافكا التعاليَ واقعًا في العقم، سبق أن نطق به الكاتب الروسي فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي، ثم أبرزه ليون شيستوف - وهو الاسم المستعار لليف إيساكوفيتش - بجلاءٍ بالغ، عبر سخريةٍ جدليّة، في كتابه «إشراقات الموت».
إنّ عالم «المحاكمة» هو العالمُ نفسُه الذي كان قد تَمثّل في «الجريمة والعقاب»: إنّه العالمُ السفليُّ، تحتَ الأرض، خنّاقٌ مظلمٌ كأروقةِ المحاكم، ومنه تنهضُ هرميةٌ لا متناهيةٌ بابليّة، بدرجاتٍ لا يبدو أنّ أحدًا يقدرُ على ولوجها. وفي ذروةِ ذلك، يُنبِّهنا أفلوطين إلى أنّ «أدراستيا تسهرُ لكيلا يفلتَ أيُّ اعتداءٍ على القانون من العقاب. لا تعنيها الضحيّة؛ لا تُفكّر فيها، وإنما تُعاقِبُ صانعَ الفوضى… الشرُّ أنّ الجاني قد انتهك القانون». وهذه الصورة ذاتُ الجذر الأفلاطونيّ المحدث هي نفسها التي نلقاها في «المحاكمة». أمّا عن الكيان الذي في العلوّ، أي عن «القانون»، فلا يقول لنا كافكا شيئًا. ولأجل الآن نقف عند استعارةٍ دينيّة: الرّب هو القانون - ابتداءً من قراءةِ حكاية «أمام أبواب القانون» التي تُروى في فصل «في الكاتدرائيّة».
إنّ التعاليَ المطلق للقانون يقذفُ بطلَ الرواية، جوزيف ك.، في متاهةٍ من التناقضات والمواقف المفارِقة، دون أن يهتدي إلى فهمِ تعقيدِ «المحاكمة» التي تلتفّ عليه - بل، على وجهٍ أدقّ: لا يدري بماذا اتُّهِم. فحين «اعتُقِل جوزيف ك. ذاتَ صباحٍ، من غير أن يكون قد اقترف شرًّا» في مفتتح الرواية، يُلقى في دوّامةٍ هلوسيّةٍ غير معقولة، بملامحَ حلميّة. لا يوجّه إليه الحُرّاسُ اتهامًا بعينه؛ كأنّ خطيئتَه هي ذاك الإحساسُ الذي لا يُطاق بالذنب، الذي تستشعره «المحكمة» في البشر. إنّه ذنبٌ بلا اسم، وخطيئةٌ غيرُ محدَّدة، كأنّها أقدمُ منه وتلاحقُ الإنسانَ الحديثَ كلَّه، فتُدنِّسُ روحَه إلى الأبد. مُعتقَلٌ بلا قضبان، يظلّ جوزيف ك. طوالَ العمل يصارعُ لإثبات براءته.
ومثلما كان دوستويفسكي - كاتب «رسائل من تحت الأرض» - يعيش الحياةَ بعيني الموت، كما قال شيستوف: مقهورًا بجدارِ الحجر الذي لا يستطيعُ هدمَه؛ كذلك كان جوزيف ك. في «المحاكمة» يعيشُ مُسوَّرًا في متاهةٍ فوضويّةٍ مفارِقة، عاجزًا عن أن يحكم حكمًا منطقيًّا متوازنًا: أالقانونُ خلاصٌ أم هلاكٌ لرجلٍ مثله تطارده الخطيئة؟
إنّ نسيجَ التشابهات لا يتركُ حيّزًا للشك: فحين يتحدّث كافكا عن «المحكمة» بما فيها من غرفٍ خانقةٍ لا هواء فيها ولا نور، ومكاتب تحت أرضيّة، وممرّات مُختنِقة - يتحدّث دوستويفسكي عن «تحت الأرض» بوصفه مكانًا مقزِّزًا ضاغطًا؛ وفي العمق كأنّهما يتحدّثان عن «كهف» أفلاطون. ويذكر بيترو تشيتاتي - سيرةُ كافكا - أنّ مأثورةَ كافكا هي «بئر بابل»، وأنّها تُعيدُ إلى الأذهان «تحتَ الأرض» الدوستويفسكي: فقد حَفَر كافكا بئرَ بابل، كما كان دوستويفسكي ينقّب أعمق فأعمق في الليل والهاويات؛ نزل إلى جُحر الحيوان، إلى «تحت أرض الرّب»، ووصفَ كينونةَ الشرّ المروّعة، ووجودَ الإنسان في الخطيئة، والسجنَ المزدوج. وفي تلك البئر غيرِ القابلة للسبر، يعيش الإنسانُ مُقيَّدًا بقوانينَ ومبادئَ عمياء تجعلُ حياتَه غيرَ محتملة. وللنفور من «الشمولية» - أي من «الوعي العام الذي لا يعرف الناسُ أن يتصوّروا الوجود خارجَه» - ينجذبُ إنسانُ تحت الأرض إلى غيرِ المتوقع، إلى الظلمة، إلى النَّزَق؛ إلى كلّ ما يراه إنسانُ الفعلِ وضيعًا مُحتقَرًا.
ومتى وعى أنّ القوانين تُخدِّر اندفاعَ الحرّيّة، وتُخمِد القلقَ الخلّاق، وتُسطِّح الطبيعةَ الفرديّة للكائن - راح إنسانُ أعماق «تحت أرض الرّب» يتطلّعُ إلى التجرّد من الوعي العام. وهو يعلمُ سلفًا أنّ ذاك «الجزء الصغير من السماء» - الذي تحدّث عنه شيستوف عند شرحه لاستعارة «تحت الأرض» - لا يحتملُ الملكيةَ المشتركة: إنّه يتفتّتُ حين يحاول أصحابُ الوعي السوقيّ القبضَ عليه. ومن ثمّ، فإن القلقَ الذي يعيشه إنسانُ تحت الأرض، الذي يبدو كأنّه يحبُّ الفوضى ويبغضُ النظام، يَجُرّه إلى حياةٍ خاطفةٍ مُهمَّشةٍ مطرودةٍ من الآخرين.
وبالفعل، إنسانُ تحت الأرض - بخياره - أتعسُ الكائنات وأشدّها بؤسًا، يتعطّشُ لمتابعةِ نزاعِه ضدّ الخصم القديم: «اثنان واثنان يساويان أربعة». وفي هذا المونودراما المأساويّة، يُظهر دوستويفسكي طبيعتَه دون-إنسانيّة، في صورة «فأرٍ» ذي وعيٍ متضخّم. يقول دوستويفسكي: إنّ الفأرَ البائس - إلى جانب خسّته الأصليّة - أحاط نفسه بدائرةٍ من الأسئلة والشكوك، وأضاف إلى سؤالٍ واحدٍ أسئلةً كثيرةً لا جواب لها، حتى تراكم حوله وحلٌ قاتلٌ وكُدسٌ نتنٌ من شكوكه واضطرابه… ثم يُلقى عليه ضحكُ رجالِ الفعل العفويّين كأنّهم قضاةٌ أو طغاة. وأمام استحالةِ المعرفة الشاملة، لا يبقى للفأر ذي الوعي المتضخم إلا الانخراطُ في إذلالٍ عميقٍ: عقابًا عن ذنبٍ عتيقٍ مؤسَّس «منذ البدء»؛ فيُرسّخ احتقار الذات والمهانة، لأنّ بهجةَ الإنسان العادي - في نظره - تغدو سخريةً ماسخة أمام زيف الحياة.
ومن ثمّ يُفهم لماذا لا يكون ذا معنى عند من أدرك وَهْم الحياة إلا الألمُ المُفرِط: يفرح بالتحقير الذاتي وازدراء النفس، كي يشعر أنّه أحقرُ الكائنات وأشقاها. وشيئًا فشيئًا تُنبتُ هذه الإهانةُ التي تُبنى رواقِيًّا غضبًا دائمًا على الذات: يظلُّ أربعين عامًا يجترّ إذلاله بأدقّ التفاصيل، ويزيد عليها من العار ما يزيد، مُغتذيًا من خبث غضبه، ساخرًا من نفسه بخيالِه.
وهذا الانقيادُ المُنفلِت إلى الألم هو ما نستشفّه من موقف الراوي في «رسائل من تحت الأرض»: إذ يكون مريضًا مدقِعًا، فيرفض العلاج، ويستخرج من حاله لذّةً يفهمها «حلاوةً ملعونةً مخجلة»، ثم «متعةً صريحةً ثقيلة». وفي صميم هذا الإجراء، جهدٌ لتهدئة النفس وتكثيفها أمام فراغ المعنى في الحياة، كما يقول دوستويفسكي: إنّ هذا التلذّذ يأتي من وضوحٍ مفرط لحقارتنا، ومن وعينا بأننا في الحضيض، وأنّ هذا دنيء، ولا سبيل إلى التحسّن، ولا مخرج، ولن نكون غير ما نحن؛ بل لو امتلكنا الوقتَ والإيمانَ لنكون غيرنا، لما أردنا أن نتغيّر، ولو أردنا لما استطعنا - لعلّه حقًّا ليس لنا ما نتحوّل إليه. وإلى جانب هذه الخضوعية المحسوبة للانحطاط، يظهر أن هذا الحساب ذاته بحثٌ عن تميّزٍ عن الآخرين الذين يتشابكون في مشاريعَ وطموحاتٍ لا طائل منها، يبنون قصورًا من الرمل سرعان ما ينهار. باللجوء إلى بلادةٍ شرسةٍ اجتراريّة، يتحصّن «فأر الوعي المتضخم» من شِباك الوجود الوهمية.
وإذا كان دوستويفسكي وكافكا يشتركان في التصوّر الوهمي للوجود، فإنّ تموضع الشخصيات في العملين يأتي على نحوٍ متقابلٍ جذريّ. فجوزيف ك. لا يكفّ عن الحركة ضد أسباب الظلم الذي يقع عليه؛ ومع ذلك لا يشرع في «إذلاليّةٍ ألمية» على المقياس النابليونيّ كما نرى عند راسكولنيكوف في «الجريمة والعقاب». ذلك أنّ أبطال دوستويفسكي يحلمون بإهلاك أنفسهم، ويُقدِمون على فعلِ «غطرسة» (Hubris) متعالٍ - غلوٍّ يتجاوز الحدّ - يُحرّر الإنسان من عَرَضية القوانين البشرية؛ أمّا جوزيف ك. فمع أنه لا يفهم كلّيّة محاكمته التي قد تنقله إلى «محكمة سماويّة» بعدالةٍ معصومةٍ متعالية، فإنه يستكين إلى فتورٍ من اللامبالاة والفضول الخامل، لا ينجح حقًّا في فكّ عُرى القانون الذي يشدّه، بدافعٍ حياتيّ من حفظ النفس. إنّه لا يُظهر تلك الكآبة المُجهِزة والقلق المُخمِّر المُعذِّب الذي كان ستيفان زفايغ يسمّيه «قوّةً شيطانيّة»: ذلك الاضطراب الأصليّ الذي يولد به كل فرد ويدفعه خارج نفسه نحو اللانهاية.
في الحقيقة، جوزيف ك. يُجسِّد إنسان الوعي العام الذي يترك نفسَه لآلام محاكمةٍ لا يفهمها، ولا يقدر على الإفلات من شِباكها؛ فيُدان ويُحكَم عليه حكمًا لا رجعة فيه. وكان يمكن أن تُقرأ هذه الاستراتيجية بوصفها تحدّيًا - على نهجٍ دوستويفسكي - لو أنّنا رأينا في الشخصية الكافكويّة إرادةً ماكرةً محسوبةً للتجمّد الواعي في العطالة بوصفها ثورةً على النظام؛ غير أنّ ملامح هذا لا تتبدّى بوضوح.
ومع ذلك، يتبيّن سريعًا أن صراعَ الأبطال ضدّ البديهيات، أو ضدّ جدار الحجر، أو ضدّ أبواب المحكمة العظمى - ليس خلاصًا في أيٍّ من الحالين. لكن في «المحاكمة» يصبح غياب الرجاء والعقم الروحيّ أشدَّ اختناقًا وأقوى ضجيجًا. ففكرُ كافكا يبتعدُ بلا رجعة عن الإيمان الدّيني حين يتخلّى عن كل صورةٍ من صور الخلاص، ويَصبّ في صمتٍ وفراغٍ نجميّين. وتحت ظلّ هذه اليوتوبيا السلبيّة تُفهَم عبارة تشيتاتي النبوئيّة: «في كهف كافكا لا ينعكس ضوءُ الشمس».
والحق أنّ جوزيف ك. لا يبدو كأن «ملاك الموت» قد زاره، ولذلك لا يملك «العطيّة الملعونة» للرؤية الثانية كما كان شأن بطلِ تحت الأرض. يقول شيستوف إن دوستويفسكي - بفضل البصر الثاني - انتبه سريعًا إلى أن التجربة التي يؤسس عليها الناسُ العلم ليست واقعًا بل «نظرية»، فصار يعيش بلا يقينٍ وبلا قناعات، في نفيٍ مضاعف للنظام. إنّ «حكاية ملاك الموت» هي لبُّ الفكر الدوستويفسكيّ؛ إذ تمنح إنسانَ تحت الأرض رؤيةً أخرى، يرى بها وراء ما يُسمّى يقينًا ذاك «الجزء الصغير من السماء». مطرودًا من النظام العام، يهبط إلى مرارة الألم دون أن يرفع يديه تضرعًا: «ليس كون الجدار حجرًا وكوني ضعيفًا سببًا لأستسلم». وفي دوّامة الغضب الشيطاني، ينتهي إلى تحميل البشر ونفسه ذنبَ وجود الجدار: كأنّ ثمّة ذنبًا لنا - مع أننا لا ذنب لنا - فنصرّ على صرير الأسنان في صمت اليأس، ونتلذّذ بالتصلّب في العطالة. هنا تتجلّى «بطولة» دوستويفسكي: إرادةٌ لا تشبع لفكّ روابط الواقع وانتزاع دفة الإرادة من يد الحتم.
ومع أنّ هذا البطل مختارٌ وملعونٌ معًا - لأنه عالق في عالمٍ يريد الإفلات منه - فهو يتغذّى من شهوة الألم، من مرارة الاستشهاد، دون رغبةٍ في الشفاء. إنّ اللامبالاة المحسوبة والوحدة المقصودة تُفجّران جدلًا يبلغ «نسكًا بالنفي»: نفي الذات والعالم والآخرين، وتكوين شخصيّةٍ حرّةٍ مستقلّة تقفُ في وجه الجدار وقوانين البشر. ويُبرّر دوستويفسكي ذلك حين يقارن «إنسان الفعل» بإنسان الرؤية المزدوجة: «الجدار ليس لهم العائق الذي هو لنا، نحن الذين نفكّر، ولذلك لا نفعل».
بهذا يتّضح كيف تكون «العطالة» الصامتة الجريئة خميرةَ فوضى، ومعولًا يهدم زيف النظام المستقر. أمّا في «المحاكمة» فتغدو المسألة الدينيّة أكثر جلاءً في حكاية «أمام أبواب القانون»، التي تُطرح صراحةً بوصفها مفتاح الرواية. فحين يدخل جوزيف ك. الكاتدرائيّة - بحجّة جولةٍ طلبها مديرُ المصرف لضيفٍ إيطاليّ - يجد نفسه أمام كاهنٍ كأنه ينتظره ليقول له إنّه مخطئٌ بشأن المحكمة، ثم يروي له الحكاية الغامضة: يحرس البوّابُ بابَ القانون، ويطلب رجلٌ من الريف الدخول؛ فيؤجّل البوّابُ دخوله دائمًا حتى تنقضي حياة الرجل. والباب - في الحقيقة - كان مفتوحًا له دائمًا. ثم يرميه البوّابُ بالتحدّي: إن رغبت فادخل رغم منعي؛ لكن اعلم أنني قويّ، وأنا أضعف الحراس، ومن غرفة إلى غرفة حراسٌ أشدّ بأسًا، حتى إنّي لا أحتمل مجرد النظر إلى الثالث. فينتظر الرجلُ سنواتٍ طويلة. وقبيل موته يسأل: كيف لم يطلب أحدٌ غيري الدخول؟ فيجيبه البوّاب: لم يكن يحق لأحدٍ أن يدخل هنا غيرك؛ فهذا المدخل خُصِّص لك وحدك؛ والآن أمضي وأُغلِقه.
لا يكاد يُنال لهذه الحكاية معنى حرفيّ. غير أنّ الذي يثبت - منذ البدء - هو الطابعُ المفارق البعيد الذي لا يُدرَك للقانون، الذي يمثل هنا الرّب. إنّ إلهَ كافكا سرّيٌّ عصيٌّ على الفهم؛ ذلك هو مفارقةُ الإلهيّ عنده. لا أحد يعرف لبَّ القانون؛ فهو غيرُ قابل للمعرفة عند الجميع.
ثم إن القانون - كما يُعرَض - لا يبدو من مجال المعرفة، بل من مجال الضرورة. فالكاهن يشرح لجوزيف ك. أن البوّاب - وبالتضمين: القانون - لا يلزم أن يُعدَّ صادقًا في كل ما يقول؛ إنما يلزم أن يُعدَّ «ضروريًّا». وإذا كان القانون يُحكَم بالضرورة، يقول دولوز: بما أنّ القانون لا موضوع له في المعرفة، فإنه لا يتحدّد إلا حين يُعلَن، ولا يُعلَن إلا في فعل العقاب: إعلانٌ في الواقعيّ، في الجسد واللحم، إعلانٌ عمليّ يناقض كل اقتراحٍ تأمّلي. وعلى ضوء ذلك، يُفهَم أنّ القانون منزوعُ الباطن؛ إذ يقول حارسُ الباب إنّ «الكتابات» تسبق القانون. وهذا ما يجعل جوزيف ك. يرى أن «الكذبة تُرفَع إلى نظامٍ كونيّ». وهنا لبُّ الإشكال الإلهيّ عند كافكا: كأن الحقيقة لا تُكشَف إلا في المفارقة والكذب والظلمة. وإذا كانت حقيقةُ المعرفة غير ممكنة عنده، فربما كان ذلك راجعًا إلى الأسطورة الآدميّة: إذ كان شغف المعرفة هو الذي ولّد الخطيئة؛ فيغدو العلم - في كل صوره - مولّدًا للكذب والعَمى.
لقد ظلّ بابُ القانون مفتوحًا للرجل، كما ظلّ - على نحوٍ ما - منتظرًا جوزيف ك. لكن ما الذي أخفق في هذا المسار الاستكشافي؟ لا نستطيع أن نحمّل البوّابَ الذنب كما حاول جوزيف ك.؛ فهو يقوم بمهمّةٍ لا يفهمها الرجل. ولأن الباب خُصِّص للرجل، فربما نقصه «الإيمان» الذي يدفع إلى اقتحام الباب. أو - على طريقة دوستويفسكي - نقول: الذي خان الرجلَ وجوزيف ك. هو تلك العطالة المُمِيتة التي تركتهما يُدفنان في الخضوع. لقد افتقدا الإرادةَ المحمومة لتجاوز الأبواب كلها، وتحدّي الأعراف، واختراق الجدران، وقهر الخوف الذي يشلّ إرادة إنسان الوعي العام. لعلّ الرجل افتقد «الانخطاف» الذي يهبُه غلوُّ «الغطرسة» الفائضة التي لا تبرز إلا في شخصيّةٍ شيطانيّة ذات سلالةٍ تحت-أرضيّة.
ويُدين تشيتاتي رجلَ الريف بنقص الإرادة الحيويّة التي لا تشبع؛ ويقول: كان ينبغي أن يدخل دون أن يطلب إذنًا، وأن يتجاوز الباب المفتوح بلا تردّد. وإن لم يدخل فذلك لأن سؤاله لم يكن قويًّا بما يكفي ليستدعي جوابًا؛ فهو إذن مذنب، والحارس لم يخدعه. غير أنّنا، وإن سلّمنا بهذه القسوة، لا يسعنا ألا نرى استحالةَ عبور الأبواب للوصول إلى القانون؛ لأن «الرّب يجيب كلماتنا، لكن جوابه صامتٌ دائمًا». وهكذا نفهم أن «المحكمة» بما فيها من عملياتٍ وتشعّبات ووسطاء لا يُحصون، ليست إلا جزءًا من كلّيّةٍ سرّيةٍ لا تُفَك: البناء الإلهيّ. الرّب بعيدٌ لا يُطال، ينتظر أن نفكّ شفراته ونحن نخرج من متاهة الحياة المأساويّة. لكن لا ينبغي أن نُخدَع: فهذه اللغة المتناقضة الغامضة التي تُنسَب إلى لغة الرّب لن تُفهَم من كائنٍ بشريٍّ اعتاد الظلمة والجهل. لذلك يكون الرجاء عند كافكا فارغًا مفارقًا في آن.
إنّ وهمَ الحرّيّة يُحوِّل الإنسانَ إلى دُميةٍ خاضعةٍ بلا نهاية لمحكمةٍ سماويّة. حرّيتُه مجرّدُ قناع؛ لأن شرطَه ككائنٍ موسومٍ بالخطيئة الأولى يجعله يَتلمّس في نهمٍ ممرّات القانون المظلمة، ثم يرتدّ أمام الأبواب كلّها. والقوانين - كما يذكّرنا شيستوف - تؤدي أمام الحقيقة الدورَ نفسه الذي تؤديه الجدرانُ والحديد في وجود دوستويفسكي. ومع هذا، حين يستحيل رؤية قمة البناء الإلهيّ أو الخروج من متاهة المينوتور أو التقاط «جزء السماء»، يجب أن ننبّه إلى ما يميّز أبطالَ دوستويفسكي من أبطال كافكا: إنّها القوّة القاتلة التي صيغوا منها، والجنون الذي يقذفهم في إعصار العصيان؛ وهو ما يجعل الدراما الكافكويّة مشهدًا لهولٍ مأساويّ، تنبعث منه كآبةٌ قاتلة بلا أدنى شقّ للأمل.
إن اختيار الجريمة عند البطل الدوستويفسكي ينطوي على ازدواجٍ مُلتبس: فهي، من جهة، وسيلةٌ شديدةُ المرارة للإذلال الذاتي، المسخَّنة برعب القوانين؛ ومن جهة أخرى، غايةٌ: سيادة الإرادة، والشوق إلى حرّيّةٍ مطلقة، أي إلى تمرّدٍ وعصيان. ومن هذا الجدل بين القانون وتجاوزه - على نبرةٍ باتاييّة - يشير سلافوي جيجك إلى أن باتاي بلغ ذروة الترابط الجدلي بين القانون وخَرقه: فكثيرًا ما يرغب المجرم في الموت جوابًا على الجريمة كي تأتي العقوبة التي بدونها لا تكون الجريمة ما يريدها أن تكون. وقد عاش راسكولنيكوف هذه الدراما: ليس المهم أن تكون الجريمة قد وقعت أو لم تقع؛ المهم أن يكون ثمة عقاب - وأن يكون قد وقع يقينًا. هكذا يغدو العقابُ امتدادًا لذنبٍ سابقٍ على الفعل، يدفع الإنسان إلى وعيٍ لاذع بحقيقة نفسه. ويغدو الألم، بمنظور دوستويفسكي، تعويضًا عن حرج شرطنا أمام قوانين الطبيعة: طريقةً «ليُثبت الإنسان لنفسه في كل لحظة أنه إنسان لا مكبس».
وفي «الجريمة والعقاب» تُسنَد الجريمةُ إلى وعيٍ متجذّر بالذنب رسّخته الإنسانية عبر الزمن؛ مما يفتح الطريق لقراءةٍ فرويديّة/أوديبيّة: فالجريمة الأصلية قتلُ الأب، والمعنى العميق لأسطورة الخطيئة الأولى أن آدم قتل الأب. الجريمةُ بوصفها خرقًا تُحيي ذنبًا عتيقًا تحتَه موقفٌ تمرّديّ على «الرّب-الأب». ومن ثم يترسّب ذنبُ العصيان في الذاكرة الجماعيّة، فيجرُّ الإنسان إلى قلقٍ دائم يعضد فرادتَه ويمنحه استقلالًا ميتافيزيقيًّا في فكّ رباطه من السلسلة الآدميّة - وكان ذلك، على الدوام، تحدّي دوستويفسكي الكبير في صراعه مع الأب الإلهيّ القاهر.
فلنعد إلى «المحاكمة»، إلى وصف موت جوزيف ك. المخزي: يُجلِسونه على الأرض، يسندون رأسه إلى حجر. ورغم كل ما يفعلون، تبقى وضعيته قسريةً غيرَ طبيعية. يتقدّم كالحمل المذبوح - بلا خوف - إلى أيدي الجزار. يدرك أن الحكم لا مفرّ منه. ومن الغريب أنه لا يظهر أقلّ علامةِ رعب حين يوقن أنه أمام الإدانة؛ ولا يُبدي مقاومةً تُذكَر، بل يَبدو كأنه يُسهِّل النهاية. إنه يذهب إلى الموت بقدميه، تسليمًا رواقِيًّا، لا يخلو من قصدٍ تخريبيّ. ويتأكد ذلك حين يواجه واجبَ التعاون مع العدالة في إدانته، بأن يُمسِك السكين - رمز العقاب والعدالة: يعي تمامًا أنه كان ينبغي له أن يلتقط السكين وهي تتناوب فوقه وأن يغرسها في جسده. لكنه لا يتعاون مع القانون إلى النهاية؛ بل يلتفت بعنقه الحرّ، وينظر حوله. لا يتجاوز جهده تسليمًا طوعيًّا محسوبًا، يمكن أن يُفهَم بوصفه محاولةً لتجاوز منطق التضحية والعقاب.
وكما في الطقوس القربانيّة، لا بدّ من شاهدٍ على الموت: تُفتح نافذة من علٍ، وتظهر هيئة إنسانٍ نحيلةٍ بعيدة، تميل إلى الخارج وتبسط ذراعيها. ثم يُطبِق أحد القتلة على عنق ك.، ويغرس الآخر السكين في قلبه، ويديرها مرتين. وأخيرًا تُقال الجملة القاصمة: «ككلب!» - وكأن العار ينبغي أن يظلّ حيًّا بعده. ليس ما يخلّفه هذا الموت إلا الهول والعار.
وعليه، فالموت في «المحاكمة» ليس فدائيًّا ولا تطهيريًّا كما قد يُظَن في دوستويفسكي؛ بل يستنفد نفسه في نفسه، ويغدو علامةً مخزيةً على هشاشة الإنسان: جسدٌ يتبدّى عاريا، بلا نورٍ فوقه. لهذا تبقى الرواية مفتوحةً على نحوٍ مُقلق، تُعيد في صدى لا ينقطع هولَ شرطنا الذي لا يُردّ. ويُنقل عن كافكا - على لسان ماكس برود - أنّ «المحاكمة» ما دامت لا تبلغ «الهيئة العليا»، فإن الرواية نفسها تظلّ غير منتهيةٍ بمعنى ما؛ يمكن أن تمتدّ إلى ما لا نهاية. وهكذا يؤكِّد عدمُ الاكتمال من جديد لا-مَساسَ القانون/الرّب: بوصفه شكلًا فارغًا، مفارقًا، لا يُمسَك ولا يُمتلك.
إذا كان دوستويفسكي يستدعي ثيمةَ الحيوانيّة - ولا سيّما الهيئةَ المقزِّزة لفأرِ الوعي المتضخِّم - بوصفها وسيلةً للتمايز والانسحاب من الواقعيّ، فإنّ ثيمة الحيوانيّة عند كافكا أشدُّ استحواذًا وإلحاحًا، كأنّ الأمر يتعلّق بصورةٍ تَمثّليّةٍ لا إراديّة. ومن حيث إنها تنبعث من ذروة الأزمة، ينبغي - إذن - أن تُفهَم الحيوانيّة عند كافكا بوصفها رغبةً في التحرّر والانحراف عن القهر والعنف اللذين كان الكاتب يحسّهما يومًا بعد يوم. ومسألةُ صيرورةِ الإنسان في الحيوان، وصيرورةِ الحيوان في الإنسان - أي «التحوّل» - يشرحها جيل دولوز على أنّها «اقترانُ نزعَيْن للإقليميّة: ذلك الذي يفرضه الإنسان على الحيوان حين يُجبره على الفرار أو يُخضعه، وذلك أيضًا الذي يعرضه الحيوان على الإنسان، حين يدلّه على مخارج أو على وسائل للفرار لم يكن الإنسان ليهتدي إليها وحده (الفرار الفُصامي). وكلُّ واحدٍ من نزعي الإقليميّة مُحايثٌ للآخر: يعيد إطلاقه، ويدفعه إلى تجاوز عتبة». ومنذ أن تُنجب الأزمةُ هذه الصيرورة-حيوان، تبدو مُفكِّكةً لعالم الإنسان، تُلزمه أن يخلعَ سِكةَ خبراته البراغماتيّة المألوفة. غير أنّه - ومهما حاولت «التحوّل» أو «الجُحر» أن ترسم منافذَ وحلولًا - لا يتحقّق المشروعُ أبدًا، ولذلك فإنّ المشروع الكافكويّ في الصيرورة-حيوان لا يكتمل ولا يُنجَز. وهكذا يُفهَم لماذا ترتبط بثيمة الحيوانيّة ثيماتٌ أخرى: كالانحباس، والفرار، والعودة، والخوف، والذنب - دون أن يكون كافكا، في الظاهر، قد استطاع تجاوزَها. وكلُّ شيء يوحي بأنّ كافكا من سلالةِ أولئك الرجال الذين لا يُؤذَن لهم قطّ بأن يذوقوا لذّةَ السكون اللامتناهية، ولا نعمةَ السعادة المُطمئِنة.
إن الحيوانَ الذي نراه يحفرُ جُحرَه المتاهويَّ حفرًا هوسيًّا، أو ذاك البائعَ الجَوّالَ الخاضعَ الذي يجدُ نفسَه في «التحوّل» مُحوَّلًا إلى حشرةٍ مُهولة - ليسوا، في العمق، إلا إمكاناتِ انشطارٍ داخليّ في كافكا. وهذا يلتقي بما يراه الفيلسوف جوزيه جيل من معنى الصيرورة-حيوان، إذ يرى أن «المسخيّة» كامنةٌ دائمًا في الإنسانيّ، تقوم في منطقةِ لا تمييز فيها بيننا وبين الآخر: «إنّ الصيرورة-حيوان كامنةٌ فينا دائمًا؛ وبقدرٍ أقل ظهورًا، لا أقل شدّة، الصيرورة-نبات والصيرورة-معدن. وما الصيرورة إلا اختبارُ جميع طاقاتنا - الوجدانيّة، والفكريّة، والتعبيريّة. من ذا الذي لم يختبر حركةَ العبور إلى صرصار كافكا، أو إلى حالات التَحجُّر كما تحكيها الأساطير الشعبيّة؟ صيرورة-حشرة، صيرورة-حجر، صيرورة-طائر - كلّها تَحقُّقاتٌ للممكن فينا بوصفها مطلبًا للصيرورة-الذات». وهذه الانشطاراتُ التي تلازم الصيرورة-حيوان تكشف، لدى فرانز كافكا، عن شخصيّةٍ أصليةٍ لا لبس فيها، تتوقُ إلى الانفلات من القوّةِ الوصائيّة الصارمة للأب.
وفي هذا أيضًا يلتقي الكاتبان فرانز كافكا وفيودور
ميخايلوفيتش دوستويفسكي. فقد نبتت في كليهما حاجةٌ حيويّة إلى التحرّر من ظلِّ أبٍ
قاهر، عبر الأدب. كانت الكتابةُ عندهما تعبيرًا عن الفرار من مبدأِ نظامٍ صارمٍ
طاردَ حياتهما العائليّة، وهو ما يفسّر انجذابهما الذي لا يلين إلى الإذلال،
والتجاوز، والذنب - تلك العناصر التي تقود حتمًا إلى العقاب. وهذه العُجالة
العقابيّة المُقلِقة علامةٌ على أنّ المهمّ لم يكن - في الحقيقة - فعلَ التجاوز
ذاته، بل العقابَ في حدِّه: بوصفه فعلًا مُحاكاتيًّا لسلطة الأب القاهرة. ويمكن
القول - على سبيل القراءة - إنّ قتلَ الأب قد يكون الدرجةَ الأقصى في دلالة أعمال
كافكا: ففي «المحاكمة» يتخذُ «المجتمع» و«القانون» و«المحكمة» صوتَ الاتهام
بصرامةٍ متناقضةٍ لا ترحم؛ بخلاف دوستويفسكي في «الجريمة والعقاب»، حيث يدين
البطلُ نفسَه بنفسه حين يعدُ باستقلالٍ ميتافيزيقيّ في فعلٍ يُوهِم بالخلاص
والتحرّر من السلطة القاهرة. أمّا عند كافكا، فإذا كانت الإدانةُ ذات طابعٍ لا
يُتوقَّع ولا يُعرَف، فذلك يدلّ - قبل كل شيء - على عجزٍ عن مواجهةِ نظرة الأب
السلطويّة؛ بما ينتهي إلى حبسِ كتابة كافكا في رغبتها في التحرّر، أي إلى شلِّ
الطاقة الدافعة للكتابة شلًّا نهائيًّا. ومن هنا أيضًا يمكن فهم أنّ إرادةَ
الكتابة عند كافكا - وإن عبّرت عن رغبةٍ آمرَة في الفعل - تنقلب إلى إحباطٍ أقصى:
عجزٍ عن التحقّق. فالعجز عن إكمال الروايات امتدادٌ للعجز عن الإفلات من ظلِّ الأب.
ويقدّم جيل دولوز - في كتابه المذكور «كافكا: من أجل أدبٍ صغير» - تأويلًا تحليليًّا نفسيًّا ذا طبيعةٍ أوديبيّة لتحوّل غريغور في «التحوّل»: «إنّ غريغور لا يتحوّل إلى حشرةٍ كي يفرّ من الأب فحسب، بل - قبل كل شيء - كي يجدَ مخرجًا، بالضبط حيث لم يجد الأبُ مخرجًا، لكي يفرّ من المدير، والتجارة، والبيروقراطيات، ولكي يبلغ تلك المنطقة التي لا تبدو فيها 'الصوت' إلا طنينًا: هل سمعته يتكلّم؟ قال المدير، لقد كان صوتَ حيوان». إنّ المبدأ التخريبيّ في «التحوّل» يقوم - على وجه الدقّة - على تفكيك صورة الأب السلطويّ الذي يعاقب الابن لأنّه حاملٌ «لفائضِ وجود». ومن هنا يمكن استنباط قراءةٍ ذات نبرةٍ كتابيّة: كأنّ «الخطيئة الأصليّة» للبشرية - التي تُوثِق الإنسان في نظامٍ عقابيٍّ لا ينتهي - قد سُخِر منها هنا حتى التخليق المسخيّ.
إنّ فائضَ الحضور في غريغور - وقد صار حيوانًا - يستفزّ الأبَ بذاته، فلا يملك أن يكبح عنفَه تجاه الابن: «كان الأب يدفع غريغور بلا هوادة، مُطلقًا صفيرًا وحشيًّا. ولم يكن غريغور يعرف بعد كيف يتراجع؛ كان لا يفعل ذلك إلا ببطءٍ شديد، لأنه لم يعد يستطيع أن يستدير؛ ولو استطاع لعاد إلى الغرفة. لكنه كان يخشى أن يُغضب أباه وهو يحاول الاستدارة، وأن تُصيبَه عصا الأب في أيّ لحظة بضربةٍ قاتلة على ظهره أو على رأسه». وهذه الحالُ المسخيّة لا تُشعل غضب الأب فحسب، بل تصبح أيضًا مصدرَ قلقٍ لغريغور نفسه، إذ تثير فيه حرجًا وخزيًا داخليًّا؛ ربّما هو الخزيُ نفسُه الذي شعر به آدم وحواء في جنّة عدن بعد أكلهما الثمرةَ المحرّمة.
وخطيئةُ غريغور - إذن - هي خطيئةُ الجسد والطبيعة؛ كأنها نتاجُ عصيانٍ أو تمرّدٍ على القانون/الأب. وبوصفه مخلوقًا خاطئًا، ينبغي له أن يُكفِّر عن ذنبِه وأن يعيش رهينةَ الندم. وإدراكًا لهذا المنطقِ العقابيّ الأعمى المطلق، يقول بيترو تشيتاتي: «إنّ تحوّل غريغور ذنبٌ، وخطيئةٌ، ونزوةٌ ينبغي أن تُعاقَب بقسوةٍ شرسة».
غير أنّه يجدر التذكير - قبل كل شيء - بأنّ تحوّل غريغور لم يقع على نحوٍ كامل؛ فمع أنه تحوّل جسديًّا إلى خنفساء (Ungeziefer)، فإنه نفسيًّا لم يفقد قطّ حساسيّاته الإنسانيّة: الشفقة، والحب، واللذّة الجماليّة، والامتنان، والخجل، والوجوم، والإحساس بالإهانة؛ وكان يتابع - دون أن تشعر الأسرة - الأحاديث العائليّة. ومن هنا يمكن الحديث عن «مَسخٍ مزدوج» بوصفه ذروةَ أزمةٍ داخلَ الكائن المسخ وخارجَه، وهو ما يثبته الفيلسوف المعاصر رينيه جيرار: «سيرى الموضوعُ المسخيّةَ تتجلّى فيه وخارجه في الوقت نفسه». وهذه الصيرورة-مسخ، في جوهرها، «تجسيدٌ ماديّ للعنف العائليّ» سيغدو مُقوّيًا لوحدة بقيّة أفراد الأسرة، إذ يتّحدُ «الجماعة» بكل قوّتها ضدّ هذه المسخيّة الدخيلة المُخلخِلة، وتسعى إلى طردها بوصفه حلًّا نهائيًّا لأزماتها. ولذلك ينبغي فهمُ تحوّل غريغور بوصفه ديناميّةً تجاوزيّة تُحدِث الشقَّ الأوّل في بيت-الأسرة؛ لأنه بتحوّله يتحدّى القوانينَ القائمة - أي حدودَ العقل - فتنشأ دورةُ عنفٍ لا تُوقَف إلا بفعلٍ تضحيَويّ، بوصفه فعلًا محاكاتيًّا مُهدِّئًا. ومن منظورٍ عبريّ - يندرج فيه كافكا طبيعيًّا - يمثّل غريغور «كبشَ فداء»، حاملًا مبدأَ نقلِ خطايا الأسرة. فلا بدّ من طرد تلك الخطايا عبر إهلاك غريغور - كبشَ فداء - لكي تستعيد الأسرةُ السلام والنظام. ويعيد رينيه جيرار تثبيتَ هذه الفاعليّة: «للتضحية وظيفةُ تهدئةِ العنف الداخليّ ومنعِ تفجّر الصراعات».
وتظلّ إيماءةُ عنف الأب - إذ يطارد الابن في الصالة ويجرحه بتفّاحةٍ «انغرست حرفيًّا في ظهر غريغور» - رمزًا مرئيًّا للعقاب الأعمى والطغيان الأبويّ. واختيارُ التفاحة يمكن أن يُقرأ رمزيًّا على صلةٍ بالأسطورة-الخطاب الكتابي، إذ يستدعي تفاحةَ آدم التي ابتدأت «خطيئة السقوط». وفي هذا السياق تبقى التفاحةُ علامةً مرئيّة على كراهية الأب، إذ تُسبّبُ موتَه حين تتعفّن: «لم تعد التفاحة المتعفّنة المغروسة في ظهره، والموضع الملتهب حولها، تحت طبقةٍ من غبارٍ لزج، تُحسّ». وعلى ضوء أسطورة «الأصول»، تصبح التفاحةُ المتعفّنة على ظهر غريغور رمزًا للألم والموتيّة، اللذين يفرضهما أبٌ طاغيةٌ قاهر. وهكذا يتقمّص الأب دور «المحقّق الأعظم»، إذ يدين الضحيّة لتجاوزها ناموسًا إلهيًّا ذي طبيعةٍ تضحيَويّة. وقد انقلب الخطابُ هنا انقلابًا لافتًا: فبعد الطرد من الجنّة قُصّرت حياة البشر عقابًا على عصيان الرّب؛ أمّا في «التحوّل» فالسقوط قد وقع أصلًا بالتحوّل إلى حيوان - بوصفه ضعفًا وتدنّيًا - ثم يأتي فعلُ الأب بالتفاحة بوصفه نيّة قتلٍ واضحة ذات منزعٍ تضحيَويّ؛ كأنّ المسرحيّة تُحمِّل الأب - مباشرةً - مسؤولية ألم الابن وموته.
وفي أثر التضحية التأسيسيّة نفسها، يفهم تشيتاتي مشهدَ العنف هذا: «يا لها من لقطةٍ غروتسكيّةٍ مروّعة، حيث تُنجَز أخيرًا تضحيةُ إسحاق على يد إبراهيم، وحيث نميّز رعدةَ المقدّس وتمامَ القانون». فبحسب القانون، غريغور مذنبٌ بوصفه دليلَ انحرافٍ ضدّ الطبيعة، ومن ثمّ انتهاكٍ للنظام. إنه يدخل عالم المحرّم، أي عالم التجاوز، فيُطلِق دورةَ العنف. ويجب أن نفهم أن غريغور - بوصفه كائنًا منحرفًا أو «رجسًا» مضادًّا للطبيعة - هو كائنٌ «عرف المحرّم» ولذلك ينبغي أن يذوق أثر العقاب والموت. والأب، مُصحِّحُ تنفيذ القانون، داخل نظامٍ مُغلق من التمثيلات المحاكاتيّة، يبتعدُ عن نفسه ليُحوِّل ذاتَه إلى «آليّةٍ رسولية» تعيد النظام الطبيعي؛ ولأجل ذلك يحتاج إلى تجريم الضحيّة - الابن - بسبب الأزمة، ثم التضحية بها في طقسٍ كفّاريّ يهدّئ الأسرة، ويُنتج «تطهير» (Catharsis) تضحيَويّة.
إنّ المسخيَّ الذي يمثّله غريغور ينطوي على شرطٍ فريد في الوجود: إذ إنّ إقصاءَه عن الخطاب الأخلاقيّ المقبول يُثبّته في عالم الانحراف - وهو بطبيعته عالمٌ معزولٌ مُهمَّشٌ إزاء الآخرين وإزاء «الكلّية» الدوستويفسكيّة. وكما قدّم دوستويفسكي في «رسائل من تحت الأرض» صورةَ فأرٍ ذي وعيٍ متضخّم، كذلك يعيش غريغور - إنسان-الخنفساء - في عالمه السفليّ، مُلقىً إليه بالقذارة ونفايات الأسرة، عالمًا سلفًا أنّه - ولو أراد - لما استطاع أن يفعل شيئًا، لأنّه ربّما كان حقًّا لا يملك شيئًا يتحوّل إليه.
ومثل فأر الوعي المتضخّم، يظلّ غريغور يجترّ «حتى النهاية، حتى أقبح التفاصيل» إذلالَه. ولذلك نُرغَم على مشاهدة وصف القذارة وتراكم مستنقعٍ نتنٍ مُقذِع حوله يزيد مهانته وهامشيّته: «كانت بقعُ الأوساخ تملأ الجدران، وتتكدّس هنا وهناك على الأرض أكوامٌ من الغبار والروث المختلط». موصومًا ومركولًا من الأب، ملعونًا من الأم، بل مُكفَّرًا عنه من الأخت أيضًا - مع أنّها كانت تُطعمه وتعتني به - إذ كانت ترى في ذلك مهمّةً قدريّةً متعالية ذات نزعةٍ ميغالومانيّة: تُحسّها - في آن - قدرًا مقدّسًا للتكفير الذاتيّ والخلاص؛ تزداد انحطاطات غريغور الأخلاقيّة في تفاصيلَ أشدّ خزيًا وأحقر. ورغم اشمئزاز غريتي من حيوانيّة أخيها المكشوفة، فإنها تُسرف في التلذّذ بتكريس نفسها - على نحوٍ شبه منفلت - لمهمّة العناية به، بعناية من يرى في الفعل بابَ الفداء. وحين تدرك أنّ الأم اقتحمت غرفة أخيها لتنظيفها - وهو عملٌ كان ينبغي أن يكون لها وحدها - تثور بعنف: «ما إن لاحظت الأختُ أن الغرفة قد نُظِّفت حتى عادت تركض إلى غرفة الجلوس غاضبةً تمامًا، وتجاهلت إشارةَ اعتذارٍ من أمّها، ثم انفجرت في بكاءٍ جعل والديها… يشاهدانها مذهولين قلقين».
ومن هنا نفهم أنّ غريتي تتنزّل ضمن الدائرة الرمزيّة لجدل «المرأة-الملاك/المرأة-الشيطان». فهي في النظرة الأولى تبدو تجسيدًا للمرأة-الملاك، لكنها على امتداد الحكاية تتخذ ملامحَ اختلالٍ ونزعاتِ قسوة. وإذا كانت تتظاهر بحالةٍ شبيهةٍ بحال القدّيسين - الذين يتشاركون ألم الآخر طلبًا لأعلى درجات السعادة الصوفيّة - فإنّ فعلها لا يلبث أن يفضحها: إذ هي التي تستولد آليّةَ التضحية بغريغور.
ولذلك لا يُبالَغ إذا قيل إن غريتي - كإبليس - تتحرّك في منطقةٍ ملتبسة أساسها الخداع. وكما يوضّح رينيه جيرار في كتابه «أرى الشيطان يسقط كالبرق»، وهو يتحدّث عن تحوّلات الشيطان: «مثل يسوع، يريد الشيطان أن يُقلَّد، ولكن لا بالطريقة نفسها ولا للأسباب نفسها. إنه يريد - أولًا - أن يُغري»، ثم ينتقل سريعًا من دور المُغوي إلى دور الخصم. وفي الحقيقة، دورُ أختِ غريغور ليس بيّنًا: فمن جهةٍ تبدو كأنها تقيم قربًا وأخوّةً فريدةً مع مسخيّة غريغور، كأنّها قُدِّر لها أن تُساند «الانحراف-المسخ»، وأن تُقدِّم نفسها هي أيضًا لوجودٍ ملعون؛ ومن جهةٍ أخرى لا تكفّ عن طاعة «قانون الأب»، فتدخل خطاب الذكوريّ والنظام. وعلى امتداد العمل، تُغذّي ثنائيّةَ «المسخ/الإنسان» أو «الفرديّة/القانون»، وتبدو كأنها إمكانُ مصالحة بين عالمين: عالم الفرديّة والانحراف، وعالم النظام والعقل. لكنها حين تصطدم باستحالة حلِّ الصراع، لا ترفض «القائم» - أي النظام - بل تنفي المسخَ الدخيل؛ بوصفه فعلَ تحرّرٍ يُهدِّدها ويهدّد الأسرة. ومن ثمّ يكون موقعها في الحبكة شديدَ الالتباس، قريبًا من هيئة «الشيطان الخادع» الذي يطلق الأزمة - كما يشرح جيرار: «الشيطان هو المحاكاة التي تُقنِع المجتمع بأسره - إجماعًا - بأنّ الذنب حقيقي. ولهذه الفنّية في الإقناع ندين بأحد أقدم الأسماء وأكثرها تقليدًا: اسم 'المُدّعي/المُتَّهِم' في سفر أيوب؛ مُتَّهِمًا أمام الرّب، وأشدّ أمام الشعب. وبتحويل جماعةٍ متمايزة إلى كتلةٍ هستيريّة، يصنع الشيطان الأساطير. إنه يمثّل مبدأ الاتهام المنهجيّ الذي يولد من محاكاة الفضائح حين تستعر. وحين تُعزَل الضحيّة الشقيّة وتُحرَم من المدافعين، لا يعود شيء يحميها من الكتلة المنفلتة». وهكذا تؤدّي غريتي - مثل الشيطان - دورَ الناشر للفوضى والعنف العائلي، وتسلم الضحيّة إلى الجماعة المنفلتة كي تُضحَّى. ثم - وفق الآليّات الضحيّوية المألوفة - تُهدّئ العنف، وتستعيد انتظام المجموعة العائليّة، فتوطّد سلطانها داخل الأسرة.
وكما خُدِع يسوع في بستان جثسيمانيّ بيهوذا، كذلك يُخدَع غريغور بخطاب الشيطان - أي بخطاب أخته. فطوال العمل نرى غريغور يثق بها ثقةً تامّة حتى يترك لها اقتحام عالَمه المجهريّ والمشاركة في كونه المحرَّم الحميم: «في غرفةٍ يكون غريغور فيها سيّدَ الجدران العارية وربَّها، لم يكن أحدٌ غير غريتي يملك الجرأة على الدخول». والغرفة - بوصفها امتدادًا لعالمه الحميم، أي بوصفها فضاءً ذا مركزٍ رحمي - تُنتج مشاعرَ مزدوجة: جذبًا ونفورًا، وتغدو «عقبةً-نموذجًا»، ولا سيّما بالنسبة إلى غريتي التي تقوم - على نحوٍ ملتبس - بدور الوصل بين عالم المحرَّم وعالم قانون الأب. وهذه الرمزيّة تعيد إشعال الأجواء الدوستويفسكيّة في أذهاننا، بوصفها تمثيلًا لـ«تحت الأرض»: فضاءٌ منغلق على ذاته، سِجنيٌّ وحارسٌ في آنٍ واحد. ووفق الرؤية الأفلاطونيّة، تستبق الغرفةُ «كهفَ أفلاطون» حيث لا يصل البشر إلا إلى ظلمةٍ معذِّبة.
وهذا التمثيل الجوفيّ/الكهفيّ يمتدّ إلى نصّ كافكا «الجُحر»، حيث يحيا الحيوانُ الذي تختزل حياته في حماية دهاليزه تحت الأرض، اتّقاءً لكل ما قد يهدّد من الخارج. وتحت ظلّ صياغةٍ أفلاطونيّة الجذر، يقول تشيتاتي عن الجُحر: «لا شيء يسمح لنا أن نؤكد أن في الخارج عالمًا واقعيًّا ينبغي أن نقيم معه علاقات»، لأنّ ما وراء الحصن يُرى دائمًا بوصفه تهديدًا ضبابيًّا. وفي هذا الشرط من التهميش الذاتيّ والانحباس الذاتيّ، يتحصّن الحيوان ضدّ المجهول - أي ضدّ الآخر - ذلك «الحيوان المحتمل في السراديب»، الشبيه به في كل شيء: «إذا أحسنتُ النظر، فلا ينبغي أن أشكو من أنني وحدي ولا أملك أحدًا أثق به؛ فأنا لا أخسر شيئًا بذلك على الإطلاق، وربما أتجنّب كثيرًا من المتاعب». وغادرُ الجُحر - إذن - هو تسليمُ النفس لحيّزٍ رمزيّ للـ«ما وراء»، للمجهول.
إنّ الفضاء المنطوي على ذاته، ذو النزعة الوجوديّة المركزيّة، الذي هو الجُحر، يُسوِّر الحيوان ضدّ المجهول الذي وراءه والذي يُفزِعه ويُضعِفه: «لستُ مهيّأً ولا محكومًا بحياةٍ في الهواء الطلق». وفي لهفة الدفاع يظلّ يحفر دهاليزَ تحت الأرض طوال حياته، في يقظةٍ دائمة وحراسةٍ مستمرّة ضدّ تهديدِ كائنٍ مجهول تزدادُ وجوديّتُه لا معقوليةً. وبوصف الجُحر فضاءً أقصى للانحباس الذاتي، يمكن فهمه بوصفه «بيت-كائن» ذا تعبيرٍ نرجسيّ، يولّد انشطارًا داخليًّا كلّما عرّى الحيوانُ نفسَه خارجَه: «يبدو لي عندئذٍ أنني لستُ أمام بيتي، بل أمام نفسي أنا، نائمًا، وأن لي في الوقت نفسه فرصةَ أن أنام نومًا عميقًا وأن أراقب نفسي عن كثب». وهكذا تُختبَر «الغيريّة» بقوّة في مغادرة الجُحر، لأنها تمثّل خبرةَ التباعد عن الذات، أي ظاهرة «تجريد الجسد». ومع ذلك فهذه الحركة لا تكون مسالمة؛ إذ يختبر الحيوانُ أمام «هناك» مشاعرَ الخوف والقلق.
وهذا الخوف عينُه هو الذي يحول بين الكائن وبين التمتّع بحرّيّة الفضاء المضيء الغامر - الغابة - لأنّ شهوة الاحتماء تتغلّب على شهوة الكشف والمعرفة. يقول تشيتاتي: «الجُحر هو الأركيتِب للحيوان بلا اسم. إنه مملكة الصمت. وبأيّ فرح يشمّ الحيوانُ لساعاتٍ دهاليزه، لا يسمع إلا نادرًا حفيفَ دويبةٍ ما، فيُسكتها فورًا بسحقها بين أسنانه. وبأيّ راحة يتمدّد في الحصن، يتدفّأ بحرارته الخاصّة وينام». وهكذا تتجمّع في هذه «بئر بابل» - أي الجُحر - كلُّ القوّة النفسية للحيوان، فيُبنى حصنًا ضدّ كل اختراق. إنّ الوحدة الكاملة التي ينذر الحيوانُ نفسَه لها داخل حصنه، حيث الصمت، والظلمة تحت الأرض، والقذارة تبرز - تستدعي بالضرورة حصن غريغور، بوصفه شرنقةَ غرابة الكائن، أي شرنقة حيوانيته. وللصمت هنا نبرةُ أمانٍ خاصة: «وأفضلُ ما في جُحري هو صمتُه». بل إنّ القذارة ذاتها تثير في الحيوان رضًا عميقًا: «ها أنا إذن تحت طبقة الطحلب، مستلقيًا على الغنيمة المخزّنة، أستحمّ في الدماء وعصارات كلّ لحم».
ونلاحظ أنّ شرط الحيوانيّة في الأعمال الكافكويّة يمنح الكائنات منظورًا فريدًا وفرطَ حساسيّة. فهذه الموجودات التي تعيش صيرورة-حيوان تبدو، عند كافكا، كأنها تمتلك قدرةً شبه إلهيّة على الإدراك أو على الارتقاء السماوي. وباجتيازها العتبة الإنسانيّة، تبدأ تدريجيًّا في التخلّص من قبح الإنسان وابتذاله، وتكتسب نعمةً عليا تجعلها معلّقةً في انتظارٍ مضيء للمُتعالي. إنها كائناتٌ مُبعَدة عن العتبة الإنسانيّة، تنطوي على حالاتٍ من «فرط-وعي» حدسيّ يقرّبها من عالمٍ غيرِ مفهوم للإنسان. وفيها يتلاقى الأرضيّ والسماويّ: مختارةٌ وملعونة. أسيرةٌ للعالم السفليّ الذي أنجبها، ولكنّها مثقوبة بنفَسٍ إلهيّ يُشعلها نحو اللامرئي.
ولا تُفهَم الحيوانيّة - بوصفها ومضَ ضياءٍ وتعبيرًا عن السُّمو - في الخطاب الكافكوي إلا بوصفها تعبيرًا عن «رهاب الإنسان»، الذي يصرّ على ردِّ كل ما هو إنساني إلى عالم الرداءة والنقص الذي لا رجعة فيه: عالم التفتّت والفوضى. وهكذا، إذ تصبح الحيوانيّة حاملةً للروح، نشهد في هذه الكائنات المتحوّلة «تحوّلًا ذاتيًّا تصاعديًّا» ذا طابعٍ تحرّري لا يبلغه الإنسانُ قطّ.
ومن ثمّ يُفهَم أنه في «التحوّل» لا تكشف وِسمةُ الحيوانيّة على جسد غريغور إلا عن ميلٍ إلى فرطِ الحساسيّة ما كان ليظهر وهو إنسان. لذلك حين يسمع موسيقى كمان غريتي، ينخرط في طيرانٍ مضيءٍ مُعلّقٍ يقذفه خارج نفسه في اندفاعٍ جليلٍ مُتعالٍ، ويعزله في هاويةٍ لا تُسبر من نسيانٍ للعالم الخارجي. وبذلك نستطيع أن نضع غريغور على الحدّ الملتبس بين الحيوانيّ والإلهيّ، حيث يبدو الإنسانيّ شرطَ حرجٍ وعبء. لقد رفعتْه الطبيعة الحيوانيّة - الدون-إنسانيّة - إلى مقامٍ تصاعديّ من «حالة النعمة»، كأنّ مسخيّتَه، بوصفها مقامًا من السُّمو، حلّت رباطَه نهائيًّا من الشرط المُحايث. وكانت الموسيقى هي التي شادتْه فوق «جدران الحجر» بوصفها كشفًا للحقيقة. ولم تغب هذه الرفعةُ الصوفيّة عن تشيتاتي أيضًا: «حين كان يعيش إنسانًا، في حياة الابن المكبوت المطيع، وفي رحلاته المرهقة كبائعٍ جوّال، لم يكتشف غريغور تطلّعه العميق؛ أمّا حين صار حيوانًا فقد انفتحت روحه أخيرًا على موسيقى فوق-إنسانيّة. الآن فقط - حشرةً طفيليّة، حيوانًا مجروحًا قذرًا، مغطّى بالغبار وبقايا الطعام - يدرك أن صوتَ روحه العميق رغبةٌ لا تُحدّد، لا تُعبَّر، لا تُصوَّر، رغبةٌ تقوده إلى ما وراء الانقسام بين الإنسانيّ والبهيميّ».
لقد كان لا بدّ من النزول إلى قعر الحيوانيّة، والسقوط في أشدّ الألم عجزًا عن القول، والغوص في أفتك مستنقع من القذارة، وتلقّي الركل وبصاق الاحتقار من الجميع، واختبار الوحدة الساحقة - كي يُنتزع أخيرًا إلى النشوة وإبادة الذات. ومن منظورٍ «شيستوفيّ»، كان غريغور واحدًا من الكائنات الاستثنائيّة التي تستطيع أن تسمع لغةَ الموت الغامضة وأن تفهمها في لحظاتٍ نادرة من التوتّر الأقصى. فهو - إذن - صاحب «الرؤية الجديدة» التي تحدّث عنها شيستوف عند شرحه لاستعارة «تحت الأرض» الدوستويفسكيّة، على خطى استعارة الكهف: «لقد حدث لدوستويفسكي في تحت الأرض ما حدث لأفلاطون في كهفه: انفتحت له عينان جديدتان، فهو لا يرى إلا ظلالًا وأشباحًا حيث يرى الجميع الواقع؛ ويُبصر في ما لا وجود له عند الجميع الحقيقةَ الوحيدة».
غير أنّ التحرّر من قيود الإنسان لكي يكون كاملًا كان يلزمُه أن يمرّ بالخيانة القصوى. ففعلُ يهوذا - كما قلنا - هو فعلٌ محاكاتيّ للخيانة الضروريّة التي تُنهي تجربة الحرّيّة القصوى: الموت. وعلى ضوء الأسطورة-الخطاب الكتابي يمكن فهمُ انتحار غريغور بعد أن خانته مَن كان يحبّها أكثر: أخته. لقد طبعت خيانةُ غريتي قطيعةَ غريغور النهائية مع الإنسانيّ، وحرّرته إلى الأبد من وِسمة النقص. ووفق منطقٍ «جيراريّ»، يمكن فهمُ انتحاره بوصفه محاكاةً لصلب المسيح، الناتج عن خيانة يهوذا. فغريغور - بعد أن فكّر في الأسرة بعاطفةٍ وحب - يُقدِم على الفعل التضحيَويّ الأخير، مستسلمًا للنوم النهائي: «ثمّ، أخيرًا، وقد عجز عن فعل أي شيء، تدلّت رأسه وانفلت منه ضعيفًا آخرُ نفَسٍ للحياة». وهو لا يفعل ذلك إلا بعد أن حاول - على نحوٍ ما - أن يُخلّص الأسرة من خطيئة القتل الجماعي التي فُرضت عليه بعنف. لقد قَبِل الموت بطمأنينةٍ تضحيَويّة.
وهذا الإهلاكُ التضحيَوي لا يغيب عن والتر سوكل - بحسب ما ينقله تشيتاتي: «إنه كبشُ الفداء الذي يحمل خطايا أحبّائه. المسيح الذي يموت لإنقاذ البشر. القيمة العليا لم تعد حلمَ الخفّة الحيوانيّة الصامتة… بل التضحية، و'المحبّة' (Caritas). قبل أن يموت يمتلك غريغور موهبةً لا تُمنَح - ربّما - إلا في ذلك العبور: سلامَ روحٍ فارغةٍ تأمليّة. يصغي لآخر مرة إلى ساعة البرج وهي تدقّ الثالثة صباحًا. يرى السماء تضيء خارج النافذة. ثم يخفض رأسه ويزفر ضعيفًا آخرَ زفرة. إن كان قد عاش في الظلمة فإنه يموت في النور». وهكذا، إذ تُكفَّر خطيئة الأسرة الرمزيّة بموت غريغور الذي سلّم نفسه قربانًا، في مقام كبش الفداء لاستعادة النظام، تُفترَض «مغفرةٌ جماعيّة» لذنب الأسرة. غير أننا - وإن شهدنا لمحةً من وجومٍ وحزنٍ - نلاحظ أن الأسرة، وقد تحرّرت من الحرج والخزي اللذين كانت تُسبّبهما لها حضوره، سرعان ما تستبدل الحزن بإحساسٍ بالارتياح بل وبالسعادة؛ يدلّ على ذلك أن امرأةَ التنظيف هي التي دفنت جثةَ الخنفساء، بعد أن تُركت منسيّةً مهجورةً في الغرفة. ومن هنا - خلافًا للمسيح - لا تتّخذ موتُ غريغور طابعًا خلاصيًّا حقًّا: لقد انقطع المبدأ المؤسّس والدائريّ لآلية المحاكاة، ولم تقع «تطهيرية» تضحيَويّة كاملة. واستمرّت الأسرة تزحف في حياتها المتوسّطة الدنيّة، عاجزةً عن تجاوز الدائرة المرسومة بالطبشور التي تحدّث عنها دوستويفسكي - كأنها جدارٌ لا خطّ - لا تطمح قطّ إلى النور الذي يلمع وراء الكهف: «وبينما كانوا يضعون تلك الخطط، كان السيد والسيدة سامسا، وهما يراقبان ابنتهما التي كانت تنشط شيئًا فشيئًا مع الحديث، يفكران كيف أنها - في الآونة الأخيرة، رغم كل العمل والعناء اللذين جعلاها شاحبة - قد كبرت وصارت شابةً جميلة». لذا يجب فهم موت غريغور ضمن منطق «موتٍ مُسكِّن» له وللأسرة، لا ضمن منطق خلاصٍ أو فداءٍ، منزوعةً عنه رمزيّة «أسطورة المُقام من الموت». فالموت المؤسِّس - بوصفه شرطًا غائيًّا لإغلاق الدورة المحاكاتيّة وفعل الإنقاذ الأقصى - لم يتحقّق. ولم تنفكّ القيود التي تسجن الأسرة في العابر والناقص، بل ازداد رسوخُها شهادةً حيّة على اللعنة التي تثقل الإنسان بوصفه حاملَ الخطيئة الأولى.
وعلى ضوء هذه الخلاصة نفهم كم هي كتابةُ كافكا آكِلةٌ لحمها، لاذعةٌ كاوية. فرواياته - و«المحاكمة» و«التحوّل» مثالان واضحان - تنتهي إلى صمتٍ خانق من العقم الروحيّ. يقول تشيتاتي في شأن كافكا غير الخلاصي: «عند كافكا - على خلاف الإيمان المسيحي - لا يوجد تحرّر، ولا قفزة، ولا ارتقاء زاهد، ولا فسحةُ سماءٍ مفاجئة. نستمرّ في العيش داخل الدورة التي لا تُوقَف للمصائر الحديديّة… الكونُ سجنٌ لا يُخرَج منه». وهكذا تتقاطر صيرورة-المسخ عند كافكا في «التحوّل» إلى فوضى افتراضيّة تثبّت الكائن في حركةٍ فوضويّة تُجهِض كلَّ ذرةِ أمل. إن طابع كتابته الجارف الكولوسيّ ينتهي إلى تنهيدة صمتٍ تسقط في الفراغ، في الإنهاك، في أعمق روح للنفي.
وفي قصته المتأخرة «تحقيقات كلب» نلقى حيوانًا شيخًا مطاردًا، يلقي بنفسه في هاوية الكشف الغامض عن الوجود. هذا «الكلبُ المحقِّق»، المعروف بمزاجه التعيس، أبدى منذ صغره فضولًا لا يشبع نحو الإلهيّ ونحو معنى الحياة، فكان ذلك سببًا في طرده من نظام الكلاب العام. إذ عجز عن فهم قوانين عالم الكلاب، فخلع نفسه من عالم «سعادةٍ مروَّضة» مطمئنّة إلى الأشكال التقليديّة، ورأى فيها معنىً خدّاعًا (إذ كان يقضي أيامه «يراقب قوانين ليست قوانين عالم الكلاب، بل على العكس منه حقًّا»). والدراما ذات الطابع الكلّي - أي تأويل معنى الحياة ومداها - التي تُخمِّرها هذه الشخصية، هي الدراما ذاتها التي تخصّ بطل تحت الأرض: ذلك الذي يعرف أن «اليقين ليس محمولًا للحقيقة، أو - أوضح - أن اليقين لا صلة له بالحقيقة» (شيستوف). وكبطل تحت الأرض، يبدو الكلبُ المحقِّق صاحب «عينَي ملاك»، يرى ما وراء ما يراه النظرُ المشترك. وتكمن دراماه في هذه «الحدّة الفائقة من البصيرة» تجاه زيف الوجود، التي تقذفه في بحثٍ مؤلم عن «لُبّ العظم الحديدي»، أي عن الحقيقة. وهو يستشعر أن الحقيقة - الفالتة التي لا تُقال - لا تحتمل امتلاكًا مشتركًا؛ لذلك يندفع - فعلًا تضحيَويًّا ومحرّرًا معًا - ليمتص وحده «اللُّبَّ السامَّ-المُبارَك» امتصاصًا مطلقًا. لكنه - مثل حيوان «الجُحر» الذي يسمع صفير الآخر غيرِ الملتقط وهو ينتهك بيت-كائنه، فيعلم أنّ ساعته قريبة - يفهم أن الفعل الجريء المتجاوز في طلب اللُّبّ النبيل (وهو، في النهاية، فعل الغطرسة) سيُلقيه في رجفةٍ قاتلة طوال ما بقي من عمره.
وعلى خطى تقليدٍ صوفيّ، يبدو الكلبُ المحقّق وكأنه يدرك أن التطلّع إلى المطلق يطالب بشرطِ «النزف»، أي بفعلٍ توبويّ، طريقًا لتطهير الذات تنزيهًا تطهيريًا، ولتحرّرٍ تصاعديّ يُعرّي الشرط المحايث. وفي هذا المعترك، يسعى إلى كشف سرّ الوجود، فتأخذ الشخصية في التدرّج نحو «فانتستيكيّ» ذي طابعٍ دينيّ. وكانت تجربةُ الكشف الأولى في شبابه، في لحظةِ ابتهاجٍ مُبارَكٍ لا تفسير له: بعد أن رأى كلّيّة الكون تنهار، ورأى الواقعيّ - الذي بدا آمنًا لعينيه - يتفكّك، وبعد أن طُرد من العالم وأُرغم على مقام التهميش والاحتقار، هجم عليه شيءٌ نيزكيٌّ مهيبٌ في رجفةٍ بركانيّة لا طاقة له على مقاومتها. وفجأةً تندفع الموسيقى، فيغرق في سيْلانٍ ممزّقٍ مؤلم: يظهر سبعةُ كلابٍ بهلوانيّة راقصة، تُحوِّل حركاتها سحرًا إلى أصوات، فتُخرج الموسيقى من الفراغ وتمتزج بالأصوات التي ترافقها. وسكرانَ بعنف الموسيقى الديونيسيّة، يرتفع الكلبُ لا شعوريًّا إلى عالمٍ فوق-إنسانيّ يباعده من الكلاب الواقعيّة: «لم يكن عقلي يستطيع أن يتجرّد من هذه الموسيقى القاهرة التي كانت تبدو آتيةً من كل الجهات - من فوق ومن تحت ومن كل مكان - تلفّ السامع وتستولي عليه وتسحقه، وتنفخ أبواقًا قريبةً جدًّا من جسدي الواهن حتى لتبدو كأنها تأتي من بعيدٍ بعيد، بالكاد تُسمَع». إن الألم الذي يشعر به الكلب ناشئٌ من طبيعة الصوت غير المتناسبة وغير المتآلفة، إذ تبدو كأنها تذيب حدوده الجسديّة والفرديّة، فتمزّق كينونته وتلقيه في قلقٍ مأساويّ لا يهدأ، قلقِ مَن حُكِم عليه. ومنذ اندلاع الموسيقى يعي الخطر الذي تحمله، ومع ذلك ينساق رأسًا خارج نفسه. ويبدو أن قوّة الموسيقى البركانيّة القهريّة تعمل عملًا نابذًا، تدفع كل شيء خارج مركزه حتى التمزّق. وفي هذا الفيض ينفكّ الكلب من الحياة الأرضيّة، ويتلاشى تمامًا في نشوةٍ ذات إيقاعٍ شيطانيّ.
وتبلغ التجربة ذروتها حين يسمع «صوتًا صافيًا صارمًا، لا يتغيّر أبدًا، يأتي ثابتًا من مسافةٍ عظيمة؛ لعلّه اللحن الحقيقي وسط ذلك الضجيج»، فينثني على ركبتيه غريزيًّا في إيماءة استسلامٍ وانفتاحٍ على السُّمو.
غير أنّ الكلبَ المحقّق - في قلب العنف الموسيقي للكلاب البهلوانيّة - يلتقط توتّرًا بالغًا يميّز أداءها: «كانت، على ما يبدو، واثقةً من حركاتها، لكنها ترتجف عند كل خطوة تقلّصًا من الخوف؛ كأنها متيبّسة من اليأس، تُثبّت عيونها بعضها في بعض، وتتهدّل ألسنتها من فكوكٍ مُتعبة كلما ضعفت حدّة التوتر للحظات». لماذا كانت خائفة؟ يجيب تشيتاتي: «الهدوءُ الظاهر الذي كانت تعزف به على العدم كان في الحقيقة توتّرًا أقصى، رجفةً، رعبًا أمام الكشف؛ ذلك الاحتياج الظاهر إلى العون، ذلك الاستنجاد بدفء العِشرة، لم يكن إلا معنى الوحدة؛ وذلك اللعب المتقن بالإيماءات كان خبرةَ الذنب والخزي». كأنها تحمل ذنبَ السقوط وخزيَه بعد أكل الثمرة المحرّمة. ولذلك، بوصفها رموزًا كاريكاتوريّة مشوّهة لخطيئة العصيان الأولى، تنتهك هذه الكلاب القانون: «فعلت ما هو في نظرنا أشدّ سخفًا وأقبح: مشت على رجليها الخلفيتين… واكتشفت عُريها، وأظهرت عُريها إظهارًا». إن عرض العُريّ المخزيّ يبقى فعلَ تفكيكٍ تخريبيّ فاضح لأسطورة آدم لدى كافكا. وفي العمق تبدو رقصةُ الكلاب المخزية تعبيرًا عن عبث الوجود الذي تقوم عليه الإدانة الأبديّة للإنسان/الكلب. ومن هنا نخال أن عبث كافكا كلّه يصبّ في رسم إنسانٍ مطاردٍ ومحكومٍ عليه بحياةٍ تمزّقها الخطيئة والخزي. ويتجلّى ذلك مباشرةً في سؤال الكلب المحقّق الاستنكاري حين يرى ما يعدّه انتهاكًا للقانون: «أكان العالم قد انقلب رأسًا على عقب؟»
وحين يُعاد إلى الحياة الواقعيّة لا يعود يرى إلا الظلمة. وفي شوقه إلى الحقيقة - إلى «اللُّبّ النبيل»، إلى «قطعة السماء الصغيرة» التي تحدّث عنها دوستويفسكي - يلقي نفسه في استقصاءاتٍ ميتافيزيقيّة محمومة، يغذّيها شغفٌ لا يشبع باللامرئي. وتغدو معاشرةُ الآخرين عليه قاسيةً لا تُطاق، فلا يجد عزاءً إلا في عزلةٍ كاملة. والأهم أنه كفّ عن اختلاق الأعذار لفرادته، وشعر في داخله بقلقٍ أبدي يدفعه إلى نفي الاستقالة في وسطيّةٍ هادئة نفيًا باتًّا. عرف باكرًا أنه يفضّل الألم على الرفاه، والوحدة على الاجتماع، والفوضى على النظام، والشك على الصمت؛ لذلك يقول: «على الأرجح، سأموت في صمتٍ محاطًا بالصمت».
ومثل إنسان تحت الأرض، يعيش الكلبُ المحقّق مضغوطًا برعبٍ لا حدّ له من الطابع الوهميّ للوجود، في حالةٍ لا تُحتمل من اليقظة الواعية، حتى إنه يهتف هتافًا منفلتًا: «أتمنى أن ينشق سقفُ هذه الحياة البائسة، وأن يصعد الجميع إلى المملكة الأثيريّة للحرّيّة»، رغبةً في كسر القيود المحايثة التي تسجنه في سُبات الوجود المؤلم. وهو - مع إدراكه وَهْمَ رغبتِه - لا يضعف، بل يتّقد بقوّةٍ مُخمِّرة تدفعه خارج وسطيّته إلى هذا التحدّي التمرّدي الجسيم. ويقول: «وإن لم نبلغ تلك اللحظة النهائية، وإن ساءت الأمور أكثر من ذي قبل، وإن كانت الحقيقة التامّة أشدّ احتمالًا من نصف الحقيقة، وإن تبيّن أخيرًا أن الحُرّاس على حقّ بوصفهم حُرّاس الوجود، وإن تحوّل ذلك الأمل الصغير الذي نملكه إلى يأسٍ كامل - فمع ذلك يجدر أن نجرّب؛ لأننا لا نريد أن نعيش كما يُفرَض علينا أن نعيش».
إن الدراما التي يعيشها الكلب المحقّق هي وعيُه بأن الحقيقة عصيّة المنال، وهذا يقرّبه من موقفٍ شكيّ في الوجود، لأنّه يتحوّل إلى خصومةٍ مع القوانين، والنظام، والرفاه، و«الوعي العام». وحين يشكّك في سلطة هذه المبادئ التي تُغرقه في العمى والوهم المؤلم، يقوم كلبُ كافكا - القريب من «كلب شيستوف» - بنسف كل شيء، مُلقيًا الكلّ موضعَ سؤال. إنّ دعوته مأساويّة في جوهرها، لأنها تُواجه الخطابَ العقلانيّ الذي يشرعن الوجود. ولذلك حين يتحدّث عن «العلم» - بوصفه الكيان المسؤول عن الطعام وبالتالي عن بقاء الكلاب - لا يراه إلا بطريقتين: «تهيئة الأرض»، أو «إسقاط الطعام بواسطة صيغٍ سحريّة موجّهة إلى السماء من غير أي تهيئة للأرض». وتبدو «خدعة العلم» في هذا الفهم الملتبس: فالكلاب تحسبه سيّدًا مطلقًا، وليس هو في الحقيقة إلا فعلَ الإنسان اليوميّ البسيط حين يطعم كلبَه. ويبلغ التفكيك الكافكوي ذروته هنا: إذ يضخّم الكلب معنى «العلم» حتى الإطلاق، ثم ينكشف أنه ليس سوى حركةٍ يوميّة اعتباطيّة يقرّر فيها الإنسان إطعامه. ومع ذلك لا يجرؤ الكلب على مساءلة قصدِ الفعل الذي يحدّد غذاءه؛ وكأنه لم يجرؤ قطّ أن ينظر فوق خطِّ سقفه، في خضوعٍ أعمى لا يُراجَع. ولهذا - رغبةً في تخطّي «خطّ الطباشير» الذي يُقهر عقلَه وإرادتَه كأنه جدارٌ لا يُعبر - يُضرب عن الطعام: «يرفض الطعام، منتظرًا أن يسقط فيصطدم بأسنانه، من غير صيغٍ سحريّة ولا أناشيد». هنا يختار - على خطى البطل الدوستويفسكي المتمرّد - طريق الفوضى وخرق القاعدة، مستعينًا بالفعل المتجاوز للنظام، بوصفه «مقاومةً للمجرى الطبيعيّ للأشياء»، كي يطالب بحريّته الفرديّة.
إن العزلة المفروضة على الذات، والصوم الإرادي، يخترقان بعنف حدودَ المسموح، وينقلانه إلى حقل المحرّم. لقد انتهك كلّ محظورات الصوم، وقطع كل خيوط الذاكرة مع الماضي، وتشرّد وحيدًا في هذيانٍ محمومٍ بلا نوم، واشتمّ روائح متخيّلة، وسمع ضجيجًا في كل مكان - علاماتِ جنونٍ لا يُسمَع. ولا يكون التوتر الذي يخترقه بلا رحمة أشدَّ ظهورًا من تلك اللحظة التي يحسّ فيها بقرب الحقيقة: «ربما لم تكن الحقيقة بعيدةً إلى هذا الحدّ، ولم أكن مهجورًا كما ظننت». كأنه قَبِل الموت لا ليترك عالم الوهم وحسب، بل ليقترب من العالم الذي وراءه حيث تتلألأ الحقيقة.
والحدس - كما رأينا سابقًا - هو العلامة الأولى على كشف المقدّس. وحين يوشك أن يبلغ الحافة القصوى من الحياة، في تدميرٍ أقصى للذات، غارقًا في بركةٍ من الدم والقيء، مادًّا قوّته حتى التلاشي - تأتيه الرؤيا الثانية: كلبُ صيدٍ مجهول أمامه، بعينين جميلتين قويّتين فاحصتين. وإزاء كشف المقدّس يشعر برعبٍ وخزيٍ شديدين: «انحنيتُ سريعًا برأسٍ مع رعبٍ لا نهاية له وخزيٍ إلى داخل بركة الدم». الرعبُ من اللامتناهي، من المجهول، من الذي لا يُسبر. والخزي من الذات: من الصِغَر، ومن براءةٍ ضاعت بالخطيئة الأولى، ومن عُريٍّ مكشوف علامةَ عصيانٍ أقصى. ويبتعد «الكلب-الإله» عن الكلب المحقّق، بعيدًا لا يُنال: لأن المتعالي غيرُ مفتوح للبشر. وحين يطلب منه أن يرحل، ينبّهه إلى أنه لا يمكنهما أن يحييا معًا؛ فـ«صوت الرّب يطردنا، يكشف لنا النشيد المؤلَّف لنا فقط ليعلّمنا أننا لن نستطيع أن نحيا معًا أبدًا، وأن العلاقة بين الإلهيّ والبشريّ هي علاقةُ مسافةٍ وانفصال».
وهكذا، في هيئة «كلب الصيد العظيم» يتجلّى الرّب في نصّ كافكا - مرّةً أخرى عبر الموسيقى - إذ تنبثق منفصلةً عنه وتتجه حصرًا نحو الكلب. وفي النشوة، محاطًا بتوهّج الموسيقى الإلهيّة فوق الطبيعيّة، ينسى الكلبُ نفسَه وينساق في تدفّقٍ مُشعّ. غير أن موسيقى كلب الصيد العظيم ليست موسيقى الكلاب السبعة البهلوانيّة: فالعنف الديونيسيّ لتلك الموسيقى - المولود من روح المأساة - كان يشقّ قشرة الكلب شقًّا مؤلمًا في صدماتٍ كونيّة، ويمزّقه خارج ذاته في سيْلٍ أصمّ؛ أمّا موسيقى الكلب الصيّاد فلا تأتي من الفوضى ولا من فيضانٍ يرميه إلى الهاوية، بل تغمره بضياءٍ سماويّ يطهّر الجسد والروح. لذلك يقول بعد الكشف إنه تعافى جسديًّا في ساعاتٍ قليلة، وإن ظلّت روحه تعيش الخبرة. ولعلّ كافكا لم يكن أقرب إلى الرّب مما كان في هذا الموضع. وإذا جاز أن نتحدث عن الرّب عند كافكا، فذلك - بلا ريب - في صورة «كلب الصيد». إنها لحظةٌ وحيدة تحررت فيها روحه في سُكرٍ صوفيّ سرعان ما انطفأ وذاب. في ذلك المقام الأعلى وقع كشف المقدّس: كبرقٍ، أشارت موسيقى الأفلاك إلى ما وراء ابتذال الحياة الأرضيّة.
ولكن كيف يطيق الحبسُ مَن انكشف له الإلهيّ؟ لذلك يكرّس كلبُ كافكا نفسه للمجال الموسيقي إلى الأبد - والموسيقى عند كافكا تعني الميتافيزيقا - وسيلةً فريدة للهروب من جاذبيّة الأرض والذوبان في اللانهاية. وخلافًا لفايثون، لم يُعاقَب كلبُ كافكا على جسارته، لأن الطيران الموسيقي الذي لفّه كان مخصّصًا له وحده. ومع ذلك، حتى وإن لم تُعتم عيناه ولم يُمزَّق جسده، فهو يعلم سلفًا أن عقابَه محفوظ: أن يُحبَس في الظلمة، وأن يُذكَّر إلى الأبد بالمسافة الهائلة بينه وبين الحياة الحقّة. إنه عقابُ ملاكٍ ساقط، يبكي إلى الأبد حنينَ الفردوس المفقود. لذلك يشبه كلبُ كافكا كلبَ دوستويفسكي، الذي «لا يعدّ مهمًّا أن يَخلُص الإنسان، بل أن يرى».
ومن قراءة أعمال كافكا ودوستويفسكي يبرز وضوحُ النظر، وطبيعةُ الأرواح اللازمنيّة الإعصاريّة التي كأنها منذ زمنٍ بعيد لم تعد تعترف بحدودها. لا أحد يبدو أنه أدرك مثلهم الظلمةَ اللامتناهية التي كانت الإنسانية حبيسةً فيها؛ ولا أحد مثلهم كان يثمّن الوحدةَ المرغوبة والصمتَ الجنائزيّ الذي ينتزعون به أنفسهم من العالم؛ ولا أحد مثلهم كان يعرّض نفسه للأخطار تعريضًا يستبق به لذّة الهلاك. باختصار، لا أحد مثلهم كان يرى الحياة «بعيني الموت»، مطالبًا بـ«كشفِ وَهْمِ الموت، بما يقتضيه من نفيٍ فوريّ للفاني»؛ لأن لا أحد مثلهم بلغ قاع بؤسه ليركع أمام مذبح العدالة الإلهيّة اللامرئي. وإذا كان فيهم شعورٌ بالإلهي، فهو يولد من قلق الحياة أمام فراغ الوجود. وكل شيء يدلّ على أنهم إن احتملوا الحياة، فإنما احتملوها كي يتخلّصوا منها، لأنهم كانوا يعلمون منذ البدء أن «في هذا العالم كلَّ شيء يبدأ ولا ينتهي».
إن طلبَ كشفِ وَهْم الموت هو طلبُ كشفِ معنى الحياة. والحقيقة أن كافكا ودوستويفسكي لم يكونا يهابَان الموت، بل كانا يُسرعان إلى لقائه بدافعٍ لا يُقاوَم. يقول تشيتاتي: «نحن، ونحن مُحاصرون في السجن الأرضي، نشتهي الموت: كما عند أفلاطون، هو أولُ دليلٍ على أننا بدأنا نفهم. 'تبدو لنا هذه الحياة غير محتملة، وتبدو حياةٌ أخرى غيرَ مُدرَكة'. لم نعد نخجل من الموت». وقد استسلما لعبث الوجود، فلم يعد للموت معنى عندهما إلا بما له من تسكينٍ وربما فداء. ولعلّهما أدركا العبارة الغامضة في إنجيل يوحنا: «الحقَّ الحقَّ أقول لكم: إن لم تقع حبّةُ الحنطة في الأرض وتمُت فهي تبقى وحدها؛ ولكن إن ماتت تأتي بثمرٍ كثير».
وبناءً على ما تقدّم، لا شكّ أنّ الكلام عن الموت هو - في الجوهر - كلامٌ عن الرّب. وفي أمرٍ واحد يبدو الكاتبان على اتفاق: إن الكلام عن الرّب هو دائمًا كلامٌ عن «المستحيل». ولذلك ما زلنا نسمع بطلي تحت الأرض يصرخان معًا، صرخةً أجشّ محمومة: «الرّب يطلب المستحيل. الرّب لا يطلب إلا المستحيل». ومن ثمّ، كلّما ظننّا أننا لمحنا ومضةَ نورٍ خاطفة، أو «قطعةَ سماء»، أو سمعنا - ربما - صوتًا لحنِيًّا صافِيًا في نصوصهم، فلا شيء يضمن لنا أن ذلك اللمح لم يكن مجرّد وهم.